بَحرُ الْعُلُوم وكنز كلِّ فَضِيلَةٍ … فِي الدَّهْر فَردٌ فِي الزَّمَان إِمَامُ
وأناله رب السَّمَوَات الْعلَا … فِي الْعلم سبقا مَا إِلَيْهِ مرام
فاق الْقُرُون سوى الثَّلَاث فإنها … خير الْقُرُون يزينهن تَمام
وَسوى ابْن حَنْبَل إِنَّه علم الْهدى … حبر إِمَام صابر قوام
لَكِن أَحْمد مثل أَحْمد قد حوى … علما وزُهداً فِي الْعُلُوم تُؤامُ(1)
33) الشيخ عبد الله بن خصر الرومي الدمشقي الحريري(2): قال رحمه الله:
أَلا يَا تَقِيّ الدّين يَا فَرد عصره … بروقك قد لاحت كشمس مضيئة(3)
وله أيضاً في قصيدة أخرى:
فِي علمه مَا علمنَا من يُنَاسِبه … إِلَّا أئمتنا أهل العنايات
فِي زهده مَا سمعنَا من يشاكله … إِلَّا رجال مضوا أهل الكرامات
فِي جوده مَا وجدنَا من يماثله … غير البرامك كَانُوا فِي سعادات
يجود وَهُوَ فَقير إِن ذَا عجب … هُوَ الَّذِي مَا سمعنَا فِي الحكايات
أعجوبة الدَّهْر فَرد فِي فضائله … عَلامَة الْوَقْت فِي الْمَاضِي وَفِي الْآتِي(4)
34) بدر الدين حسن بن محمد النحوي المارداني(5): قال رحمه الله:
تفردت فِي علم وزهد وفطنة … فضلت بهَا فِي الْفضل بَين الورى ذكرا
فأقسم بِالْقُرْآنِ فِي الْعَصْر صَادِقا … بأنك قد شرفت من دهرك العصرا(6)
35) الشَّيْخ شمس الدّين الْحَنْبَلِيّ(7)، قال رحمه الله:--------------------------------------------
(1) العقود الدرية (ص:501، 502، 503).
(2) لم أعثر له على ترجمته.
(3) العقود الدرية (ص:531).
(4) المصدر السابق (ص:536 - 537).
(5) لم أجد له ترجمة.
(6) العقود الدرية (ص:578).
(7) هذا اللقب أُطلق على غير واحد من علماء الحنابلة، ولم أقف على المراد منهم هنا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
قد كَانَ كَالشَّمْسِ للدنيا إِذا طلعت … وَالْيَوْم لَا عوض عَنهُ وَلَا بدلُ
لله در أبي الْعَبَّاس من رجل … مَا إِن يرى فِي البرايا مثله رجلُ
قد كنت أعجوبة فِي الدَّهْر مدهشة … وَكَانَ درسك فِيهِ الْعقل ينذهلُ(1)
عاشراً: كثرة تآليفه وتصنيفاته:
لقد كان شيخ الإسلام أُعجوبة في الكتابة والتصنيف، والإفتاء والتأليف، فرسائله لا تحصى، والقواعد والأجوبة لا تكاد تستقصى، كما نصَّ على ذلك كبار تلامذته رحمه الله، مع براعة في التدوين، وجمعٍ للدلائل والبراهين منقطع النظير، قال العلامة ابن عبد الهادي: «وله من المؤلفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل والتعاليق ما لا ينحصر ولا ينضبط، ولا أعلم أحداً من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع، ولا صنف نحو ما صنف، ولا قريبا من ذلك»(2).
وقال الذهبي: «وله المصنفات الكبار التي سارت بها الركبان، ولعل تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر»(3).
وقال البزار: «وأما مؤلفاته ومصنفاته فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها أو يحضرني جملة أسمائها بل هذا لا يقدر عليه غالباً أحد؛ لأنها كثيرة جدًا كبارًا وصغارًا وهي منشورة في البلدان فقل بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه»(4).
وقد سرد جملة منها تلميذه أبو عبدالله ابن رشيق في رسالة سماها: (أسماء مؤلفات شيخ الإسلام)، قال في مطلعها: «أما بعد فإن جماعة من محبي السنة والعلم سألني أن أذكر له ما ألَّفه الشيخ الإمام العلامة الحافظ، أوحد زمانه، فريد العصر: تقي الدين أبو العباس أحمد ابن تيمية رضي الله عنه؛ فذكرت لهم إني أعجز عن--------------------------------------------
(1) العقود الدرية (ص:582).
(2) مختصر طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرته (ص: 257).
(3) المصدر السابق (ص: 254).
(4) الأعلام العلية (ص: 23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
حصرها وتَعْدادها»(1).
وممن استطرد في تعداد مصنفات هذا الإمام -ولم يحصها- العلامة ابن عبد الهادي رحمه الله في العقود الدرية، وكذا ابن رشيق رحمه الله في رسالة لطيفة له(2) وغيرهم كثير.
