Arabic source text

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

📘 المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية (هيثم الحمري)

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
القرآن ذم الجدل وجاء الأمر به، وجاء في السنة ما يدل على مشروعيته، وجاء ما يرغب ويحذر عنه، وجاء عن السلف فعله والقيام به، وجاء عنهم التحذير والنهي عنه، وكل ذلك محمول على أن الجدل والتناظر نوعان فمنه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، وما جاء في النصوص والآثار من مدح أو حث أو فعل فإنما هو من النوع الأول، وما جاء في النصوص من ذم أو نهي أو تحذير فهو من النوع الثاني.
وقد كانت مناظرات شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- مع خصومه من النوع الأول، فقد تحققت بها مصالح شرعية كثيرة، واندفعت بها مفاسد كبيرة، وظهر فيها الحق أيما ظهور، واندثر فيها الباطل أيما دثور، وارتفعت فيها أعلام السنن، واندحر فيها خلق من أهل الزيغ والفتن، وهدى الله بها أمة من الناس إلى صراط مستقيم، كما سيظهر للقارئ خلال عرضها، في المباحث القادمة.
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

المبحث الثاني:
التعريف بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومنهجه في المناظرات:
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام رحمه الله.
المطلب الثاني: منهج شيخ الإسلام رحمه الله في المناظرات.
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

‌‌المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام رحمه الله: ويشتمل على:
اسمه ونسبه ومولده.
صفاته: سعة علمه، قوة حفظه، جلده في العلم والتعليم، قوة حجته، زهده وكرم نفسه، حلمه وعفوه وصفحه، صبره وانشراح صدره، شجاعته، تواضعه.
ثناء أهل العلم عليه.
كثرة تصانيفه.
وفاته.
حزن الناس عليه.
* * *

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

المطلب الأول: التعريف بشيخ الإسلام رحمه الله:

‌‌تمهيد:
إن من الصعوبة بمكان الكلام على شخصية مثل شخصية شيخ الإسلام، في بضع ورقات أو عدة صفحات، وهو الذي بلغت شهرته الآفاق، وصنفت في ذكر مآثره، وتعداد مناقبه، المصنفات الكثيرة، ورحم الله الحافظ الذهبي حين قال: «وهو أعظم من أن يصفه كلمي أو ينبه على شأنه قلمي»(1) فإذا كان الذهبي مع عظم مكانه وعلو شأنه، يستصغر نفسه في الكتابة عن مثل هذا الإمام، فالكاتب باستشعار مثل هذا أولى وأحرى، كيف لا، والقلم يبقى حائرًا، والعقل منذهلًا، والخاطر مشتتًا، لا يدري ماذا يكتب في وصف هذا الإمام ونعته، وعلمه وفضله، ومكانته وقدره، وقوله وفعله، وحلمه وحزمه، وعفوه وصفحه، وسمته وهديه، وفطنته وعقله، وإنصافه وعدله، وهمته وهمه، وجهاده وصدقه.
ولكن لما لم يكن من الكتابة بُد، فقد استعنت بالله في اختيار ما تيسر من المناقب والفضائل والمآثر والشمائل التي تبرز شخصيه هذا الإمام وعلو كعبه وعظيم مكانته وقدره، وقديماً قيل: يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق(2).--------------------------------------------
(1) العقود الدرية (ص: 40).
(2) انظر مجمع الأمثال للميداني (1/ 196).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

‌‌اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن إبراهيم بن علي بن عبد الله النميري الحراني(1) الدمشقي
المعروف بابن تيمية(2)، الملقب بشيخ الإسلام(3).
أما مولده: فكان كما قال تلميذه أبو حفص البزار(4): «أخبرني غير واحد من--------------------------------------------
(1) الحراني: نسبة إلى حران مدينة مشهورة بين الموصل والشام والروم، قيل: سميت بهاران أخي إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، وهو والد لوط عليه السلام؛ لأنه أول من بناها، ثم عربت فقيل: حران، وذُكر أنها أول مدينة بنيت في الأرض بعد الطوفان، فتحت في أيام عمر رضي الله عنه على يدي عياض بن غنم بن زهير الفهري رضي الله عنه صلحاً في سنة تسع عشرة، وهي الآن جنوب شرق تركيا. انظر: معجم البلدان (2/ 235)، التبيان لبديعة البيان ضمن الجامع لسيرته (ص: 491).
(2) تيمية: نُسِب شيخ الإسلام إلى شهرة أم جده محمد بن الخضر، كانت واعظة تسمى تيمية، وقيل: حج جده المذكور فمر على درب تيماء المشهور، فخرج عليه من خباء جارية طفلة سنية، فلما رجع رأى زوجته، وكانت حاملاً قد وضعت بنتاً، فقال لها: يا تيمية يا تيمية! فلزمه هذا الاسم لقباً مذكورا، وصار لذريته من بعده علماً مشهوراً. انظر: التبيان لبديعة البيان ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص 492).
(3) يعتبر ابن تيمية من أشهر من عُرِف بهذا اللقب، ولا يعرف في علماء الإسلام من فاقت شهرته بهذا اللقب بحيث ينصرف إليه، ولو لم يقرن باسمه، سوى: شيخ الإسلام ابن تيمية، ومع ذلك فغيظ الخصوم حملهم على تكفير مَن لقبه بشيخ الإسلام، حتى ألف الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي كتابه النافع العظيم (الرد الوافر على من زعم أن من لقب ابن تيمية بشيخ الإسلام فهو كافر) فساق فيه من أقوال أهل المذاهب، والفرق، من لقبه بذلك، وقد أبطل الله مناوآتهم، وكشف سريرتهم، ورفع شأن شيخ الإسلام. انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ومعجم المناهي اللفظية (ص: 314).
(4) هو الحافظ سراج الدين أبي حفص عمر بن علي البزار، أحد الحفاظ رحل إلى دمشق، وجالس ابن تيمية وأخذ عنه، وله ترجمة بديعة لشيخ الإسلام لا يمل قارئها أسماها: (الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية) وله (الكفاية في الجرح والتعديل)، (ت: 749 هـ) ـ انظر: ذيل طبقات الحنابلة (5/ 147)، الدرر الكامنة (3/ 180).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)

