مصر، وقبل هذا قد ذكرها الشيخ نفسه أثناء رده على ما زعمه البكري(1): من أن منع الاستغاثة بغير الله من الأنبياء والملائكة والصالحين يعتبر انتقاصاً لهم وتقليلاً من شأنهم وحطاً من قدرهم ومكانتهم، فبين شيخ الإسلام رحمه الله أن الأمر على نقيض هذا، فإن ترك الشرك بالله وعدم الغلو في الصالحين هو من تعظيمهم وتبجيلهم وطاعتهم فيما جاءوا به وأمروا به، وبين أن المستغيثين بهم والغالين فيهم هم المنتقصون لهم في الحقيقة، وأن دعاءهم لهم واستغاثتهم بهم ليس نابعاً في الحقيقة من تعظيمهم ومعرفة قدرهم، ويدل على ذلك أنهم لو ظفروا بمقصودهم، وما يرجونه ويطلبونه من أمور دنياهم عند غيرهم لفعلوه عندهم، حتى لو كان هذا المرجو ممن لا يعرف باستقامة وصلاح بل قد يكون من أهل الكفر والفسوق، كما ثبت عنهم استغاثتهم بأمثال هؤلاء إن وجدوا منفعة في ذلك، بل إنهم قد يذهبون عند قبور الكافرين والمنافقين إذا حصل لهم المقصود بذلك، ووجدوا ما أرادوا هنالك، وضرب شيخ الإسلام على أفعالهم هذه عدة أمثلة ووقائع منها هذه الواقعة التي جرت له مع جماعة منهم كانوا يذهبون إلى قبور الكفرة من العبيدين(2) ونحوهم طلباً للسلامة والشفاء(3).
نص المناظرة:
قال إبراهيم الغياني رحمه الله: «سمعت الشيخ يحكي غير مرة في مجالسه يقول: زرت يوما المارستان المنصوري(4)، فجاء إلي أناس فقالوا لي: تصدق وزر--------------------------------------------
(1) الرد على البكري (2/ 588 - 589 - 590).
(2) وهم قوم باطنية زنادقة، وسيأتي بيان حالهم واعتقادهم في مطلب مستقل.
(3) وقد أوردت هذه المناظرة كما ذكرها تلميذه أحمد بن إبراهيم الغياني رحمه الله وأضفت لها بعض الزيادات المهمة التي لم توجد فيها مما ذكره شيخ الإسلام في (الرد على البكري) وميزتها بمعكوفتين.
(4) المارستان: كلمة فارسية معربة تعني: دار المرضى، وأصلها: (بيمارسان) بالفارسية مركبة من (بيمار) أي مريض، (وستان) أي: موضع، فالمراد موضع المرضى. وأول من بناه بالشام السلطان، نور الدين الشهيد، وبمصر الملك الناصر محمد بن قلاوون، تغمدهما الله تعالى بالرحمة والرضوان. انظر الصحاح للجوهري (3/ 978)، وتاج العروس (36/ 168)، والكليات (ص: 874) والقاموس المحيط (ص: 574). والمارستان المنصوري: بناء عظيم بناه الناصر محمد بن قلاوون لعلاج المرضى، وأضاف له أمورا كثيرة عجيبة، من أهمها مدارس لحفظ القرآن الكريم وتدريس الفقة والحديث وغيرها، وقد وصف هذا البناء العظيم تقي الدين المقريزي في كتابه: (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) وصف دقيقاً مفصلاً انظر: المواعظ والاعتبار (4/ 268).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 377)
المارستان العتيق فرحت معهم أزوره.
فقالوا لي: ألا تزور قبور الخلفاء -يعنون بني عبيد-؟
فرحت معهم إلى قبورهم، فوجدت قبورهم إلى القطب الشمالي.
فتكلم عليهم وعلى مذاهبهم.
[وكان بالبلد جماعة كثيرون يظنون بالعبيديين أنهم أولياء الله تعالى صالحون]
[فلما ذكرت لهم أن هؤلاء كانوا منافقين زنادقة، وخيار من فيهم الرافضة جعلوا يتعجبون ويقولون]: نحن نعتقد أن هؤلاء قوم صالحون، لأنّا إذا مغلت(1) عندنا الخيل نجيء بها إلى قبور هؤلاء فتبرأ، فلولا أنهم صالحون ما برأت الدواب من المغل عند قبورهم.
[فقلت لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم] وهو حجة أيضا على صحة ما أقوله فيهم.
[وطلبت من طائفة من سياس الخيل(2)، فقلت: أنتم بالشام ومصر إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون بهم؟
فقالوا: في الشام يذهب بها إلى قبور اليهود والنصارى، وإذا كنا في أرض--------------------------------------------
(1) المغل: وجع أو داء في البطن، ومغلت الدابة إذا أكلت التراب مع البقل فأخذها وجع في بطنها. انظر: القاموس المحيط (ص: 1058)، المعجم الوسيط (2/ 886).
(2) سياس الخيل: هم مؤدبوها ومروضوها والقائمون عليها. قال الفراهيدي في العين (7/ 336): «يسوس الدّوابَّ سياسهً، يقوم عليها ويروضها». وقال الأزهري في تهذيب اللغة (13/ 91) «يقال: هو يسوس الدواب: إذا قام عليها وراضها».
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 378)
الشمال يذهب بها إلى القبور التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنقية(1) ونحوهما، وأما في مصر فيذهب بها إلى دير هناك للنصارى، ونذهب بها إلى قبور هؤلاء الأشراف، وهم يظنون أن العبيديين شرفاء لما أظهروا أنهم من أهل البيت. فقلت: هل يذهبون بها إلى قبور صالحي المسلمين، مثل قبر الليث بن سعد، والشافعي، وابن القاسم(2) وغير هؤلاء؟
فقالوا: لا.
