عمر وإما بعض الحواريين، وهذا فلان لبعض من يعتقد فيه الصلاح إما جرجس(1) أو غيره ممن تعظمه النصارى، وإما بعض شيوخ المسلمين، ويكون ذلك شيطاناً ادعى أنه ذلك النبي، أو ذلك الشيخ، أو الصديق أو القديس.
ومثل هذا يجري كثيراً لكثير من المشركين والنصارى وكثير من المسلمين، ويرى أحدهم شيخا يحسن به الظن، ويقول: أنا الشيخ فلان ويكون شيطاناً، وأعرف من هذا شيئاً كثيراً، وأعرف غير واحد ممن يستغيث ببعض الشيوخ الغائبين والموتى، يراه قد أتاه في اليقظة وأعانه.
وقد جرى مثل هذا لي ولغيري ممن أعرفه، ذكر غير واحد أنه استغاث بي من بلاد بعيدة، وأنه رآني قد جئته، ومنهم من قال: رأيتك راكباً بلباسك وصورتك، ومنهم من قال: رأيتك على جبل، ومنهم من قال: غير ذلك. فأخبرتهم أني لم أغثهم، وإنما ذلك شيطان تصور بصورتي ليضلهم لما أشركوا بالله ودعوا غير الله.
وكذلك غير واحد ممن أعرفه من أصحابنا استغاث به بعض من يحسن به الظن فرآه قد جاءه وقضى حاجته، قال صاحبي: وأنا لا أعلم بذلك، ومن هؤلاء الشيوخ من يقول: إنه يسمع صوت ذلك الشخص المستغيث به ويجيبه، وتكون الشياطين أسمعته صوتاً يشبه صوت الشيخ المستغيث له فأجابه الشيخ بصوته، فأسمَعتِ المستغيث صوتاً يشبه صوت الشيخ، فيظن أنه صوت الشيخ.
وهذا جرى لمن أعرفه وأخبر بذلك عن نفسه، وقال: بقي الجني الذي يحدثني يبلغني، مثل صوت المستغيثين بي، ويبلغهم مثل صوتي، ويريني في شيء أبيض--------------------------------------------
(1) هو القديس جرجس أو مار جرجس ومعنى اسمه الزارع أو الفلاّح أحد المعظمين عند النصارى اشتهر عندهم بأنه تغلب على التنين وقتله، وهو من أعظم الشهداء عند النصارى أذاقه القياصرة أشد أصناف العذاب وقتلوه بفلسطين على عهد ديوقلسيانوس المغتصب في أوائل القرن الرابع. وله ذكرى سنوية عند النصارى، ويكثرون من التسمية باسمه ويسمون به كنائسهم وديرهم ومعابدهم أيضاً، (ت:303 م). انظر: الجواب الصحيح (4/ 207) هداية الحيارى (2/ 548 - 549).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 417)
نظير ما أسأل عنه، فأخبر به الناس أني رأيته، وأنه سيأتي ولا أكون قد رأيته وإنما رأيت شبيهه.
وهكذا تفعل الجن بمن يعزم عليهم ويقسم عليهم، وكذلك ما رآه قسطنطين(1) من الصليب الذي رآه من نجوم، والصليب الذي رآه مرة أخرى هو مما مثله الشياطين وأراهم ذلك ليضلهم به؛ كما فعلت الشياطين ما هو أعظم من ذلك بعباد الأوثان، وكذلك من ذكر أن المسيح جاءه في اليقظة وخاطبه بأمور؛ كما يذكر عن بولس(2)، فإنه إذا كان صادقا كان ذلك الذي رآه في اليقظة وقال: أنه المسيح، شيطانا من الشياطين؛ كما جرى مثل ذلك لغير واحد.
والشيطان إنما يضل الناس ويغويهم بما يظن أنهم يطيعونه فيه فيخاطب النصارى بما يوافق دينهم ويخاطب من يخاطب من ضلال المسلمين بما يوافق اعتقاده وينقله إلى ما يستجيب لهم فيه بحسب اعتقادهم.
ولهذا يتمثل لمن يستغيث من النصارى بجرجس في صورة جرجس أو بصورة من
يستغيث به النصارى من أكابر دينهم، إما بعض البطاركة(3)، وإما بعض--------------------------------------------
(1) قسطنطين الكبير (الأول) الإمبراطور الروماني الشهير الذي سمح بالدين النصراني وأفسده وخلطه بالدين الروماني الوثني، كان وثنياً وقيل أنه تعمد على النصرانية وقد كان (مجمع نيقية الأول) الذي تم فيه تقرير (التثليث) وأن عيسى ابن الله تحت إشرافه (ت:337 م). انظر: مروج الذهب (1/ 350) قصة الحضارة (11/ 382).
(2) هو شاول الطرسوسي اليهودي الفريسي، وكان من ألد أعداء دعوة المسيح عليه السلام، وكان يذيق أتباعه أشد العذاب، ثم زعم أنه رأى المسيح عند عودته من دمشق وأنه وبخه على اضطهاده لأتباعه، وأمره بالتبشير، ثم ادعى اعتناقه دين المسيح، وأصبحت له مكانة عظيمة عند النصارى، وهو أحد أعظم أسباب انحراف الديانة النصرانية وتحريفها وإدخال الوثنية عليها (ت:96 م). انظر: هداية الحيارى (2/ 548) ودراسات في اليهودية والنصرانية (ص:352 - 360).
