Arabic source text

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

📘 المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية (هيثم الحمري)

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
مخالفيه ومناوئيه، إلا أنه عاملهم بالرحمة، والعفو، والإحسان(1)، والسعي إلى الاجتماع والنهي عن الفرقة كما جاء مبسوطاً في ثنايا المناظرة.
ومن ذلك ما افتتح به رحمه الله المجلس الثاني من مناظرته حيث قال: «إن الله تعالى أمرنا بالجماعة والائتلاف ونهانا عن الفرقة والاختلاف. وقال لنا في القرآن: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران:103]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام:159]، وقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} [آل عمران:105]، وربنا واحد وكتابنا واحد ونبينا واحد، وأصول الدين لا تحتمل التفرق والاختلاف، وأنا أقول ما يوجب الجماعة بين المسلمين وهو متفق عليه بين السلف، فإن وافق الجماعة فالحمد لله»(2).
وفي مناظرته مع الرفاعية كان أحرص ما يكون قبل حدوث الموقعة الكبرى عند الأمير، على تأليفهم وإرجاعهم للحق، والاتفاق معهم على اتباع كتاب الله وسنة نبيه، وترك ما أحدثوه من بدع ومحدثات، والدخول في صالح ما عليه المسلمين، وقد أرسل إلى شيخهم غير ما مرة ليخاطبه بذلك(3).
ومن تتبع سيرته رحمه الله علم حقيقة ما حكاه عن نفسه قائلاً: «أنا كنت من أعظم الناس تأليفاً لقلوب المسلمين، وطلباً لاتفاق كلمتهم، واتباعاً لما أُمرِنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة»(4).

10)‌‌ شجاعته في النطق بالحق، وعدم مهابته لأحد غير الله:
هذا الأمر شهد به لشيخ الإسلام أصدقاؤه وأعداؤه، واعترف به خصومه قبل محبيه، فقالوا عنه: «هذا رجل محجاج خصِم، وماله قلب يفزع من الملوك، وقد--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 161، 162، 164، 169، 210).
(2) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (3/ 182).
(3) انظر: المناظر الرفاعية ضمن مجموع الفتاوى (11/ 453).
(4) مجموع الفتاوى (3/ 227).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)

اجتمع بقازان ملك التتر وكبار دولته، وما خافهم»(1)، ومظاهر شجاعته رحمه الله وخصوصاً في مواجهة خصومه ومناظرتهم أشهر من أن تُذكر، ومن أمثلتها الواضحة موقفه العظيم مع الرفاعية، فعلى الرغم مما كان للأحمدية من مهابة ومكانة في نفوس الناس، ونفوذ عند السلاطين والحكام، فإن شيخ الإسلام أظهر الحق وبين أنهم ضلال مبتدعة ودجاجلة مفترون، وصاح بهم أمام الناس بذلك، وتحداهم وعارضهم بكل ما يستطيع.
وعارض علماء دمشق أولاً ثم علماء مصر بعد ذلك، مع أنهم قضاة البلاد، وأصحاب النفوذ ومرجع الأمراء والسلاطين، ووقف في بيان دين الله وإظهار الحق، أعظم المواقف وأجلها، وكان شجاعاً في الصدع بالحق في كل محفل وعند كل أحد، يصدع به أمام السلاطين والأمراء، والقضاة والعلماء والوجهاء، كما يصدع به أمام التلاميذ والأصدقاء، ويرى أن الرجل لا يخاف من النطق بالحق إلا لمرض في قلبه، وقلة توكل وإيمان بربه(2).
غلب الْمُلُوك مهابةً وشجاعةً … لَيْثٌ يهابُ- لِقَاءه الْكُفَّارُ(3)

11)‌‌ فطنته بمكايد الخصم وسرعة بديهته في معرفة مراده:
كان شيخ الإسلام رحمه الله ذا فطنة كبيرة وخبرة عالية، بأغراض الخصوم ومقاصدهم، بحيث يفهم مراد الخصم قبل أن يصرح به، ويستعد للإجابة على استشكال الخصم قبل أن يورده عليه، ومن ذلك أن بعض مناظريه في العقيدة الواسطية طلب إعادة قراءة الأحاديث المذكورة في العقيدة مرة أخرى؛ فتفطن شيخ الإسلام لمراده من ذلك قبل أن يتفوه به فقال: «كأنك قد استعددت للطعن--------------------------------------------
(1) الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:146).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (28/ 449).
(3) بيت من ضمن قصيدة في رثاء شيخ الإسلام للشيخ قاسم بن عبد الرحمن المقرئ. العقود الدرية (ص: 458).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)

في حديث الأوعال»(1)، ثم أجاب عن حديث الأوعال وبين صحته.
ولما تحداهم أن يأتوا بشيء عن السلف يخالف ما ذكره في العقيدة، أحضر بعض أكابرهم في المجلس الثاني (كتاب الأسماء والصفات) للبيهقي -رحمه الله تعالى- فقال: «هذا فيه تأويل الوجه عن السلف، قال شيخ الإسلام: «فوقع في قلبي ما أَعَد، فقلت: لعلك تعني قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة:115]، فقال: نعم»(2)، ثم بين الشيخ له وللحاضرين أنه لا حجة في ذلك، وأن ما ورد في تفسير الآية عن مجاهد والشافعي ليس فيه شيء من تأويل الآية، ولا صرفها عن ظاهرها الذي تقتضيه.
ولما سأل بعضهم عما ينسب للإمام أحمد من القول بقدم مداد المصاحف وأصوات القارئين، وظنوا أن هذا هو مذهب الشيخ، فأرادوا أن يجعلوه بين أمرين: إما الإقرار بهذا فيظهر للناس شناعة قوله، وإما الرجوع لقولهم فيحصل مقصودهم، تفطن شيخ الإسلام لهذا فأجابهم بنقيض ما أرادوه، قال رحمه الله: «وكانت هذه المسألة: قد أرسل بها طائفة من المعاندين المتجهمة ممن كان بعضهم حاضراً في المجلس، فلما وصل إليهم الجواب أسكتهم، وكانوا قد ظنوا أني إن أجبت بما في ظنهم أن أهل السنة تقوله، حصل مقصودهم من الشناعة، وإن أجبت بما يقولونه هم، حصل مقصودهم من الموافقة، فلما أجيبوا بالفرقان الذي عليه أهل السنة، وليس هو ما يقولونه هم، ولا ما ينقلونه عن أهل السنة -إذ قد يقوله بعض الجهال- بُهتوا لذلك»(3).