فقلت لأولئك: اسمعوا؛ إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار والمنافقين؛
وبينت لهم سبب ذلك قلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم، والبهائم تسمع أصواتهم كما ثبت في الحديث الصحيح؛] وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوماً راكباً على بغلته فحادت حتى كادت تلقيه عن ظهرها، فقالوا: ما شأنها يا رسول الله؟ فقال: (إنها سمعت أصوات يهود تعذب في قبورها)(3).--------------------------------------------
(1) العليقة والمنيقة: من حصون الباطنية الإسماعيلية في شمال البلاد الشامية من أعمال طرابلس، انتزعها منهم بيبرس المملوكي سنة 668 هـ، والعليقة سنة (669 هـ). انظر: صبح الأعشى في صناعة الإنشاء (4/ 179 - 181)، وغلاة الشيعة الباطنية في الشام (ص: 33).
(2) هو أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقيّ المصري، صاحب الإمام مالك، فقيه، جمع بين الزهد والعلم، كان ذا مال ودنيا، فأنفقها في العلم، صحب مالكاً عشرين سنة، وهو صاحب " المدونة " في مذهبهم، وهي من أجل كتبهم (ت: 191 هـ). انظر: وفيات الأعيان (3/ 129) تاريخ الإسلام (4/ 1149).
(3) هذا النص الذي ساقه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مجموع من حديثين مختلفين وليسا حديثاً واحداً: أما الحديث الأول فرواه مسلم برقم: (2867) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في حائط لبني النجار، على بغلة له ونحن معه، إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة -قال: كذا كان يقول الجريري- فقال: (من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟) فقال رجل: أنا، قال: (فمتى مات هؤلاء؟) قال: ماتوا في الإشراك، فقال: (إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه) ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: (تعوذوا بالله من عذاب النار» قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار)، فقال: (تعوذوا بالله من عذاب القبر) قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: (تعوذوا بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن) قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: (تعوذوا بالله من فتنة الدجال) قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال، وأما النص الآخر فرواه البخاري (1375)، ومسلم (2869) من حديث أبي أيوب رضي الله عنهم، قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد وجبت الشمس، فسمع صوتا فقال: (يهود تعذب في قبورها).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 379)
فإذا جيء بها إلى قبور اليهود والنصارى في الشام، وإلى قبور المنافقين كالقرامطة والإسماعيلية والنصيرية، فإن الدواب إذا سمعت أصوات المعذبين في قبورهم تفزع، فيحصل لها حرارة تذهب بالمغل الذي حصل لها؛ فإن المغل من برد يحصل للدواب، [فإذا سمعت ذلك فزعت؛ فبسبب الرعب الذي يحصل لها؛ تنحل بطونها فتروث؛ فإن الفزع يقتضي الإسهال] وقال الشيخ: إنهم ليعذبون في قبورهم عذابا تسمعه البهائم، فما يروح أصحاب الدواب بها إلى قبر الشافعي ولا إلى قبر أشهب(1) فإن عند قبورهم تنزل الرحمة(2) [فيعجبون من ذلك!
وهذا المعنى كثيراً ما كنت أذكره للناس، ولم أعلم أحداً قاله، ثم وجدته قد ذكره بعض العلماء](3).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
من المعلوم المستقر عند علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين أن--------------------------------------------
(1) هو أبو عمر أشهب بن عبد العزيز بن داود القيسي العامري الجعدي، كان فقيه الديار المصرية في القرن الثاني للهجرة، وكان صاحب الإمام مالك رحمه الله، قال الإمام الشافعي: «ما أخرجت مصر أفقه من أشهب لولا طيش فيه» (ت: 204 هـ). انظر: تهذيب الكمال (3/ 296)، السير (9/ 500).
(2) هذا أمر غيبي لا يجوز إثباته إلا بدليل، ويبعد أن يكون من كلام الشيخ، وإنما هو من تصرف تلميذه الغياني كما يظهر، والله أعلم.
(3) انظر: نبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام (ص: 22)، الرد على البكري (2/ 588).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 380)
الخلفاء العبيديين كانوا زنادقة ملحدين، خارجين عن الشرائع والدين، وأنهم قد جمعوا من أصناف الكفر والضلال والزندقة، ما لم يجتمع لدى اليهود والنصارى وغيرهم من الفرق المارقة، ومع وضوح أمرهم، واتضاح حالهم، فإن هؤلاء القوم الذين ناظرهم شيخ الإسلام كانوا على نقيض هذا المقال، حيث كانوا يعتقدون أن العبيديين من أولياء الله، وأنهم من أهل الصلاح والولاية، والفضل والديانة، حتى إنهم تعجبوا من شيخ الإسلام عندما بين لهم حقيقة هؤلاء القوم، وما هم عليه من كفر ونفاق وزندقة.
وكان أصل شبهة هؤلاء القوم التي دخل عليهم منها هذا الاعتقاد الفاسد، والظن الخائب -غير الصائب-؛ هو أنهم وجدوا أن الخيل إذا أصابها المغل في بطونها، وذهبوا بها إلى قبور هؤلاء العبيديين، شفيت مما كان فيها من مرض وبلاء، وتعافت وزال عنها ما كان فيها من أذى، فظنوا أن حدوث هذا الأمر عند قبور هؤلاء؛ دليل على صلاحهم وولايتهم، وفضلهم وديانتهم، وأنه كرامة لهم، وجعلوا ما حدث دليلاً على هذا وحجة عليه(1).
