صريح المعقول الموافق لصريح المنقول في مناقشة ثلاثة تفاسير رتبت على ترتيب النزول (عرفة بن طنطاوي)القسم: علوم القرآن وأصول التفسير
الكتاب: صَحِيِحُ المَنْقُوُلِ المُوَافِقُ لِصَرِيِحِ المَعْقُوُلِ فِيِ مُنَاقَشَةِ ثَلَاثَةِ تَفَاسِيِرَ رُتِّبَتْ عَلى تَرْتِيِبِ النُّزُوُلِ
المؤلف: عرفة بن طنطاوي
بحث منشور في: مجلة البحوث الإسلامية العدد 73، ربيع الأول 1443 هـ
مجلة البحوث الإسلامية: مصرية محكّمة، بدأت في 1436 هـ، تصدر شهريا، ويرأس تحريرها أ د عبد الفتاح محمود إدريس، أستاذ بقسم الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر
عدد الصفحات: 63
[ترقيم صفحات البحث موافق للمجلة. ورقم الجزء هو رقم العدد]
تاريخ النشر بالشاملة: 24 ذو الحجة 1443
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 1)
مُلَخَّصُ البَحْثِ
فهذ بحث موسوم بـ "صَحِيِحِ المَعْقُوُلِ المُوَافِقِ لِصَرِيِحِ المَنْقُوُلِ فِيِ مُنَاقَشَةِ ثَلَاثَةِ تَفَاسِيِرَ رُتِّبَتْ عَلى تَرْتِيِبِ النُّزُوُلِ".
تناوله الباحثُ في فصلين:
أما الفصل الأول: فقد تناول فيه الباحثُ مبحثَ ترتيبِ الآيات في السور ودلل على أنه ترتيب توقيفي، ثم تناول مبحث ترتيب السور ومذاهب العلماء فيه، ثم دلل على أنه ترتيب توقيفي، ثم ذكر بداية ومصدر مخالفة ومعارضة هذا الترتيب، ثم عرَّج على ذكر أبرز الداعين له من المستشرقين ومن تأثر بهم المعاصرين- كذلك-.
وأما الفصل الثاني: فقد قام الباحث بعرض التفاسير الثلاثة التي خالفت الترتيب المصحفي، ثم تناول التعريف بكل تفسير ومؤلفه ومنهجه وعقيدته ودوافعه لمخالفة هذا الترتيب وأسباب جنوحه للترتيب النزولي، ثم ناقش تلك الدوافع وفندها، ثم بيَّن أن مُفْتَتِحُو هذا الباب لم تتحقق لهم مآربهم، ثم ختم ببيان وجوب احترام الترتيب المصحفي الذي أجمعت عليه الأمة وتلقته بالقبول.
المقدمة
الحمد لله الذي أنزل كتابه المجيد على أحسن أسلوب وبهر بحسن أساليبه وبلاغة تركيبه القلوب، نزله آيات بينات، وفصله سورا وآيات، ورتبه بحكمته البالغة أحسن ترتيب، ونظمه أعظم نظام بأفصح لفظ وأبلغ تركيب، وصلى الله على من أُنزل إليه لينذر به وذكرى على قلبه الشريف فنفى عنه الحرج وشرح له صدرا، وعلى آله وصحبه مهاجرة ونصرا …(1). أما بعد:--------------------------------------------
(1) ينظر أسرار ترتيب القرآن للسيوطى (ص: 65) أسرار ترتيب القرآن المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطى (المتوفى: 911 هـ) الناشر: دار الفضيلة للنشر والتوزيع، عدد الأجزاء: 1.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
توطئة [*]
فإن هذه توطئة هامة يقدمها الباحث بين يدي بحثه هذا، والذي قد وسمه بـ" صَحِيِحِ المَنْقُوُلِ المُوَافِقِ لِصَرِيِحِ المَعْقُوُلِ فِيِ مُنَاقَشَةِ ثَلَاثَةِ تَفَاسِيِرَ رُتِّبَتْ عَلى تَرْتِيِبِ النُّزُوُلِ"، ويقف فيها الباحث وقفات هامة حول جملة من خصائص وفضائل القرآن العظيم المتعلقة ببحثنا على النحو التالي:
أولًا: القرآن هو المُعجِزة الخالدة الباقية
إن القرآن الكريم هو المُعجِزة الخالدة التي بُنِيَت عليها نُبُوَّة ورسالة خاتم النبيِّين والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أنزله الله عليه كتابه الخاتم وجعله معجزة وبرهانًا على صدق نبوته ورسالته.
ومصداق ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى الله إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".(1)
ومن كلام الله سبحانه: القرآن العظيم، وهو كتاب الله المبين، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، وتنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب سيد المرسلين، بلسان عربي مبين، منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وهو سور محكمات، وآيات بينات، وحروف وكلمات، من قرأه فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات، له أول وآخر، وأجزاء وأبعاض، متلو بالألسنة، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، مكتوب في المصاحف، فيه محكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، وأمر ونهي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 42).(2)
فالقرآن الكريم ـ الذي هو كلامُ الله ووحيُه وتنزيلُه ـ منزَلٌ غيرُ مخلوقٍ، مُعْجِزٌ في نَظْمِه، لا يُشْبِهُه شيءٌ مِنْ كلام المربوبين، ولا يقدر على مِثْلِه أحَدٌ مِنْ المخلوقين، "الذي في مَصاحِفِ المسلمين، لم يَفُتْ منه شيءٌ، ولم يَضِعْ بنسيانِ ناسٍ، ولا ضلالِ صحيفةٍ، ولا موتِ قارئ، ولا كتمانِ كاتمٍ، ولم يُحرَّفْ منه شيءٌ، ولم يُزَدْ فيه حرفٌ، ولم يُنْقَصْ منه حرفٌ، كُلُّه حقٌّ مِنْ عندِ الله، ولو كذَّب به أعداءُ الرُّسُل(3)
مِنْ الكُفَّار والمُشْرِكين والمُلْحِدين ومَن سارَ على نهجِهم مِنْ الفلاسفة وأهلِ الأهواء".(4)--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم حديث (152)، وأخرجه البخاري في " كتاب فضائل القرآن "، " باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل" حديث (4981).