12)‌‌ العدل مع المخالف:
لما كان شيخ الإسلام رحمه الله يعتقد أن من أعظم أسباب النصر والتأييد والمعونة من رب العالمين ضد الأعداء والخصوم، هو العدل معهم في الأقوال--------------------------------------------
(1) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (3/ 192).
(2) المصدر السابق (6/ 15 - 16).
(3) المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (3/ 172).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)

والأفعال حيث يقول رحمه الله: «إن الإنسان إذا اتبع العدل نُصر على خصمه، وإذا خرج عنه طمع فيه خصمه»(1)، لهذا السبب ولما أوجبه الله قبل هذا من ترك الظلم ولزوم العدل في جميع الأحوال كان شيخ الإسلام رحمه الله عادلاً في معاملته لخصومه منصفاً لهم، عادلاً في الحكم عليهم وعلى مقالتهم، وهو القائل تلك المقولة الجليلة: «أوجب الله العدل، لكل أحد، على كل أحد، في كل حال»(2)، وهذه السمة تجدها بارزة في جميع مناظرات الشيخ رحمه الله، ومن أبرز ملامحها تفاوت حكمه على المقالات بحسب قربها وبعدها من الكتاب والسنة، وتفريقه في الحكم بين القول وقائله، وإنصافه لخصومه في مخاطبتهم وإنزالهم منزلتهم التي يستحقونها، كما سيتضح في النقطة القادمة، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وليس مما أمر الله به ورسوله، ولا مما يرتضيه عاقل، أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء،
وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم، إذ هم -ولله الحمد- أكمل الناس عقلاً وأتمهم إدراكاً وأصحهم ديناً، وأشرفهم كتاباً، وأفضلهم نبياً، وأحسنهم شريعة»(3).

13)‌‌ إنصاف الخصم وإنزاله منزلته التي يستحقها:
وترى هذا الأمر جلياً واضحا في حديث الشيخ عمن ناظرهم وفي مخاطبته لهم، فمع شدة العداوة بين شيخ الإسلام والفلاسفة والرافضة والأشاعرة وجميع الفرق المخالفة، وبعد الفجوة بينه وبينهم، وبغضه لآرائهم ومعتقداتهم، لم يمنعه هذا من نسبة الفضل لذي الفضل منهم فقد قال في مناظرته مع الفلاسفة: «ولهذا خاطبني بعض الأعيان من الفضلاء المتفلسفين»(4)، وقال في وصفه للشيخ--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (8/ 409).
(2) الرد على المنطقيين (ص:425).
(3) درء تعارض العقل والنقل (9/ 207).
(4) بيان تلبيس الجهمية (3/ 142).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)

الرافضي الذي ناظره: «ولقد طلب مني أكابر شيوخهم الفضلاء أن يخلو بي، وأتكلم معه في ذلك … »(1).
ولما أتى مخالفوه في المجلس الثاني للمناظرة الواسطية بالشيخ صفي الدين الهندي لينتصروا به، وقع بينه وبين شيخ الإسلام ما وقع، ومع هذا قال الشيخ: «فذكر هو بحثاً حسناً يتعلق بدلالة اللفظ فحسنته ومدحته عليه»(2)، وقال: «وأخذت أذكر ما يستحقه هذا الشيخ من أنه كبير الجماعة وشيخهم، وأن فيه من العقل والدين ما يستحق أن يعامل بموجبه، وأمرت بقراءة العقيدة جميعها عليه»(3).
وصدق الناظم إذ قال فيه:
يا ابن تيمية يا أنصح العلما … يا من لأسرار دين الله قد فهما
يا آية ظهرت في الكون باهرة … لا زلت في سلك دين الله منتظما
إلى أن قال:
تعفو عن الجاهل الجاني وترحمه … وتكثر العدل والإنصاف للخُصَما(4)

14)‌‌ الاعتناء بالأصول والقواعد دون الفروع والجزئيات في الرد والتقرير:
لما كثرت الطوائف والفرق في عصر شيخ الإسلام وصار لكل طائفة شيوخ وأتباع، وقواعد وأصول بنوا عليها باطلهم وكثيرًا من ضلالتهم وانحرافاتهم مع نسبتها إلى الاعتقاد الحق، قام شيخ الإسلام بتمييز الحق الصافي عما خلطوه به من باطل وضلال، وركز في ذلك على نقد تلك القواعد والأسس ونقض تلك الأصول التي قامت عليها آرائهم المنحرفة ومعتقداتهم الباطلة، فنلحظ مثلاً في مناظرته المدنية كيف اعتنى شيخ الإسلام بمسألة تأويل الصفات، وقدمها في--------------------------------------------
(1) منهاج السنة النبوية (1/ 101).
(2) مجموع الفتاوى (3/ 188).
(3) المصدر السابق (3/ 186).
(4) العقود الدرية (ص: 531).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)

النقاش على كل المسائل التي خالف فيها الأشاعرةُ أهلَ السنة، وعلل ذلك بأنها: «الأم وسائر المسائل فرع عنها»(1)، وهذا من اهتمام شيخ الإسلام بالقواعد والأصول، في باب التقرير وفي باب الردّ والمناقشة.
ويرى شيخ الإسلام رحمه الله أن معرفة القواعد والأسس أمر ضروري يجب أن يتصف به المرء قبل حكمه على المقالات والأشخاص، ولذلك قال رحمه الله: «لابد أن يكون مع الإنسان أصول كلية ترد إليها الجزئيات، ليتكلم بعلم وعدل، ثم يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذب وجهل في الجزئيات، وجهل وظلم في الكليات، فيتولد فساد عظيم»(2).

