ضده فقد يكون ناجيا، وقد لا يكون ناجيا، كما يقال: (من صمت نجا)»(1).
وقال رحمه الله: «وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به ذلك فقال الله له: ما حملك على ما فعلت. قال خشيتك: فغفر له)(2)، فهذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك. والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا»(3).
ولما علم ما عليه كثير من معظمي مذهب الاتحادية ومشايخهم من جهل وقلة فهم وبصيرة، حرص على بيان الحق لهم بالعلم والحجة وبكل رفق وعناية، معتذرا لهم بجهلهم بحقيقة هؤلاء ومذهبهم(4).
28) استخدام أسلوب الترغيب والترهيب عند الحاجة إليه:
كما يحتاج المناظر لاستخدام أسلوب الوعظ والتذكير، فإنه يحتاج في بعض الأحيان لاستخدام أسلوب الزجر والوعيد، ومن مظاهر ذلك ما قام به شيخ الإسلام مع مخالفيه في المناظرة الرفاعية، فإنه مع استخدامه لأسلوب الوعظ والتوجيه والنصح والبيان والإرشاد، إلا أنه لم يغفل الجانب الآخر عند الحاجة إليه، ومن ذلك ما حكاه من فعله مع كبير مشايخ الرفاعية حيث قال: «وخوفته من عاقبة الإصرار على البدعة، وأن ذلك يوجب عقوبة فاعله»(5).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (3/ 179).
(2) رواه البخاري، كتاب الرقائق، باب الخوف من الله (6481)، ومسلم، كتاب التوبة (2757).
(3) مجموع الفتاوى (3/ 230 - 231).
(4) انظر: مجموع الفتاوى (7/ 594).
(5) مجموع الفتاوى (11/ 450).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
29) استخدام أسلوب الردع والزجر عند الحاجة لذلك:
كان شيخ الإسلام رحمه الله بشراً يعتريه ما يعتري البشر من غضب وحدة أحياناً، وخصوصاً عند معاندة المخالف للشرع، ورفضه الانصياع للدين والحق، ولذلك لما استطال خصومه من الرفاعية على شرع الله وتلاعبوا في دين الله، غضب عليهم أشد الغضب، ولما أخذ شيخهم يقول: «يا مولانا لا تتعرض لهذا الجناب العزيز يعني أتباع أحمد بن الرفاعي!»(1)، قال شيخ الإسلام: «فقلت منكرًا بكلام غليظ: ويحك، أي شيء هو الجناب العزيز، وجناب من خالفه أولى بالعز يا ذو(2) الزَّرْجَنة(3)، تريدون أن تبطلوا دين الله ورسوله!»(4)، ولما تمادوا في الكذب والاحتيال شدد عليهم شيخ الإسلام في الخطاب، وكان مما دعاهم به: «يا شبه الرافضة، يا بيت الكذب!»(5)، ولما أغضبه صفي الدين الهندي بكلامه فيما لا يعلم، وتخطئته للشيخ بغير وجه حق، ومخالفته للإجماع، قال الشيخ: «فغضبت عليه وقلت: أخطأت، وهذا كذب مخالف للإجماع. وقلت له: لا أدب ولا فضيلة، لا تأدبت معي في الخطاب، ولا أصبت في الجواب»(6).
ولما أغضبه مرة أخرى بنقله كذب الرازي على أئمة الحنابلة بأنهم يقولون بالجسمية والحشو صاح عليه شيخ الإسلام ورفع صوته مغضبًا: «سمهم قل لي منهم؟ من هم؟! أبكذب ابن الخطيب(7) وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟!! وانزعج الشيخ انزعاجاً عظيماً على نائب--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (11/ 474).
(2) الصواب: يا ذا. والمثبت من الأصل.
(3) قال في القاموس (ص: 1553): «الزرجنة: التخارج، والخب، والخديعة».
(4) مجموع الفتاوى (11/ 474).
(5) المصدر السابق (11/ 474).
(6) المصدر السابق (3/ 183).
(7) المراد الرازي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)
المالكي والصفي الهندي وأسكتهما سكوتاً لم يتكلما بعده بما يذكر»(1).
ويعلل شيخ الإسلام لجوءه إلى مثل هذا المسلك في جوابه لمن أرسل إليه ناصحاً بلين الكلام ولطف الخطاب: «ما ذكرتم من لين الكلام والمخاطبة بالتي هي أحسن: فأنتم تعلمون أني من أكثر الناس استعمالا لهذا، لكن كل شيء في موضعه حسن، وحيث أمر الله ورسوله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة: فنحن مأمورون بمقابلته، لم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن»(2).