وفاته:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ … فلا يطيب بطول العيش إنسان(3)
هكذا بعد حياة عامرة بالخير والدعوة والعلم والتعليم، جاء الأجل المحتوم، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فتوفي مسجوناً مظلوماً في قلعة دمشق في ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبع مائة، وقد كانت جنازته مشهودة؛ ضاقت بها الطريق، وانتابها الناس من كل فج عميق، وقد صور لنا شمس الدين الجزري(4) رحمه الله شيئاً من وصف تلك الجنازة المهيبة فقال رحمه الله: «وصلى عليه جميع من في قلعة دمشق، ثم حمل وأخرج منها إلى جامع دمشق، ووضعت الجنازة أول الخامسة، وقد امتلأ الجامع بالناس، وغلقت جميع أسواق دمشق ولم يبق حانوت مفتوح، إلا أن يكون نصرانيا، لأن اليهود كانوا في عيد المظلة، وأما دكاكين المراوزة والحريريين والقزازين وجميع أرباب الأنوال والحاكة والصناع، وجميع أرباب الصنائع، وسكان الأحكار ظاهر دمشق، وأهل الصالحية بأجمعهم حضروا إلى الجامع المعمور لأجل الصلاة عليه، وامتلأ الجامع أكثر من يوم الجمعة، لأن أهل الصالحية من أهل الأحكار يصلون--------------------------------------------
(1) أسماء مؤلفات شيخ الإسلام لابن رشيق ضمن الجامع لسيرته (ص: 282).
(2) وهي مطبوعة بعنوان: "أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية" لابن رشيق.
(3) من قصيدة لأبي البقاء الرندي في رثاء الأندلس. انظر: جواهر الأدب (2/ 1).
(4) هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم بن عبد العزيز الجزري الدمشقيّ، مؤرخ، له مصنفات منها: التاريخ المسمى بحوادث الزمان وأنبائه، ووفيات الاكابر والأعيان (ت: 739 هـ). انظر: أعيان العصر (4/ 220) الدرر الكامنة (5/ 27).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
يوم الجمعة في جوامعهم، وفي هذا اليوم حضروا إلى الجامع بأجمعهم، ولعل من لا له عادة بالصلاة حضر لأجل الصلاة عليه، وصلى عليه قاضي القضاة الشيخ علاء الدين القونوي الشافعي(1) عقيب صلاة الظهر بالجامع، ثم حضروا الأمراء والحجاب والنقباء بالعصي والدبابيس حول نعشه، وحملوه الترك من الأمراء والمقدمين على رؤوسهم تبركا به(2)، والأجناد يضربون الناس، ولولا ذلك لما قدروا يصلوا به إلى قبره من كثرة الزحام والتبرك به. وكانت سويقة باب البريد قد أخربوها، فشق على الناس ذلك، وحملوه وخرجوا به من باب الفرج، وبعض الناس من باب الفراديس وباب النصر وباب الجابية(3) من كثرة الناس. وامتد العالم إلى سوق الخيل(4) وامتلأ، فصلى عليه أخوه زين الدين عبد الرحمن(5)، ثم حمل من سوق الخيل فمر به تحت القلعة المحروسة.--------------------------------------------
(1) هو علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي علاء الدين الشافعي، له معرفة بالفقه والأصول، وكان معظماً وذاباً عن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت:729 هـ). انظر: الدرر الكامنة (4/ 29)، البدر الطالع (1/ 419).
(2) من المعلوم المتقرر أن التبرك لا يجوز شرعاً إلا بما ثبت فيه البركة من قبل الشارع، وعلى الهيئة التي جاءت في الشرع، على جهة السببية، وما فعله هؤلاء إنما هو من الأمور المبتدعة التي كانت منتشرة في عصره رحمه الله والتي بذل رحمه الله في إنكارها والتحذير منها الشيء الكثير، وهذا شأن كثير ممن غلا فيهم الناس وعظموهم وصرفوا لهم أنواع العبادات، وصنعوا عند قبورهم وأضرحتهم مختلف البدع والمحدثات، وهم كانوا أشد الناس أمرا بالتوحيد ونهيا عن الشرك والبدع والخرافات، وأمثلة ذلك كثيرة من الصحابة والأنبياء والأئمة والعلماء.
(3) أسماء تاريخية لأبواب مدينة دمشق القديمة. انظر معجم دمشق التاريخي (1/ 19، 20، 26، 27، 29).
(4) سوق الخيل: تسمية كانت تطلق على ساحة سوق الخيل التي تقع تحت القلعة وتخصصت بتجارة الخيول. انظر: معجم دمشق التاريخي (2/ 9).
(5) هو عبد الرحمن بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني أخو شيخ الإسلام، حبس مع أخيه في الإسكندرية، وكان مؤثرا لأخيه على نفسه، يتفقده ويخدمه، ويذب عنه، وكان حسن السيرة ذا فضيلة معروفة (ت:747 هـ). انظر: معجم الشيوخ (1/ 361)، الدرر الكامنة (3/ 118).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
والله العظيم لقد رأيت الناس قاعدين على الطريق يمينا وشمالا، الرجال والنساء مختلطين كأنهم ينتظرون عبور السلطان، ومنهم من يبكي، ومنهم من يضج ويصيح، ومن يتأسف، ومنهم من يتفرج، فلما وصلت إلى مقبرة الصوفية(1) رأيتها وقد امتلأت بالعالم، وقد حفروا قبره إلى جانب أخيه الشيخ شرف الدين(2)، وحضر أخوه زين الدين وحوله نقباء يحموه من الناس حتى شاهد القبر قبل وضع أخيه، وتأخرت الجنازة إلى قريب العصر حتى وضع في قبره وألحدوه وطم عليه ولقنوه(3)، وبعد ذلك انصرف الناس أولا بأول متأسفين عليه»(4).