15)‌‌ ضرب الأمثلة والتطبيقات، لما يذكره من قواعد وتقريرات:
مما امتازت به طريقة شيخ الإسلام في تقرير الحق والرد على مخالفيه سواء في المناظرات أو غيرها، أنه كان يُتبِع ما قرره من قواعد وتأصيلات بالأمثلة والتطبيقات، فقد قرر لمناظِره في الرسالة المدنية، أن تأويل نصوص الصفات وصرفها عن ظاهرها لا يصح إلا بأربعة شروط، ثم جعل شيخ الإسلام صفة اليد أنموذجا تطبيقيا لما ذكره من شروط(3). وفي مناظرته مع بعض النصارى قرر لهم قاعدة عامة وهي أنه ما من آية جاء بها المسيح إلا وقد جاء موسى بأعظم منها؛ ثم ضرب شيخ الإسلام على هذا عدة أمثلة كأحياء الموتى، وجعل العصا حية وغير ذلك، فأتْبَعَ التقعيد بالتمثيل والتطبيق(4). وفي مناظرته مع الرفاعية بين للسلطان أنهم أهل كذب وخداع وتلبيس على الأمراء والمسلمين، ثم حكى في ذلك عدة أمثلة من القصص والوقائع التي فعلوها ولبسوا فيها على الأمراء(5). ولما كان من--------------------------------------------
(1) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (6/ 355).
(2) مجموع الفتاوى (19/ 203).
(3) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (6/ 351 - 373).
(4) مجموع الفتاوى (2/ 346 - 348).
(5) المصدر السابق (11/ 457 - 458).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)

أعظم تقريراته أن أهل السنة يعلمون الحق، ويرحمون الخلق(1)، فقد حقق ذلك والتزمه في جميع مناظراته ومناقشاته لخصومه ومخالفيه. وغيرها من النماذج الكبيرة التي تدل على هذا وتبرهن عليه.

16)‌‌ التدرج مع المخالف في بيان الباطل وتقرير الحق:
من حسن صنيع العالم في مناظرته للمخالف، أن يتدرج معه في النقاش والحوار حتى يوصله للمطلوب المراد دعوته إليه وبيانه له، وهذه الطريقة أقرب لقبول المدعوين وأجلب لقلوبهم، وقد كان شيخ الإسلام حريصًا على مثل هذا الأمر وعلى كل أمر ييسر قبول الخصم للحق ورجوعه عن الباطل، ومن تطبيقات شيخ الإسلام لهذا المسلك، ما فعله مع مناظره الرافضي حيث ابتدأ شيخ الإسلام ببيان مذهب الرافضة في الإمامة وتقرير معتقدهم في ذلك حتى أقر له الرافضي بما ذكر من اعتقادهم وشهد بأنه قرر مذهبهم على أكمل وجه، ثم بدأ معه شيخ الإسلام بنقض مذهبهم وبيان ما في قولهم من فساد وضلال(2). وفي مناظرة الرسالة المدنية تدرج شيخ الإسلام مع مناظره في بيان عقيدة أهل السنة والجماعة في الصفات وذكر أقوال المخالفين، ثم ذكر له أمهات المسائل التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والأشاعرة، قال «فقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات، فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها»(3) وكان يورد المسألة تلو المسألة، وقرر شروط التأويل المقبول، ثم طبق ما قرره بمثال واضح، وهكذا بأسلوب بديع في التدرج مع المدعو، حتى سلم له مناظره وعرف الحق وأظهر التوبة والإنابة(4).--------------------------------------------
(1) انظر: النبوات (1/ 415)، مجموع الفتاوى (3/ 279)، الرد على البكري (2/ 490)، شرح الأصبهانية (ص:43).
(2) انظر: منهاج السنة النبوية (1/ 101).
(3) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (6/ 355).
(4) انظر: الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (6/ 351 - 373).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)

17)‌‌ البدء بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد، قبل تقرير الحق والمعتقد الصحيح:
من كمال التدرج المطلوب مع الخصم: أن يبدأ المناظر بنقض شبهة الخصم ومعتقده الفاسد، ثم يقرر له الحق والمعتقد الصحيح الذي يجب اعتقاده، وهذه الطريقة يطلق عليها بعض العلماء: (التخلية قبل التحلية)، أو (التصفية قبل التربية)، وكانت هذه من أهم المسالك التي يعتني شيخ الإسلام بسلوكها وتطبيقها، ويعلل ذلك فيقول: «إن المبتدع الذي بنى مذهبه على أصل فاسد، متى ذكرت له الحق الذي عندك ابتداء أخذ يعارضك فيه، لِما قام في نفسه من الشبهة، فينبغي إذا كان المناظر مدعياً أن الحق معه أن يبدأ بهدم ما عنده، فإذا انكسر وطلب الحق فأعطه إياه وإلا فما دام معتقداً نقيض الحق لم يدخل الحق إلى قلبه، كاللوح الذي كتب فيه كلام باطل، امحه أولاً، ثم اكتب فيه الحق»(1). وهذا من كمال فقه شيخ الإسلام وتمام علمه بمسالك المناظرات وطرقها المفضية إلى إقناع الخصم. ومن تطبيقات شيخ الإسلام لهذا الأمر ما تجده في مناظرته مع نفاة الرؤية حيث قام رحمه الله بتلخيص شبهة نفاة الرؤية في مقدمتين ونتيجة، ثم قام بنقض هذه الشبهة وبيان بطلانها، وبعد ذلك قام بتقرير الحق في ذلك بالنصوص الشرعية والآثار الصحيحة التي تدل على ثبوت الرؤية، فابتدأ بنقض الأصل الفاسد، ثم أتبعه بتقرير الحق(2)، وذلك لأن «الدليل إن لم تقرر مقدماته ويجاب عما يعارضها لم يتم»(3).