(3) بطرك وبطريك: لقب يطلق في المسيحية على مقدم النصارى ورئيس رؤساء الأساقفة انظر: مفاتيح العلوم (ص: 148) المعجم الوسيط (1/ 61).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 418)
المطارنة(1)، وإما بعض الرهبان، ويتمثل لمن يستغيث به من ضلال المسلمين بشيخ من الشيوخ في صورة ذلك الشيخ; كما تمثل لجماعة ممن أعرفهم في صورتي وفي صورة جماعة من الشيوخ الذين ذكروا في ذلك، ويتمثل كثيرا في صورة بعض الموتى: تارة يقول أنا الشيخ عبد القادر(2)، وتارة يقول أنا الشيخ أبو الحجاج الأقصري(3)، وتارة يقول أنا الشيخ عدي(4)، وتارة يقول--------------------------------------------
(1) رئيس ديني عند النصارى وهو دون البطريرك وفوق الأسقف. انظر: مفاتيح العلوم (ص: 148) المعجم الوسيط (2/ 875).
(2) هو عبد القادر بن أبي صالح أبو محمد، الجيلاني، أو الكيلاني، أو الجيلي: عالم حنبلي اشتهر بالزهد والعبادة والورع، وذاع صيته حتى نسبت إليه الطائفة القادرية، وهو بريء منهم، فقد كان مع زهده وعبادته متمسكاً بالسنة، ويذكرون عنه مكاشفات وكرامات أكثرها من باب الغلو، وعليه بعض المآخذ في أقواله وأفعاله، إلا أنه لا يستجيز هذه الطريقة البدعية التي نسبت إليه وفعلت ما لا يرتضيه، من مصنفاته "الغنية " و"الفتح الرباني" (ت:561 هـ). انظر: السير (2/ 439) البداية والنهاية (12/ 252) ذيل طبقات الحنابلة (3/ 290) درء التعارض (5/ 5).
(3) هو يوسف بن عبد الرحيم بن يوسف بن عيسى الزاهد، المعروف بأبي الحجاج الأقصري ولد ببغداد ثم نزل بالأقصر (بصعيد مصر) وقبره فيها معروف إلى الآن، الأعلام للزركلي (8/ 238)
قيل أنه على سنن السلف لكن جهال أتباعه أطنبوا في أمره، وظنوا أن ذلك من بره، وادعوا أنه في ليلة النصف من شعبان، عرج به إلى السماء، واتخذوه في كل سنة كالعيد، تأتي إليه الخلائق من العوالي، وتحضر الدفوف والشبابات ويختلط الرجال بالنسوان والشيخ بعيد عن ذلك كله، سنة (ت:644 هـ). انظر: تاريخ الإسلام (14/ 509) والوافي بالوفيات (29/ 109) والأعلام (8/ 238)
(4) هو عدي بن مسافر بن إسماعيل الهكاري الأموي: إليه تنتسب الطائفة العدوية (اليزيدية)، وغالى أتباعه " العدوية " فيه فهم يحجون لقبره، ويستقبلونه في صلواتهم ويعتقدون فيه النبوة بل والألوهية أيضاً، وهو بريء منهم ومن طريقتهم، قال شيخ الإسلام: «وغلوا في الشيخ عدي وفي يزيد بأشياء مخالفة لما كان عليه الشيخ عدي الكبير -قدس الله روحه - فإن طريقته كانت سليمة لم يكن فيها من هذه البدع» ووذكر أنه كان من العباد الصالحين والمشايخ المتبعين وعقيدته المحفوظة عنه لم يخرج فيها عن الأصول الكبار لأهل السنة والجماعة وكان حريصاً على السنة ناشراً لها منابذاً لمن خالفها، مع أنه لا بد أن يوجد في كلامه وكلام نظرائه من المسائل المرجوحة والدلائل الضعيفة -كأحاديث لا تثبت ومقاييس لا تطرد- ما يعرفه أهل البصيرة (ت:557 هـ). انظر: وفيات الأعيان (3/ 254) رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أتباع عدي بن مسافر الأموي" المشهورة بـ" الوصية الكبرى" (ص:58، 106) والسير (15/ 124).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 419)
أنا أحمد بن الرفاعي، وتارة يقول أنا أبو مدين المغربي(1)، وإذا كان يقول أنا المسيح أو إبراهيم أو محمد فغيرهم بطريق الأولى … وكثير من هؤلاء. ومن هؤلاء من يقول: يرى في مكانين ويرى واقفاً بعرفات وهو في بلده لم يذهب فيبقى الناس الذين لا يعرفون حائرين، فإن العقل الصريح يعلم أن الجسم الواحد لا يكون في الوقت الواحد في مكانين، والصادقون قد رأوا ذلك عياناً لا يشكون فيه ولهذا يقع النزاع كثيراً بين هؤلاء وهؤلاء؛ كما قد جرى ذلك غير مرة، وهذا صادق فيما رأى وشاهد وهذا صادق فيما دل عليه العقل الصريح.