وقال البزار رحمه الله: «فما هو إلا أن سمع الناس بموته فلم يبق في دمشق من يستطيع المجيء للصلاة عليه وأراده إلا حضر لذلك وتفرغ له حتى غلقت الأسواق بدمشق وعطلت معايشها حينئذ وحصل للناس بمصابه أمر شغلهم عن غالب أمورهم وأسبابهم وخرج الأمراء والرؤساء والعلماء والفقهاء والأتراك والأجناد والرجال والنساء والصبيان من الخواص والعوام، قالوا ولم يتخلف أحد من غالب الناس فيما أعلم إلا ثلاثة أنفس كانوا قد اشتهروا بمعاندته، فاختفوا من الناس؛ خوفاً على أنفسهم بحيث غلب على ظنهم أنهم متى خرجوا--------------------------------------------
(1) مقبرة الصوفية أو مقابر الصوفية كانت في المنيبع قبالة باب النصر، ثم أزيلت المقبرة وبني مكانها جامعة ومشفى للمرضى، ولم يبق منها إلا قبر شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير رحمهما الله، تقديراً لمكانتهما عند الناس، إلا أن السلطات النصيرية قاتلها الله قامت مؤخرا بإزالة قبره من مكانه. انظر: معجم دمشق التاريخي (2/ 311).
(2) هو عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني، الشيخ الإمام الفقيه أخو شيخ الإسلام كان صاحب علم وفضل ولم يشتغل بالتصنيف (ت:727 هـ). انظر: أعيان العصر (2/ 692) الدرر الكامنة (3/ 42).
(3) السنة الثابتة أن يدعو الحاضرون للميت ويسألوا الله له التثبيت ويستغفروا له، وأما تلقينه الشهادتين فلم يثبت فيه حديث صحيح، وإن أجازه جمع من العلماء، وانظر: أحكام الجنائز (ص:155 - 156).
(4) تاريخ حوادث الزمان وأنبائه ووفيات الأكابر والأعيان من أبنائه ضمن الجامع لسيرته (ص:198).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
رجمهم الناس فأهلكوهم»(1).
هكذا كان حرص أهل بلده ومن جاورهم من البلاد القريبة على حضور جنازة الشيخ والصلاة عليه، وأما من كان خارج البلاد، فقد قال ابن رجب رحمه الله: «وصلى عليه صلاة الغائب في غالب بلاد الإسلام القريبة والبعيدة، حتى في اليمن والصين، وأخبر المسافرون: أنه نودى بأقصى الصين للصلاة عليه يوم الجمعة (الصلاة على ترجمان القرآن)»(2).
حزن الناس عليه:
أي حبر مضى وأي إمام … فجعت فيه ملة الإسلام
كل من في دمشق ناح عليه … ببكاء من شدة الآلام
فجع الناس فيه في الشرق والغر … ب وأضحوا بالحزن كالأيتام
لو يفيد الفداء بالروح كنا … قد فديناه من هجوم الحمام(3)
هذه الأبيات عبر بها الشيخ علاء الدين علي بن غانم رحمه الله عما خيم من الحزن على جميع محبي الشيخ رحمه الله، فقد فقدوا إماماً عظيما، وشيخاً كبيرًا، يندر في الزمان مثله، فحُق لعيونهم أن تدمع، ولقلوبهم أن تألم وتتوجع.
لِفقدِ مثلِك يا مَن ما له مثل … تأسى المحاريب والآياتُ والسورُ(4)
ومن المواقف المؤثرة المحزنة التي تحكي مكانة شيخ الإسلام في القلوب ومدى تأثر الناس بحزنه موقف الشيخ عبدالله بن حامد رحمه الله، الذي بذل ماله ووقته ونفسه من أجل السفر لرؤية الشيخ ولقاءه، ثم فوجئ في أثناء الطريق بخبر وفاة الشيخ رحمه الله، فبعث برسالة مؤثرة لتلاميذه يحكي في ضمنها مدى الحزن الذي غمره بوفاة الشيخ رحمه الله، وكان مما قال فيها: «ولما حججت سنة ثمان--------------------------------------------
(1) الأعلام العلية (ص: 83).
(2) الذيل على طبقات الحنابلة ضمن الجامع لسيرته (ص: 487).
(3) أعيان العصر وأَعْوَان النَّصْر ضمن الجامع لسيرته (ص: 362).