فقلب عليهم شيخ الإسلام الحجة، وأزال الشبهة، وبين المحجة، كما سيتضح في الجواب على هذه الشبهة.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطى حقه، وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل عليه؛ تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه»(2)، وقال ابن القيم رحمه الله: «وقال لي -شيخ الإسلام-: أنا ألتزم أنه لا يحتج مبطل بآية أو حديث صحيح على باطله إلا وفي ذلك الدليل ما يدل على نقيض قوله»(3)، وهذا كان من عجائب صنيع--------------------------------------------
(1) انظر: الرد على البكري (2/ 587 - 590) والفتاوى الكبرى (3/ 499 - 500).
(2) مجموع الفتاوى (6/ 288).
(3) حادي الأرواح (ص:293).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 381)
شيخ الإِسلام رحمه الله فإنه كان لا يترك للمخاصم حجة إلا فندها، بل بلغت فيه القوة في الحجة، أن يقلب دليل الخصم دليلا عليه، كما كان صنيعه في هذه المناظرة، فقد بين لهم شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا الدليل الذي استدللتم به على ولاية القوم وصلاحهم، هو في الحقيقة دليل على كفرهم وزندقتهم، وعذاب الله لهم في قبورهم.
وذلك أنه قد ثبت بالسنة الصحيحة أن الكفار يعذبون ويعاقبون في قبورهم، وأن البهائم تسمع أصواتهم وهم يعذبون، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قالت: دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة، فقالتا لي: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فكذبتهما، ولم أُنْعِمْ(1) أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل علي النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله، إن عجوزين، وذكرت له، فقال: (صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم كلها)(2)، وعن أم مبشر رضي الله عنها(3) قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا في حائط من حوائط بني النجار، فيه قبور منهم، قد ماتوا في الجاهلية، فسمعهم وهم يعذبون، فخرج وهو يقول: (استعيذوا بالله من عذاب القبر)، قالت: قلت: يا رسول الله، وإنهم ليعذبون في قبورهم؟ قال: (نعم، عذاباً تسمعه البهائم)(4).
فإذا ثبت هذا، فإن البهائم إذا سمعت أصوات المعذبين فزعت، وبسبب الرعب الذي يحصل لها تحدث لها حرارة؛ تذهب بالمغل الذي يحصل لها بسبب البرد، وتنحل بطونها فتروث فيذهب المغل الذي حصل لها، فإن الفزع يقتضي--------------------------------------------
(1) ولم أنعم: أي لم تطب نفسي بذلك لظهور كذب اليهود وافترائهم. حاشية السندي على سنن النسائي (4/ 105)
(2) رواه البخاري كتاب: الدعوات. باب: التعوذ من عذاب القبر. (6366)، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة (586).
(3) هي أم أنس بنت البراء بن معرور وقيل: أم مبشر، أو بشر، قيل: اسمها خليدة ولم يصح، وقيل السّلاف. انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4/ 1926) الإصابة في تمييز الصحابة (8/ 364).
(4) رواه أحمد (27044). وابن حبان (3125)، وصححه الألباني في الصحيحة (1445).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 382)
الإسهال، فتشفى بطونها بسبب ذلك.
ويدل على هذا وأن ما يحصل لها إنما هو بسبب سماع أصوات المعذبين أن أصحاب هذه الخيول لا يذهبون بها إلى قبور الأنبياء والصالحين؛ ولا إلى قبور عموم المسلمين، ولا يذهبون بها إلى قبر الشافعي وأشهب وغيرها من قبور الصالحين بالديار المصرية، وإنما يذهبون بها إلى قبور هؤلاء المعذبين في قبورهم(1).
وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله أن هذه عادة معروفة لهؤلاء القوم وأمثالهم "إذا أصاب الخيل مغل ذهبوا بها إلى قبور النصارى بدمشق، وإن كانوا بمساكن الإسماعيلية والنصيرية ونحوهما، ذهبوا بها إلى قبورهم، وإن كانوا بمصر ذهبوا بها إلى قبور اليهود والنصارى، أو لهؤلاء العبيديين"(2) ونحوهم. ومما يؤكد كفر هؤلاء القوم، وأن ما يحدث للخيل هو بسبب سماع صوت عذابهم في القبور، أن قبورهم ليست إلى قبلة المسلمين وإنما هي موجهة إلى غير القبلة، بخلاف قبور سائر المسلمين والمؤمنين(3).
المسألة الثانية: بيان حال العبيديين الفاطميين وكفرهم وزندقتهم:
لقد أحسن هؤلاء القوم الظن بالعبيدين بناء على الشبهة المذكورة التي سبق بيانها، وبناء على ما أشاعه العبيديون حول أنفسهم من انتسابهم إلى بيت النبوة، فلهذا اعتقد فيهم جماعة كبيرة من الناس أنهم كان من الأولياء الصالحين ومن السادة المنتجبين، بل لقد غلا البعض في الاعتقاد بهم حتى جعلوهم أئمة معصومين(4)، وهذا القول شر بكثير من قول الرافضة بعصمة أئمتهم "فإن الرافضة ادعت ذلك فيمن لا شك في إيمانه وتقواه بل فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة:--------------------------------------------
(1) انظر: الفتاوى الكبرى (3/ 499 - 500).
(2) المصدر السابق (3/ 499 - 500).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (4/ 286)، (35/ 139)، الفتاوى الكبرى (3/ 499)، ونبذة عن آخر حياة شيخ الإسلام (ص: 22)، الرد على البكري (2/ 588).