18)‌‌ التنزل مع الخصم أدعى لقبوله الحق:
كان شيخ الإسلام حريصاً أشد الحرص على بيان الحق للناس، وكشف ما--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (17/ 159).
(2) انظر: بغية المرتاد (ص:476).
(3) شرح الأصبهانية (ص:47).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)

علق بأذهانهم من آراء فاسدة، بُنيت على شُبهٍ باطلة وأدلة واهية مخالفة للثوابت الشرعية والنصوص القطعية من الكتاب والسنة، ولذلك فقد يتنزل شيخ الإسلام مع مناظره شيئا ما ليكون أدعى لقبوله الحق وإن كان شيخ الإسلام على يقين تام ببطلان قوله وفساد معتقده قال رحمه الله: «فإنا في هذا المقام نتكلم معهم بطريق التنزل إليهم، كما نتنزل إلى اليهودي والنصراني في مناظرته، وإن كنا عالمين ببطلان ما يقوله، اتباعاً لقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل:125]، وقوله: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت:46]. وإلا فعلمنا ببطلان ما يعارضون به القرآن والرسول، ويصدون به أهل الإيمان عن سواء السبيل، وإن جعلوه من المعقول بالبرهان، أعظم من أن يبسط في هذا المكان»(1).
وفي مناظرته مع بعض النصارى قال: «ولهذا كنت أتنزل مع علماء النصارى إلى أن أطالبهم بالفرق بين المسيح وغيره من جهة الإلهية»(2).
ومن هذا الباب ما فعله شيخ الإسلام في مناظرته الرفاعية، فبعد أن بين حيلتهم في دخول النار، تنزل معهم وجاراهم في مخاريقهم فتحداهم في دخول النار بعد الاغتسال بالخل والماء الحار، وقال: «أنا أخاطب كل أحمدي من مشرق الأرض إلى مغربها أي شيء فعلوه في النار فأنا أصنع مثل ما تصنعون، ومن احترق فهو مغلوب»(3) أو قال: «فعليه لعنة الله»(4).
ولما استعظم الأمير ذلك وقال: أتفعل ذلك؟ فقال له شيخ الإسلام مبيناً سبب إقدامه على مثل هذا الفعل: «نعم قد استخرت الله في ذلك، وأُلقي في قلبي أن أفعله، ونحن لا نرى هذا وأمثاله ابتداء؛ فإن خوارق العادات إنما تكون لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المتبعين له باطنًا وظاهرًا لحجة أو حاجة، فالحجة لإقامة دين الله،--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (1/ 188)
(2) مجموع الفتاوى (15/ 228)، وانظر: الرد على البكري (ص:327).
(3) المصدر السابق (11/ 465).
(4) المصدر السابق (11/ 465).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)

والحاجة لما لا بد منه من النصر والرزق الذي به يقوم دين الله، وهؤلاء إذا أظهروا ما يسمونه إشاراتهم وبراهينهم التي يزعمون أنها تبطل دين الله وشرعه وجب علينا أن ننصر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونقوم في نصر دين الله وشريعته بما نقدر عليه من أرواحنا وجسومنا وأموالنا فلنا حينئذ أن نعارض ما يظهرونه من هذه المخاريق بما يؤيدنا الله به من الآيات»(1)، وقال: «وليعلم أن هذا مثل معارضة موسى للسحرة لما أظهروا سحرهم أيد الله موسى بالعصا التي ابتلعت سحرهم»(2).
والتنزل للخصوم في المناظرات من تمام الإنصاف، وفيه دعوة لطيفة لأهل الانحراف.
فكم مُبْطل وافاه يَبْغِي جداله … فأنصفه فِي الْبَحْث من غير عدوانِ
ويكشف عَنهُ شُبْهَة بعد شُبْهَة … إِلَى أَن يبين الْحق أحسن تبيانِ
فَيُصْبِح عَن تِلْكَ الْمقَالة معرضًا … وَلَو كَانَ من أَحْبَار سوء وَرُهْبَانِ(3)

19)‌‌ الحرص على إفهام الخصم والإتيان بالعبارات الواضحة:
لم يكن شيخ الإسلام يبخل على خصمه بالبيان والتوضيح والشرح والتفصيل، ليتضح له الحق، وينكشف أمامه الباطل، ويتبين له الهدى من الضلال، ولم يكن هذا الحرص على المخالفين المنتسبين للإسلام والملة فحسب، بل وحتى مع غير المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم من الكافرين، وقد يردد الكلام ويعيده على الخصم حتى يستوعبه ويفهمه حق الفهم، ومن ذلك ما فعله في مناظرته لبعض النصارى حيث قال: «وجعلت أردد عليه هذا الكلام؛ وكان في المجلس جماعة حتى فهمه فهمًا جيدًا، وتبين له وللحاضرين أن قولهم باطل لا حقيقة له»(4).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (11/ 460).
(2) المصدر السابق (11/ 460).
(3) العقود الدرية (ص:490) وهي أبيات من قصيدة لشهاب الدين إبراهيم بن شهاب الدين ابن كوشب الحنفي (ت: 735 هـ).
(4) مجموع الفتاوى (2/ 346).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)

وإذا رأى أن تفسير العبارات المجملة لا يحقق المقصود من هداية المخالف وبيان الحق له، فإنه يترك ذلك ويأتي بالعبارات البينة الواضحة، قال رحمه الله: «قد لا يتأتى في المناظرات تفسير المجملات، خوفاً من لدد الخصم، فيؤتى بالواضحات»(1).