(4) مسَالِكُ الأَبْصَار في مَمَالِكِ الأَمْصَار ضمن الجامع لسيرته (ص: 327).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
وعشرين وسبعمائة صممت العزم على السفر إلى دمشق لأتوصل إلى ملاقاته، ببذل مهما أمكن من النفس والمال للتفريج عنه، فوافاني خبر وفاته -رحمه الله تعالى- مع الرجوع إلى العراق، قبيل وصولي الكوفة، فوجدت عليه مالا يجده الأخ على شقيقه -استغفر الله- بل ولا الوالد الثاكل على ولده، وما دخل في قلبي من الحزن لموت أحد من الولد والأقارب والإخوان كما وجدته عليه -رحمه الله تعالى- ولا تخيلته قط في نفسي ولا تمثلته في قلبي؛ إلا ويتجدد لي حزنٌ قديمهُ كأنه مُحدث، ووالله ما كتبتها إلا وأدمعي تتساقط عند ذكره أسفاً على فراقه وعدم ملاقاته، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»(1).
وبهذا تم المقصود من ترجمته أسال الله أن يجمعنا وإياه في مستقر رحمته.
* * *--------------------------------------------
(1) رسالة ابن حامد إلى ابن رشيق ضمن الجامع لسيرته (243 - 244).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
ملحق الترجمة
جدول شامل لأبرز الأحداث في حياة شيخ الإسلام بتواريخها وسنة وقوعها وسن الشيخ عند وقوعها، منذ ولادته وإلى حين وفاته رحمه الله
العام … العمر … أبرز الأحداث
661 هـ … - … ولادته بحران
667 هـ … 6 … هجرته مع عائلته من حران إلى دمشق
682 هـ … 21 … وفاة والده عبد الحليم
683 هـ … 22 … 2/ محرم: التدريس بدار الحديث السكرية.
10/صفر: بدء درس التفسير في الجامع الأموي بعد الجمعة.
692 هـ … 31 … الحج إلى مكة.
693 … 32 … حادثة عساف النصراني وتأليف كتاب الصارم المسلول.
695 … 34 … 17/شعبان: بدء التدريس في المدرسة الحنبلية.
698 هـ … 37 … -تأليف الواسطية.
-تأليف الحموية الكبرى.
-محنة الحموية في شهر ربيع الأول، وانتصار الأمير للشيخ.
699 هـ … 38 … -فتنة قدوم التتار وزعيمهم غازان إلى الشام.
-3/ ربيع الثاني: الذهاب لغازان وقصته معه.
-2/ رجب: الذهاب لمخيم بولاي وفك أسرى المسلمين.
-17/رجب: خروج التتار من دمشق، وتكسير الشيخ وأصحابه للخمور وحاناتها وتعزير أصحابها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
700 هـ … 39 … -ابتداء من 2/صفر: موقفه العظيم في تثبيت الناس وتحريضهم للقتال بعد إشاعة خبر عودة التتار.
-11/جمادى الأول: الذهاب للسلطان بمصر وتحريضه على القتال، واستجابة السلطان.
-رجوع التتار لبلادهم بعد مجيئهم لأطراف الشام، أثناء ذهاب الشيخ لمصر.
701 هـ … 40 … -1/ رمضان: عودة التتار ووقوع معركة شقحب والجهاد العظيم الذي قام به الشيخ.
705 هـ … 44 … -2/محرم: وقعة كسروان وقتاله لهم مع النائب وإجلائهم من الجبل.
-9/ جمادى الأولى: مناظرته مع الرفاعية في القصر.
-8/ رجب: المجلس الأول في المناظرة الواسطية.
-12/ رجب: المجلس الثاني في المناظرة الواسطية.
-7/شعبان: المجلس الثالث.
-15/ رمضان: ورود أمر السلطان بإحضار الشيخ إلى مصر، للتحقيق في قضية الحموية.
-22/ رمضان: وصوله مصر.
-23/ رمضان: عقد مجلس للشيخ مع ابن مخلوف وجماعة، وعدم السماح له بالكلام، والأمر بحبسه في البرج.
-29/ رمضان: نقله إلى الحبس المعروف بالجب.
707 هـ … 46 … -23/ربيع الأول: إخراجه من السجن، بعد ذهاب الأمير ابن مهنا ملك العرب إلى مصر لإخراجه.
-وعقدت له 3 مجالس متفرقة في ربيع الأول وربيع الثاني انتهت بخير.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
-10/شوال: شكاية خلق من المتصوفة والمبتدعة على الشيخ، وعقد مجلس له بدار العدل.
-18/شوال: خروجه للسفر إلى الشام بعد ورود الأمر بذلك، ثم إرجاعه من الطريق في اليوم نفسه.
-19/ شوال: حبسه بسجن الحكام بحارة الديلم.
709 هـ … 48 … -29/ صفر: الأمر بنقله ونفيه إلى الإسكندرية، واقامته ببرج مليح هناك.
-8/شوال: أمر السلطان الناصر بإحضار الشيخ من الإسكندرية بعد رجوعه من الكرك.
-18/ شوال: وصول الشيخ لمصر.
-24/شوال: اجتماع الشيخ مع السلطان بالقصر، وتعظيم السلطان له أمام الناس، وعفوه عن القضاة الذين ظلموه وكادوه.
-ثم نزول الشيخ للقاهرة وسكنه قرب مشهد الحسين.
711 هـ … 50 … -قيام جماعة من المتعصبين بضرب الشيخ في الجامع.