(4) جامع المسائل (4/ 32).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 383)
كعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم ومع هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال"(1)، وأن من ادعى عصمة هؤلاء السادة المشهود لهم بالإيمان والتقوى والجنة فهو في غاية الضلال والجهالة، فكيف بمن ادعى العصمة لقوم مشهورين بالكفر والالحاد والزندقة؟!(2)، بل قد بلغ الحال بطائفة من اتباعهم إلى ادعاء الألوهية فيهم -والعياذ بالله-(3).
وقد بين شيخ الإسلام في هذه المناظرة لمن حاوره منهم أن العبيديين ما كانوا إلا زنادقة منافقين، خارجين عن الشرعة والدين، والناظر في مصنفات شيخ الإسلام رحمه الله يجد أنه أبان الكثير من حالهم ومعتقداتهم وضلالهم وانحرافاتهم، ويمكن إجمال أهم ما ذكره شيخ الإسلام عن الفاطمية العبيدين مما يتعلق بانحرافهم في العقيدة بالأمور التالية:
-تظاهرهم بالرفض وإبطانهم الكفر والزندقة والالحاد: "فهم يظهرون التشيع لمن يدعونه، وإذا استجاب لهم نقلوه إلى الرفض والقدح في الصحابة، فإن رأوه قابلا نقلوه إلى الطعن في علي وغيره ثم نقلوه إلى القدح في نبينا وسائر الأنبياء وقالوا: إن الأنبياء لهم بواطن وأسرار تخالف ما عليه أمتهم"(4)، فيصبح بعد ذلك ملحداً زنديقاً، ولقد كان شيخ الإسلام كثيراً ما ينقل -عند ذكرهم -كلمة أبي حامد الغزالي: «ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض»(5).
-اعتقادهم الباطني: فقد ادعوا أن للشريعة باطنا وظاهراً وأنهم أصحاب العلم الباطن، وهذا العلم كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى؛ بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضاً؛ فإن مضمونه الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (35/ 120).
(2) انظر: المصدر السابق (35/ 126).
(3) انظر الرد على الشاذلي (ص:177).
(4) مجموع الفتاوى (35/ 136)، وانظر: مسألة في الكنائس (104، 106).
(5) هذه العبارة ذكرها الغزالي رحمه الله في كتابه فضائح الباطنية (ص: 37).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 384)
واليوم الآخر؛ وأن للكتب الإلهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين(1)، بل هو كما قال شيخ الإسلام: «جامع لكل كفر»(2)، وبهذه الطريقة هدموا كل أصول الشرعية وتعاليمها، وقالوا إن لنصوص الشريعة بواطن تخالف الظاهر الذي يعلمه المسلمون منها "في الأوامر والنواهي والأخبار:
أما الأوامر: فإن الناس يعلمون بالاضطرار من دين الإسلام أن محمدا صلى الله عليه وسلم أمرهم بالصلوات المكتوبة والزكاة المفروضة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق.
وأما النواهي: فإن الله تعالى حرم عليهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن يقولوا على الله ما لا يعلمون كما حرم الخمر ونكاح ذوات المحارم والربا والميسر وغير ذلك. فزعم هؤلاء أنه ليس المراد بهذا ما يعرفه المسلمون ولكن لهذا باطن يعلمه هؤلاء الأئمة الإسماعيلية الذين انتسبوا إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الذين يقولون إنهم معصومون وإنهم أصحاب العلم الباطن"(3)، وضرب شيخ الإسلام بعض النماذج على هذا منها:
- تحريفهم للمراد بأعظم شعائر الدين العملية من صلاة وزكاة وصيام وحج، فقالوا أما الصلاة فالمراد بها: معرفة أسرارنا "والصيام: كتمان أسرارنا. ليس هو الإمساك عن الأكل والشرب والنكاح. والحج: زيارة شيوخنا المقدسين"(4).
وأما النواهي والمحرمات الشرعية فهم لا يحرمونها "بل يستحلون الفواحش ما ظهر منها وما بطن ونكاح الأمهات والبنات وغير ذلك من المنكرات"(5).--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (35/ 132، 135) وانظر: درء التعارض (10/ 61).
(2) مجموع الفتاوى (35/ 135).
(3) المصدر السابق (35/ 135).
(4) مجموع الفتاوى (35/ 133).
(5) المصدر السابق (35/ 133).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 385)
"وأما الأخبار: فإنهم لا يقرون بقيام الناس من قبورهم لرب العالمين؛ ولا بما وعد الله به عباده من الثواب والعقاب؛ بل ولا بما أخبرت به الرسل من الملائكة؛ بل ولا بما ذكرته من أسماء الله وصفاته"(1).
فهذه هي عقيدتهم الباطنية الخبيثة التي هدموا بها الدين أصوله وفروعه -والعياذ بالله رب العالمين-.
-اعتقادهم سقوط الشرائع عنهم: قال شيخ الإسلام: "ويقولون إن الله أحل كل ما نشتهيه من الفواحش والمنكرات وأخذ أموال الناس بكل طريق؛ ولم يجب علينا شيء مما يجب على العامة: من صلاة وزكاة وصيام وغير ذلك؛ إذ البالغ عندهم قد عرف أنه لا جنة ولا نار؛ ولا ثواب ولا عقاب"(2).
-الاستهزاء بالله عز وجل وشرعه: قال شيخ الإسلام: «ويستهينون بذكر الله واسمه حتى يكتب أحدهم اسم الله واسم رسوله في أسفله؛ وأمثال ذلك من كفرهم كثير»(3).