ويقول رحمه الله في موضع آخر: «ولما كانت المحاجة لا تنفع إلا مع العدل قال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت:46]، فالظالم ليس علينا أن نجادله بالتي هي أحسن»(3) وذلك أن «الظالم باغ مستحق للعقوبة، فيجوز أن يقابل بما يستحقه من العقوبة»(4).
وصدق من وصفه قائلاً(5):
حليمٌ كريمٌ مُشفِقٌ بَيْدَ أنَّهُ … إذا لم يُطَعْ في الله، للهِ يَغْضَبِ(6)
30) جواز استعمال المصطلحات الحادثة للحاجة:
بين شيخ الإسلام أنه يجوز للمناظر أن يخاطب أهل الاصطلاح باصطلاحهم إذا كانت هناك حاجة تدعو لذلك وكانت المعاني التي تدل عليها تلك--------------------------------------------
(1) رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (3/ 209)، وانظر: حكاية المناظرة في الواسطية ضمن جامع المسائل (8/ 190 - 192).
(2) مجموع الفتاوى (3/ 232)
(3) المصدر السابق (4/ 109).
(4) الجواب الصحيح (3/ 72).
(5) نجم الدين بن إسحاق بن أبي بكر بن ألمي التركي المتوفى (720 هـ) وله قصيدة في الثناء على شيخ الإسلام رحمه الله ومنها هذا البيت. انظر: العقود الدرية (452 - 457)
(6) العقود الدرية (452).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 130)
المصطلحات معان صحيحة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وأما مخاطبة أهل الاصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعُرفهم فإنَّ هذا جائزٌ حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتاجوا إليه»(1)، وقد استخدم شيخ الإسلام هذه الطريقة في مخاطبته مع الفلاسفة وغيرهم من أصحاب المصطلحات الحادثة، كما تجد ذلك مبثوثاً في مناظراته، وبين شيخ الإسلام أهمية ذلك عند الحاجة فقال: «ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات. فإذا كان عدو المسلمين -في تحصنهم وتسلحهم-على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم: كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع وهو الأصلح في الدنيا والآخرة. وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك لا لفضل قوته وشجاعته ولكن لمجانسته لهم كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب - وهم خيار العجم - أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي وكما كون العربي المتشبه بالعجم - وهم أدنى العرب - أعلم بمخاطبة العرب من العجمي»(2).
أثر منهج شيخ الإسلام في نتائج المناظرات:
لقد كان لمنهج شيخ الإسلام الذي اتبعه في محاورة ومناظرة مخالفيه وخصومه، عظيم الأثر في نتائج مناظراته، فالمتأمل في مناظرات شيخ الإسلام يجد لمناظراته كبير النفع والفائدة لمن ناظرهم، ولغيرهم ممن حضر هذه المناظرة أو قرأها أو نُقلت إليه وسمعها، فلم تكن مناظراته كحال كثير من المناظرات السقيمة التي تنتهي للسفسطة والجدل العقيم، ويخرج منها أطرافها بدون أي ثمرة--------------------------------------------
(1) الفتاوى الكبرى (1/ 136).
(2) مجموع الفتاوى (4/ 107).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 131)
أو نفع أو فائدة، بل كانت أكثر محاورات شيخ الإسلام لخصومه تنتهي بظهور الحق بأنصع صوره للموافق والمخالف والرائي والسامع، ولذلك فقد انتهت كثير من مناظراته برجوع خصومه عن مقالتهم وتوبتهم من باطلهم واعترافهم بالحق الذي بينه شيخ الإسلام وقرره، فإن لم يرجع الخصم عن مقالته ويعلن انصياعه للحق وقبوله، فإنه لا يجد محيصاً من الانقطاع أمام شيخ الإسلام، بحيث يظهر للناس المحق من المبطل وداعية الهدى من داعية الضلال، ويظهر ضعف الشبه الشيطانية، أما الحجج والأدلة الربانية.
وسأستعرض شيئاً مما يبرهن على ما ذكرته، ويؤيد ما قلته وسطرته، من وقائع أبرز المناظرات ونتائجها، وخاتمتها ونهايتها:
-ففي مناظرته مع بعض النصارى بين له شيخ الإسلام ولمن كان معه اللوازم الفاسدة التي تلزم من مقالتهم واعتقادهم «فاعترف هو وغيره بلزوم ذلك»(1).