20)‌‌ الاحتجاج بكتب المخالف وأقوال شيوخه الذين يعظمهم:
لقد جبل كثير من أهل البدع على تعظيم مشايخهم وكتبهم ومؤلفاتهم، حتى أن كثيراً منهم ونظراً للتعصب المقيت الذي انتشر بينهم قد يرد الآية أو الحديث، ولكنه يهاب من رد قول شيخه أو مخالفته ولو في أوضح المسائل، وقد كان من حسن صنيع شيخ الإسلام مع مخالفيه، احتجاجه عليهم بكتبهم التي يعظمونها، ونصوص علماءهم ومشايخهم الذين ينتسبون إليهم ويرجعون إليهم في فهم النصوص والعمل بها، وقد استخدم شيخ الإسلام هذا الأسلوب في عدة مناظرات ومن أجلى ذلك وأظهره ما قام به في مناظرة العقيدة الواسطية قال رحمه الله: «وقد أحضرت في الشام أكثر من خمسين كتاباً: من كتب الحنفية والمالكية والشافعية وأهل الحديث، والمتكلمين والصوفية كلها توافق ما قلته بألفاظه؛ وفي ذلك نصوص سلف الأمة وأئمتها، ولم يستطع المنازعون مع طول تفتيشهم كتب البلد وخزائنه أن يخرجوا ما يناقض ذلك عن أحد من أئمة الإسلام وسلفه»(2).--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (18/ 140).
(2) مجموع الفتاوى (3/ 217)، وانظر: مجموع الفتاوى (3/ 265) وفي رواية عبد الله بن تيمية رحمه الله للمناظرة: «وقد أحضرت كتب الأشعري، وكتب أكابر أصحابه: مثل كتب أبي بكر بن الباقلاني، وأحضرت أيضا من نقل مذاهب السلف: من المالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث وشيوخ الصوفية، وأنهم كلهم متفقون على اعتقاد واحد. وكذلك أحضر نقل شيوخ أصحاب أبي حنيفة: مثل محمد بن الحسن والطحاوي وما ذكروه من الصفات وغيرها في أصول الدين وقرأ فصلا مما ذكره الحافظ ابن عساكر في كتابه: (الإبانة) وأنه يقول بقول الإمام أحمد. وأحضر كتاب: (التمهيد) للقاضي أبي بكر بن الباقلاني. وأحضر (النقول) عن مالك وأكابر أصحابه: مثل ابن أبي زيد والقاضي عبدالوهاب، وغيرهما من كبار أصحاب مالك بتصريحهم أن الله مستو بذاته على العرش. وقال: أما الذي أذكره فهو مذهب السلف، وأحضر ألفاظهم وألفاظ من نقل مذاهبهم من الطوائف الأربعة وأهل الحديث والمتكلمين والصوفية، وأذكر موافقة ذلك من الكتاب والسنة وأنه ليس في ذلك ما ينفيه العقل وإن كان الله تعالى يجمع قلوب الجماعة على ذلك فالحمد لله رب العالمين» [رسالة عبد الله بن تيمية لأخيه زين الدين عن حاصل المناظرة في الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (3/ 205 - 206)].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)

وبين شيخ الإسلام أن نفع مثل هذه الطريقة ليس مقتصراً على الخصم فقط بل يعود نفعه على كثير من أهل الحق الذين يخشون من الصدع به، قال شيخ الإسلام: «وكان مقصودي تقرير ما ذكرته على قول جميع الطوائف، وأن أبين اتفاق السلف ومن تبعهم على ما ذكرت، وأن أعيان المذاهب الأربعة والأشعري وأكابر أصحابه على ما ذكرته؛ فإنه قبل المجلس الثاني: اجتمع بي من أكابر علماء الشافعية والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية، وغيرهم ممن عَظُمَ خوفهم من هذا المجلس، وخافوا انتصار الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرق الكلمة، فلو أظهرت الحجة التي ينتصر بها ما ذكرته، أو لم يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها، لصارت فرقة، ولصعب عليهم أن يظهروا في المجالس العامة الخروج عن أقوال طوائفهم بما في ذلك من تمكن أعدائهم من أغراضهم. فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجة، وبان أنه مذهب السلف: أمكنهم إظهار القول به مع ما يعتقدونه في الباطن من أنه الحق»(1).

