Arabic source text

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

📘 المناظرات العقدية لشيخ الإسلام ابن تيمية (هيثم الحمري)

📘 আল মুনাজারাতুল আকিদিয়্যাহ লি শাইখিল ইসলাম ইবনে তাইমিয়্যাহ (হায়সাম আল-হামরি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
عباد(1) قال: «من أدركت من المشايخ مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق»(2).
وكما في الأثر المشهور المستفيض عندما جاءه رجل وقال له: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] كيف استوى؟، فتأثّر مالك رحمه الله من هذه المسألة الشنيعة وعلاه الرحضاء، وقال في إجابته لهذا السائل: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) وأمر بالسائل أن يُخرج من مجلسه(3).
"وحسبك بهذا الأثر نكارةً أنه لم يُذكر في شيء من كتب السنة التي تنقل معتقد السلف وأقوالهم قط، ولا في شيء من كتب أصحاب الإمام مالك التي تنقل أقواله واختياراته كالمدونة وغيرها، ولم يُسطر في كتاب يحكي عقيدة الإمام مالك، كالرسالة لابن أبي زيد القيرواني(4) "(5).
ثانياً: بين شيخ الإسلام رحمه الله أن هذه الرواية لو ثبتت بإسناد صحيح فإن الجواب عنها يكون كالجواب عن الرواية المنقولة عن الإمام أحمد في تأويل المجيء: بمجيء الأمر. وقد أجاب عنها شيخ الإسلام في عدة مواضع من كتبه(6)--------------------------------------------
(1) هو أبو محمد زهير بن عباد الرؤاسي ابن عم وكيع، سمع من: مالك بن أنس، وحفص بن ميسرة، وفضيل بن عياض. وسمع منه: محمد بن أحمد العريبي، والحسن بن الفرج الغزي، وجماعة منهم: أبو حاتم الرازي. وقال: ثقة، (238 هـ). انظر: تاريخ الإسلام (5/ 824)، لسان الميزان (3/ 528).
(2) أصول السنة لابن أبي زمنين (ص:113).
(3) سبق عزوه (ص:453).
(4) هو أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، إمام مالكي، من مؤلفاته: الرسالة، الجامع وغيرهما، توفي سنة: (386 هـ). انظر: السير (17/ 10)، شذرات الذهب (3/ 131).
(5) الأشاعرة في ميزان أهل السنة (ص: 583).
(6) انظر شرح حديث النزول (ص 56 - 75)، مجموع الفتاوى (5/ 399 - 400)، (16/ 405 - 406)، جامع المسائل (8/ 195).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 560)

بأجوبة ثلاثة حاصلها ما يلي:
1) أن هذا غلط من الراوي على الإمام أحمد رحمه الله.
2) أنه رحمه الله قاله على سبيل إلزام الخصوم(1).
3) أن هذه رواية أخرى عنه، مخالفة للروايات المشهورة عنه في عدم تأويل آيات الصفات وإمرارها على ظاهرها.
وإذا تبين بطلان هذه الرواية وعدم صحة نسبتها إلى الإمام مالك، فإننا في غنى عن مثل هذه التبريرات، ولسنا بحاجة لمثل هذه التخريجات، وهذا هو الحال؛ فإنها لم تثبت بنقل صحيح ثابت، ولا بسند سليم معتبر، والله أعلم.

‌‌المسألة الثامنة[*]: رد دعواهم في أنه ليس لنصوص الأسماء والصفات معنى:
‌‌تمهيد:
كان مما اعترض به بعض المخالفين على شيخ الإسلام في عقيدته الواسطية، ما نص عليه من أن الله فوق سماواته، وأنه فوق العرش، مستو عليه رقيب على خلقه مطلع عليهم، وكل هذه المعاني حق على حقيقته، فاعترضوا باعتراضات، مفادها عدم صحة وجواز التعبير بهذه الألفاظ، بل يجب الاقتصار على الألفاظ التي جاءت في النصوص، وعدم التعبير عنها بأي معنى مرادف، أو قريب، أو مشتق منها. ودراسة هذه الشبهة من وجهين:

‌‌الوجه الأول: بيان أصل الشبهة:
وأصل شبهتهم في هذه المسألة اعتقادهم أن ألفاظ الصفات التي وردت بها النصوص ليس لها معنى فيعبر عنه، أو يؤتى بمرادفه، بل هي نصوص لا يفهم لها معنى ولا تظهر منها دلالة؛ فلذلك لا يجوز التعبير عنها بأي معنى مرادف أو قريب--------------------------------------------
(1) وهذا الوجه قد يستقيم فيما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله، ولا يستقيم هنا فيما روي عن مالك رحمه الله.

[*] (تعليق الشاملة): كذا في المطبوع، وقبلها الخامسة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 561)

أو مشتق منها، بل يجب أن تمر كما جاءت بلا دلالة ولا معنى، ولذلك قالوا في اعتراضهم: نقول كما جاء في الحديث (والله فوق العرش)، ولا نقول: (فوق السموات)، ولا نقول: (على العرش)، وقالوا أيضاً: نقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5]، ولا نقول: (الله على العرش استوى)، ولا نقول (مستو)(1).
واعترضوا بناء على هذا الأصل على تعبير شيخ الإسلام بعد ذكره عقيدة أهل السنة في علو الله واستوائه على عرشه (حق على حقيقته)؛ لأن هذه العبارة تثبت معنى حقيقياً لهذه النصوص، والذي ألجأهم لهذا كله هو اعتقادهم أن العلو والاستواء صفات لا يفهم منها في اللغة إلا استواء الأجسام وعلوها وفوقيتها، فإثبات حقيقتها هو محض التجسيم، ونفي مدلولات النصوص ومعانيها هو عندهم غاية التعظيم والتنزيه(2).