-وفي مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد انتهت المناظرة باعترافهم وقولهم: «الدين الذي ذكرته خير من الدين الذي نحن وهؤلاء عليه»(2).
-وفي مناظرته الأخرى مع أحد معظمي الرهبان، اعترف بعد سماعه حجة شيخ الإسلام، أن ما يقومون به شرك "حتى إن قسيساً كان حاضراً في هذه المسألة، فلما سمعها قال: نعم على هذا التقدير نحن مشركون"(3).
-وفي مناظرته مع المنجمين، انتهت باعتراف رئيسهم بما قرره شيخ الإسلام من كذبهم وتخرصهم "فقال رئيسهم: والله إنا نكذب مائة كذبة حتى نصدق في كلمة"(4).
-وفي مناظرته مع أحد حذاق الاتحادية، أفحمه شيخ الإسلام بقوة حجته--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (3/ 329).
(2) مجموع الفتاوى (1/ 170 - 171)، انظر: الجامع لسيرته (ص:89 - 90)، (ص: 143).
(3) مجموع الفتاوى (27/ص 461).
(4) مجموع الفتاوى (35/ 172)، الفتاوى الكبرى (1/ 62).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 132)
حتى بُهِتَ ولم يجد جوابا فنازع في المسلمات، حتى ضحك منه الشيخ وظهر للناس فساد كلامه(1).
-وفي مناظرته مع بعض معظمي الاتحادية والغالين في مشايخهم، بين له شيخ الإسلام حقيقة أقوالهم ومذهبهم "حتى رَجَعَ عن تعظيم هؤلاء، وكَفَر بما يقوله ابن العربي من الكفريات، وقال: ما كُنّا نَعرِف حقيقةَ حالِ هؤلاء، ولا نعرف أن كلامَهم مشتمل على هذا كله! "(2).
-وفي مناظرته مع جمع من الرفاعية انتهت المناظرة بتوبة جماعة منهم(3).
-وفي المناظرة الكبرى للرفاعية عند قصر الإمارة، انتهت المناظرة بظهور شيخ الإسلام عليهم، وطلبهم الصلح والتوبة مما مضى، وإلزام السلطان لهم باتباع الكتاب والسنة وعدم الخروج عنهما(4).
-وفي مناظرته مع أحد مشايخ الرفاعية عندما أراد إظهار قدرته على دخول النار، قال له الشيخ: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك الفقير وأبلس»(5).
-وانتهى المجلس الأول من المناظرة الواسطية وقد أظهر الله من قيام الحجة وبيان المحجة: ما أعز الله به السنة والجماعة، وأرغم به أهل البدعة والضلالة(6).
-وانتهت مجالس المناظرة الواسطية باعتراف الحاضرين جميعا بصحة ما جاء في العقيدة(7).--------------------------------------------
(1) الصفدية (1/ 296 - 297).
(2) جامع المسائل (4/ 394).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (11/ 477).
(4) انظر: المصدر السابق (11/ 474، 475).
(5) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (371).
(6) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 180).
(7) انظر: العقود الدرية (ص:212).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 133)
-وفي المناظرة المدنية، تبين للرجل ما كان عليه من باطل واقتنع بما قرره شيخ الإسلام من الحق فـ «أظهر الرجل التوبة وتبين له الحق»(1).
-وفي مناظرته مع بعض منكري العلو، تاب الرجل واستغفر الله، ورجع إلى قول المسلمين المستقر في فطرهم(2).
فهذه أبرز المناظرات وأشهرها، وهذه نتائجها وثمرتها، وهي تبرز بوضوح عظيم أثر منهج شيخ الإسلام الذي اتبعه في نتائج هذه المناظرات، وضرورة التزام كل داعية يواجه أهل الباطل ويناظرهم ويخاصمهم ويجادلهم بمثل هذا المنهج العظيم، والمسلك القويم، الذي يثمر أفضل النتائج وأنفعها، وخير الثمار وأينعها.
* * *--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (6/ 372).
(2) درء التعارض (6/ 344).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 134)
الباب الأول
مناظرات شيخ الإسلام ابن تيمية مع غير المسلمين
ويشتمل على أربعة فصول:
الفصل الأول: مناظراته مع النصارى.
الفصل الثاني: مناظرته مع التتار.
الفصل الثالث: مناظرته مع المنجمين.
الفصل الرابع: مناظرته مع الفلاسفة.
* * *
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 135)
الفصل الأول
مناظرته مع النصارى.