لكن ذلك المرئي كان جنيّاً تمثل بصورة الإنسان، والحسيات إن لم يكن معها عقليات تكشف حقائقها وإلا وقع فيها غلط كبير … وكذلك كما ظهر إبليس للمشركين في صورة الشيخ النجدي(2) وظهر لهم يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فلما رأى الملائكة هرب، قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ--------------------------------------------
(1) هو شعيب بن الحسن الأندلسي التلمساني، أبو مدين، كان كبير الصوفية والعارفين في عصره، أصله من الأندلس. أقام بفاس، وسكن (بجاية) وكثر أتباعه حتى خافه السلطان يعقوب المنصور، وقد ذكره شيخ الإسلام مع المشايخ الذين يكفرون القائلين بالحلول والاتحاد ولا يرتضون طريقتهم، وذكره فيمن لا يرتضون السماع البدعي ولا يحضرونه، من مصنفاته "مفاتيح الغيب" (ت:594 هـ). انظر: تاريخ الإسلام (12/ 922) الوافي بالوفيات (16/ 95) مجموع الفتاوى (11/ 534) مجموعة الرسائل والمسائل (1/ 227).
(2) رواه عبد الرزاق في مصنفه (9743) وأبو نعيم في دلائل النبوة (ص:200) وابن أبي حاتم في تفسيره (5/ 1687). قال صاحب الصحيح من أحاديث السيرة النبوية (ص: 141): «حديثٌ حسنٌ عدا ذكر إبليس»، وحكم المعلق على الرحيق المختوم على قصة إبليس بأنها واهية وأسانيدها لاتصح. انظر: التعليق على الرحيق المختوم (ص:97).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 420)
نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:48]، وروي عن ابن عباس وغيره قال: تبدى إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم فقال: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ}، وأقبل جبريل عليه السلام على إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده وولى مدبراً هو وشيعته، فقال: الرجل يا سراقة! أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، قال ابن عباس: وذلك لما رأى الملائكة.(1) قال الضحاك: (سار الشيطان معهم برايته وجنوده، وألقى في قلوب المشركين أن أحداً لن يغلبكم وأنتم تقاتلون على دينكم ودين آبائكم)(2).
وكثير من الناس تحمله الجن إلى مكان بعيد، فتحمل كثيراً من الناس إلى عرفات وغير عرفات، وإذا رئي واحد من هؤلاء في غير بلده، يكون تارة محمولاً قد حملته الجن، وتارة تصورت على صورته، ولا يكون هذا من أولياء الله المتقين الذين لهم كرامات، بل قد يكون من الكافرين أو الفاسقين، وأعرف من ذلك قضايا كثيرة ليس هذا موضع تفصيلها. وعند المشركين والنصارى من ذلك شيء كثير يظنونه من جنس الآيات التي للأنبياء.
إنما هي من جنس ما للسحرة والكهان، ومن لم يفرق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ويفرق بين معجزات الأنبياء وكرامات الصالحين، وبين خوارق السحرة والكهان ومن تقترن بهم الشياطين، وإلا التبس عليه الحق بالباطل، فإما أن يكذب بالحق الذي جاء به الأنبياء الصادقون، وإما أن يصدق بالباطل الذي يقوله الكاذبون والغالطون. وهذه الأمور مبسوطة في موضع آخر، والمقصود هنا--------------------------------------------
(1) رواه الطبري في تفسيره (13/ 7) وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (1/ 612).
(2) رواه ابن أبي حاتم في التفسير (5/ 1715)، وروى نحوه الطبري في تفسيره (13/ 7) عن الحسن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)
التنبيه على هذا الأصل، وعلماء النصارى يسلمون هذا وعندهم من ذلك أخبار كثيرة من حكايات أولياء الشيطان الذين عارضهم أولياء الرحمن، وأبطلوا أحوالهم كما أبطل موسى -صلوات الله عليه- ما عارضته به السحرة من الخوارق، كما ذكر ذلك في التوراة وكما يذكرونه عن فلان وفلان، مثل حكاية سيمون الساحر(1) مع الحواريين وغير ذلك وإذا كان هذا معلوماً كان ما يذكرونه من هذا الجنس، إذا كان مخالفاً لما ثبت عن الأنبياء من الشيطان فلا يجوز أن يحتج به على ما يخالف شرائع الأنبياء الثابتة عنهم بل هؤلاء من جنس الدجال الكبير الذي أنذرت به الأنبياء كلهم»(2).
* * *--------------------------------------------
(1) سيمون الساحر (عاش في القرن الأول الميلادي) كان من السامريين، وصاحب سحر عظيم، وكان أهل سامرة يعتقدون فيه، ثم ادعى الإيمان بالمسيح، وفي صحة إيمانه به خلاف. انظر: أعمال الرسل الإصحاح الثامن (13).
(2) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (2/ 318 - 333).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)
ملحق
• مناظرته مع بعض المتصوفة في تفسير قوله تعالى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران:7]:
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
«وأغرب من هذا ما قاله لي مرة شخص من هؤلاء الغالطين في قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران:7] قال: المعنى وما يعلم تأويل (هو) أي اسم "هو" الذي يقال فيه: "هو هو"، وصنف ابن عربي كتابا في "الهو".
فقلت له -وأنا إذ ذاك صغير جدًا-: لو كان كما تقول؛ لكتبت في المصحف مفصولة، {تأويل هو} ولم تكتب موصولة(1). وهذا الكلام الذي قاله هذا معلوم الفساد بالاضطرار. وإنما كثير من غالطي المتصوفة لهم مثل هذه التأويلات الباطلة في الكتاب والسنة. وقد يكون المعنى الذي يعنونه صحيحًا؛ لكن لا يدل عليه الكلام وليس هو مراد المتكلم وقد لا يكون صحيحًا. فيقع الغلط تارة في--------------------------------------------
(1) أي "تأويله" لأن الضمير وهو الهاء قد وصل بالكلمة، ولم يكتب منفصلاً "هو".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)
الحكم وتارة في الدليل»(1).