‌‌الوجه الثاني: الجواب على هذه الشبهة:
بين شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع كثيره من كتبه ومصنفاته، بطلان عقيدة التفويض التي مبناها على التجهيل ونفي دلالات النصوص ومعانيها، وجعل النصوص ألفاظًا مجردة، لا معنى لها ولا فائدة، من وجوه كثيرة يطول ذكرها ويصعب حصرها، ويكفي في بيان بطلان هذا القول، ما ذكره شيخ الإسلام من لوازم فاسدة تلزم القائلين بهذه المقالة ومنها ما يلي ومنها ما يلي:
1) جعل كلام الله من العبث والباطل الذي لا معنى له ولا فائدة، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فالكلام إنما المقصود به الإفهام، فإذا لم يقصد به ذلك كان عبثاً وباطلاً، والله تعالى قد نزّه نفسه عن فعل الباطل والعبث، فكيف يقول الباطل والعبث ويتكلم بكلام ينزله على خلقه لا يريد به إفهامهم»(3).--------------------------------------------
(1) انظر: المناظرة الواسطية ضمن مجموع الفتاوى (3/ 178).
(2) انظر: المصدر السابق (3/ 178).
(3) مجموع الفتاوى (17/ 397).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 562)

2) تجهيل الأنبياء، وأنهم يتكلمون بما لا يعقلون معناه، ولا يعلمون المراد منه، قال شيخ الإسلام: «فعلى قول هؤلاء يكون الأنبياء والمرسلون لا يعلمون معاني ما أنزل الله عليهم من هذه النصوص، ولا الملائكة، ولا السابقون الأولون، وحينئذ فيكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه لا يعلم الأنبياء معناه، بل يقولون كلاماً لا يعقلون معناه»(1).
3) القدح في القرآن، وأنه ليس فيه هدى للناس ولا بيان لهم، قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ومعلوم أن هذا قدح في القرآن والأنبياء؛ إذ كان الله أنزل القرآن وأخبر أنه جعله هدى وبياناً للناس، وأمر الرسول أن يبلغ البلاغ المبين، وأن يبين للناس ما نزل إليهم، وأمر بتدبر القرآن وعقله، ومع هذا فأشرف ما فيه وهو ما أخبر به الرب عن صفاته، أو عن كونه خالقاً لكل شيء وهو بكل شيء عليم، أو عن كونه أمر ونهى، ووعد وتوعّد، أو عمّا أخبر به عن اليوم الآخر لا يعلم أحد معناه فلا يعقل، ولا يتدبّر، ولا يكون الرسول بيّن للناس ما نزل إليهم، ولا بلغ البلاغ المبين»(2).
4) فتح الباب أمام أهل البدع والضلال والإلحاد للتقول في دين الله بآرائهم وعقولهم وأهوائهم، وادعاء الهدى في طريقتهم، قال شيخ الإسلام: «وعلى هذا التقدير فيقول كل ملحد ومبتدع: الحق في نفس الأمر ما علمته برأيي وعقلي، وليس في النصوص ما يناقض ذلك؛ لأن تلك النصوص مشكلة متشابهة، ولا يعلم أحد معناها وما لا يعلم أحد معناه لا يجوز أن يستدلّ به، فيبقى هذا الكلام سداً لباب الهدى والبيان من جهة الأنبياء، وفتحاً لباب من يعارضهم ويقول: إن الهدى والبيان في طريقنا، لا في طريق الأنبياء؛ لأنّا نحن نعلم ما نقول ونبينه بالأدلة العقلية، والأنبياء لم يعلموا ما يقولون، فضلاً عن أن يبينوا مرادهم، فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنّة والسلف--------------------------------------------
(1) درء تعارض العقل والنقل (1/ 204).
(2) درء تعارض العقل والنقل (1/ 204).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 563)

من شر أقوال أهل البدع والإلحاد»(1).
5) تجهيل السلف والقدح في علمهم وفضلهم، وتفضيل الخلف المتأخرين على السابقين الأولين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «ولا يجوز أيضاً أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما قد يقوله بعض الأغبياء ممن لا يعرف قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها، من أن طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، فإنّ هؤلاء المبتدعين الذين يفضلون طريقة الخلف من المتفلسفة ومن حذا حذوهم على طريقة السلف، إنما أتوا من حيث ظنّوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ} [البقرة:78]، وإن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالات التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في تصويب طريقة الخلف فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف»(2).
وقد جمع ابن القيم رحمه الله إلزامات شيخه للقائلين بهذه المقالة في سبعة وجوه فقال رحمه الله:
«قال شيخ الإسلام: إن كان الحق فيما يقوله هؤلاء النفاة الذين لا يوجد ما يقولونه في الكتاب والسنة وكلام القرون الثلاثة المعظمة على سائر القرون ولا في كلام أحد من أئمة الإسلام المقتدى بهم، بل ما في الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة يوجد دالاً على خلاف الحق عندهم: إما نصاً، وإما ظاهراً، بل دالا عندهم على الكفر والضلال لزم من ذلك لوازم باطلة منها:--------------------------------------------
(1) المصدر السابق (1/ 204 - 205).
(2) الفتوى الحموية (185 - 189).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 564)