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: مناظرته مع بعض علماء النصارى في تأليه المسيح دون غيره من الأنبياء.
المبحث الثاني: مناظرته مع بعض النصارى في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن.
المبحث الثالث: مناظرته مع ثلاثة من رهبان الصعيد في شركهم ومخالفتهم لدين إبراهيم والمسيح عليهما السلام.
المبحث الرابع: مناظرته مع بعض معظمي رهبان النصارى في دينهم وشركهم وعكوفهم على التماثيل والقبور وعبادتها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 137)
المبحث الأول: مناظرته مع بعض علماء النصارى في تأليه المسيح دون غيره من الأنبياء: وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عرض المناظرة:
• تمهيد:
ذكر شيخ الإسلام رحمه الله هذه المناظرة في معرض رده على القائلين بوحدة الوجود، حيث إن بعضهم قد شبه ما يدعيه من اتحاد الله به، بالظل وصاحبه، فبين شيخ الإسلام أن هذا مناقض للوحدة، وأن الظل مغاير لصاحب الظل، فيلزم منه إثبات شيئين لا شيء واحد.
ثم بين شيخ الإسلام أن ما ذكره هذا الرجل من التشبيه هو مثل تشبيه من شبه اتحاد المخلوق بالخالق بالشمس وشعاعها أو السراج وضوئه.
وذكر رحمه الله(1) أن هذه هي طريقة النصارى وأنهم يشبهون الاتحاد(2)--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 345 - 346).
(2) الاتحاد: صيرورة الشيئين واحدًا، وهو نوعان: عام، وخاص.
فالاتحاد العام هو: اتحاد الذات الإلهية مع جميع الكائنات فتصبح عين وجودها، وهو قول الملاحدة الذين يزعمون أن ذات الله هي عين وجود الكائنات.
والاتحاد الخاص: هو اتحاد الذات الإلهية ببعض الناس المخصوصين وامتزاج الذات مع الإنسان في شخص واحد، كما تقول بذلك فرق النصارى حيث يقولون: باتحاد اللاهوت والناسوت معًا، وامتزاجهما في شخص المسيح عليه السلام. وكلا النوعين باطل في حق الله عز وجل تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. انظر: التعريفات للجرجاني (ص: 6)، مجموع الفتاوى (2/ 171).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 139)
والحلول(1) بهذا، ثم أورد رحمه الله هذه المناظرة التي حصلت بينه وبين جماعة منهم ممن احتج بهذه الحجة وأتى بهذه الشبهة.
• نص المناظرة:
قال رحمه الله: «وقلت لمن حضرني منهم وتكلم بشيء من هذا: فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار، والخالق بالنار والشمس، فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره، فإن كل ما سوى الله -على هذا- هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟--------------------------------------------
(1) الحلول: عبارة عن اتحاد جسمين بحيث تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، كحلول ماء الورد في الورد، وهو نوعان عام وخاص.
فالحلول العام هو: حلول الله في الكون فيصبح الكون كله بكل جزيئاته محلًا له سبحانه وتعالى، وهو قول غالب متعبدة الجهمية=
والحلول الخاص: يُقصد به حلول ذات الله أو صفة من صفاته في جسد إنسان معين من خلقه أو روحه أو في أي كائن آخر حيًا كان أو جمادًا، بحيث يصبح هذا الشخص المعين أو الكائن المعين محلاً للإله ومظهرًا له، وهذا الذي تقول به النصارى.
فالحلول يقارب معنى الاتحاد من صيرورة الشيئين، شيئاً واحداً، لذا يطلق على الاتحادية أهل الوحدة، بأنهم حلولية، كما يطلق على النصارى بأنهم حلولية؛ لأن بعضهم يفسر الاتحاد بالحلول، ولقرب معناهما من بعض. وبعض أهل العلم يفرق بين الحلول والاتحاد من جهتين:
1_ أن الحلول إثبات لوجودين، بخلاف الاتحاد فهو إثبات لوجود واحد.
2_ أن الحلول يقبل الانفصال، أما الاتحاد فلا يقبل الانفصال.
انظر: التعريفات للجرجاني (ص 82، 83)، الكليات (ص 390)، الفرق بين الفرق (ص 241)، مجموع الفتاوى (10/ 59).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 140)
وجعلت أردد عليه هذا الكلام؛ وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهما جيداً، وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له، وأن ما أثبتوه للمسيح إما ممتنع في حق كل أحد، وإما مشترك بين المسيح وغيره؛ وعلى التقديرين فتخصيص المسيح بذلك باطل.