وقال رحمه الله: «وقد صنف صاحب " الفصوص" كتابا سماه كتاب " الهو" وزعم بعضهم أن قوله {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران:7] معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو الهو، وإن كان هذا مما اتفق المسلمون بل العقلاء على انه من أبين الباطل، فقد يظن ذلك من يظنه من هؤلاء، حتى قلت مرة لبعض من قال شيئًا من ذلك: لو كان هذا ما قلته لكتبت الآية: وما يعلم تأويل (هو) منفصلة»(2).
• مناظرته مع بعض اليونسية في احتجاجهم على الردة وقتالهم مع التتر، بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بذلك لكون المسلمين قد عصوا!:
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ولما جاء قازان وقد أسلم دمشق، انكشفت أمور أخرى فظهر أن اليونسية(3) كانوا قد ارتدوا وصاروا كفارا مع الكفار.
وحضر عندي بعض شيوخهم، واعترف بالردة عن الإسلام، وحدثني بفصول كثيرة.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (10/ 560).
(2) العبودية (139) الفتاوى الكبرى (5/ 211)
* في هذه المناظرة يوضح شيخ الإسلام شيئاً من تأويلات الصوفية الباطلة لنصوص الكتاب والسنة وتحريفهم لمعانيها، دون مستند في الشرع ولا حجة في اللغة.
(3) سبق التعريف بهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)
فقلت له -لما ذكر لي احتجاجهم بما جاءهم من أمر الرسول-: فهب أن المسلمين كأهل بغداد كانوا قد عصوا -وكان في بغداد بضعة عشر بغيًا- فالجيش الكفار المشركون الذين جاءوا كانوا شرًا من هؤلاء؛ فإن هؤلاء كن يزنين اختيارًا، فأخذ أولئك المشركون عشرات الألوف من حرائر المسلمين وسراريهم بغير اختيارهم، وردوهم عن الإسلام إلى الكفر وأظهروا الشرك وعبادة الأصنام ودين النصارى وتعظيم الصليب حتى بقي المسلمون مقهورين مع المشركين وأهل الكتاب، مع تضاعيف ما كان يفعل من المعاصي، فهل يأمر محمد صلى الله عليه وسلم بهذا ويرضى بهذا؟!
فتبين له وقال: لا والله. وأخبرني عن ردة من ارتد من الشيوخ عن الإسلام لما كانت شياطين المشركين تكرههم على الردة في الباطن، وتعذبهم إن لم يرتدوا!
فقلت: كان هذا لضعف إيمانهم وتوحيدهم، والمادة التي يشهدونها من جهة الرسول، وإلا فالشياطين لا سلطان لهم على قلوب الموحدين، وهذا وأمثاله ما كانوا يعتقدون أنهم شياطين بل أنهم رجال من رجال الغيب الإنس وكلهم الله بتصريف الأمر، فبينت لهم أن رجال الغيب هم الجن كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} [الجن:6] ومن ظن أنهم إنس فمن جهله وغلطه؛ فإن الإنس يؤنسون أي يشهدون ويرون(1)؛ إنما يحتجب الإنسي أحيانًا لا يكون دائمًا محتجبا عن أبصار الإنس؛ بخلاف الجن فإنهم كما قال الله {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ (27)} [الأعراف:27]»(2).
• مناظرته مع بعض الصوفية في بعض اعتقاداتهم الباطلة:
في هذه المناظرة يحتج بعض أهل السلوك والتصوف بقصة أخرى من قصصهم المكذوبة المفتراة، ليحتجوا بها على ما يزعمونه من كشوفات وكرامات، ويوضح--------------------------------------------
(1) انظر: تهذيب اللغة (13/ 61) ومجمل اللغة لابن فارس (ص:104).
(2) مجموع الفتاوى (13/ 216 - 218).
*لما كفر جماعة من اليونسية وارتدوا، واحتجوا أن كفرهم إنما هو بسبب ما وقع به المسلمون من الذنوب والمعاصي، ولذلك أمرهم الرسول -على حد زعمهم- بالكفر والردة، وأن يلحقوا الكفار من التتار.
بين لهم شيخ الإسلام أن ما وقع ويقع به الكفار من المعاصي والقبائح أشد بكثير مما ينقمونه على بعض أهل الإسلام فهم أحق بالانصراف عنهم وتركهم، ووضح لهم أن ما يشاهدونه من كشوفات مزعومة وما يظنونه رجالاً للغيب أو رسولاً يحدثهم، إنما هو شيطان يضلهم عن السبيل، ويدعوهم إلى الكفر والشرك.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)
لهم شيخ الإسلام بطلان هذه القصة وكذبها من جهة نقلها وصحتها، ومن جهة نكارة متنها وسياقها، وقد سبق بيان طريقتهم في الاحتجاج بالأحاديث المكذوبة، والقصص الواهية الموضوعة، والرد عليها في فصول سابقة فلتراجع.
نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
«ويذكرون ما هو أعظم كفرًا من هذه الحكاية: وهو أن الله تعالى أطلع رسوله على سر الأسرار ليلة المعراج، وأمره أن لا يخبر به أحد.
وأنه رأى أهل الصفة(1) يتكلمون به!
فقال لهم: من أين لكم هذا؟
فقالوا: أخبرنا الله به.
فقال: يا رب ألم تأمرني أن أكتم هذا السر.
فقال: أنا أمرتك أن تكتمه وأنا أخبرتهم به.