الحفاظ أنه ولد في حران في عاشر ربيع الأول، سنة إحدى وستين وست مئة، وبقي بها إلى أن بلغ سبع سنين، ثم انتقل به والده رحمه الله إلى دمشق المحروسة، فنشأ بها أتم إنشاء وأزكاه، وأنبته الله أحسن النبات وأوفاه، وكانت مخايل النجابة عليه في صغره لائحة، ودلائل العناية فيه واضحة … ولم يزل منذ إبان صغره مستغرق الأوقات في الجهد والاجتهاد، وختم القرآن صغيرا ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى برع في ذلك مع ملازمة مجالس الذكر وسماع الأحاديث والآثار»(1).

‌‌صفاته:
لقد جمع الله لشيخ الإسلام ابن تيمية من الخلال والأوصاف ما لا يكاد يعرف عن أحد ممن عاصره أو جاء بعده، ومثل هذا المقام لا يسع لذكر شيء منها إلا النزر اليسير والشيء القليل، وهي أضعاف أضعاف ما ذُكر بكثير، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وبعد قراءة مطولة في تراجم الشيخ رحمه الله، حاولت أن أكون في تعدادي لصفاته وذكر مناقبه وخلاله (معتنياً مقتنيا): فاعتنيت بذكر أبرز ما يظهر علو كعبه وعظم مكانته، واقتنيت أجود ما عبر به المترجمون عن صفاته وعظيم خصاله، وهي كالآتي:

‌‌أولاً: سعة علمه:
إن مما اتفق عليه محبو شيخ الإسلام ومبغضوه، وشهد له به موافقوه ومخالفوه، أنه كان واسع العلم كبير المعرفة على دراية واطلاع بمختلف الفنون وأنواع العلوم قال ابن دقيق العيد(2) رحمه الله: «لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً--------------------------------------------
(1) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (ص: 16).
(2) هو أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع ابن أبي الطّاعة القشيري المنفلوطي الشّافعي المصري، المعروف بابن دقيق العيد، له مصنفات منها: "الإلمام" وشرحه "عمدة الأحكام" وغيرها، (ت:702 هـ). انظر في ترجمته: تذكرة الحفاظ للذهبي (4/ 1481)، الدرر الكامنة (4/ 210)، طبقات الشافعية الكبرى (9/ 207).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

كل العلوم بين عينيه؛ يأخذ ما يريد ويدع ما يريد»(1).
وقال ابن سيد الناس(2): «ألفيته ممن أدرك من العلم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إِنْ تكلَّم في التفسير؛ فهو حامل رايته، أَو أفتى في الفقه؛ فهو مُدْرك غايته، أو ذاكر بالحديث؛ فهو صاحب علم وذو روايته، أَو حاضر بالنِّحل والملل؛ لم يُر أَوسع من نِحْلَتِه في ذلك ولا أَرفع من درايته، برز في كل فنِّ على أَبناء جِنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأَت عينه مثل نفسه»(3).
وقال عَلم الشافعية العلامة كمال الدين ابن الزملكاني(4): «كان -يعني: شيخ الإسلام- إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن وحكم أن أحداً لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحداً فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم: سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله والمنسوبين إليه … واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها»(5).
وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله حاكياً عن نفسه: «أنا أعلم كل بدعة حدثت في--------------------------------------------
(1) تتمة المختصر في أخبار البشر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: 329).
(2) أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن سيّد النّاس الشافعي الإشبيليّ المصري، المعروف بابن سيّد الناس، كان حافظاً بارعاً متفنناً وله أشعار حسنة، من مصنفاته "عيون الأثر" و"بشرى اللبيب" (ت:734 هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (9/ 268 - 272) شذرات الذهب (8/ 189) فوات الوفيات (3/ 287).
(3) أجوبة ابن سيد الناس اليعمري ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: 188).
(4) هو كمال الدين محمد بن علي بن عبد الواحد الأنصاري، المعروف بابن الزملكاني، انتهت إليه رياسة الشافعية في عصره، له مصنفات منها: رسالة في الرد على ابن تيمية في مسألتي (الطلاق والزيارة) وتعليقات على (المنهاج) للنووي، (ت: 727 هـ). انظر: طبقات الشافعية الكبرى (5/ 251)، الدرر الكامنة (4/ 74).
(5) العقود الدرية (ص: 23 - 24).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