-عبادتهم للكواكب، وتعظيمهم للمشاهد والقبور فقد "بنوا أرصاداً على الجبال وغير الجبال يرصدون فيها الكواكب يعبدونها ويسبحونها ويستنزلون روحانياتها التي هي شياطين تتنزل على المشركين الكفار كشياطين الأصنام ونحو ذلك"(4) "وهم من أشد الناس تعظيما للمشاهد ودعوة الكواكب ونحو ذلك من دين المشركين وأبعد الناس عن تعظيم المساجد التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وآثارهم في القاهرة تدل على ذلك"(5).
-اعتقادهم أن إمامهم محمد بن إسماعيل جاء بشرع ناسخ لشرع--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (35/ 133).
(2) المصدر السابق (35/ 137).
(3) المصدر السابق (35/ 133).
(4) مجموع الفتاوى (35/ 138 - 139).
(5) الرد على البكري (2/ 583).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 386)
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم(1).
-تكذيبهم وجحدهم باليوم الآخر والبعث والنشور والحشر(2).
-اتهام الرسل بالكذب والقول بأنهم "فيما أخبروا به وأمروا به لم يأتوا بحقائق الأمور؛ ولكن أتوا بأمر فيه صلاح العامة وإن كان هو كذبا في الحقيقة"(3).
-جحدهم بأسماء الله وصفاته وتعطيلهم لها وقولهم في ذلك "أخبث من قول الجهمية وشر منه"(4).
-مجاهرتهم بسب الصحابة ولعنهم حيث "كانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وإردب(5). وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة؛ بل يتكلم فيها بالكفر الصريح"(6).
-منعهم التحديث بأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلهم العلماء والمحدثين على ذلك، قال شيخ الإسلام: «وكان في أثناء دولتهم يخاف الساكن بمصر أن يروي حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيُقتلْ، كما حكى ذلك إبراهيم بن سعد الحبال(7)--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (4/ 162).
(2) انظر: درء تعارض العقل والنقل (10/ 61).
(3) مجموع الفتاوى (35/ 142).
(4) انظر: درء تعارض العقل والنقل (10/ 61).
(5) الإردب: مكيال ضخم قيل كان لأهل مصر. انظر: العين (8/ 104) والصحاح (1/ 135). وهو مكيال لتقدير الحبوب يسع أربعة وعشرين صاعًا، ويزن مِائة وخمسين كيلو جرامًا. انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة (1/ 83).
(6) مجموع الفتاوى (35/ 138 - 139)، وانظر: مسألة في الكنائس (ص:116).
(7) هكذا في المطبوع إبراهيم بن سعد، والصواب بن سعيد، وهو إبراهيم بن سعيد بن عبد الله، الحافظ أبو إسحاق النعماني، مولاهم المصري، المعروف بالحبال، كان متقنا، ثقة، حافظا متحريًا، صادقاً، وكانت الدولة الباطنية قد منعوه من التحديث، وأخافوه، وهددوه، فامتنع من الرواية، ولم ينتشر له كبير شيء. (ت:482 هـ) انظر: تاريخ الإسلام (10/ 503) الوافي بالوفيات (5/ 233).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 387)
صاحب عبد الغني بن سعيد(1) وامتنع من رواية الحديث خوفاً أن يقتلوه»(2).
-نبذهم لعلوم الشريعة وتدريسها، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكانوا لا يدرسون في مدرستهم علوم المسلمين؛ بل المنطق والطبيعة [والهيئة](3) ونحو ذلك من مقالات الفلاسفة»(4).
-معاداتهم للإسلام وأهل الإسلام، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ومن علم حوادث الإسلام وما جرى فيه بين أوليائه وأعدائه الكفار والمنافقين: علم أن عداوة هؤلاء المعتدين للإسلام الذي بعث الله به رسوله أعظم من عداوة التتار وأن علم الباطن الذي كانوا يدعون حقيقته هو إبطال الرسالة التي بعث الله بها محمداً؛ بل إبطال جميع المرسلين؛ وأنهم لا يقرون، بما جاء به الرسول عن الله ولا من خبره ولا من أمره؛ وأن لهم قصداً مؤكداً في إبطال دعوته وإفساد ملته وقتل خاصته وأتباع عترته. وأنهم في معاداة الإسلام؛ بل وسائر الملل أعظم من اليهود والنصارى»(5).
-تقريبهم لليهود والنصارى وبناء معابدهم، قال شيخ الإسلام: «وقد عرف العارفون بالإسلام أن الرافضة تميل مع أعداء الدين. ولما كانوا ملوك القاهرة،--------------------------------------------
(1) هو أبو محمد عبد الغني بن سعيد بن علي بن سعيد بن بشر بن مروان الأزدي. إمام حافظ نسابة، محدث الديار المصرية، نشأ على الاتباع والسنة ومات على ذلك، ذكروا من مصنفاته: "الأوهام التي في المدخل" و "المؤتلف والمختلف" (ت:409 هـ) انظر: تاريخ دمشق (36/ 395) سير أعلام النبلاء (17/ 268).
(2) مجموع الفتاوى (35/ 138 - 139). قال الذهبي معلقاً على هذا: «قلت: قبح الله دولة أماتت السنة ورواية الأثارة النبوية، وأحيت الرفض والضلال، وبثت دعاتها في النواحي تغوي الناس، ويدعونهم إلى نحلة الإسماعيلية، فبهم ضلت جبلية الشام، وتعثروا، فنحمد الله على السلامة في الدين» السير (18/ 497).
(3) في المطبوع (الإلهي) ولعل المثبت هو الصواب، انظر: مجموع الفتاوى (4/ 210).
(4) المصدر السابق (35/ 138 - 139).