712 هـ … 51 … -1/ذو القعدة: عودة الشيخ إلى دمشق بعد غياب سبع سنين وسبع جمع.
716 هـ … 55 … -20/ شوال: وفاة والدته رحمها الله.
718 هـ … 57 … -1/جمادى الأول: ورود أمر السلطان بمنع فتوى الشيخ في مسألة الحلف بالطلاق.
-13/جمادى الأولى: عقد مجلس للشيخ بذلك، والاتفاق على ذلك.
-عودة الشيخ للإفتاء بها.
719 هـ … 58 … -29/ رمضان: ورود كتاب آخر من السلطان حول فتوى الطلاق، وعقد مجلس آخر للشيخ عُوتب فيه وأُكِّدَ عليهِ بالمنع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
720 هـ … 59 … -22/رجب: عقد مجلس للشيخ بسبب مسألة الطلاق وأمر النائب بحبسه بالقلعة.
721 هـ … 60 … -10/ محرم: إخراج الشيخ من السجن بعد ورود أمر السلطان بذلك.
726 هـ … 65 … -عثور خصوم الشيخ على فتوى للشيخ بمنع شد الرحال، وإحداثهم فتنة عظيمة بسبب ذلك، وقيامهم على الشيخ في الشام ومصر.
-6/شعبان: ورود أمر السلطان بحبس الشيخ في القلعة، والقيام بحبسه.
-15/شعبان: حبس وتعزير جماعة من أصحاب الشيخ بأمر القاضي.
728 هـ … 67 … -19/جمادى الآخرة: أمر السلطان بإخراج كل ما عند الشيخ من ورق ودواة وأقلام، ومنعه من التصنيف والكتابة، بعد انتشار رسائله.
-الحمى والمرض بضع وعشرين يومًا، وقيل 17 يومًا.
-الاثنين 20/ ذو القعدة: وفاته رحمه الله.
• تنبيهان:
التنبيه الأول: ميزت الأحداث التي وقعت للشيخ بمصر باللون الرمادي، وما كان بالأبيض فهو مما وقع له بالشام (دمشق).
التنبيه الثاني: قد يشكل على البعض وقوع تلك الأحداث الجسمية لشيخ الإسلام عند قدومه مصر عام 705 هـ فما بعدها، مع ما عرف من علاقته الجيدة بالسلطان، ومحبة السلطان للشيخ وتعظيمه إياه، والواقع أنه منذ عام 698 إلى عام 708 هـ والحاكم الفعلي لمصر هم أمراء المماليك ولم يكن للسلطان قلاوون إلا الاسم فقط، وفي عام 708 هـ استلم الجاشنكير الحكم وغادر السلطان للكرك، ثم عاد الملك الناصر للحكم الفعلي للبلاد منذ عام 709 هـ، وقضى على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
خصومه وقام بإكرام الشيخ وتخييره في شأن خصومه، واستمر له الحكم حتى وفاته 741 هـ.
وختاماً أقول لكل من أراد أن يتعرف على شيخ الإسلام:
مهما قرأ القارئ في سيرة ابن تيمية وتراجم العلماء له، فلن يعرف حقيقة ابن تيمية حق المعرفة حتى يطلع على مؤلفاته، ويقرأ كتبه ورسائله ومصنفاته، ويبحر في أبحاثه ومسائله وكتابته
وعند ذلك سيجد شيئاً عجيباً، يعجز عن وصفه الواصف!
إن القارئ لكتبه ليقف حائراً مندهشاً، متعجباً منذهلاً من هذه الشخصية الفذة، أي عقل كانت تحمل؟! وبأي علم كانت تنطق وتكتب وتصنف؟!
قرأت في سيرته الكتب الكثيرة، فما تعجبت لشيء مما كُتِبَ عنه، تعجبي واستغرابي عند قراءة ما كَتَبَ وصنف!
إنه أعجوبة بحق .. إنه آية عظيمة من آيات الله!
وما أصدق ما قال فيه خصمه ابن الزملكاني رحمه الله:
ماذا يقولُ الواصفونَ له … وصِفاته جلَّتْ عن الحَصْرِ
هو حُجّةٌ لله قاهِرَةٌ … هُو بيننا أُعجوبةُ الدَّهْرِ
هو آيةٌ في الخَلْقِ ظاهِرَةٌ … أَنْوارها أرْبَتْ على الفَجْرِ(1)
* * *--------------------------------------------
(1) الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون (ص: 252).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
المطلب الثاني: منهج شيخ الإسلام في المناظرات:
لقد كان شيخ الإسلام رحمه الله مدرسة حية في جميع العلوم والفنون، والأخلاق والآداب، والمعاملات والعبادات. ولقد رسم شيخ الإسلام رحمه الله في مناظراته منهجاً علمياً رصيناً، ومنهجاً عملياً متيناً، يسير عليه ويحتذي حذوه فيه كل داعية للهدى والحق، ويستفيد منه في طريقة مناظرة الخصوم ومجادلتهم، ومقارعة أعداء الشريعة ومنازلتهم.