21)‌‌ تنوع أساليبه وطرقه في إبطال مقالة الخصم:
تنوعت أساليب شيخ الإسلام في إفساد مقالة الخصم خلال مناظراته ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
أ -بيان فساد المقالة بفساد دليلها: ومنه بيان شيخ الإسلام في مناظرته مع الصوفية فساد اعتقادهم نفع الأحجار، بفساد دليلهم الذي اعتمدوا عليه وهو--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (3/ 188).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)

حديث: (لو أحسن أحدكم ظنَّه بِحَجَرٍ لنفعه الله به)(1)، حيث بين أنه كذب موضوع.
وبيانه في مناظرة أخرى كذب الحديث الذي استندوا عليه في تجويزهم دعاء القبور (إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور)(2).
وبيانه في مناظرته للنصارى عدم صحة احتجاجهم على ألوهية المسيح بتشبيهه بالشعاع الذي للشمس أو النور للنار، وغيرها من الأمثلة كثير(3).
ب -بيان فساد المقالة بفساد لازمها: ومن ذلك إلزامه للنصارى -في تشبيههم اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن- أن يكون الإله قد تألم وتوجع بصلب المسيح ووجعه، كما تتألم الروح بألم البدن ووجعه(4).
وبيانه في مناظرته لبعض الاتحادية فساد قول من اعتقد حلول الله سبحانه وتعالى بقلب الحلاج بذكر اللوازم الفاسدة المترتبة على هذا القول(5).
ت -بيان فساد المقالة بإظهار تناقضها واضطرابها: ومن ذلك بيانه في مناظرة الفلاسفة لفساد مقالتهم ببيان تناقضها واضطرابها، وبيانه في المناظرة الواسطية تناقض ابن الوكيل وعدم استقراره على مقالة واحدة(6)، وبيانه في مناظرته مع بعض منكري العلو مناقضة عقيدته لفطرته وفعله(7)، وقد قرر رحمه الله قاعدة عامة في ذلك فقال: «وكل من نصر قولًا ضعيفًا فلا بد له من أحد أمرين: إما أن يتناقض، وإما أن يلتزم لوازم ظاهرة الفساد»(8).--------------------------------------------
(1) سيأتي بيان حال الحديث وكذبه أثناء الدراسة (ص:361).
(2) ستأتي دراسته (ص: 385).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 346).
(4) انظر: الجواب الصحيح (3/ 328).
(5) انظر: مجموعة الرسائل (1/ 30) منهاج السنة النبوية (5/ 378).
(6) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 172)
(7) انظر: درء التعارض (6/ 343).
(8) نظرية العقد "العقود" (1/ 85).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)

ث -بيان فساد المقالة بفساد ما بنيت عليه: ومن ذلك بيانه في مناظرة المنجمين فساد صناعتهم بنقض مبناها الذي بنيت عليه، وهو أن الحركات العلوية هي السبب المؤثر في الحوادث الأرضية(1).
وبيانه في مناظرته لبعض الاتحادية فساد مقالته: أنه لا فرق بين التوحيد والالحاد، وذلك ببيان فساد ما بنيت عليه هذه المقالة، وتفرعت عنه(2).
وفي مناظرة نفاة الرؤية: ذكر شيخ الإسلام أن جميع شبههم مبنية على مقدمتين، ثم شرع في بيان فساد هاتين المقدمتين التي بُني عليهما هذا القول(3).
ج -بيان فساد المقالة بكذب أصحابها وتحايلهم: ومن ذلك كشفه لحال الأحمدية وما انطوت عليه أقوالهم وأحوالهم من الكذب والحيل والتلبيس والخداع، قال شيخ الإسلام: «وهم كذابون مبتدعون، قد أفسدوا من أمر دين المسلمين ودنياهم ما الله به عليم»(4)
ح -بيان فساد المقالة ببيان كذبها وعدم ثبوتها: ومن ذلك ما افتراه الرفاعية على شيخ الإسلام من أنه أمرهم بلبس الأطواق ودخول النار. قال الشيخ: «فقلت: هذا من البهتان، وها أنا ذا أصف ما كان.
قلت للأمير: نحن لا نستحل أن نأمر أحدًا بأن يدخل نارًا ولا تجوز طاعة من يأمر بدخول النار، وفي ذلك الحديث الصحيح. وهؤلاء يكذبون في ذلك»(5).
خ -بيان فساد المقالة بإظهار عجز صاحبها: ومن ذلك ما جاء في مناظرته مع بعض الأحمدية ممن يزعم القدرة على دخول النار وعدم الاحتراق بها، فقال له: «أنا ما أكلفك ذلك ولكن دعني أضع هذه الطوافة في ذقنك. فجزع ذلك--------------------------------------------
(1) انظر: الفتاوى الكبرى (1/ 62).
(2) انظر: مجموع الفتاوى (2/ 196).
(3) انظر: بغية المرتاد (ص:476).
(4) مجموع الفتاوى (11/ 457).
(5) المصدر السابق (11/ 457).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)

الفقير وأبلس»(1).
د -بيان فساد المقالة بفقدها الدليل الشرعي الذي تستند إليه: ومن ذلك ما فعله شيخ الإسلام رحمه الله في المناظرة الواسطية من تشديد على عدم وجود مستند شرعي لدى المخالفين على بطلان شيء من اعتقاده، وقال لهم متحديًا: «وقلت مرات: قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (خير القرون القرن الذي بعثت فيه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) يخالف ما ذكرته، فأنا أرجع عن ذلك»(2) وأعاد هذا الكلام وكرره وأكد عليه ليبين ضعف اعتراضهم وأن مبناه على الأهواء والظنون وليس الأدلة والنصوص.