وذكرت له أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها؛ فإن المسيح صلى الله عليه وسلم وإن كان جاء بإحياء الموتى، فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} [البقرة:55] ثم بعثهم الله بعد موتهم كما قال: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة:56] وكالذي ضرب ببعض البقرة وغير ذلك.
وقد جاء بإحياء الموتى غير واحد من الأنبياء، والنصارى يصدقون بذلك.
وأما جعل العصا حية: فهذا أعظم من إحياء الميت فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيواناً تبتلع العصي والحبال: فهذا أبلغ في القدرة وأندر، فإن الله يحيي الموتى ولا يجعل الخشب حيات.
وأما إنزال المائدة من السماء: فقد كان ينزل على قوم موسى كل يوم من المن(1) والسلوى(2) وينبع لهم من الحجر من الماء: ما هو أعظم من ذلك، فإن الحلوى أو اللحم دائماً هو أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة؛ من الزيتون والسمك وغيرهما.
وذكرت له نحوا من ذلك؛ مما يبين أن تخصيص المسيح بالاتحاد ودعوى الإلهية ليس له وجه وأن سائر ما يذكر فيه إما أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره من--------------------------------------------
(1) قال الربيع بن أنس: المن: شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه. وقيل هو العسل نفسه. انظر: تفسير الطبري (2/ 92).
(2) قال الطبري: السلوى: طائر يشبه السُّماني. ونقل ذلك عن ابن مسعود، والسدي وقتادة ومجاهد. انظر: تفسير الطبري (2/ 96).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 141)
المخلوقات، وإما أن يكون مشتركا بينه وبين غيره من الأنبياء والرسل، مع أن بعض الرسل كإبراهيم وموسى: قد يكون أكمل في ذلك منه.
وأما خلقه من امرأة بلا رجل: فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك؛ فإنه خلق من بطن امرأة، وهذا معتاد بخلاف الخلق من ضلع رجل، فإن هذا ليس بمعتاد. فما من أمر يذكر في المسيح صلى الله عليه وسلم إلا وقد شركه فيه أو فيما هو أعظم منه غيره من بني آدم، فعلم قطعا أن تخصيص المسيح باطل، وأن ما يدعونه له إن كان ممكناً فلا اختصاص له به، وإن كان ممتنعاً فلا وجود له فيه ولا في غيره»(1).
وقال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية فلا يجدون فرقاً، بل أبين لهم أن ما جاء به موسى من الآيات أعظم فإن كان حجة في دعوى الإلهية؛ فموسى أحق، وأما ولادته من غير أب فهو يدل على قدرة الخالق؛ لا على أن المخلوق أفضل من غيره»(2).
المطلب الثاني: دراسة أهم المسائل العقدية الواردة في هذه المناظرة:
المسألة الأولى: مناقشة الشبهة الواردة في المناظرة: وذلك من وجهين:
الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
تشبيههم لاتحاد المسيح بالله باتحاد الشمس وشعاعها؛ إنما جاء لأنهم يعتقدون أن المسيح هو (الكلمة) وروح القدس هو (الحياة) فهي في الحقيقة كالصفات عند المسلمين، ولكن عندهم أن الصفات يجوز أن تكون مباينة للموصوف ومتصلة به في آن واحد.
ويمثلون على ذلك ببعض صفات الشمس، كالشعاع والحرارة والضياء، فهي--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (2/ 346).
(2) المصدر السابق (15/ 228)، وانظر: الرد على البكري (ص 327).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 142)
صفات مباينة ومنفصلة عن الموصوف (الشمس) وهي مع ذلك متصلة به(1).
وبهذا يتبين أصل شبهتهم، ومن أين دخلت عليهم، ووجه هذا التشبيه والتمثيل الذي ذكروه.
الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
إن الناظر في كتب شيخ الإسلام رحمه الله يجد أنه قد اعتنى في بيان بطلان هذه الشبهة وأجاب عنها من عدة أوجه، أهمها ما يلي:
أولاً: أن القول بأن الصفات يجوز أن تكون مباينة للموصوف ومتصلة به في آن واحد قول باطل؛ لأنه جمع بين النقيضين(2).
ثانياً: أن الشعاع والضوء والحرارة منه:
أ - ما هو قائم بذات الشمس؛ فيكون صفة لها قائم بها لم يحل بغيرها ولم يتحد بغيرها.