الأول: أن يكون الله سبحانه قد أنزل في كتابه وسنة نبيه من هذه الألفاظ ما يضلهم ظاهره، ويوقعهم في التشبيه والتمثيل.
الثاني: ومنها أن يكون قد نَزَّلَ بيان الحق والصواب لهم، ولم يُفصح به، بل رمز إليه رمزاً وألغزه إلغازاً لا يفهم منه ذلك إلا بعد الجهد الجهيد.
الثالث: ومنها أن يكون قد كلف عباده أن لا يفهموا من تلك الألفاظ حقائقها وظواهرها، وكلفهم أن يفهموا منها ما لا تدل عليه ولم يجعل معها قرينة تفهم ذلك.
الرابع: ومنها أن يكون دائماً متكلماً في هذا الباب بما ظاهره خلاف الحق بأنواع متنوعة من الخطاب، تارة بأنه استوى على عرشه، وتارة بأنه فوق عباده، وتارة بأنه العلي الأعلى، وتارة بأن الملائكة تعرج إليه، وتارة بأن الأعمال الصالحة ترفع إليه، وتارة بأن الملائكة في نزولها من العلو إلى أسفل تنزل من عنده، وتارة بأنه رفيع الدرجات، وتارة بأنه في السماء، وتارة بأنه الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وتارة بأنه فوق سماواته على عرشه، وتارة بأن الكتاب نزل من عنده، وتارة بأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، وتارة بأنه يرى بالأبصار عياناً يراه المؤمنون فوق رؤوسهم، إلى غير ذلك من تنوع الدلالات على ذلك، ولا يتكلم فيه بكلمة واحدة يوافق ما يقوله النفاة، ولا يقول في مقام واحد فقط ما هو الصواب فيه، لا نصاً ولا ظاهراً ولا يبينه.
الخامس: ومنها أن يكون أفضل الأمة وخير القرون قد أمسكوا من أولهم إلى آخرهم عن قول الحق في هذا الشأن العظيم الذي هو من أهم أصول الإيمان، وذلك إما جهل ينافي العلم، وإما كتمان ينافي البيان، ولقد أساء الظن بخيار الأمة من نسبهم إلى ذلك، ومعلوم أنه إذا ازدوج التكلم بالباطل والسكوت عن بيان الحق، تولد من بينهما جهل الحق وإضلال الخلق، ولهذا لما اعتقد النفاة التعطيل صاروا يأتون من العبارات بما يدل على التعطيل والنفي نصاً وظاهراً، ولا يتكلمون بما يدل على حقيقة الإثبات لا نصاً ولا ظاهراً، وإذا ورد عليهم من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 565)

النصوص ما هو صريح أو ظاهر في الإثبات حرفوه أنواع التحريفات وطلبوا له مستكره التأويلات.
السادس: ومنها أنهم التزموا لذلك تجهيل السلف وأنهم كانوا أميين مقبلين على الزهد والعبادة والورع والتسبيح وقيام الليل ولم تكن الحقائق من شأنهم.
السابع: ومنها أن ترك الناس من إنزال هذه النصوص كان أنفع لهم وأقرب إلى الصواب؛ فإنهم ما استفادوا بنزولها غير التعرض للضلال، ولم يستفيدوا منها يقيناً ولا علماً بما يجب لله ويمتنع عليه إذ ذاك، وإنما يستفاد من عقول الرجال وآرائها.
فإن قيل: استفدنا منها الثواب على تلاوتها، وانعقاد الصلاة بها، قيل هذا تابع للمقصود بها بالقصد الأول، وهو الهدى والإرشاد والدلالة على إثبات حقائقها ومعانيها والإيمان بها، فإن القرآن لم ينزل لمجرد التلاوة وانعقاد الصلاة عليه، بل أنزل ليتدبر ويعقل ويهدى به علماً وعملاً، ويبصر من العمى، ويرشد من الغي، ويعلم من الجهل، ويشفي من الغي، ويهدي إلى صراط مستقيم، وهذا القصد ينافي قصد تحريفه وتأويله بالتأويلات الباطلة المستكرهة التي هي من جنس الألغاز والأحاجي، فلا يجتمع قصد الهدى والبيان وقصد ما يضاده أبداً. وبالله التوفيق»(1).
وركز شيخ الإسلام في جوابه على الخصوم أثناء المناظرة على بيان صحة ما قرره من اعتقاد وما ذكره من ألفاظ الأسماء والصفات وقوله: (حق على حقيقته) دون أن يتطرق لبيان شبه الخصم والجواب عليها، والاستطراد في تقرير ذلك؛ لأن مراده إفحام الخصوم وبيان فساد ما أوردوه على العقيدة، وهذا شأنه في سائر مناقشاته في الواسطية؛ التي غايته فيها: تقرير صحة ما ذكره فيها وإبطال ما يورده الخصوم عليها.
فبين هنا أن ما جاء من أسماء الله وصفاته، إما أن تكون من باب المشترك أو--------------------------------------------
(1) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (1/ 315).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 566)