الإسلام، وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها»(1).
وقال ابن القيم: «ومن الجود بالعلم: أن السائل إذا سألك عن مسألة: استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا: نعم، أو: لا. مقتصرا عليها.
ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في ذلك أمراً عجيباً: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر في جوابها مذاهب الأئمة الأربعة، إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح. وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته. فيكون فرحه بتلك المتعلقات، واللوازم: أعظم من فرحه بمسألته وهذه فتاويه رحمه الله بين الناس، فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك»(2).
ولم يكن علمه مقتصراً على العلوم الشرعية فحسب؛ بل لقد كان آية من آيات الله في مختلف العلوم وشتى الفنون قال العلامة أحمد بن يحيى العمري(3): «وكان إماماً في التفسير وعلوم القرآن، عارفاً بالفقه واختلاف الفقهاء والأصلينِ والنحو وما يتعلق به، واللغة والمنطق وعلم الهيئة واجَبْر(4) والمقابلة، وعلم الحساب، وعلم أهل الكتابين وأهل البدع، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية. وما تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه»(5).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (3/ 184).
(2) مدارج السالكين (2/ 279)
(3) أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلى القرشي العمري، من علماء الشافعية، من كبار المؤرخين في عصره، له مصنفات منها: "مسالك الأبصار"، "نفحة الروض" وغيرها، مولده ومنشأه ووفاته في دمشق (ت: 749 هـ). انظر: فوات الوفيات (19/ 211) الدرر الكامنة (1/ 393).
(4) هكذا في المطبوع ولعل الصواب (الجبر).
(5) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: 317).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

وقد حكى الصفدي(1) عن المولى علاء الدين علي بن الآمدي(2)، وهو من كبار كتاب الحساب، قال: «دخلت يوماً إليه، أنا والشمس النفيس عامل بيت المال، ولم يكن في وقته أكتب منه، فأخذ الشيخ تقي الدين يسأله عن الارتفاع، وعما بين الفذلكة واستقرار الجملة من الأبواب، وعن الفذلكة الثانية وخصمها، وعن أعمال الاستحقاق، وعن الختم والتوالي، وما يطلب من العامل، وهو يجيبه عن البعض ويسكت عن البعض، ويسأله عن تعليل ذلك، إلى أن أوضح له ذلك وعلله؛ قال: فلما خرجنا من عنده قال لي النفيس: والله تعلمت اليوم منه ما لا كنت أعلمه»(3).

‌‌ثانياً: قوة حفظه وسرعته:
لقد كان شيخ الإسلام أُعجوبة أهل زمانه في سرعة حفظه وفرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وسرعة إدراكه، وشدة استحضاره، وقد عد الحافظ أبو المظفر السُّرّمَرِّي(4) قوة حفظ شيخ الإسلام من عجائب ذلك الزمان، حيث قال رحمه الله في المجلس السابع والستين من أماليه في الذكر والحفظ: «ومن عجائب ما وقع في الحفظ في أهل زماننا: شيخ الاسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية؛ فإنه كان يمر بالكتاب فيطالعه مرة فينتقش في ذهنه، فيذاكر به وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه»(5).--------------------------------------------
(1) هو أبو الصفاء خليل بن أيبك بن عبد الله الأديب صلاح الدين الصفدي، برع في الأدب والبلاغة وله كتب في التأريخ منها "الوافي بالوفيات" و"أعيان العصر" ولقي شيخ الإسلام وأخذ عنه (ت:764 هـ). انظر: الدرر الكامنة (2/ 207)، البدر الطالع (1/ 220).
(2) لم أقف على شيء من ترجمته إلا ما ذكره الصفدي هنا من أنه كان من كبار كتاب الحساب.
(3) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرته (ص: 372).
(4) هو أبو المظفر يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد العبادي ثم العقيلي السرمري نزيل دمشق الحنبلي، له مصنفات كثيرة منها: "الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية"، "عقود اللآلي في الأمالي"= =وغيرها، (ت: 776 هـ). انظر: الدرر الكامنة (6/ 247) شذرات الذهب (6/ 249).
(5) الرد الوافر (ص: 133).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

ولا أدل على عظمة حفظه، وقوة ذاكرته من مصنفاته العظيمة ومؤلفاته الجليلة، التي لم يعتمد في تصنيف معظمها -إن لم تكن كلها- إلا على حفظه وذاكرته، وهذه حقيقة تبهر العقول وتدهش الأذهان، قال ابن عبدالهادي(1) رحمه الله: «وله من المؤلفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل والتعاليق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحداً من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك؛ مع أن تصانيفه كان يكتبها من حفظه، وكتب كثيرًا منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه، ويراجعه من الكتب»(2).