ب -ما هو بائن عن الشمس قائم بغيرها كالشعاع القائم بالهواء والأرض، فهذه ليست هي الشمس ولا من صفاته، وإنما هي أعراض منفصلة عنها قائمة بغيرها، فهي آثار حاصلة في غير الشمس بسبب الشمس.
وعلى هذا فليس هناك اتحاد بين اللاهوت والناسوت(3) كما لم تتحد الشمس ولا صفاتها القائمة بها بالهواء والأرض التي حصل بها الشعاع والحرارة.
ويكون غاية قولهم إنه لا يوجد في الناسوت شيء من اللاهوت وإنما فيه آثار حكمته وقدرته.--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الصحيح (3/ 296 - 297) (3/ 234 - 235) و (4/ 449).
(2) انظر: المصدر السابق (3/ 296).
(3) للاهوت والناسوت عدة إطلاقات، فيراد باللاهوت: الخالق، والناسوت: المخلوق. وربما يطلق الأول على الروح، والثاني على البدن، وربما يطلق الأول على العالم العلوي والثاني على العالم السفلي. وعلى السبب والمسبب. وعلى الجن والإنس، والمراد هنا الإطلاق الأول. انظر: الكليات للكفوي (4/ 173)، المعجم الفلسفي لجميل صليبا (2/ 277).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 143)
فيكون الذي حل في المسيح إنما هو آثار حكمة الإله وعلمه وقدرته وعلى هذا فلا يكون للمسيح اختصاص بذلك، بل هذا مشترك بينه وبين غيره من الأنبياء، بل وعموم الخلق كلهم(1).
وهذا هو معنى قول شيخ الإسلام: «فإذا كنتم تشبهون المخلوق بالشعاع الذي للشمس والنار، والخالق بالنار والشمس، فلا فرق في هذا بين المسيح وغيره، فإن كل ما سوى الله -على هذا- هو بمنزلة الشعاع والضوء فما الفرق بين المسيح وبين إبراهيم وموسى؟ بل ما الفرق بينه وبين سائر المخلوقات على هذا؟»(2).
ثالثاً: أنكم تقولون الإله (لا يتبعض ولا يتجزأ) وهذا مناقض لما ذكرتم من التشبيه بشعاع الشمس؛ لأن شعاع الشمس متجزئ متبعض فالشعاع قائم بالأرض والهواء وكل منهما متجزئ متبعض وما قام بالمتبعض فهو متبعض فإن الحال يتبع المحل وذلك يستلزم التبعض والتجزؤ فيما قام به، وهذا يناقض قولكم السابق(3) ..
رابعاً: قال شيخ الإسلام رحمه الله: «إن الشمس نفسها لم تحل في الأرض ولا النور الذي قام بها فارقها وانتقل إلى الأرض ولكن إذا قابلتها الأجسام انعكس عليها شعاعها فالشعاع الحاصل على الأرض ليس هو عين ما قام بالشمس، بل حدث بسبب المقابلة، كما أن السراج إذا كان في البيت حصل على الارض والحيطان والسقف نور ينعكس من شعاع السراج ونفس النار الخارجة من السراج لم ينفصل منها شيء ولا قامت صفتها بغيرها، وتلك النار عين قائمة بنفسها والضوء الذي على الحيطان صفة وعرض وكذلك الشعاع الذي على الأرض صفة من الصفات وعرض من الأعراض»(4).--------------------------------------------
(1) انظر: الجواب الصحيح (2/ 138).
(2) مجموع الفتاوى (2/ 346).
(3) انظر: الجواب الصحيح (3/ 300).
(4) تحقيق القول في مسألة عيسى كلمة الله والقرآن كلام الله (ص 42).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 144)
خامساً: أن الشعاع والحرارة والضياء القائمة بالأرض أو الهواء أعراض وأنتم تقولون إن الكلمة وروح القدس جوهران وليسا عرضان فتبين تناقض قولكم وبطلان استدلالكم(1).
سادساً: أن قولكم هذا يقتضي كون الخالق -جل وعلا- محتاجاً مفتقراً للمخلوق، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «والمثل الذي ضربوه له، يقتضي أن يكون مفتقرًا إلى غيره، وغيرهُ مستغنٍ عنه، كالمثل الذي ضربه النصارى له، لما مثلوه بشعاع الشمس مع محله، فإن محل الشعاع مستغن عن الشعاع، والشعاع مفتقر إلى محله.
فمقتضى هذا التمثيل، أن الإله محتاج إلى الإنسان، والإنسان مستغن عن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا»(2).