المتواطئ أو المشكك، وليس هناك مذهب رابع في ذلك، وعلى أي مذهب كان فلا محظور في إطلاق لفظ: الحقيقة، أو حق على حقيقته.
وتفصيل ذلك: أن الاشتراك في الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق، كالوجود والسمع والبصر والاستواء والكلام، إما أن يكون:
1) من باب المشترك اللفظي: وهو ما اتفق لفظا فقط، مع اختلافه في المعنى. وذلك كاتفاق العين الباصرة، والعين النابعة، بلفظ: العين، مع اختلافهما في المعنى والحقيقة؛ ومع ذلك فإطلاق لفظ العين حقيقة في كل منهما وليس مجازاً.
وإذا كانت الأسماء والصفات من هذا القبيل، فيكون إطلاقها حق على حقيقته، لا إشكال في ذلك.
2) من باب المتواطئ: وهو ما اتفق لفظاً، واشترك في معنىً كلي، تساوت فيه أفراده. وذلك كاتفاق زيد وعمرو وخالد في مسمى "الإنسان"، واتفاق الأسد والفهد والفيل في مسمى الحيوان، فيطلق على زيد وعمرو وخالد أنه "إنسان"، فقد اشتركوا في هذا المعنى الكلي على حد التساوي، وأطلق على كل منهم على سبيل الحقيقة. وإذا كانت الأسماء والصفات من هذا القبيل، فهي أيضاً من باب الحقيقة.
3) من باب "المشكِّك": وهو ما اتفق لفظًا، واشترك في معنى كلي، تفاوتت فيه أفراده.
وذلك كـ"العلم"، فإنه يشترك فيه زيد وعمرو وخالد، ولكنهم يتفاوتون في مقداره، ومع تفاوتهم في مقداره، فهو يطلق على كل منهم على سبيل الحقيقة.
ومن هذا الباب الاشتراك الحاصل في أسماء الله وصفاته(1).
وقد بين شيخ الإسلام رحمه الله في مواضع أخرى من كتبه ورسائله أن الألفاظ التي تطلق على الخالق والمخلوق ليست مشتركة اشتراكاً لفظياً، وإنما هي من--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (20/ 227 - 234)، (3/ 123 - 129)، (11/ 83)، والتدمرية (ص:130)، والتعريفات للجرجاني (ص: 215، 216، 219)، والمزهر (1/ 370 - 386).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 567)

باب المشكك، وبين رحمه الله أن بعض أهل الاصطلاح لا يجعل المشكك قسما ثالثاً، بل يجعله من قسم المتواطئ، ورجح شيخ الإسلام هذا القول، وعلى هذا يكون المتواطئ نوعان:
1) ما استوت فيه أفراده.
2) ما تفاوتت وتفاضلت فيه أفراده (وهو المتواطئ الخاص الذي يسمى مشككًا).
ولذلك تجد شيخ الإسلام كثيراً ما ينص على أنها متواطئة، ويعني بالتواطئ: التواطئ الخاص، وأما من جعل المشككة قسماً ثالثاً، فإنه يجعلها من قبيل المشككة لا المتواطئة، ولا مشاحة في الاصطلاح إذا عُلم المقصود وفُهم المراد، قال شيخ الإسلام: «ثم من جعل المشككة نوعا من المتواطئة لم يمتنع -عنده- إذا قيل: مشككة، أن تكون متواطئة، ومن جعل ذلك نوعاً آخر جعلها مشككة لا متواطئة، وهذا نزاع لفظي، فإن المتواطئة التواطؤ العام، يدخل فيها المشككة؛ إذ المراد بالمشككة: ما يتفاضل معانيها في مواردها، كلفظ الأبيض الذي يقال على البياض الشديد، كبياض الثلج، والخفيف كبياض العاج، والشديد أولى به.
ومعلوم أن مسمى البياض في اللغة لا يختص بالشديد دون الخفيف، فكان اللفظ دالا على ما به الاشتراك، وهو المعنى العام الكلي، وهو متواطئ بهذا الاعتبار، وهو باعتبار التفاضل يسمى مشككا. وأما إذا أريد بالتواطؤ: ما تستوي معانيه، كانت المشككة نوعاً آخر، لكن تخصيص لفظ المتواطئة بهذا عرف حادث، وهو خطأ أيضاً؛ فإن عامة المعاني العامة تتفاضل، والتماثل فيها في جميع مواردها بحيث لا تتفاضل في شيء من مواردها إما قليل، وإما معدوم. فلو لم تكن هذه الأسماء متواطئة بل مشككة، كان عامة الأسماء الكلية غير متواطئة»(1).--------------------------------------------
(1) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (4/ 425 - 426).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 568)

وبين شيخ الإسلام لخصمه أن عدم الإقرار بأن ما جاء من صفات الله في القرآن حق على حقيقته، يعني جواز تكذيب ما جاء في القرآن والقول بضده؛ وذلك لأن ما كان مجازا وليس حقيقة فإنه يصح نفيه، بل علامة المجاز صحة نفيه، فلو قلت: فلان أسد، جاز أن تقول فلان ليس بأسد ولكنه إنسان، وهكذا في كل لفظ استخدم في غير الحقيقة، فيلزم على القول بأن نصوص الأسماء والصفات ليست على حقيقتها، جواز نفيها، فيقال: في قوله: (سميع بصير)، ليس بسميع ولا بصير، ويقال في {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] لم يستو الرحمن على العرش، ونحو هذا، مما يعلم فساده وبطلانه بالضرورة من دين الإسلام "فكل من أنكر أن يكون اللفظ حقيقة لزمه جواز إطلاق نفيه، فمن أنكر أن يكون استوى على العرش حقيقة؛ فإنه يقول: ليس الرحمن على العرش استوى. كما أن من قال: إن لفظ الأسد للرجل الشجاع والحمار للبليد ليس بحقيقة؛ فإنه يلزمه صحة نفيه، فيقول: هذا ليس بأسد ولا بحمار ولكنه آدمي. وهؤلاء يقولون لهم: لا يستوي الله على العرش. كقول إخوانهم: ليس هو بسميع ولا بصير ولا متكلم؛ لأن هذه الألفاظ عندهم مجاز. فيأتون إلى محض ما أخبرت به الرسل عن الله سبحانه، يقابلونه بالنفي والرد؛ كما يقابله المشركون بالتكذيب"(1).--------------------------------------------
(1) مجموع الفتاوى (3/ 219).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 569)

‌‌المبحث الثاني: مناظرته مع بعض المؤولة للأسماء والصفات في بطلان التأويل في صفة اليد وغيرها من المسائل:
واشتمل على مطلبين:

‌‌المطلب الأول: عرض المناظرة:
•‌‌ تمهيد:
تعتبر الرسالة المدنية من أهم الرسائل التي اعتنت بتقرير منهج أهل السنة في التعامل مع نصوص الصفات، وفي بيان التأويل الصحيح من التأويل الفاسد، وقد امتازت عن غيرها من تقريرات شيخ الإسلام بأنها جمعت بين التقرير والتطبيق، فقد قرر فيها شروط جواز تأويل الصفات، ثم طبق تلك الشروط على صفة اليد، وامتازت أيضاً بصيغتها التي وردت فيها، وهي صيغة الحوار والمناقشة والمناظرة، وذلك أن شيخ الإسلام إنما حكى فيها ما جرى بينه وبين بعض المتكلمين ممن يرى أن منهج تأويل الصفات هو المنهج المستقيم في التعامل مع النصوص.
وإلى الشروع في ذكر المناظرة التي عناها شيخ الإسلام رحمه الله:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 570)

•‌‌ نص المناظرة:
قال شيخ الإسلام رحمه الله في نص الرسالة المدنية(1):
«السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام على جيرانه سكان المدينة طيبة من الأحياء والأموات، من المهاجرين والأنصار وسائر المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
إلى الشيخ الإمام العارف الناسك، المقتدي الزاهد العابد: شمس الدين(2)، كتب الله في قلبه الإيمان وأيده بروح منه، وآتاه رحمة من عنده وعلمه من لدنه علمًا، وجعله من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، وخاصته المصطفين، ورزقه اتباع نبيه باطنًا وظاهرًا، واللحاق به في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
من أحمد بن تيمية: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد»(3)
ثم ذكر رحمه الله مقدمة لطيفة في الوعظ(4)، ثم قال بعدها:--------------------------------------------
(1) ذكر هذه الرسالة ابن القيم في ثبت مؤلفات شيخ الإسلام (ص: 30)، وكذا ابن عبد الهادي في العقود الدرية، وطبعت ضمن مجموع الفتاوى جمع الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (6/ 351 - 373)، وطبعت ضمن تحقيق: محمد عبد الرزاق حمزة للفتوى الحموية، مطبعة المدني، القاهرة. وطبعت مستقلة بتحقيق: الوليد بن عبد الرحمن الفريان، الطبعة الأولى 1408 هـ.
(2) هو محمد بن أحمد بن أبي نصر أبو عبد الله شمس الدين الدباهي البغدادي، ولد في ست أو سبع وثلاثين وستمائة ببغداد، ودخل الروم والجزيرة ومصر والشام والحرمين وجاور فيهما، فلما لمعت له أنوار شيخ الإسلام رحمه الله ارتحل إلى دمشق بأهله، وصحب شيخ الإسلام، واستوطن دمشق إلى أن توفي، قال الذهبي: «وكان ذا تأله، وصدق، وعلم» وقال: «وكَانَ حسن المجالسة، متبعاً للسنة، محذرا من البدعة» وقال البرازلي: «وهو حسن الجملة، عديم التكلف، وافر الإخلاص، متبع للسنة، حسن المشاركة فِي العلم، سيد من السادات»، (ت: 711 هـ). انظر: العبر في خبر من غبر (4/ 29)، شذرات الذهب (8/ 51)، أعيان العصر (4/ 239)، ذيل طبقات الحنابلة (4/ 385 - 386).
(3) الرسالة المدنية ضمن مجموع الفتاوى (6/ 351).
(4) انظر: الرسالة المدنية ضمن المجموع (6/ 351 - 352).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 571)

«وأما ما ذكرت من طلب الأسباب الأربعة، التي لابد منها في صرف الكلام من حقيقته إلى مجازه. فأنا أذكر لك ملخص الكلام الذي جرى بيني وبين بعض الناس في ذلك(1)، وهو ما حكيته لك وطلبته، وكان -إن شاء الله- له ولغيره به منفعة، على ما في الحكاية من زيادة ونقص وتغيير:
قال لي بعض الناس: إذا أردنا أن نسلك طريق سبيل السلامة والسكوت، وهي الطريقة التي تصلح عليها السلامة، قلنا كما قال الشافعي رضي الله عنه: «آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم»(2)، وإذا سلكنا سبيل البحث والتحقيق، فإن الحق مذهب من--------------------------------------------
(1) الذي يظهر أن هذه المناظرة قد وقعت لشيخ الإسلام قبل مناظرة الواسطية بزمن؛ وذلك لأن هذه الرسالة التي بعثها شيخ الإسلام لشمس الدين الدباهي إنما كانت وشمس الدين في المدينة المنورة، ثم إنه بعدها بفترة قدم إلى دمشق وصحب شيخ الإسلام فيها فترة من الزمن، وبقي فيها إلى أن توفي سنة 711 هـ، وكانت المناظرة الواسطية قد وقعت لشيخ الإسلام سنة 705 هـ، ثم أُبعدَ بعدها إلى مصر واستمر هناك سبع سنين أي إلى سنة 712 هـ، وذلك بعد وفاة شمس الدين بعام، فتكون صحبة الدباهي له إنما كانت قبل 705 هـ بلا شك، ويكون بعث شيخ الإسلام للرسالة المدنية لشمس الدين قبل ذلك بمدة، وذلك عندما كان الدباهي يقطن المدينة المنورة.
(2) ذكره ابن قدامة في لمعة الاعتقاد (ص:7)، وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في كتابه (البداية والنهاية) (138/ 14): (وقد روي عن الربيع وغير واحد من رؤوس أصحابه (أي الشافعي) ما يدل على أنه كان يمر آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف؛ على طريق السلف). وقال الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه "العلو للعلي الغفار" (ص:166): (وعن يونس بن عبد الأعلى؛ سمعت الشافعي يقول: لله تعالى أسماء وصفات لا يسع أحداً -قامت عليه الحجة- ردها). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في كتابه (فتح الباري) (407/ 13): (وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى، سمعت الشافعي يقول: لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل؛ لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر، فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه، فقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11].