‌‌ثالثاً: جلده في العلم والتعليم:
أما جلده في العلم فقد كان شيخ الإسلام رحمه الله محباً للقراءة والحفظ والمذاكرة، شغوفاً بالعلم، لا تكاد نفسه تشبع منه، ولا تروى من مطالعته، قال الصفدي: «وكان من صغره حريصا على الطلب، مجدًا على التحصيل والدأب، ولا يؤثر على الاشتغال لذة، ولا يرى أن تضيع لحظة منه في البطالة فذة، يذهل عن نفسه ويغيب في لذة العلم على حسه، لا يطلب أكلاً إلا إذا حضر لديه، ولا يرتاح إلى طعام ولا شراب في أبرديه(3)»(4).
ومن جميل ما يذكر في بيان شغفه رحمه الله بالعلم وتحصيله، وجلده عليه وصبره وتشميره، تلك القصة التي حكاها ابن ناصر الدين الدمشقي(5) رحمه الله فقال: «ومن--------------------------------------------
(1) محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي، إمام حافظ تتلمذ على يد شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان ماهراً في الحديث والعلل والعربية، له مصنفات منها: "الصارم المنكي"، "العقود الدرية" وغيرها، (ت:744). انظر: الدرر الكامنة (1/ ص 456) وشذرات الذهب (6/ 141).
(2) مختصر طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي ضمن الجامع لسيرته (ص: 257).
(3) الأبردين: الفيء والظل أو الغداة والعشي. انظر: النهاية (1/ 114) لسان العرب (3/ 84).
(4) أعيان العصر ضمن الجامع لسيرته (ص: 350).
(5) هو محمد بن عبد الله بن محمد القيسي الدمشقي، شمس الدين، الشهير بابن ناصر الدين من فقهاء الشافعية كان حافظ الشام في عصره بغير منازع، قيل: لم يخلف في الشام بعده مثله، توفي مقتولاً في إحدى قرى دمشق (ت: 842 هـ). انظر: البدر الطالع (2/ 198)، شذرات الذهب (7/ 243).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

أعجب ما سمعته عنه ما حدثني به بعض أصحابه: أنه لما كان صبياً في بداية أمره أراد والده أن يخرج بأولاده يوماً إلى البستان على سبيل التنزه، فقال له: يا أحمد تخرج مع إخوتك تستريح!
فاعتلَّ عليه، فألحَّ عليه والده، فامتنع أشد الامتناع.
فقال: أشتهي أن تعفيني من الخروج. فتركه وخرج بإخوته، فظلوا يومهم في البستان، ورجعوا آخر النهار.
فقال: يا أحمد، أوحشت إخوتك اليوم، وتكدر عليهم بسبب غيبتك عنهم، فما هذا؟!
فقال يا سيدي إنني اليوم حفظت هذا الكتاب، لكتاب معه(1).
فقال: حفظته؟! كالمنكر المتعجب من قوله.
فقال له: استعرضه عليَّ، فاستعرضه فإذا به قد حفظه جميعه!!
فأخذه وقبّله بين عينيه، وقال: يا بني، لا تخبر أحداً بما قد فعلت، خوفاً عليه من العين، أو كما قال»(2).
وقال الصفدي رحمه الله حاكياً همة شيخ الإسلام في جرد الكتب وقراءتها: «قلت: حكى لي من سمعه يقول: إني وقفت على مائة وعشرين تفسيراً، أستحضر من الجميع الصحيح الذي فيها، أو كما قال»(3). وقال تلميذ شيخ الإسلام أبو عبد الله ابن رشيق رحمه الله(4): «وقال لي مرة: ربما طالعت على الآية الواحدة--------------------------------------------
(1) الكتاب هو: (جنة الناظر وجنّة المناظر) كما ذكر ذلك الصفدي رحمه الله انظر: أعيان العصر للصفدي (1/ 236).
(2) الرد الوافر (ص: 133)، وانظر: أعيان العصر للصفدي (1/ 236).
(3) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرته (ص: 368)
(4) هو محمد بن عبد الله بن سبط ابن رشيق المغربي المالكي، أبو عبد الله، الفقيه صاحب شيخ الإسلام ابن تيمية وكاتب مصنفاته، وأعرف الناس بخط الشيخ حتى من الشيخ نفسه (ت: 749 هـ). انظر: البداية والنهاية (14/ 264) العقود الدرية (ص:43).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

نحو مئة تفسير»(1). قال الذهبي رحمه الله: «كان آية من آيات الله تعالى في التفسير والتوسع فيه، لعله يبقى في تفسير الآية المجلس والمجلسين»(2). وقال أبو حفص البزار: «ولقد كان إذا قُرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم يشرع في تفسيرها فينقضي المجلس بجملته، والدرس برمته، وهو في تفسير بعض آية منها … يفعل ذلك بديهة»(3).
ولربما أملى الكتاب في قعدة واحدة قال ابن عبد الهادي: «أملى شيخنا المسألة المعروفة بالحموية سنة ثمان وتسعين في قعدة بين الظهر والعصر»(4)، وهكذا ألف الواسطية في قعدة بين العصر والمغرب(5)، وألف قاعدة في كلام الله(6)، كتبها في قعدة واحدة كما نص على ذلك في آخرها، وغيرها كثير من فتاواه ومصنفاته رحمه الله تعالى وغفر له.