22)‌‌ قلب دليل الخصم دليلاً عليه:
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ما احتج أحد بدليل سمعي أو عقلي على باطل إلا وذلك الدليل إذا أعطي حقه وميز ما يدل عليه مما لا يدل تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به؛ وأنه دليل لأهل الحق وأن الأدلة الصحيحة لا يكون مدلولها إلا حقا والحق لا يتناقض بل يصدق بعضه بعضا»(3)، وقال رحمه الله: «وقد كنت قديماً ذكرت في بعض كلامي أني تدبرت عامة ما يحتج به النفاة من النصوص، فوجدتها على نقيض قولهم أدل منها على قولهم»(4)، وقال أيضاً: «جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة الشرعية والعقلية إنما تدل على الحق، لا تدل على قول المبطل وهذا ظاهر يعرفه كل أحد، فإن الدليل الصحيح لا يدل إلا على حق، لا على باطل .... والمقصود هنا أن نفس الدليل الذي يحتج به المبطل هو بعينه إذا أعطي حقه وتميز ما فيه من حق وباطل، وبين ما يدل--------------------------------------------
(1) الوافي بالوفيات ضمن الجامع لسيرة شيخ الإسلام (ص:371).
(2) مجموع الفتاوى (3/ 169).
(3) المصدر السابق (8/ 29).
(4) درء تعارض العقل والنقل (1/ 374).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)

عليه، تبين أنه يدل على فساد قول المبطل المحتج به في نفس ما احتج به عليه. وهذا عجيب قد تأملته فيما شاء الله من الأدلة السمعية فوجدته كذلك»(1).
ومن ذلك مناظرته لبعض القبورية حين استدلوا على ولاية العبيديين بأن الخيل تُشفى عند قبورهم، فقام شيخ الإسلام بقلب دليلهم دليلاً عليهم، وبين أن شفاء الخيل بسبب ما تسمعه من عذابهم في القبور، لا بسبب ولايتهم وصلاحهم(2).

23)‌‌ عدم الجدال والمناظرة في البديهيات والضروريات:
لم يكن شيخ الإسلام يتوقف في نقاش خصومه ومجادلتهم مادام أن موضوع البحث يمكن أن يكون محلا للبحث والنقاش والمجادلة، أما إذا وصل الأمر إلى المناقشة في البديهيات، والجدال في الضروريات التي لا يمكن أن يختلف فيها اثنان، فإن هذه إمارة واضحة على انقطاع الخصم وإفلاسه من الدليل والحجة، وهذه الطريقة يلجأ لها كثير من المعاندين للحق بعد تبينه لهم، والمستكبرين عن قبوله بعد ظهوره لهم، ولذلك لم يكن شيخ الإسلام يجاريهم، ومن ذلك ما وصل له شيخ الإسلام في مناظرته مع ابن المرحل، حيث قال له بعد إصراره على الجدال في مثل هذه الأمور: «الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتم، وكون الحب والبغض أمراً وجودياً معلوم بالاضطرار؛ فإن كل أحد يعلم أن الحي إن كان خالياً عن الحب كان هذا الخلو صفة عدمية، فإذا صار محباً فقد تغير الموصوف، وصار له صفة ثبوتية زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحب، وهو يحس ذلك من نفسه، يجده كما يجد شهوته ونفرته ورضاه وغضبه ولذته وألمه»(3)، وقرر رحمه الله أن المناظرة في البديهيات، والمجادلة في المسلمات ما هو إلا ضرب من السفسطة، قال رحمه الله في مناظرته لابن المرحل: «وفي الجملة: فكون الحب والبغض صفة ثبوتية وجودية معلوم بالضرورة، فلا يقبل فيه نزاع--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (6/ 288).
(2) انظر: الرد على البكري (2/ 587).
(3) مناظرة ابن المرحل ضمن العقود الدرية (ص:126)، مجموع الفتاوى (11/ 149).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)

ولا يناظر صاحبه إلا مناظرة السوفسطائية»(1)

24)‌‌ الرحمة بالمخالف والإشفاق عليه، والحرص على هدايته:
لم تكن غاية شيخ الإسلام من مناظراته إقامة الحجة على المخالف وقطعه وإسكاته فحسب، بل كان شيخ الإسلام حريصًا أشد الحرص على هداية المخالفين وإرجاعهم للحق، وإنقاذهم من الضلال.
والناظر في مناظرات الشيخ يجد كثيرًا منها قد تحقق فيها مراد الشيخ من إقناع الخصم وهدايته للحق، وتوبته من الباطل.
فمع ما قام به الرفاعية من أذى للشيخ وكذب عليه ووشاية به عند السلاطين والأمراء، فإن شيخ الإسلام كان في المقابل حريصاً على هدايتهم مشفقاً عليهم، لم يسع لأذاهم أو إيقاع الضرر بهم، مع كونه أقدر على ذلك منهم، وأرسل لهم المرة تلو المرة لعلهم يراجعوا أنفسهم ويتركوا بدعهم وضلالتهم قال الشيخ رحمه الله: «فلما قضيت صلاة الجمعة أرسلت إلى شيخهم لنخاطبه بأمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، ونتفق على اتباع سبيله، فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة … فأرسلت إليهم مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة وطلبا للبيان والتبصرة ورجاء المنفعة والتذكرة»(2)، وقال: «وما أحببت البغي عليهم والعدوان ولا أن أسلك معهم إلا أبلغ ما يمكن من الإحسان، فأرسلت إليهم من عرَّفهم بصورة الحال وإني إذا حضرت كان ذلك عليكم من الوبال وكثر فيكم القيل والقال، وأن من قعد أو قام قدام رماح أهل الإيمان فهو الذي أوقع نفسه في الهوان»(3).
ولما ناظره أحد شيوخ الرافضة أحسن إليه وترّفق به، فوصفه بأنه من فضلاء--------------------------------------------
(1) العقود الدرية (ص:127).
(2) مجموع الفتاوى (11/ 453).
(3) المصدر السابق (11/ 454).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)

شيوخهم، وأجاب طلبه في الخلوة والكلام معه في مسألة الإمامة، كما بيّن شيخ الإسلام مذهب الرافضة بكل إنصاف، حتى أقرّ الرافضي بأن هذا البيان على غاية الكمال، وكان ابن تيمية في غاية التجرد للحق، والنصح لمخالفه، حيث قال: «فأنا وأنت طالبان للعلم والحق»(1). فالباعث من تلك المناظرة المناصحة والرحمة، لا المغالبة والظهور(2) ونماذج ذلك من حياة الشيخ ومناظراته أشهر من أن تذكر.