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 572)

يتأول آيات الصفات وأحاديث الصفات من المتكلمين.
فقلت له: أما ما قاله الشافعي؛ فإنه حقٌ يجب على كل مسلم أن يعتقده، ومن اعتقده ولم يأت بقول يناقضه، فإنه سالك سبيل السلامة في الدنيا والآخرة، وأما إذا بحث الإنسان وفحص، وجد ما يقوله المتكلمون من التأويل الذي يخالفون به أهل الحديث كله باطلاً، وتيقن أن الحق مع أهل الحديث ظاهرًا وباطنًا.
فاستعظم ذلك وقال: أتحب لأهل الحديث أن يتناظروا في هذا؟
فتواعدنا يومًا، فكان فيما تفاوضنا: أن أمهات المسائل التي خالف فيها متأخرو المتكلمين ممن ينتحل مذهب الأشعري لأهل الحديث ثلاث مسائل:
1. وصف الله بالعلو على العرش.
2. ومسألة القرآن.
3. ومسألة تأويل الصفات.
فقلت له: نبدأ بالكلام على مسألة تأويل الصفات؛ فإنها الأم والباقي من المسائل فرع عليها، وقلت له: مذهب أهل الحديث وهم السلف من القرون الثلاثة المفضلة ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت. ويؤمن بها وتصدق، وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل.
وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف منهم الخطابي(1) مذهب السلف: أنها تجرى على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، وذلك أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله، فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فنقول: إن له يدًا وسمعًا، ولا نقول: إن معنى اليد: القدرة، ومعنى السمع: العلم.--------------------------------------------
(1) وقد مر معنا كلام الخطابي، انظر: حاشية المناظرة في العقيدة الواسطية (ص:454).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 573)

فقلت له: وبعض الناس يقول: مذهب السلف: أن الظاهر غير مراد، ويقول: أجمعنا على أن الظاهر غير مراد(1)، وهذه العبارة خطأ، إما لفظًا ومعنى، أو لفظًا لا معنى؛ لأن الظاهر قد صار مشتركًا بين شيئين:
أحدهما: أن يقال: إن اليد جارحة مثل جوارح العباد، وظاهر الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وظاهر كونه في السماء أن يكون مثل الماء في الظرف، فلا شك أن من قال: إن هذه المعاني وشبهها من صفات المخلوقين ونعوت المحدثين غير مراد من الآيات والأحاديث فقد صدق وأحسن؛ إذ لا يختلف أهل السنة أن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة.
لكن هذا القائل أخطأ، حيث ظن أن هذا المعنى هو الظاهر من هذه الآيات والأحاديث، وحيث حكى عن السلف ما لم يقولوه، فإن ظاهر الكلام هو ما يسبق إلى العقل السليم منه لمن يفهم بتلك اللغة، ثم قد يكون ظهوره: بمجرد الوضع، وقد يكون بسياق الكلام، وليست هذه المعاني المحدثة المستحيلة على الله تعالى هي السابقة إلى عقل المؤمنين، بل اليد عندهم كالعلم والقدرة والذات، فكما كان علمنا وقدرتنا وحياتنا وكلامنا ونحوها من الصفات أعراضًا تدل على حدوثنا يمتنع أن يُوصف الله سبحانه بمثلها، فكذلك أيدينا ووجوهنا ونحوها أجسامًا كذلك محدثة، يمتنع أن يوصف الله تعالى بمثلها.
ثم لم يقل أحد من أهل السنة: إذا قلنا: إن لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، أن ظاهره غير مراد، ثم يفسره بصفاتنا، فكذلك لا يجوز أن يقال: إن ظاهر اليد والوجه غير مراد، إذ لا فرق بين ما هو من صفاتنا جسم أو عرض للجسم.
ومن قال: إن ظاهر شيء من أسمائه وصفاته غير مراد فقد أخطأ؛ لأنه ما من اسم يسمى الله تعالى به إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد به، فكان--------------------------------------------
(1) انظر: تحفة المريد على جوهرة التوحيد (ص: 57).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 574)

قول هذا القائل يقتضي أن يكون جميع أسمائه وصفاته قد أريد بها ما يخالف ظاهرها، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الفساد.
والمعنى الثاني: أن هذه الصفات إنما هي صفات الله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله، نسبتها إلى ذاته المقدسة كنسبة صفات كل شيء إلى ذاته، فيعلم أن العلم صفة ذاتية للموصوف ولها خصائص، وكذلك الوجه. ولا يقال: إنه مستغن عن هذه الصفات؛ لأن هذه الصفات واجبة لذاته، والإله المعبود سبحانه هو المستحق لجميع هذه الصفات.
وليس غرضنا الآن الكلام مع نفاة الصفات مطلقًا، وإنما الكلام مع من يثبت بعض الصفات.
وكذلك فعله، نعلم أن الخلق هو إبداع الكائنات من العدم، وإن كنا لا نكيف ذلك الفعل ولا يشبه أفعالنا، إذ نحن لا نفعل إلا لحاجة إلى الفعل، والله غني حميد.
وكذلك الذات، تعلم من حيث الجملة، وإن كانت لا تماثل الذوات المخلوقة ولا يعلم ما هو إلا هو، ولا يدرك لها كيفية، فهذا هو الذي يظهر من إطلاق هذه الصفات، وهو الذي يجب أن تحمل عليه.
فالمؤمن يعلم أحكام هذه الصفات وآثارها وهو الذي أريد منه، فيعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن المؤمنين ينظرون إلى وجه خالقهم في الجنة، ويتلذذون بذلك لذة ينغمر في جانبها جميع اللذات، ونحو ذلك.
كما يعلم أن له ربًا وخالقًا ومعبودًا، ولا يعلم كنه شيء من ذلك، بل غاية علم الخلق هكذا، يعلمون الشيء من بعض الجهات ولا يحيطون بكنهه، وعلمهم بنفوسهم من هذا الضرب.
قلت له: أفيجوز أن يقال: إن الظاهر غير مراد بهذا التفسير؟
فقال: هذا لا يمكن.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 575)