‌‌رابعاً: قوة حجته:
«وهو في وقت الحرب مجنة، قَلَّ أن قطعه خصمه الذي تصدى له وانتصب، أو خلص منه مناظره إلا وهو يشكو من الأين والنصب»(7)، بهذه العبارة اختار الصفدي رحمه الله أن يبين مدى قوة حجة شيخ الإسلام في مواجهته لخصومه، ومدى ضعف خصومه في منازعتهم له، وهذا الأمر ليس بغريب على شيخ الإسلام رحمه الله، فقد كان رحمه الله لقوة ما أتاه الله من علم وحجة وبيان يستخدم شتى أنواع الأسلحة العقلية والنقلية في مواجهة الخصوم وبيان باطلهم، ونصر الحق وإظهاره، وقد--------------------------------------------
(1) الجامع لسيرته (ص: 282).
(2) ذيل تاريخ الإسلام ضمن الجامع لسيرته (ص: 368).
(3) الأعلام العلية (ص:20).
(4) مختصر طبقات علماء الحنابلة ضمن الجامع لسيرته (ص: 259).
(5) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 164).
(6) قاعدة مطبوعة ضمن مجموع الفتاوى (12/ 6 - 116).
(7) أعيان العصر ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: 348).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)

كان من عجيب أمره رحمه الله أنه يكتفي في الرد على خصمه بالدليل الذي يحتج به الخصم عليه، فيقلب حجة الخصم حجة عليه، والدليل الذي يحتج به على صحة قوله دليلاً على بطلان قوله، قال ابن القيم رحمه الله: «فأقام الله لدينه شيخ الإسلام أبا العباس ابن تيمية -قدس الله روحه- فأقام على غزوهم مدة حياته باليد والقلب واللسان، وكشف للناس باطلهم، وبين تلبيسهم وتدليسهم، وقابلهم بصريح المعقول وصحيح المنقول، وشفى واشتفى، وبين مناقضتهم ومفارقتهم لحكم العقل الذي به يدلون، وإليه يدعون، وإنهم أترك الناس لأحكامه وقضاياه، فلا وحي ولا عقل، فأرداهم في حفرهم ورشقهم بسهامهم، وبين أن صحيح معقولاتهم خدم لنصوص الأنبياء شاهدة لها بالصحة، وتفصيل هذه الجملة موجودة في كتبه»(1).
وقال رحمه الله:
أبدى فضائحهم وبيّن جهلهم … وأرى تناقضهم بكل زمان
ومن العجائب أنه بسلاحهم … أرداهم تحت الحضيض الداني(2)

‌‌خامساً: زهده وكرم نفسه:
وكما تربى شيخ الإسلام على حب العلم والعمل، نشأ كذلك على صفات كريمة وأخلاق نبيله، كالزهد في الدنيا، والجود والكرم والسخاء، والتواضع ولين الجانب وغير ذلك من خلال الخير والبر، قال سراج الدين أبو حفص البزار: «ولقد اتفق كل من رآه -خصوصاً من أطال ملازمته- أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهوراً؛ بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها، بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية -رحمة الله عليه---------------------------------------------
(1) الصواعق المرسلة (3/ 1079 - 1080).
(2) نونية ابن القيم الكافية الشافية (ص: 232).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)

لم يُسمع أنه رغب في زوجة حسناء، ولا سرية حوراء، ولا دار قوراء(1)، ولا مماليك جوار، ولا بساتين ولا عقار ولا شد على دينار ولا درهم، ولا رغب في دواب، ولا نعم ولا ثياب ناعمة فاخرة، ولا حشم ولا زاحم في طلب الرئاسات، ولا رئي ساعياً في تحصيل المباحات، مع أن الملوك والأمراء والتجار والكبراء كانوا طوع أمره، خاضعين لقوله وفعله، وادين أن يتقربوا إلى قلبه مهما أمكنهم، مظهرين لإجلاله أو أن يؤهل كلا منهم في بذل ماله»(2).
وكذلك كرمه وجوده يفوق الوصف، قال العلامة أحمد بن يحيى العمري: «وكان يجيئه من المال في كل سنة ما لا يكاد يحصى، فينفقه جميعه آلافاً ومئين، لا يلمس منه درهما بيده، ولا ينفقه في حاجة له»(3)، «هذا مع ما جمع من الورع، وإلى ما فيه من العلى، وما حازه بحذافير الوجود في الجود، كانت تأتيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، فيهبه بأجمعه، ويضعه عند أهل الحاجة في موضعه، لا يأخذ منه شيئا إلا ليهبه، ولا يحفظه إلا ليذهبه كله في سبيل البر، وطريق أهل التواضع لا أهل الكبر. لم يمل به حب الشهوات»(4).
وأختم بقول الذهبي رحمه الله: «وما رأيت في العالم أكرم منه ولا أفرغ منه عن الدينار لا يذكره ولا أظنه يدور في ذهنه»(5).