وقد ذكر لي هذه الأمور غير واحد من كبار شيوخ هؤلاء، عن غير واحد من شيوخهم الكبار، فبينت لهم كذب هذا، حتى قلت لبعضهم: الصفة إنما كانت بالمدينة، والمعراج كان بمكة فلم يكن ليلة المعراج أحد يذكر أنه من أهل الصفة!»(2).--------------------------------------------
(1) قال ابن حجر: «الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي، مظلل أعدّ لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر». فتح الباري (6/ 595) وانظر: معالم أثيرة (ص: 160).
(2) الرد على البكري (2/ 484).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)
الفصل الثالث:
مناظراته مع الرافضة
واشتمل على مبحثين:
المبحث الأول:
مناظرته مع أحد شيوخ الرافضة في عصمة علي رضي الله عنه.
المبحث الثاني:
مناظرته مع أحد أكابر شيوخ الرافضة في عصمة علي رضي الله عنه والإمامة والمهدي المنتظر.
ملحق:
مناظرته مع مقدم المغل بولاي في يزيد بن معاوية، ومحبة أهل البيت.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)
المبحث الأول: مناظرته مع أحد شيوخ الرافضة في عصمة علي رضي الله عنه: واشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: عرض المناظرة.
تمهيد:
تعد جبال الكسروان(1) معقلاً من أهم معاقل غلاة الشيعة في عصر شيخ الإسلام رحمه الله، فقد كان يعيش بها الرافضة الاثنا عشرية والنصيرية والإسماعيلية وغيرهم من الدروز(2) والباطنية الخارجين عن الشرعة المحمدية.
ومع ما يحمله هؤلاء القوم في قلوبهم من عقائد خبيثة وأفكار فاسدة، فإنهم لم يقفوا عند هذا الحد، بل ترجموا تلك العقائد بأفعالهم السيئة، فخرجوا على--------------------------------------------
(1) تقع جبال كسروان غرب وسط لبنان في قضاء كسروان، وهو أحد أقضية محافظة جبل لبنان يمتد من مجرى نهر إبراهيم في الشمال، وحتى مجرى نهر الكلب في الجنوب، ومن شاطئ البحر الأبيض المتوسط في الغرب حتى قمم جبل صنين. من الموسوعة الحرة "ويكبيديا" على الشبكة العنكبوتية: http://cutt.us/DJIJC
(2) الدروز فرقة من فرق الباطنية الإسماعيلية لهم بدع كثيرة منها: القول بتأليه الحاكم، وأن للشريعة باطنا وظاهرا، والأخذ بدين المجوس، وهم ملاحدة كفار، ينتسبون إلى الرجل الثاني في هذه الفرقة وهو محمد بن إسماعيل الدرزي المشهور بنشتكين المقتول سنة 411 هـ وهو أول من أله الحاكم العبيدي. انظر: مجموع الفتاوى (35/ 161 - 162) الشيعة والتشيع (ص:236).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)
الإمام، وقطعوا السبل، وأرهبوا الناس، واستولوا على جبل الصالحية(1)، وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وحرقوا المساكن؛
انتقاماً من أهله؛ لأنهم من أهل السنة، الذين يسمونهم نواصب(2).
وكان هؤلاء القوم من أشد الناس غلواً في الرفض فمن عقائدهم "اعتقادهم أن أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر وبيعة الرضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماءهم، أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعبادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوام المسلمين وأفرادهم، كل هؤلاء عندهم كفار مرتدون أكفر من اليهود والنصارى"(3)، ومن "مسح على الخفين فهو عندهم كافر، ومن حرم المتعة فهو عندهم كافر، ومن أحب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو ترضي عنهم أو عن جماهير الصحابة فهو عندهم كافر، ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر … ، وعندهم: من قال: إن الله يرى في الآخرة فهو كافر، ومن قال: إن الله تكلم بالقرآن حقيقة فهو كافر، ومن قال: إن الله فوق السماوات فهو كافر، ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وأن الله يقلب قلوب عباده وأن الله خالق كل شيء فهو عندهم كافر، وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو عندهم كافر"(4)، وكانوا--------------------------------------------
(1) قال ياقوت الحموي رحمه الله: «الصالحية: قرية قرب الرّها من أرض الجزيرة اختطّها عبد الملك بن صالح الهاشمي، وقال الخالدي: قرب الرّقّة، وقال: عندها بطياس ودير زكّى وهو من أنزه المواضع» معجم البلدان (3/ 389).
(2) النواصب أو الناصبة: هم طائفة من الخوارج تتدين ببغض علي بن أبي طالب رضي الله عنه وتنصب له العداوة وتظهر له الخلاف، وتؤذي أهل البيت وتعاديهم، ومن بدعهم إظهار الفرح والاحتفال بيوم عاشوراء، كان منهم جماعة في الكوفة، وعد شيخ الإسلام منهم بعض بني أمية كالحجاج. انظر: جامع المسائل (5/ 150، 152) مجموع الفتاوى (25/ 300) (3/ 154) الكليات (ص: 906) تاج العروس (4/ 277).
(3) مجموع الفتاوى (28/ 400)، والعقود الدرية (ص: 200).
(4) مجموع الفتاوى (28/ 401 - 402)، والعقود الدرية (ص: 202).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)
من المعاونين للكفار والتتار وأعداء المسلمين على الإسلام وأهله، وفيهم "خلق كثير لا يقرون بصلاة ولا صيام، ولا حج ولا عمرة، ولا يحرمون الميتة والدم ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنة والنار، من جنس الإسماعيلية والنصيرية والحاكمية والباطنية"(1)، والعياذ بالله العظيم.