(5) المصدر السابق (35/ 140 - 141).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 388)
كان وزيرهم مرة يهودياً، ومرة نصرانياً أرمنياً(1)، وقويت النصارى بسبب ذلك النصراني الأرمني، وبنوا كنائس كثيرةً بأرض مصر(2)، في دولة أولئك الرافضة والمنافقين … وفي أيامهم أخذت النصارى ساحل الشام من المسلمين»(3).
-بين شيخ الإسلام أن مذهبهم لا يستند على عقل ولا نقل ولا أثر ولا قياس: «ومعلوم عند كل من عرف دين الإسلام أن المصريين -بني عبيد الباطنية- … من أعظم الناس نفاقاً وإلحاداً في الإسلام، وأبعد الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم نسباً وديناً، بل وأبعد الناس عن صريح المعقول وصحيح المنقول، فليس لهم سمع ولا عقل»(4).
-ودينهم مركب من مذهب الفلاسفة والمجوس والرافضة، قال شيخ الإسلام: «وهم ملاحدة في الباطن أخذوا من مذاهب الفلاسفة والمجوس ما خلطوا به أقوال الرافضة فصار خيار ما يظهرونه من الإسلام دين الرافضة، وأما في الباطن فملاحدة شر من اليهود والنصارى»(5).
-كذبهم في انتسابهم لبيت النبوة ودعواهم أنهم من الأشراف، وقد بين شيخ--------------------------------------------
(1) وممن ولي النيابة والوزارة في عهدهم عيسى بن نسطورس النصراني، ومنشأ إبراهيم بن القزاز اليهودي، فاعتز بهما النصارى واليهود وآذوا المسلمين، ومنهم أيضاً أبا سعيد ابراهيم اليهودي التستري، ومما قيل فيما حدث في عصر الفاطمية من رفعةٍ لليهود:
يهود هذا الزّمان قد بلغوا ...... … غاية آمالهم وقد ملكوا
العزّ فيهم والمال عندهم ...... … ومنهم المستشار والملكُ
يا+أهل مصر إنّي قد نصحت لكم ...... … تهوّدوا قد تهوّد الفلكُ
انظر: اتعاظ الحنفاء بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفاء (1/ 297، 197)
(2) ومن ذلك أنه قدم مصر نحو الثلاثين ألف إنسان من النصارى الأرمن، وأكثروا من بناء الكنائس والديارات، حتى صار كل رئيس منهم يبني له كنيسةً بجوار داره. انظر: اتعاظ الحنفاء (3/ 159).
(3) مسألة في الكنائس (ص:115 - 116).
(4) درء تعارض العقل والنقل (10/ 60)، وانظر: (35/ 129).
(5) الرد على البكري (2/ 582)، وانظر: (35/ 131).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 389)
الإسلام رحمه الله كذبهم فيما ادعوه من انتساب لبيت النبوة، وقد زعموا أنهم "من ولد محمد بن إسماعيل بن جعفر(1)؛ ولم يكونوا من أولاده؛ بل كان جدهم يهودياً ربيبياً لمجوسي"(2). وتسموا بالفاطميين نسبة إلى فاطمة رضي الله عنها "مع اتفاق أهل العلم بالأنساب أنهم بريئون من نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نسبهم متصل بالمجوس واليهود"(3) و"هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف: من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث وأهل الكلام وعلماء النسب والعامة وغيرهم"(4)، وذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم، و"ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق ومعاداة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم دليل على بطلان نسبهم الفاطمي؛ فإن من يكون من أقارب النبي صلى الله عليه وسلم القائمين بالخلافة في أمته لا تكون معاداته لدينه كمعاداة هؤلاء؛ فلم يعرف في بني هاشم ولا ولد أبي طالب ولا بني أمية: من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام؛ فضلا عن أن يكون معادياً كمعاداة هؤلاء؛ بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم فيكون فيهم نوع حمية لدين آبائهم وأسلافهم فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف يعادي دينه هذه المعاداة؟! "(5).
-سوء سيرتهم في الملك، فقد كانت سيرتهم في الملك من أقبح السير، "وأكثرها ظلماً وانتهاكاً للمحرمات، وأبعدها عن إقامة الأمور والواجبات،--------------------------------------------
(1) محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق الحسيني الطالبي الهاشمي: إمام عند القرامطة. ترى الطائفة الإسماعيلية أنه قام بالإمامة بعد وفاة أبيه سنة 138 هـ وأنه كان يكنى عنه بالمكتوم حذرا عليه من بطش العباسيين. وهو عندهم أول الأئمة (المكتومين) ويليه ابنه جعفر (المصدّق) ثم محمد (الحبيب) الذي يدعي االعبيديون -كذباً وزوراً- أنه والد إمامهم عبيد الله بن ميمون القداح (ت:198). انظر: اتعاظ الحنفاء (1/ 15 - 16) والأعلام (6/ 34).
(2) مجموع الفتاوى (4/ 162).
(3) المصدر السابق (28/ 483) وانظر: منهاج السنة (6/ 342).
(4) مجموع الفتاوى (35/ 128).
(5) المصدر السابق (35/ 131).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 390)
وأعظم إظهاراً للبدع المخالفة للكتاب والسنة وإعانة لأهل النفاق والبدعة" وظهرت فيهم "الفواحش والمنكرات والظلم والبغي والعدوان والعداوة لأهل البر والتقوى من الأمة، والاطمئنان لأهل الكفر والنفاق"(1).