‌‌سادساً: حلمه وعفوه وصفحه:
إن من أبرز الصفات التي تحلى بها الشيخ الهمام شيخ الإسلام: حلمه وعفوه--------------------------------------------
(1) القوراء: الواسعة. انظر: القاموس المحيط (ص: 467).
(2) الأعلام العلية (ص: 46).
(3) مسالك الأبصار ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: 323).
(4) المصدر السابق (ص: 317).
(5) نقله عنه ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: 473).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)

وصفحه وصبره على مخالفيه؛ ومن كان له أدنى اطلاع على حياة الشيخ أدرك مدى اتصاف شيخ الإسلام بهذا الخلق النبيل وتحليه به، فقد كان كريم النفس عظيم الصفح؛ يُقرِب مَن يقصيه، ويُكرِم من يؤذيه، ويعتذر لمن جنى عليه، وللشيخ رحمه الله حكايات عديدة ومواقف كثيرة يظهر فيها جلياً عفوه وصفحه وسماحته وكرم نفسه وصفاء سريرته، واكتفي هنا بذكر أهم وأبرز ما وقفت عليه منها:
الموقف الأول: بعد أن ارتفع نجم شيخ الإسلام في البلاد الشامية، وأظهر الله على يديه الحق والدين، وقمع به كثير من أهل الضلال والمنحرفين، ولم يستطع أهل الباطل مناظرته ومجاراته، وامتحن سنة خمس وسبعمائة بأمر السلطان في عقيدته الواسطية، وناظره فيها القضاة والعلماء بالقصر، وقرأوها في ثلاثة مجالس، وحاقَقُوه وبحثوا معه، ولم يستطيعوا أن يثبتوا على الشيخ مأخذًا أو مطعنًا وانتصر له السلطان، وحُكم بسلامة وصحة معتقده، قال ابن رجب رحمه الله: «ثم إن المصريين دبروا الحيلة في أمر الشيخ، ورأوا أنه لا يمكن البحث معه، ولكن يعقد له مجلس، ويدعى عليه، وتقام عليه الشهادات. وكان القائمون في ذلك منهم: بيبرس الجاشنكير(1)، الذي تسلطن بعد ذلك، ونصر المنبجي(2)، وابن مخلوف قاضي المالكية(3)، فطلب الشيخ على البريد إلى القاهرة، وعقد له--------------------------------------------
(1) هو ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري، الملك المظفر: من سلاطين المماليك بمصر والشام، صار من كبار الأمراء في دولة الأشرف خليل بن قلاوون، وتقلبت به الأحوال (ت: 709 هـ). انظر: النجوم الزاهرة (8/ 232)، الدرر الكامنة (2/ 36).
(2) هو أبو الفتح نصر بن سليمان المنبجي، أحد الصوفية المعظمين لابن عربي، أنشأ له زاوية خارج باب النصر وصار يتعبد فيها ويتردد عليه فيها الأكابر، ولشيخ الإسلام رسالة في الرد عليه في مسألة الاتحاد، (ت: 719 هـ). انظر: الدرر الكامنة (6/ 158)، الخطط المقريزية (2/ 432).
(3) هو زين الدين علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويري المالكي قاضي القضاة، ولي قضاء الديار المصرية ثلاثا وثلاثين سنة، وذكر مترجموه أنه كان محمود السيرة، ولكن قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (3/ 235): «ذاك رجل كذاب فاجر قليل العلم والدين» (ت: 718 هـ). انظر: الوافي بالوفيات (22/ 118) الدرر الكامنة (3/ 202).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)

ثاني يوم وصوله - وهو ثاني عشرين رمضان سنة خمس وسبعمائة - مجلس بالقلعة، وادعي عليه عند ابن مخلوف قاضي المالكية، أنه يقول: إن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت، وأنه على العرش بذاته، وأنه يشار إليه بالإشارة الحسية.
وقال المدعي: أطلب تعزيزه على ذلك، التعزيز البليغ - يشير إلى القتل على مذهب مالك- فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه، فقيل له: أسرع ما جئت لتخطب، فقال: أأمنع من الثناء على الله تعالى؟ فقال القاضي: أجب، فقد حمدت الله تعالى. فسكت الشيخ، فقال: أجب. فقال الشيخ له: من هو الحاكم في؟ فأشاروا: القاضي هو الحاكم، فقال الشيخ لابن مخلوف: أنت خصمي، كيف تحكم فيَّ؟ وغضب، ومراده: أني وإياك متنازعان في هذه المسائل، فكيف يحكم أحد الخصمين على الآخر فيها، فأقيم الشيخ ومعه أخواه، ثم رد الشيخ، وقال: رضيت أن تحكم في، فلم يمكن من الجلوس» وأُمر به أن يحبس ويسجن، قال ابن رجب: «ويقال إن أخاه الشيخ شرف الدين ابتهل، ودعا الله عليهم في حال خروجهم، فمنعه الشيخ، وقال له: بل قل: اللهم هب لهم نوراً يهتدون به إلى الحق»(1). وهذا مصداق ما ذكره ابن القيم رحمه الله عنه حيث قال: «وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم»(2).
الموقف الثاني: عاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون(3) واسترد الملك الذي انتزع منه، والشيخ منفي بالإسكندرية بأمر الدولة وإنما أرادوا أَنْ يسيّروه إِلى الإِسكندرية كهيئة المنفيّ، لعل أحدًا من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غِيلة فيستريحوا--------------------------------------------
(1) الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (475).
(2) مدارج السالكين (2/ 328 - 329).
(3) هو أبو الفتح محمد بن قلاوون بن عبد الله الصالحي من كبار ملوك الدولة القلاوونية، ولي سلطنة مصر والشام سنة 693 هـ وهو صبي، وخلع منها لحداثته سنه، فأرسل إلى الكرك، وأعيد للسلطنة بمصر وبقي كالمحجور عليه، ثم استتب له الأمر مؤخراً، وكان وقورا مهيبا، (ت: 741 هـ). انظر: فوات الوفيات (2/ 263)، الدرر الكامنة (4/ 144).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)