فقلت له: من قال: إن الظاهر غير مراد، بمعنى: أن صفات المخلوقين غير مرادة، قلنا له: أصبت في المعنى، لكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت للجهمية طريقًا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمر كما جاءت على ظاهرها مع العلم بأن صفات الله تعالى ليست كصفات المخلوقين، وأنه منزه مقدس عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه.
ومن قال: إن الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني وهو مراد الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة والأشعرية وغيرهم فقد أخطأ.
ثم أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية يقولون: إن له صفات سبعًا: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر. وينفون ما عداها، وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط، ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها(1).
وأما المعتزلة: فإنهم ينفون الصفات مطلقًا ويثبتون أحكامها، وهي ترجع عند أكثرهم إلى أنه عليم قدير، وأما كونه مريدًا متكلمًا فعندهم أنها صفات حادثة، أو--------------------------------------------
(1) وقد لخص شيخ الإسلام مجمل خلافاتهم بقوله في مجموع الفتاوى (12/ 32): «وهؤلاء أهل الكلام القياسي من الصفاتية فارقوا أولئك المبتدعة المعطلة الصابئة في كثير من أمورهم، وأثبتوا الصفات التي قد يستدل بالقياس العقلي عليها كالصفات السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام.
ولهم نزاع في السمع والبصر والكلام هل هو من الصفات العقلية، أو الصفات النبوية الخبرية السمعية،
ولهم اختلاف في البقاء والقدم وفي الإدراك الذي هو إدراك المشمومات والمذوقات والملموسات.
ولهم أيضاً اختلاف في الصفات السمعية القرآنية الخبرية كالوجه واليد فأكثر متقدميهم أو كلهم يثبتها، وكثير من متأخريهم لا يثبتها، وأما ما لا يرد إلا في الحديث فأكثرهم لا يثبتها.
ثم منهم من يصرف النصوص عن دلالتها لأجل ما عارضها من القياس العقلي عنده، ومنهم من يفوض معناها». وانظر تفصيل ذلك: شرح الأصبهانية (ص: 29 - 33).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 576)

إضافية أو عدمية. وهم أقرب الناس إلى الصابئين الفلاسفة من الروم، ومن سلك سبيلهم من العرب والفرس، حيث زعموا أن الصفات كلَّها ترجع إلى سلب أو إضافة، أو مركب من سلب وإضافة، فهؤلاء كلهم ضلال مكذبون للرسل(1).
ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرًا نافذًا، وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء، علم قطعًا أنهم يلحدون في أسمائه وآياته، وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله؛ ولهذا كانوا يقولون: إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه(2). ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة، والأشعرية مخانيث المعتزلة(3).--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع الفتاوى (12/ 20).
(2) كثيراً ما ينص شيخ الإسلام على أن البدع بريد الكفر، وأحياناً يقول: مشتقة من الكفر. وينسبها إلى بعض السلف، ومعناها صحيح بلا شك، ولكني لم أقف خلال البحث على قائلها، وإنما وقفت على قول أبي حفص النيسابوري (ت: بعد 261 هـ) الذي رواه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية (ص:104) والبيهقي في الشعب (9/ 384): «المعاصي بريد الكفر، كما أن الحمى بريد الموت».
(3) ذكر شيخ الإسلام نحو هذه العبارة في غير موضع من كتبه، انظر: مجموع الفتاوي (8/ 227 - 14/ 348)، الفتاوى الكبرى (5/ 330) النبوات (1/ 307) وغيرها من المواضع، وقد شنع بها بعض المخالفين على شيخ الإسلام، وسبب ذلك أمران اثنان: الأول: ظنهم أن شيخ الإسلام هو أول من استخدم مثل هذه العبارة. الأمر الثاني: الجهل من بعضهم بمعنى كلمة (مخنث) في لغة العرب.
فأما الأمر الأول: فإن شيخ الإسلام ليس هو أول من استخدم مثل هذا التعبير عن الفرق المخالفة، فقد استخدم هذا التعبير عبد القاهر البغدادي (ت: 429 هـ) في الفرق بين الفرق (ص:9) قال: «ولهذا قيل للمعتزلة: إنهم مخانيث الخوارج»، وذكر العبارة نفسها أبو المظفر الإسفراييني (ت: 471 هـ) في التبصير في الدين (ص:68)، ونقل شيخ الإسلام عن أبي إسماعيل الهروي (ت: 481 هـ) قوله: «الأشعرية الإناث هم مخانيث المعتزلة». كما أن الشهرستاني (ت: 548 هـ) في نهاية الإقدام (ص: 159) قال عن المعتزلة: «الخناثى من المعتزلة لا رجال ولا نساء»، ووردت عبارة (المعتزلة مخنثة الفلاسفة)، في نفخ الطيب (5/ 307).
وأما الأمر الثاني: فإن معنى المخنث والخنثى عند العرب كما بين الفراهيدي وغيره: هو ما اجتمع فيه شيء من الذكورة وشيء من الأنوثة فليس معدوداً من الذكور ولا من الإناث، ومنه مسألة الخنثى عند الفقهاء، وهو الذي له آلة الرجال وآلة النساء جميعاً. وانظر في ذلك: العين (4/ 248)، غريب الحديث للقاسم بن سلام (2/ 283)، الزاهر (2/ 152)، الصحاح (1/ 281). وعليه فمعنى كلام شيخ الإسلام: (الأشاعرة مخانيث المعتزلة) أن الأشاعرة ليسوا فحولاً في الاعتزال، بل خلطوا بين مذهب المعتزلة وغيره، وأما ما فهمه الجهلة بالعلم واللغة من المعنى الشائن القبيح؛ فإنه معنى لم تعرفه العرب من كلامها إلا في العصور المتأخرة، وربما بعد عصر شيخ الإسلام، حتى أن الفيروز آبادي لم يُشر إليه في القاموس، وهو من طبقة تلاميذ تلاميذ شيخ الإسلام. وقال ابن الطيب الفاسي رحمه الله كما في تاج العروس (5/ 241): «التَّخْنِيثُ الذي هو فِعْل الفاحشة لا تعرفه العرب، وليس في شْيءٍ من كلامهم، ولا هو المقصود من الحديث» والله أعلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 577)