ولما كان حالهم كهذا الحال، فقد ذهب شيخ الإسلام مع وفد من الأعيان والأمراء لاستتابتهم وإقناعهم بالالتزام بالشريعة والطاعة والولاء، ولكنهم أبوا وأصروا على ما هم عليه ولم يستجيبوا لتلك المساعي، فعند ذلك قام شيخ الإسلام رحمه الله بحثِّ الولاة والناس على قتالهم، وكتب إلى أطراف الشام في تشجيع الناس على جهادهم والقيام بواجب الله تجاههم، وقام في ذلك خير قيام، حتى اجتمع له خلق كثير من المقاتلين، وخرجت معه العساكر الإسلامية والجيوش الشامية وجهز نائب السلطنة حملة كبيرة توجه بها من دمشق إلى أهل كسروان لقتالهم، كما شارك فيها نائبا طرابلس وصفد(2)، وقد كان جبل كسروان من أصعب الجبال وأشقها، وكانت الملوك لا تُقدم على حصار أهله لصعوبة الوصول إليهم ومشقة ذلك، وقد وصف شيخ الإسلام ذلك المكان بقوله: «والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة حتى ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله»(3).
ولكن هذا الأمر لم يكن مانعاً لشيخ الإسلام عن قتالهم ولا مثنياً له عن ذلك، بل قام هو ومن معه من الجيوش الإسلامية بمحاصرة الجبل وأهله، وقتالهم حتى فتح الله عليهم هذا الجبل العصيب، وذلك في عام (705 هـ)، وقاموا بإجلاء أهله منه وإخراجهم من ديارهم، وفي أثناء حصارهم لهذا الجبل حدثت لشيخ الإسلام مناظرة مع شيخ من شيوخ هؤلاء القوم في عصمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (28/ 408)، والعقود الدرية (ص: 208).
(2) هي مدينة في جبال عاملة المطلة على حمص بالشام، وهي من جبال لبنان. انظر: معجم البلدان (3/ 412) مسالك الأبصار في ممالك الأمصار (3/ 541).
(3) مجموع الفتاوى (28/ 408)، والعقود الدرية (ص: 203).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)
ذكر هذه المناظرة ابن عبدالهادي رحمه الله في كتابه النفيس (العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية).
نص المناظرة:
قال ابن عبد الهادي رحمه الله تحت عنوان: بحث للشيخ مع أحد الرافضة في عصمة غير الأنبياء: «وحكى أيضاً [أي: شيخ الإسلام رحمه الله] أنه تجادل مع كبير من كبراء أهل جبل كسروان، له اطلاع على مذهب الرافضة.
قال: وكان الجدل والبحث في عصمة الإمام وعدم عصمته، وفي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه معصوم من الكبائر والصغائر، في كل قول وفعل -وهذه دعوى الجَبَلي- وأن الشيخ حاجَّه في أن العصمة لم تثبت إلا للأنبياء عليهم السلام.
قال: وإنني قلتُ له: إن علياً وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، اختلفا في مسائل وقعت، وفتاوى أفتى بها كل منهما، وأن تلك الفتاوى والمسائل عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم فصوب فيها قول ابن مسعود رضي الله عنه.
هذا معنى كلام الشيخ في حديثه عن المجادلة مع الرافضي الجبليِّ(1)، وإن اختلفت العبارة انتهى ما ذكره»(2) ا. هـ.
• المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية في المناظرة:
يرى الشيعة الإمامية أن الأئمة الاثني عشر معصومون من الذنوب كلها صغيرها وكبيرها، بل حتى من الخطأ والنسيان والغفلة، وفي ذلك يقول علامتهم المجلسي(3): «إنّ أصحابنا الإماميّة أجمعوا على عصمة الأئمّة -صلوات الله--------------------------------------------
(1) لم يذكر ابن عبد الهادي اسم هذا الشيخ الرافضي، وإنما نسبه للجبل: أي جبل كسروان.
(2) العقود الدرية (ص: 197).
(3) هو الملا محمد باقر بن محمد تقي المجلسي، رافضي من ألد أعداء السنة وخصومها، سليط اللسان، فاحش القول، يسمونه خاتمة المجتهدين، له مصنفات بالعربية والفارسية منها: بحار الأنوار، وحياة القلوب وغيرها، (ت: 1111 هـ). انظر: الأعلام للزركلي (6/ 48) معجم المؤلفين (9/ 91) الشيعة وأهل البيت لإحسان إلهي ظهير (ص: 73).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)
عليهم- من الذّنوب الصّغيرة والكبيرة عمدًا وخطأ ونسيانًا من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله عز وجل»(1).