25)‌‌ مراعاته لقاعدة الجدل والمناظرة: (إن كنت ناقلاً فالصحة، أو مدعياً فالدليل):
هذه القاعدة من القواعد التي اعتنى بتقريرها شيخ الإسلام وكان كثيراً ما يعبر عنها بقوله: «العلم إما نقل مصدق وإما استدلال محقق»(3). أو قوله: «والعلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم»(4).
وقد طبقها شيخ الإسلام عمليا في مناظراته، فلا تكاد تخلو مناظرة من مناظراته رحمه الله إلا وهو يستدل فيها بالأدلة النقلية والعقلية الصحيحة، ولا يدعي رحمه الله أمرا إلا ويقيم عليه الدليل والبرهان، وكثيرا ما يطالب خصومه بإقامة الأدلة على ما ادعوه من مذاهب وآراء فيظهر عند ذلك عجزهم وضعفهم، ومن أوضح ذلك ما فعله في المناظرة الواسطية فقد تحداهم أن يأتوا بدليل أو أثر -بل وحتى حرف- عن القرون المفضلة يدل على صحة اعتراضهم ودعواهم(5).
ويبين شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا عبرة بالدعاوى وإنما العبرة بالأدلة والبراهين، قال رحمه الله: «ولا عبرةَ بكثرةِ الدعاوي وتعدُّدِها وإنما العبرةُ بقوة--------------------------------------------
(1) منهاج السنة النبوية (1/ 61).
(2) مناظرات ابن تيمية لأهل الملل والنحل (ص:65 - 66)
(3) مجموع الفتاوى (13/ 344).
(4) المصدر السابق (13/ 329).
(5) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 169).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)

الأدلة وتعدُّدِها»(1)، وفي مناظرته مع الرافضي ادعى الرافضي عصمة الأئمة فطالبه شيخ الإسلام بالدليل على دعواه هذه(2)، وفي الواسطية طالب من نسب لأصحاب الإمام أحمد بعض الآراء الباطلة أن يسمي له من كان يتبنى هذا القول منهم(3). ولما رمى ابن المطهر الحلي المسلمين بأنهم حشوية ومجسمة، قال شيخ الاسلام في معرض الرد عليه: «ومن أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسم القائل والناقل، وإلا فكل أحد يقدر على الكذب، فقد تبين كذبه فيما نقله عن أهل السنة»(4).

26)‌‌ عدم رد الباطل بباطل:
لطالما نبه شيخ الإسلام إلى خطأ كثير من المتصدين للرد على أهل البدع ومناظرتهم، وذلك من جهة ما يقوم به بعضهم من رد الباطل بباطل مثله، ورد البدعة ببدعة، ويرى شيخ الإسلام رحمه الله أن هذا الفعل هو من أعظم أسباب استطالة أهل الباطل على أهل الحق والهدى، وضرب على ذلك مثالاً بما فعله المتكلمون حين حاولوا الرد على الفلاسفة فردوا على باطلهم بباطل، قال رحمه الله: «والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وبين باطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها … »(5)، ونبه على أن هذا الأمر كثيرا ما يقع فيه المتصدون لمناظرة أهل البدع، مع نهي السلف عنه وذمهم لأصحابه، قال رحمه الله: «والذين ناظروا هؤلاء من أهل الإثبات ربَّما زادوا في المناظرة نوعًا--------------------------------------------
(1) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (1/ 63).
(2) انظر: منهاج السنة النبوية (1/ 61).
(3) انظر: مجموع الفتاوى (3/ 186).
(4) منهاج السنة النبوية (1/ 322).
(5) درء تعارض العقل والنقل (8/ 279)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)

من الباطل، وإن كانوا في الأكثر على الحق، فكثيرًا ما يردُّ مُناظِرُ المبتدعِ باطلًا عظيمًا بباطلٍ دونَه، ولهذا كان أئمة السنة ينهون عن ذلك، ويأمرون بالاقتصاد ولزوم السنة المحضة، وأن لا يُردَّ باطلٌ بباطلٍ دونَه»(1)، وقال رحمه الله مبيناً عدم ثمرة مثل هذا النوع من المناظرة والجدال: «الجدل الباطل لا يُفلِحُ فيه مَن سَلكَه استدلالاً وسؤالاً وانفصالاً؛ فإن من استدلَّ بالباطل فهو مُبطِلٌ، ومن ردَّ الباطلَ بالباطل ولم يُبيِّن أن الدليل باطل فهو مُبطِلٌ، ومن أجابَ عن الباطل بباطلٍ ولم يُبيِّن أن السؤالَ باطل فهو مُبطِل، وكلُّ مبطلٍ فإنه يكون منقطعًا إذا بُيِّن بطلانُه والله أعلم»(2).

27)‌‌ مراعاة عوارض الأهلية - كالجهل والتأوّيل ونحوهما -:
من تمام عدل شيخ الإسلام مع مخالفيه مراعاته لأحوالهم من علم وجهل وتأويل، فكان لا يحكم على شخص بعينه بحكم إلا بعد قيام الحجة وتوافر الشروط وانتفاء الموانع قال رحمه الله: «كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة، والذين نفوا أن الله تعالى فوق العرش، لما وقعت محنتهم، أنا لو وافقتكم كنت كافراً؛ لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال … »(3).
وفي المناظرة الواسطية لما اعترض الخصوم بأن من خالف شيئاً من عقيدة الفرقة الناجية يلزم هلاكه. أجاب عنهم قائلاً: «وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا؛ فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد--------------------------------------------
(1) جامع المسائل (8/ 237).
(2) تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل (1/ 210).
(3) الرد على البكري (2/ 494).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)