وبهذه الأوجه يتبين بطلان شبهتهم، وضعف قولهم، وبطلان حجتهم، وتناقض مذهبهم.
المسألة الثانية: في ذكر قاعدة مهمة تبطل ما ادعاه النصارى من ألوهية المسيح:
إن من أهم ما قرره شيخ الإسلام في هذه المناظرة تقريره لقاعدة مهمة تبطل جميع ما ادعاه النصارى في المسيح من الاتحاد والألوهية.
والقاعدة هي: أن سائر ما يذكر في الاستدلال على ألوهية المسيح إما أن يكون مشتركاً بينه وبين غيره من المخلوقات أو الأنبياء وإما أن يكون ممتنعا في حق كل أحد.
وقد مثل شيخ الإسلام رحمه الله على ما يستدل به النصارى على ألوهية المسيح، وهو في الحقيقة مشترك بينه وبين غيره من المخلوقات بعدة أمثلة منها ما يلي:---------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح (3/ 235).
(2) انظر: الجواب الصحيح (4/ 377 - 378).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 145)
أولاً: استدلالهم بإحيائه الموتى:
بين رحمه الله أنه لا يمكن الاستدلال بمثل هذا على ألوهية المسيح؛ لأن هذا الأمر لم يكن مختصا بالمسيح وحده، بل قد حدث لغيره وذكر على سبيل المثال لا الحصر:
ما جاء عن نبي الله موسى عليه السلام من إحياء للموتى قال رحمه الله: «فالموتى الذين أحياهم الله على يد موسى أكثر كالذين قالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} [البقرة:55] ثم بعثهم الله بعد موتهم كما قال: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} [البقرة:56] وكالذي ضرب ببعض البقرة وغير ذلك»(1).
وأيضاً جعله للعصا حية، قال شيخ الإسلام: «فهذا أعظم من أحياء الميت؛ فإن الميت كانت فيه حياة فردت الحياة إلى محل كانت فيه الحياة، وأما جعل خشبة يابسة حيوانا تبتلع العصي والحبال فهذا أبلغ في القدرة وأندر»(2).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (2/ 347).
(2) المصدر السابق (2/ 347)، وانظر: الجواب الصحيح (4/ 17 - 18).
وممن اشترك مع المسيح أيضاً في مثل هذا الأمر إبراهيم عليه السلام كما جاء في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260].
بل قد ورد في كتابهم المقدس إحياء الموتى عن غير واحد من الأنبياء فمن دونهم، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
إيليا أحيا طفلا (سفر الملوك الأول ص 17 عدد 17 إلى عدد 24)
حزقيال أحيا جيشا (سفر حزقيال ص 37 عدد 1 إلى عدد 10)
اليشع أحيا جيشا (سفر الملوك الثاني ص 4 عدد 32 إلى عدد 35)
وأحيا ميتا أخر كما في (سفر الملوك الثاني ص 13 عدد 20 إلى 21)
بطرس الرسول أحيا ميتا) أعمال الرسل ص 75 عدد 19 إلى عدد 16)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
ثانياً: استدلالهم بإنزال المائدة من السماء:
بين شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا الأمر أيضا قد حدث لموسى عليه السلام مع قومه حيث كان ينزل عليهم كل يوم المن والسلوى، وينبع لهم من الحجر من الماء ما هو أعظم من المائدة، فإن الحلوى واللحم أجل في نوعه وأعظم في قدره مما كان على المائدة من الزيتون والسمك وغيرهما(1).
ثالثاً: استدلالهم بخلقه من امرأة بلا رجل:
بين شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا الأمر أيضا لم يختص به المسيح دون غيره فقال رحمه الله: «فخلق حواء من رجل بلا امرأة أعجب من ذلك؛ فإن عيسى خلق الله من بطن امرأة وهنا معتاد بخلاف الخلق من ضلع الرجل فإن هذا ليس بمعتاد»(2).
رابعاً: استدلاهم بجعله الطين على هيئة الطير ونفخه فيه فيكون طيراً بإذن الله:
وهذه أيضًا لم تكن خصيصة لعيسى عليه السلام قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكذلك الملك يخلق النطفة في الرحم بإذن الله»(3).
وهكذا كل دليل يحتج به النصارى على ألوهية المسيح عليه السلام فهو لا يخرج عن هذه القاعدة، فإما أن يكون مشتركاً بينه وبين سائر الخلق وإما أن يكون ممتنعاً في حق كل أحد، كما أوضح ذلك شيخ الإسلام رحمه الله أوضح بيان(4).--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 347).