وتعتبر عقيدة العصمة من أهم الأسس التي بنى عليها الإمامية معتقدهم، وبنوا عليها القول بإمامة الاثني عشر إماماً، وتلقيهم الشرع عن الله، ووجوب طاعة الخلق لهم كطاعة الله ورسوله، وجعل ما يقولونه ويعملونه من أعمال تشريعاً للخلق كآيات الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرها من الأمور الكثيرة المبنية على هذه العقيدة الباطلة، ولذلك فقد اعتنى شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في ردوده على الرافضة ببيان بطلان هذه العقيدة وتناقض أهلها؛ لأن نقض هذه العقيدة يعتبر نقضاً لأسس الرافضة التي يقوم عليها مذهبهم، ومن هذا الاعتناء هذه المناظرة والمحاورة مع هذا الشيخ الرافضي لبيان فساد هذه العقيدة وبطلانها. مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة، وذلك من وجهين: الوجه الأول: أصل شبهتهم في قولهم بالعصمة:
العقيدة الباطلة التي ينشئها الناس من تلقاء أنفسهم، لا بد أن تجر معها عقائد أفسد منها أو مثلها فساداً، فالباطل لا يولِّدُ إلا باطلا، ولما كانت فرية الاثني عشر إماماً التي اختلقها الرافضة من تلقاء أنفسهم وجعلوها أُس عقيدتهم وأصل ديانتهم عقيدة باطلة، ليس لها ولا عليها مستند شرعي ولا نص قطعي من كتاب ولا سنة، فقد احتاجوا لتقريرها وتمريرها إلى اختلاق عقائد أخرى ومن أعظمها عقيدة العصمة، فقالوا: إن الإمام لا بد أن يكون معصوماً لأمور أربعة:
أولها: أن الإمام قائم مقام النبي، بل هو كالنبي في قيامه على الأمة ومراعاة شؤونها ومصالحها الدينية والدنيوية، ولما كان قائماً مقام النبي لزم أن يكون معصوماً مثله.--------------------------------------------
(1) بحار الأنوار (25/ 350 - 351)، وانظر أيضا البحار (25/ 211)، ومرآة العقول (4/ 352)، وميزان الحكمة الباب (74).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)
ثانيها: أن طاعة الإمام واجبة كطاعة النبي، فلزم أن يكون معصوماً، فلو أمكن أن يخطئ لكنا مأمورين بمتابعته وطاعته على الخطأ وهذا محال.
ثالثها: أن مفهوم الإمام يتضمن معنى العصمة؛ لأن الإمام لغة هو المؤتم به المقتدى به، فإذا جوزنا الذنب عليه فإما أن يلزمنا الاقتداء به في الخطأ وهذا مُنْتَف، وإما أن يلزمنا عدم الاقتداء به فلا يكون إماما بهذا الاعتبار.
رابعها: أن الأمة كلها معرضة للخطأ والضلال، فلا بد لها من عاصم يعصمها من ذلك ويسدد خطأها وذلك هو الإمام، إذ لو لم يكن معصومًا لافتقر إلى إمام آخر معصوم فيلزم التسلسل(1).
وبهذا كله يتبين لك أصل شبهة هؤلاء القوم، وأصل عقيدتهم الفاسدة في العصمة، التي بنوها على هذه الأمور المذكورة، والإلزامات المطروحة، التي هي في الحقيقة حججٌ متهافتة، وأطروحات باطلة، اخترعها القوم ليبرروا باطلهم لا غير.
حججٌ تهافتُ كالزجُاج تخالها … شيئاً وكل كاسر مكسور
الوجه الثاني: الرد على الشبهة:
إن رد مثل هذه العقيدة الفاسدة يطول؛ وذلك لكثرة الأجوبة التي توضح فسادها وتظهر ضعفها وبطلانها، فهي في الحقيقية عقيدة منافية مضادة لأسس الدين ومبادئه، ومبنية على عقائد باطلة مثلها، وما بُني على باطل فهو باطل، وقد بين شيخ الإسلام فساد هذه العقيدة في مختلف كتبه ورسائله من وجوه عديدة أهمها ما يلي:
1) أن كل ما ذكروه من أدلة تؤكد حاجة الأمة إلى معصوم قد تحققت برسول الله صلى الله عليه وسلم، فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المعصوم الذي تجب طاعته في كل زمان وكل--------------------------------------------
(1) انظر: عقائد الإمامية للزنجاني (ص: 77)، أصول التشيع (ص: 131)، منهاج السنة (6/ 384).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)
مكان وعلى كل أحد، وعلم الأمة بأوامره ونواهيه أتم من علم آحاد الرعية بالأئمة المذكورين وأوامرهم ونواهيهم، فعند الأمة من معرفة شرعه وهديه ما يغنيها عن كل إمام سواه(1)، وقد أمر الله بالرجوع للكتاب والسنة عند التنازع والاختلاف، ولم يأمر بردها إلى إمام أو نحوه، قال سبحانه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59](2).
2) أن الله عز وجل قد بين أن الحجة قد قامت على الخلق بالرسل، كما قال الله سبحانه مبيناً ذلك: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:165]، ولو كانت الأمة محتاجة للأئمة كحاجتها للرسل وكان وجود الرسل غير مغنٍ للناس عن الأئمة وغيرهم، لما كانت الحجة قائمة بهم كما أخبر الله في هذه الآية(3).
3) أن الأمة معصومة بكتاب ربها وسنة نبيها ولا تجتمع على ضلالة، وعصمة الأمة جميعاً مغنية عما ادعيتموه وأوجبتموه من عصمة الأئمة، فلا يمكن لأحد أن يبدل شيئاً من الدين إلا أقام الله من يبين خطأه فيما بدله، فيبقى الدين محفوظاً مصوناً من الخلل والتحريف ومن الزيادة والخطأ والنقصان(4).