هذا .. وإن الكتابة عن منهج الشيخ في مناظراته ومناقشاته لخصومه، هو في حد ذاته مشروع مستقل، يستحق أن يفرد بالبحث والدراسة، ومن الصعوبة بمكان إعطاء هذا الجانب حقه من البحث والدراسة في مبحث ضمن عدة مباحث وفصول؛ لأن الموضوع أطول من هذا، ويستحق من العناية والتحقيق أكبر من هذا، ولكنني سأحاول في هذا المبحث الاقتصار على أهم الجوانب التي توضح منهجه، وتبرز طريقته ومسلكه، في مناظرة خصومه ومخالفيه، وتتمثل أبرز هذه المعالم في الأمور التالية:
1) إخلاص النية وحسن القصد والتخلص من حظوظ النفس:
إن ما تمتع به شيخ الإسلام -فيما أحسب- من إخلاص لله في نفسه، وحسن قصد في نيته، أمر يظهر لكل مطلع على محاورات الشيخ رحمه الله ومناظراته، وذلك أن التوفيق العجيب الملازم لشيخ الإسلام في جميع مناظراته ومحاوراته، لا يناله أي شخص وأي أحد، وإنما هو من حظ عباد الله المخلصين، الذين علم الله
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
صدق نياتهم في الدفاع عن شريعته، والذود عن حياض ملته، فأحاطهم بحفظه وعنايته، وأيدهم بنصره وإعانته في الأقوال والأفعال ومختلف المقامات والأحوال، قال أبو حفص البزار: «ولما علم الله نياته ونياتهم أبى أن يُظفِرهم فيه بما راموا حتى أنه لم يحضر معه منهم أحد في عقد مجلس، إلا وصنع الله له ونصره عليهم بما يظهره على لسانه من دحض حججهم الواهية وكشف مكيدتهم الداهية للخاصة والعامة»(1) وقال: «وما كان ذلك كذلك إلا لما عَلِمَ الله سبحانه من حسن طوية هذا الإمام، وإخلاص قصده، وبذل وسعه في طلب مرضاة ربه، ومتابعة سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه»(2)، ولم يكن له رحمه الله في مناظراته مصلحة دنيوية، ولا فائدة شخصية، بل كانت مناظراته سبباً فيما حصل له من حبس وعناء، وكرب وبلاء، وقد بين رحمه الله المقصد الصحيح الذي يجب على أهل العلم أن يسلكوه في مناظراتهم، ويكون هو غايتهم ومرادهم، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فمن كان عالماً بالحق فمناظرته المحمودة: أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشداً طالباً للحق، أو يقطعه ويكف عداوته إن كان معانداً غير متبع للحق، ويوقفه ويسلكه ويبعثه على النظر في أدلة الحق إن كان يظن أن قصده الحق»(3).
2) وحدة منهجه وطريقته ومسلكه:
امتاز شيخ الإسلام بوحدة منهجه وطريقته في التعامل مع الخصوم في مختلف مناظراته ومحاوراته، حتى أن الناظر في مناظراته لا يكاد يميز بين المتقدم منها والمتأخر؛ وذلك لأن مستنده الذي ينطلق منه في جميع ذلك مستند واحد، ألا وهو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم بفهم سلف هذه الأمة ولذلك لم تتغير طريقته ولم تتناقض مواقفه، كما سيتضح في النقطة القادمة.--------------------------------------------
(1) الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية (ص: 74)
(2) المصدر السابق (ص: 80).
(3) درء تعارض العقل والنقل باختصار (7/ 167).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
3) الالتزام بالأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة وآثار سلف الأمة:
لقد سار شيخ الإسلام طيلة حياته على منهج ثابت متزن دعا إليه الناس، ونافح من أجله وقرره في مختلف رسائله وكتبه، وهو اتباع ما جاء في الكتاب والسنة على فهم سلف هذه الأمة، وبهذا الميزان تعامل مع كل خصومه، وعليه بنى منهجه وطريقته في كتابته ومناظراته وشتى سبل دعوته، قال رحمه الله: «فدين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ويوالي عليها ويعادي، غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي عليه ويعادي غير كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون بين الأمة، يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون»(1).
ولما نازعه خصومه في مناظرة الواسطية، وأوهموا الناس أن له اعتقادًا خاصاً به يسير عليه ويدعو الناس إليه، أجابهم شيخ الإسلام بكل حزم وصرامة: «أما الاعتقاد: فلا يؤخذ عني ولا عمن هو أكبر مني؛ بل يؤخذ عن الله ورسوله وما أجمع عليه سلف الأمة، فما كان في القرآن وجب اعتقاده وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة مثل صحيح البخاري ومسلم»(2). وقال لهم: «وكل لفظ ذكرته فأنا أذكر به: آية أو حديثًا أو إجماعًا سلفياً»(3).
وبين رحمه الله في كثير من مناظراته ورسائله وكتابته أن المرجع عند التنازع والاختلاف إنما هو كتاب الله وسنة نبيه، قال رحمه الله: «فإذا تنازع المسلمون في مسألة وجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله و الرسول، فأي القولين دل عليه الكتاب--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (1/ 272).
(2) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (3/ 161).