وبهذا كله يتضح مدى ما وصل إليه حال هؤلاء القوم من كفر وإلحاد وزندقة، وقد حكى شيخ الإسلام إجماع العلماء واتفاقهم على كفر هؤلاء القوم وإلحادهم وزندقتهم(2)، ولظهور هذا الأمر ووضوحه لم يكن بيانه مقتصراً على أئمة السنة فحسب، بل "حتى الشيعة والمعتزلة ونحوهم فإنهم متفقون على تكفيرهم، كما اتفق على تكفيرهم أئمة السنة»(3)، وقد صنف العلماء من مختلف المذاهب مصنفات عديدة في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وبيان انحرافهم وقبح معتقداتهم(4).
"ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة بقيت البلاد المصرية مدة دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان حتى قالت فيها العلماء: إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب"(5).
فهذه هي حقيقة حال هؤلاء العبيدين، وما ذكر إنما هو بعض من مظاهر كفرهم بالله، وعدائهم لشرعه ومحاربتهم لأهل الإيمان والقبلة، وفسقهم وفجورهم، وسوأتهم أكبر من هذا وأكثر، ولكن المراد بيان فساد اعتقاد هؤلاء القوم فيهم، فمن كانت هذه حاله، فكيف يكون مؤمناً؟! فضلاً عن أن يكون ولياً أو صالحاً تقياً(6)؟!--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (35/ 127).
(2) انظر: منهاج السنة النبوية (6/ 342) ومسألة في الكنائس (ص: 108).
(3) درء تعارض العقل والنقل (5/ 8 - 9) وانظر: منهاج السنة النبوية (6/ 343)
(4) انظر: مجموع الفتاوى (35/ 129)، درء تعارض العقل والنقل (5/ 8 - 9)، منهاج السنة النبوية (6/ 343).
(5) الفتاوى الكبرى (3/ 499).
(6) انظر لمعرفة المزيد من حالهم: اتعاظ الحنفاء للمقريزي، والدولة الفاطمية للصلابي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 391)
المبحث الثامن: مناظرته مع بعض شيوخ المشرق في جواز دعاء القبور والحديث الموضوع في هذا
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة.
تمهيد:
قل أن تجد طائفة من طوائف أهل الضلال إلا وهي تستند في تقوية باطلها إلى أحاديث ضعيفة، وروايات مكذوبة، وحكايات باطلة.
وتعد طائفة القبورية من أشد الطوائف تعويلاً على هذا واستناداً إليه، وذلك من أجل تبرير عقائدهم الشركية ومعتقداتهم الوثنية، من تشييد القبور والبناء عليها وعبادتها واللجوء إليها، وقد وقعت لهم مع شيخ الإسلام وقائع عدة، أبطل فيها ما احتجوا به من شبهات نقلية كانت أو عقلية، وكانت هذه المناظرة التي وقعت له مع شيخ من شيوخ المشرق نموذجاً لما يحتج به هؤلاء القوم من روايات مكذوبة جعلوها حجة نقلية يستندون عليها لتجويز الشرك بالله ودعاء الأضرحة والقبور.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام أثناء حديثه عن دعاء الأموات: «وقد قدم بعض الشيوخ المشرق، وتكلم معي في هذا [أي في دعاء الأموات].
فبينت له فساد هذا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 392)
فقال: أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور).
فقلت: هذا مكذوب باتفاق أهل العلم، لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من علماء الحديث»(1).
وقال رحمه الله في موضع آخر: «وإن كان بعض الناس من المشايخ المتبوعين يحتج بما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور أو فاستعينوا بأهل القبور)»(2).
وقال في موضع آخر: «وإن كان بعض المشايخ المبتدعين يحتج بما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأهل القبور) أو قال: (فاستغيثوا بأهل القبور) فهذا الحديث كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجماع العارفين بحديثه؛ لم يروه أحد من العلماء ولا يوجد في شيء من كتب الحديث المعتمدة(3)»(4).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
لما كانت عقيدة القبورية في دعاء الأموات، والاستغاثة بالقبور ومن تحت--------------------------------------------
(1) الرد على البكري (2/ 578).
(2) مجموع الفتاوى (1/ 356).
(3) هذا الحديث كذب موضوع ولا يوجد في شيء من كتب الحديث كما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، وقد ذكره العجلوني في "كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" (1/ 85) بلفظ: (إذا تحيرتم في الأمور، فاستعينوا بأصحاب القبور) وعزاه لكتاب الأربعين لابن كمال باشا المتوفي (940 هـ) وهو رجل صوفي ماتريدي، وكتابه المذكور طبع ضمن "رسائل ابن كمال باشا"، باستانبول 1316 هـ، ص 41 - 60. جمع فيه ثلاث أربعينات، وشرحها، وذكروا له كتاباً مستقلاً في شرح هذا الحديث بعنوان "تفسير حديث إذا تحيرتم في الأمور" وكثيراً ما يستدل الصوفية والقبورية بهذا الحديث المزعوم في مصنفاتهم فلا غرابة.
(4) جامع الرسائل والمسائل (1/ 23 - 24).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 393)
الرفات، عقيدة باطلة فاسدة مناقضة لدين الإسلام، وجميع الشرائع والأديان، لا يدل عليها نقل صحيح ولا عقل سليم، قام عباد القبور وسدنتها، باختلاق أحاديث مكذوبة، نسبوها للنبي صلى الله عليه وسلم كذبا وزورا، لتمرير عقائدهم الباطلة وأفعالهم الفاسدة، من شرك ودعاء واستغاثة بغير الله، وأكثروا من ذكرها في مواعظهم وخطبهم، وكتبهم ومصنفاتهم، حتى اشتهرت عند العامة، فظنوها أحاديثَ صحيحة وحججاً مقبولة، كما هو ظاهر من مناظرة شيخ الإسلام لهذا الشيخ، حيث إن أصل شبهة هذا الشيخ وتجويزه للاستغاثة بالقبور ودعائها والالتجاء إليها، هذا الحديث المختلق المكذوب: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)؛ وبناء عليه أنكر هذا الرجل على شيخ الإسلام إنكاره دعاء القبور والاستغاثة بها ظاناً أن ما احتج به حجة صحيحة قطعية مقبولة! فقال سائلاً مستنكراً: «أليس قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)؟!