منه، قال الشيخ علم الدين البرزالي(1): «ولما دخل السلطان إلى مصر يوم عيد الفطر، لم يكن له دأب إلا طلب الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الإسكندرية معززا مكرماً مبجلاً، فوجه إليه في ثاني يوم من شوال بعد وصوله بيوم أو يومين، فقدم الشيخ تقي الدين على السلطان في يوم ثامن الشهر، وخرج مع الشيخ خلق من الإسكندرية يودعونه، واجتمع بالسلطان يوم الجمعة فأكرمه وتلقاه ومشى إليه في مجلس حافل، فيه قضاة المصريين والشاميين، وأصلح بينه وبينهم، ونزل الشيخ إلى القاهرة وسكن بالقرب من مشهد الحسين، والناس يترددون إليه، والأمراء والجند وجماعة كثيرة من الفقهاء والقضاة منهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع منه، فقال أنا قد حاللت كل من آذاني»(2).
الموقف الثالث: من أعظم ما يبين هذا الخلق العظيم الذي كان يتحلى به الشيخ رحمه الله موقفه العظيم مع القضاة الذين آذوه وحاربوه بشتى الوسائل ومختلف السبل، وانتهزوا فرصة غياب الناصر بن قلاوون فألّبوا وحرضوا عليه الأمراء، ونشروا حوله الأكاذيب والافتراءات، وسجن بسببهم المرات العديدة، وأبعد عن أهله ووطنه، وبيته ومسكنه، ثم لما تمكن الناصر بن قلاوون وعاد لكرسيه ومنصبه، وأصبحت الكفة لشيخ الإسلام وتمكن من الإيقاع بهم لو أراد، وخيره السلطان في ذلك، وحرضه على الفتيا بقتلهم أو تعزيرهم، أبى رحمه الله إلا العفو عنهم والصفح قال الشيخ علم الدين البرازلي: «وسمعت الشيخ تقي الدين يذكر ما كان بينه وبين السلطان من الكلام لما انفردا في ذلك الشباك الذي جلسا فيه، وأن السلطان استفتى الشيخ في قتل بعض القضاة بسبب ما كانوا تكلموا فيه، وأخرج له فتاوى بعضهم بعزله من الملك ومبايعة الجاشنكير، وأنهم قاموا عليك وآذوك أنت--------------------------------------------
(1) هو أبو محمد القاسم بن محمد بن يوسف ابن العدل بهاء الدين ابن الحافظ زكي الدين البرزالي الإشبيلي ثم الدمشقي الشافعي، الْحَافِظ الكبير المؤرخ، له كتاب "تاريخ البرزالي" و"الوفيات" و"المعجم الكبير" (ت: 739 هـ). انظر: الرد الوافر (ص:119) وفوات الوفيات (3/ 196).
(2) البداية والنهاية (14/ 54) وانظر: الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص: 429).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)