(3) المصدر السابق (3/ 189).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
و السنة وجب اتباعه»(1)، قال رحمه الله: «وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاعَ إلا كتاب من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل»(2).
4) الثقة بالله تعالى، وبما رزقه من علم وبصيرة وحق:
وهذه الثقة بارزة في جميع مناظرات الشيخ ومحاوراته مع خصومه، بل وحتى في كتابته ومؤلفاته، ولعظيم ثقته هذه لم يُعرف عنهُ قط التردد في صحة ما دل عليه الكتاب والسنة، أو أجمع عليه سلف الأمة، ولذلك تحدى المخالفين في أحد مناظرته أن يأتوا بدليل واحد يخالف ما قرره من الحق وبينه من الهدى، وأمهلهم على ذلك ثلاث سنين قال رحمه الله: «وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)(3)، يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك»(4)، ولم يزل قلبه معلقًا بالله ومحسنًا للظن به، فلما اجتمع عليه الرفاعية تجمع الأحزاب، وتكالبوا تكالب الأعداء، وأرادوا تأليب السلاطين والأمراء، وطالبوا بحضور ابن تيمية، قال حينئذ: «فلما علمت ذلك، أُلقى في قلبي أن ذلك لأمر يريده الله من إظهار الدين، وكشف حال أهل النفاق المبتدعين»(5)، وقال: «فاستخرت الله تعالى تلك الليلة واستعنته واستنصرته واستهديته وسلكت سبيل عباد الله في مثل هذه المسالك، حتى أُلقي في قلبي أن أدخل النار عند الحاجة إلى ذلك، وأنها تكون بردا وسلاما»(6)، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عظيم ثقته بالله وتوكله عليه.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (20/ 12).
(2) درء التعارض (1/ 229).
(3) رواه البخاري، كتاب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (3650)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة (2533) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
(4) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (3/ 169).
(5) المناظرة الرفاعية ضمن مجموع الفتاوى (11/ 454).
(6) المصدر السابق (11/ 455).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
5) قوة حجته وحضورها:
على كثرة مناظرات شيخ الإسلام رحمه الله وتنوع خصومه ومخالفيه: من علماء وقضاة ومتكلمين وأذكياء، إلا ان أحداً منهم لم يستطع الوقوف في وجه شيخ الإسلام، وما ذلك إلا لما كان يمتلكه من قوة حجة تُبهت الخصم وتسكته، وكثرة أدلة تُبهر الخصم وتقطعه، وهذه الميزة تظهر بوضوح في كل مناظرات شيخ الإسلام ومحاوراته، ولا أدل على ذلك من رجوع كثير من مناظريه عن أقوالهم، واعترافهم بما كانوا عليه من ضلال وباطل، وتصريحهم بالتوبة والرجوع إلى الحق الذي قرره شيخ الإسلام وبينه ووضحه، وهذا الأمر منطلق مما يعتقده شيخ الإسلام من أن تقرير الحق وجواب شبه أهل الباطل يجب أن يكون بحجة قوية وأدلة ظاهرة بينة، تقطع ضلال الخصم وتكشفه، وتبرز الحق وتظهره، قال شيخ الإسلام: «وكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم، لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور والطمأنينة في النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين»(1)، وقال رحمه الله: «وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة، إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار، فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة»(2).
6) تمام العلم والدراية بمذهب الخصم ومقالات المخالفين:
لقد كان شيخ الإسلام بمكان عظيم من العلم والدراية بمذاهب ومقالات الفرق والطوائف، يشهد له بذلك كل من عرف حاله وقرأ كتبه ومصنفاته، وقد ظهر أثر هذه المعرفة الواسعة في مناظرته مع خصومه، حيث كان رحمه الله يبين أقوال--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (1/ 357).
(2) المصدر السابق (7/ 173).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)
المخالفين ويفصل القول فيها، ما يصح نسبته إليها مما لا يصح ولا يثبت، وقد بين لمناظريه في العقيدة الواسطية ما رزقه الله من علم ودراية في هذا الباب فقال: «أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام، وأول من ابتدعها، وما كان سبب ابتداعها»(1)، وكان مما قاله لهم أيضاً: «كل من خالفني في شيء مما كتبته فأنا أعلم بمذهبه منه!»(2).
ومن أوضح ما يبين ذلك ويوضحه تبحره رحمه الله وتوسعه في معرف مذهب الاتحادية على ما في مذهبهم من المباحث الفلسفية والمسالك الوعرة التي لربما لم يفهمها رؤساؤهم وحذاقهم، قال رحمه الله: «ولهذا لما بينت لطوائف من اتباعهم ورؤسائهم قولهم، وسر مذهبهم، صاروا يعظمون ذلك، ولولا ما أقرنه بذلك من الذم والرد لجعلوني من أئمتهم، وبذلوا لي من طاعة نفوسهم وأموالهم ما يجل عن الوصف، كما تبذله النصارى لرؤسائهم والإسماعيلية لكبرائهم، وكما بذل آل فرعون لفرعون … »(3).
وقد ظهر هذا أيضاً في تحريه دقة النقل عن المخالفين، والتحري في نسبة الأقوال لهم، كما سيظهر في النقطة القادمة.