(2) المصدر السابق (2/ 346).
(3) الجواب الصحيح (3/ 251).
وشبيه ذلك أيضا قلب موسى للعصا إلى ثعبان عظيم بإذن الله، وتكليم الجمادات للنبي محمد صلى الله عليه وسلم كما كان يسلم عليه الحجر، ويحن الجذع لفقده.
(4) ومما استدل به النصارى على ألوهية المسيح، وهو مشترك بينه وبين غيره: شفاؤه للمرضى بإذن الله فقد حدث هذا لآخرين كُثر منهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
بل قد جاء شفاء المرضى في كتابهم المقدس عن غير واحد: منهم اليشع كما جاء في (سفر الملوك الثاني ص 5 عدد 10) ومنهم بولس كا جاء في (أعمال الرسل ص 14 عدد 8) ومنهم بطرس الرسول كما جاء في (أعمال الرسل ص 5 عدد 14) وغيرهم. وانظر كتاب: رد السهام عن الأنبياء الأعلام عليهم السلام في دفع شبهات المنصرين عن أنبياء رب العالمين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
المبحث الثاني: مناظرته مع بعض النصارى في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح في البدن
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عرض المناظرة.
• تمهيد:
أورد شيخ الإسلام رحمه الله هذه المناظرة في أثناء إبطاله لدعوى النصارى: اتحاد اللاهوت بالناسوت، وبالتحديد في الوجه الثاني عشر من ذلك، ولعل مما يحسن بنا هنا قبل عرض المناظرة أن نذكر ملخصاً لأهم هذه الأوجه التي ذكرها شيخ الإسلام الدالة في إبطال عقيدة الاتحاد، وهي كالآتي:
أولاً: أن هذا الأمر ممتنع عقلاً.
ثانياً: أن الأخبار الإلهية صريحة بأن المسيح عبد لله وليس رباً.
ثالثاً: أن يقال: إن المتحد بالمسيح إما أن يكون هو الكلام مع الذات، وإما أن يكون الكلام بمفرده، والأول ممتنع وباطل باتفاق النصارى وسائر أهل الملل؛ لأنه يلزم منه أن يكون المسيح هو نفسه الأب وهذا خلاف ما يقولونه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
وإن كان المتحد هو الكلام أو الكلمة وحدها، فهذا باطل أيضًا؛ لأن الكلام صفة والصفة لا تقوم بنفسها، ولا تملك ولا تخلق ولا تستقل بالفعل.
رابعاً: أنه بعد اتحاد اللاهوت بالمسيح، إما أن يتحدا ويبقيا بعد الاتحاد ذاتين أو يصبحا ذاتا وجوهراً واحداً.
فإذا كان الأول فهذا لا يسمى اتحادًا، وإن كان الثاني فيلزم منه استحاله اللاهوت وتبدل حقيقته وصفته، وهذا ممتنع مرفوض.
خامساً: أن قول النصارى باطل على جميع الأقوال التي قالها الناس في الكلام؛ فإن مرجع أقوال الناس في الكلام إلى ثلاثة أقوال:
أ -القول بنفي الكلام، وأنه مجاز أو هو ما تفيض به النفوس، ونحوه من العبارات التي مرجعها إلى القول بنفي الكلام، وهذا مخالف لقولهم.
ب -أن الكلام مخلوق لله بائن عنه، وعلى هذا القول يكون المسيح مخلوقاً وليس بإله.
ت -أن الكلام صفة من صفات الله، والصفة من المعلوم أنها قائمة بالموصوف ليست مباينة له ولا تستقل بفعل، ولا تنفرد بخلق ولا تدبير، كما يقول النصارى في المسيح عليه السلام.
سادساً: أن المسيح خُلق بالكلمة وليس هو الكلمة، وعلى هذا دلت النصوص.
سابعاً: أنهم يقرون بأن من الممتنع أن يكلم الله بشرًا إلا وحيًا أو من وراء حجاب، فإذا كان هذا ممتنعاً، فامتناع أن يتحد به أو يحل فيه من باب أولى.
ثامناً: أنهم يقرون بأن رؤية البشر لله في الدنيا ممتنعة، وبذلك جاءت التوراة عندهم، فإذا كانت الرؤية ممتنعة فالاتحاد من باب أولى.
تاسعاً: أنه لو كان اتحاد الله وحلوله في البشر ممكناً -تعالى الله عما يقولون- لما اختص عيسى عليه السلام بذلك دون سائر الأنبياء والناس، بل كما جاز أن يتحد به
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)