وكان يحيى بن عمار(1) يقول: (المعتزلة الجهمية الذكور، والأشعرية الجهمية الإناث)(2)، ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب (الإبانة) الذي صنفه الأشعري في آخر عمره، ولم يظهر مقالة تناقض ذلك، فهذا يعد من أهل السنة، لكن مجرد الانتساب إلى الأشعري بدعة، لا سيما وأنه بذلك يوهم حسنًا بكل من انتسب هذه النسبة، وينفتح بذلك أبواب شر، والكلام مع هؤلاء الذين ينفون ظاهرها بهذا التفسير.
قلت له: إذا وصف الله نفسه بصفة، أو وصفه بها رسوله، أو وصفه بها المؤمنون الذين اتفق المسلمون على هدايتهم ودرايتهم فصرفها عن ظاهرها اللائق بجلال الله سبحانه وحقيقتها المفهومة منها إلى باطن يخالف الظاهر، ومجاز ينافي الحقيقة، لابد فيه من أربعة أشياء:
أحدها: أن ذلك اللفظ مستعمل بالمعنى المجازي؛ لأن الكتاب والسنة--------------------------------------------
(1) هو يحيى بن عمار بن العنبس، الإمام المحدث الواعظ، شيخ سجستان، أبو زكريا الشيباني السجستاني، نزيل هراة، قال الذهبي: «كان شيخ تلك الديار ديناً وعلماً وصيانة وتسنناً … وكان متصلباً على المبتدعة والجهمية، وله قبول زائد عند الكافة لفصاحته وحسن موعظته»، (ت: 422 هـ). انظر: السير (17/ 481)، تاريخ الإسلام (9/ 384).
(2) لم أقف على هذا الأثر، إلا من نقل شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 578)

وكلام السلف جاء باللسان العربي، ولا يجوز أن يراد بشيء منه خلاف لسان العرب، أو خلاف الألسنة كلها، فلا بد أن يكون ذلك المعنى المجازي مما يراد به اللفظ، وإلا فيمكن كل مبطل أن يفسر أي لفظ بأي معنى سنحَ له، وإن لم يكن له أصل في اللغة.
الثاني: أن يكون معه دليل يوجب صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، وإلا فإذا كان يستعمل في معنى بطريق الحقيقة، وفي معنى بطريق المجاز، لم يجز حمله على المجازي بغير دليل يوجب الصرف بإجماع العقلاء، ثم إن ادعى وجوب صرفه عن الحقيقة، فلا بد له من دليل قاطع عقلي أو سمعي يوجب الصرف. وإن ادعى ظهور صرفه عن الحقيقة فلا بد من دليل مرجح للحمل على المجاز.
الثالث: أنه لابد من أن يسلم ذلك الدليل الصارف عن معارض، وإلا فإذا قام دليل قرآني أو إيماني يبين أن الحقيقة مرادة امتنع تركها، ثم إن كان هذا الدليل نصًا قاطعًا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلا بد من الترجيح.
الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلام وأراد به خلاف ظاهره وضد حقيقته، فلا بد أن يبين للأمة أنه لم يرد حقيقته، وأنه أراد مجازه، سواء عينه أو لم يعينه، لا سيما في الخطاب العلمي الذي أريد منهم فيه الاعتقاد والعلم، دون عمل الجوارح، فإنه سبحانه وتعالى جعل القرآن نورًا وهدى، وبيانًا للناس، وشفاءً لما في الصدور، وأرسل الرسل ليبين للناس ما نزل إليهم، وليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ولئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
ثم هذا الرسول الأمي العربي بُعث بأفصح اللغات وأبين الألسنة والعبارات، ثم الأمة الذين أخذوا عنه كانوا أعمق الناس علمًا، وأنصحهم للأمة، وأبينهم للسنة، فلا يجوز أن يتكلم هو وهؤلاء بكلام يريدون به خلاف ظاهره إلا وقد نصب دليلاً يمنع من حمله على ظاهره، إما أن يكون عقليًا ظاهرًا، مثل قوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [النمل:23]، فإن كل أحد يعلم بعقله أن المراد: أوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام:102] يعلم المستمع:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 579)