أيضاً، وأخذ يحثه بذلك على أن يفتيه في قتل بعضهم، وإنما كان حنقه عليهم بسبب ما كانوا سعوا فيه من عزله ومبايعة الجاشنكير، ففهم الشيخ مراد السلطان فأخذ في تعظيم القضاة والعلماء، وينكر أن ينال أحداً منهم سوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، فقال له: إنهم قد آذوك وأرادوا قتلك مراراً. فقال الشيخ: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي، وما زال به حتى حلم عنهم وصفح. قال: وكان قاضي المالكية ابن مخلوف يقول: ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا»(1). وقال ابن عبد الهادي: «فكان القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: (ما رأينا أتقى من ابن تيمية لم نبق ممكناً في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا»(2).
وانظر إلى شهامته ومروءة نفسه وصفاء سريرته في قوله بعد الفتنة التي كانت بينه وبين القاضي ابن مخلوف المالكي، وبعد كل ما صنعه فيه: «وأنا والله من أعظم الناس معاونة على إطفاء كل شر فيها وفي غيرها وإقامة كل خير، وابن مخلوف لو عمل مهما عمل والله ما أقدر على خير إلا وأعمله معه، ولا أعين عليه عدوه قط. ولا حول ولا قوة إلا بالله. هذه نيتي وعزمي، مع علمي بجميع الأمور. فإني أعلم أن الشيطان ينزغ بين المؤمنين ولن أكون عونًا للشيطان على إخواني المسلمين»(3).
الموقف الرابع: موقفه عندما قام جماعة من مقلدة أهل البدع بضربه وإيذائه في الجامع، قال ابن عبد الهادي رحمه الله: «فلما كان في رابع شهر رجب من سنة إحدى عشرة وسبعمائة جاء رجل فيما بلغني إلى أخيه الشيخ شرف الدين وهو في مسكنه بالقاهرة فقال له: إن جماعة بجامع مصر قد تعصبوا على الشيخ وتفردوا به وضربوه.--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (ص: 431).
(2) العقود الدرية (ص: 229).
(3) مجموع الفتاوى (3/ 271).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)

فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. وكان بعض أصحاب الشيخ جالسًا عند شرف الدين قال: فقمت من عنده وجئت إلى مصر فوجدت خلقا كثيرا من الحسينية وغيرها رجالاً وفرسانًا يسألون عن الشيخ؟ فجئت فوجدته بمسجد الفخر كاتب المماليك على البحر واجتمع عنده جماعة وتتابع الناس. وقال له بعضهم: يا سيدي قد جاء خلق من الحسينية ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلها لفعلوا!
فقال لهم الشيخ: لأي شيء؟
قال: لأجلك.
فقال لهم: هذا ما يحق.
فقالوا: نحن نذهب إلى بيوت هؤلاء الذين آذوك فنقتلهم ونخرب دورهم فإنهم شوشوا على الخلق وأثاروا هذه الفتنة على الناس.
فقال لهم: هذا ما يحل.
قالوا: فهذا الذي قد فعلوه معك يحل؟! هذا شيء لا نصبر عليه ولا بد أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا.
والشيخ ينهاهم ويزجرهم. فلما أكثروا في القول قال لهم: إما أن يكون الحق لي أو لكم أو لله فإن كان الحق لي فهم في حل منه وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني ولا تستفتوني فافعلوا ما شئتم وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه إن شاء كما يشاء.
قالوا: فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟!
قال: هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه!!
قالوا: فتكون أنت على الباطل وهم على الحق؟! فإذا كنت تقول إنهم مأجورين فاسمع منهم ووافقهم على قولهم!
فقال لهم: ما الأمر كما تزعمون فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين ففعلوا ذلك باجتهادهم والمجتهد المخطئ له أجر»(1).--------------------------------------------
(1) العقود الدرية (ص: 301 - 303).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)

الموقف الخامس: قال ابن القيم رحمه الله في الدرجة الثانية من درجات الفتوة(1): «الدرجة الثانية أن تقرب من يقصيك. وتكرم من يؤذيك. وتعتذر إلى من يجني عليك، سماحة لا كظمًا، ومودة لا مصابرة … وما رأيت أحداً قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- وكان بعض أصحابه الأكابر يقول: (وددت أني لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه)، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، وكان يدعو لهم.
وجئت يوماً مبشراً له بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له، فنهرني وتنكر لي واسترجع، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال: إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، ونحو هذا من الكلام، فسروا به ودعوا له، وعظموا هذه الحال منه، فرحمه الله ورضي عنه»(2).
الموقف الخامس: واستمرت هذه السجية ملازمة لشيخ الإسلام حتى حَضرهُ الموت وهو مسجون مظلوم في سجن القلعة قد مُنع عنه كل شيء حتى الدواة والقلم، وفي تلك اللحظات جاءه شمس الدين الوزير بدمشق إذ ذاك، فاستأذن في الدخول عليه لعيادته، فأذن الشيخ له في ذلك، فلما جلس عنده أخذ يعتذر له عن نفسه، ويلتمس منه أن يحله مما عساه أن يكون قد وقع منه في حقه من تقصير أو غيره، فأجابه الشيخ رضي الله عنه: «بأني قد أحللتك وجميع من عاداني، وهو لا يعلم أني على الحق، وقال -ما معناه-: إني قد أحللت السلطان الملك الناصر من حبسه إياي؛ لكونه فعل ذلك مقلداً غيره، معذوراً، ولم يفعله لحظ نفسه، بل لما--------------------------------------------
(1) الفتوة: مصطلح أطلقته الصوفية على مقام يتصف فيه صاحبه بالعدالة التي هي جماع الفضائل الخلقية ويتنزه عن الرذائل النفسية، والألواث الطبيعية، ويرجع إلى صفاء الفطرة. انظر: معجم اصطلاحات الصوفية لعبد الرزاق كشاني (ص:261)، والمعجم الصوفي للدكتورة سعاد الحكيم (ص:871).
(2) مدارج السالكين (2/ 328 - 329).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)