7) الدقة في النقل والتحري في نسبة الأقوال للمخالفين:
كثير من المناظرين قد يخطئ في نسبة الأقوال لأصحابها، وإرجاع المقالات لأربابها، وذلك ناشئُ غالبًا عن قلة علم بالفرق والمقالات، وأحيانًا عن بغي وظلم للآخرين، ولما كان شيخ الإسلام ذا اطلاع واسع على أقوال الفرق والمذاهب، وذا صدق وإخلاص وعدل وإنصاف مع الموافق والمخالف، فقد كان دقيق النقل للأقوال متحرياً في نسبتها للطوائف والرجال.--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (3/ 84).
(2) المصدر السابق (3/ 163).
(3) المصدر السابق (2/ 138).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
ففي مناظرته لأحد مُعظِّمي الرازي ومبجليه، بَيَّنَ خطأ ما نسبه الرازي لبعض الفرق: من القول بجواز أن يتكلم الله بكلام لا يعني به شيئاً، ولما حاول هذا المتعصب الدفاع عن الرازي ونسب هذا القول للكرامية، بين شيخ الإسلام خطأه أيضاً، وقال: «هذا لم يقله لا كرامي ولا غير كرامي، ولا أحد من أهل المذاهب الأربعة ولا غيرهم»(1)، وهذا الجزم إنما نشأ عن تمام العلم بمقالات الفرق وآراءها.
وبين في مناظرته لابن المرحل بطلان ما حكاه ونسبه لمذهب أهل السنة من أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد دون القول والعمل(2).
ولما نسب ابن المرحل إلى الحنابلة مخالفة الحسن البصري في كافر النعمة، بين له شيخ الإسلام بطلان هذا، وقال: «أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا فعمن تنقل من أصحابي هذا؟»(3)، ثم عاد ابن المرحل فنسب هذا إلى أصحابه من الشافعية، فبين له شيخ الإسلام أن أصحابه أيضاً لم يخالفوا في هذا، فكان أعلم بمذهبه منه.
ولما أحضر مخالفوه في المجلس الثاني للواسطية عالمهم الكبير صفي الدين الهندي ليناظر الشيخ، كان مما قرره أن أول مسألة اختلف فيها المسلمون هي مسألة الكلام، ونسب ذلك إلى الشهرستاني في كتابه الملل والنحل، فغضب شيخ الإسلام وبين له أن قوله خطأٌ وكذِبٌ مخالفٌ للإجماع، وأن الشهرستاني لم يذكر هذا على النحو الذي يريده، بل على خلاف ما يريد تقريره، فظهر عجز هذا الشيخ وإفلاسه أمام علم الشيخ ودرايته(4).
وحين نسب بعضهم في المناظرة الواسطية إلى الإمام أحمد القول بأن صوت القارئين ومداد المصاحف قديم أزلي، بين شيخ الإسلام أن هذا كذب مفترى، لم--------------------------------------------
(1) الصفدية (1/ 288).
(2) العقود الدرية (ص: 115)، مجموع الفتاوى (11/ 138).
(3) المصدر السابق.
(4) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 183).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
يقله أحمد ولا أحد من علماء المسلمين، لا من أصحاب أحمد ولا غيرهم، ولا يقوله عاقل(1).
ومواقفه التي تبرز هذا الجانب من مناظراته كثيرة مشهودة لا يسع المقام لاستيعابها.
8) الأمانة العلمية في الطرح:
وهذه النقطة هي في الحقيقة تبع لما قبلها، وما تحريه في النقل ودقته في حكاية الأقوال إلا نموذج من نماذج الأمانة العلمية التي كان يتصف ويتحلى بها رحمه الله ومما يوضح ذلك أكثر ما نص عليه رحمه الله في رده على النصارى، حيث قال: «وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها، فصلاً فصلاً، وأُتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصلاً وعقدًا وحلاً»(2) ويرى رحمه الله أنه يجب على الناقل لأقوال مخالفيه أن ينقلها بنصها وعينها دون تصرف أو رواية بالمعنى أو اختصار أو تلخيص؛ لما يقع في ذلك من الخلل والخطأ والزلل، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ونحن في جميع ما نورده نحكي ألفاظ المحتجين بعينها، فإن التصرف في ذلك قد يدخله خروج عن الصدق والعدل، إما عمدًا وإما خطأ»(3).
9) حرصه في مناظراته على جمع الكلمة واتفاقها:
مع ما عرض لشيخ الإسلام من قبل مخالفيه من كذب وكيد ووشاية ومكر وترصد وأذى، وحرص على الوقيعة بشيخ الإسلام في مناظراتهم ومخاصمتهم له، وإظهار شذوذه ومخالفته للجماعة، إلا أن ابن تيمية -وعلى خلاف ذلك -كان أحرص ما يكون على جمع الكلمة واتفاقها، وترك أسباب الفرقة واجتنابها، ولا أدل على ذلك من موقفه في العقيدة الواسطية بعد أن عرض له ما عرض من--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (3/ 197).
(2) الجواب الصحيح (1/ 99).
(3) بيان تلبيس الجهمية (4/ 307).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)