فتبين بهذا أن أصل شبهة هذا الشيخ وأمثاله هي هذا الحديث، وقد بين شيخ الإسلام أن هذا الحديث هو عمدة هؤلاء القوم في استدلالهم، قال رحمه الله: «ولهم حديث مشهور بينهم سألني عنه غير واحدٍ من أعيان الشيوخ وكبراء الناس، فكانوا يعتمدون عليه، وهو قوله: (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)»(1). الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام رحمه الله بطلان الاحتجاج بهذا الحديث من وجوه كثيرة أهمها ما يلي:
أولاً: أن هذا الحديث مختلق مكذوب لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم(2):--------------------------------------------
(1) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: 144)، وانظر: اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 169)، جامع الرسائل والمسائل (1/ 23 - 24)، مجموع الفتاوى (1/ 356)، الرد على البكري (2/ 578).
(2) سبق أنه لم يذكره إلا العجلوني في كشف الخفاء (1/ 85)، وعزاه لابن كمال باشا في الأربعين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 394)
بين شيخ أن هذا الحديث من الأساطير المفتعلة الموضوعة، والروايات المختلقة المصنوعة، في مواضع كثيرة من كتبه، وبعبارات منوعة مختلفة، فقال عنه: «هذا كذب منكر»(1).
وبين أن سبب وضعه فتح باب الشرك، وإقامة دين المشركين فقال رحمه الله: «وإنما هذا الحديث من الأكاذيب التي وضعت ليقام بها دين أهل الشرك»(2)، وقال: «وإنما هذا وضع من فتح باب الشرك»(3). وبين اتفاق أهل العلم على كذبه وافترائه فقال رحمه الله: «فهذا الحديث كذب مفترى على النبي صلى الله عليه وسلم، بإجماع العارفين بحديثه»(4).
ثانياً: أن هذا الحديث لا يوجد في شيء من مصادر المسلمين، ولا ذكره أحد من علماء الإسلام، فكيف يكون مثل هذا حجة مستساغة، أو دليلاً مقبولاً؟!
قال شيخ الإسلام: «ليس هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة في الحديث، ولا ذكره أحدٌ من علماء الإسلام، ولا إمام من أئمة المسلمين»(5).
ثالثًا: لم يقتصر شيخ الإسلام رحمه الله في بيانه لوضع هذا الحديث وكذبه على نقد السند فحسب، بل بين ضعف الحديث ووضعه من خلال المتن أيضاً، فمتن الحديث ونصه ظاهر في بيان كذبه ووضعه، وقد بين ذلك شيخ الإسلام من وجوه:
1) أن ما جاء في هذا الحديث من الأمر بدعاء القبور والاستغاثة بها من دون--------------------------------------------
(1) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق" (ص:144).
(2) المصدر السابق (ص:144).
(3) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (ص:180) وانظر: مجموع الفتاوى (11/ 293).
(4) مجموع الفتاوى (1/ 356). وانظر: جامع الرسائل والمسائل (1/ 23 - 24) والرد على البكري (2/ 578).
(5) قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام والإيمان وعبادات أهل الشرك والنفاق (ص: 144)، انظر: الرد على البكري (2/ 578)، جامع الرسائل والمسائل (1/ 23 - 24)، مجموع الفتاوى (1/ 356).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 395)
الله هو"مما يعلم بالاضطرار في دين الإسلام أنه غير مشروع"(1)، فالإسلام قائم على إخلاص الدين لله تعالى، وقد قرر هذا المعنى شيخ الإسلام في غير موضع، وقال في ثنايا مناظرته لمن اعتمد على هذا الحديث: «وقد قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى:13]، وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون:53]، وهذا هو دين الإسلام الذي لا يقبل الله ديناً غيره من الأولين والآخرين»(2).
2) أن الإسلام قد جاء بالنهي عما هو دون الدعاء من الأعمال التي تفعل عند القبور فتكون ذريعة لدعائها والشرك بالله، وذلك كاتخاذها مساجد والصلاة عندها ونحو ذلك من الأمور المفضية للشرك، فإذا كان التحذير والنهي بل واللعن قد جاء في مثل هذه الأمور لكونها مفضية لدعاء القبور والشرك بالله، فكيف بالدعاء نفسه؟!(3).
3) أن ما جاء به هذا الحديث المكذوب "هو أصل عبادة الأصنام أيضاً فإن وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا قوماً صالحين في قوم نوح عليه الصلاة والسلام، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم اتخذوا الأصنام على صورهم كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره من العلماء"(4).
4) أن ما جاء في هذا الحديث كما أنه مخالف لشريعة الإسلام فهو كذلك مخالف لجميع الشرائع والأديان كما جاء في التوراة "أن موسى عليه السلام نهى--------------------------------------------
(1) جامع الرسائل والمسائل (1/ 23 - 24)، وانظر: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (1/ 323).
(2) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (1/ 325).
(3) انظر: جامع الرسائل والمسائل 1/ 23 - 24
(4) جامع الرسائل والمسائل 1/ 23 - 24 وانظر قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (1/ 324)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 396)