4) أن الأمور والأدلة والمقاصد التي أوجبوا من أجلها عصمة الإمام لا تتحقق فيمن جعلوهم أئمة، فأدلتهم التي استدلوا بها، هي نفسها دليل عليهم، فهي تبطل إمامة من جعلوهم أئمة؛ لعدم تحقق مقاصد الإمامة بهم، وأوضح مثال يبرهن على ذلك: إمامهم الغائب المفقود، الذي لم يصحح عملاً ولا سدد خطأ، ولا عُرِف له خبر، ولا رؤي له أثر، فأيُّ معنًى في عصمته، وأي فائدةٍ من ذلك؟!(5).--------------------------------------------
(1) انظر: منهاج السنة النبوية (6/ 384).
(2) انظر: المصدر السابق (2/ 105).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (19/ 66).
(4) انظر منهاج السنة النبوية (6/ 409)، المنتقى مختصر منهاج السنة (410).
(5) انظر: منهاج السنة النبوية (6/ 386)، (5/ 467).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)
5) أن هذه العصمة المزعومة للأئمة الاثني عشر، لا دليل عليها من كتاب الله أو من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو من إجماع السلف الصالح -رضوان الله عليهم-، بل هي عقيدة مختلقة مفتراة من الرافضة أنفسهم، لا يدل عليها نقل صريح ولا عقل صحيح!(1).
6) اختلاف الشيعة أنفسهم في أصول الدين وفروعه، بل حتى في الأئمة أنفسهم وتحديد أعيانهم، دليل واضح على بطلان هذه العقيدة، إذ أن من أهم واجبات المعصوم عصمة أتباعه من الخلاف والاختلاف، فإذا لم يعصمهم من ذلك فكيف يعصم غيرهم وما المصلحة من الإيمان بعصمته؟!(2).
7) إذا كان المقصود من العصمة هو ما ذُكر من إزالة الظلم والشر، فيجب أن يكون في كل بلد إمام معصوم؛ لأن حاجة جميع المدائن للمعصوم واحدة، فجعلُها في مكان دون مكان تحكم لا دليل عليه(3).
8) أن "حاجة الإنسان إلى تدبير بدنه بنفسه، أعظم من حاجة المدينة إلى رئيسها، وإذا كان الله تعالى لم يخلق نفس الإنسان معصومة، فكيف يجب عليه أن يخلق رئيسًا معصوماً؟ مع أن الإنسان يمكنه أن يكفر بباطنه، ويعصي بباطنه، وينفرد بأمور كثيرة من الظلم والفساد، والمعصوم لا يعلمها، وإن علمها لا يقدر على إزالتها، فإذا لم يجب هذا فكيف يجب ذاك؟ "(4).
9) ومما يدل على بطلان ما ادعوه من عصمة للأئمة الاثني عشر، أن الأئمة أنفسهم كان يخالف بعضهم بعضاً ولو كانوا معصومين لامتنع اختلافهم، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد كان علي وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضاً في العلم والفتيا كما يخالف سائر أهل العلم بعضهم بعضاً، ولو كانوا معصومين--------------------------------------------
(1) انظر: المصدر السابق (3/ 378).
(2) انظر: المصدر السابق (6/ 390).
(3) انظر: منهاج السنة (6/ 400).
(4) منهاج السنة النبوية (6/ 407).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)
لكان مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة، وقد كان الحسن في أمر القتال يخالف أباه ويكره كثيراً مما يفعله ويرجع علي رضي الله عنه في آخر الأمر إلى رأيه وتبين له في آخر عمره أن لو فعل غير الذي كان فعله لكان هو الأصوب … ، وقد وصى الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق ولا يطلب هذا الأمر وأشار عليه بذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يتولاه ويحبه، ورأوا أن مصلحته ومصلحة المسلمين ألا يذهب إليهم، ولا يجيبهم إلى ما قالوه من المجيء إليهم والقتال معهم؛ وإن كان هذا هو المصلحة له وللمسلمين، ولكنه رضي الله عنه فعل ما رآه مصلحة والرأي يصيب ويخطئ، والمعصوم ليس لأحد أن يخالفه؛ وليس له أن يخالف معصوماً آخر؛ إلا أن يكونا على شريعتين كالرسولين ومعلوم أن شريعتهما واحدة»(1).
10) تراجع الإمام عن قوله دليل واضح على عدم عصمته، وقد ثبت عن علي رضي الله عنه التراجع عن مسائل كثيرة، منها: رجوعه عن خطبة بنت أبي جهل(2) و"قوله في أمهات الأولاد فإن له فيها قولين: أحدهما المنع من بيعهن، والثاني إباحة ذلك. والمعصوم لا يكون له قولان متناقضان"(3).
11) وأما قولهم: بأنه لو لم يكن الإمام معصوماً لافتقر إلى إمام آخر؛ لأن العلة المحوجة إلى الإمام هي جواز الخطأ على الأمة، فلو جاز الخطأ عليه لاحتاج إلى إمام آخر فيلزم التسلسل.
فقد أجاب عنه شيخ الإسلام بما لا مزيد عليه فقال: «لِمَ لا يجوز أن يكون إذا أخطأ الإمام كان في الأمة من ينبهه على الخطأ، بحيث لا يحصل اتفاق المجموع على الخطأ، لكن إذا أخطأ بعض الأمة، نبهه الإمام أو نائبه أو غيره، وإن أخطأ--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (35/ 125 - 126).
(2) انظر: منهاج السنة النبوية (6/ 29)، وقد روى الحديث ابن ماجه في سننه (1999)، وأحمد في فضائل الصحابة (1329).
(3) مجموع الفتاوى (35/ 126).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)