(2) - لمعة الاعتقاد: (ص: 22 - 28).
(3) - شُعَب الإيمان للبيهقي (1/ 326).
(4) - يُنظر: شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العزِّ (333).
[*] (تعليق الشاملة): هذه التوطئة ليست في المطبوع من المجلة، وهي ثابتة في أصل البحث المرسل لنا من المؤلف، حفظه الله
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
ثانيًا: القرآن هو المُعجِزة التي عمَّتْ الثَّقَلَيْن
وهذه المُعجِزة - القرآن- معجِزة عامَّة- تحدى الله بها، وقد عمَّ التحدي بها الثَّقَلَيْن جميعًا، وهي معجِزة باقية بقاءَ الدهر كما قال ربنا: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) (الإسراء: 88).
وهذا أمر من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بإعلان هذا التحدي ليسمع بها الثقلين، لأن التحدي قد عمَّهم جميعًا.
فأخبرَ أنَّه لو اجتمعت الإنسُ والجِنُّ كُلُّهم، واتَّفَقوا على أن يأتوا بمِثلِ ما أنزَلَه على رسولِه، لما أطاقوا ذلك وما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتضافروا، فإنه أمر لا يستطاع.(5)
ومعنى الاجتماعِ:
الاتفاقُ واتحادُ الرأي، أي: لو تواردت عقولُ الإنسِ والجِنِّ على أن يأتيَ كُلُّ واحدٍ منهم بمِثلِ هذا القرآنِ لَما أتَوا بمثله. فهو اجتماعُ الرأيِ لا اجتِماعُ التعاون، كما تدُلُّ عليه المبالغةُ في قولِه بَعدَه: وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا، - وهذا الاجتماع إنما هو-
اجتماعُ تظافُرٍ على عمَلٍ واحدٍ، ومقصَدٍ واحدٍ.(6)
والمعنى المقصود هنا هو أنهم لو اتَّفَقت أراؤهم وتضافرت جهودهم مجتمعين على أن يأتُوا بمِثلِ هذا القُرآنِ في فصاحته وبلاغَتِه وحُسنِ أسلوبه وروعة بيانه وجودة سبكه وحُسنِ نَظْمِه ورصانة مَعانيه وكمال مقاصده وبعد مراميه؛ لَما أطاقوا ذلك أبدًا وما استَطاعوا أن يبلغوه ولو تآلفوا واجتمعوا وتعاونوا على ذلك متعاضدين متناصرين.
وقوله: (وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) أي: لا يَأتونَ بمِثلِه ولو تعاوَنَ الإنسُ والجِنُّ، وتناصَروا على ذلك، فكيف بهم إذا حاولوا ذلك مُتفَرِّقينَ؟!.(7)
فقد تَحَدَّاهم اللهُ أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله مفتريات، كما تحداهم أن يأتوا بأقصر سورة منه - كذلك-(8) فعجَزُوا عن ذلك جميعًا رغم توافر الدواعي لديهم.
وكيف يقدر المخلوق من تراب أن يكون كلامه ككلام ربِّ العالمين، أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه أن يأتي بكلام ككلام الكامل، الذي له الكمال المطلق، والغنى الواسع من جميع الوجوه، هذا ليس في الإمكان، ولا في قدرة الإنسان، وكل مَنْ له أدنى ذوق ومعرفة بأنواع الكلام، إذا وَزَنَ هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء ظهر له الفرق العظيم.(9)--------------------------------------------
(5) - تفسير ابن كثير: (5/ 117).
(6) تفسير ابن عاشور: (15/ 203).
(7) يُنظر: (تفسير ابن جرير) (15/ 75)، (تفسير القرطبي) (10/ 327)، (تفسير ابن كثير) (5/ 117)، (تفسير الطاهر بن عاشور) (15/ 203).
(8) - وتأمَّل آيات التَّحدي في أرقام آيات السور التالية: (البقرة: 23)، (يونس: 38)، (هود: 13)، (طور: 34).
(9) - تفسير ابن سعدي: (1/ 46).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
ثالثًا: القرآن هو المُعجِزة التي يُعَدُ سماعها حجة
وإن التحدي بهذه الحجَّة ولُزُومها باقٍ مِنْ أوَّل وُرودها إلى أن يُرفَعَ القرآنُ في آخر الزمان، بل إن التحدي بها باق - كذلك- إلى يوم القيامة
وقد أكد الله تعالى قيام الحجة بالقرآن على المشركين في قوله سبحانه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ) (التوبة: 6). فلولا أن سماعه حجّة عليه لم يقف أمره على سماعه ولا يكون حجّة إلّا وهو معجز.(10)
وجِيءَ بحرْفِ (إن) التي شأنُها أنْ يكونَ شَرْطُها نادرَ الوقوعِ؛ للتَّنبيهِ على أنَّ هذا شَرْطٌ فَرْضيٌّ؛ لكيلَا يَزعمَ المشرِكون أنَّهم لم يَتمكَّنوا من لِقاءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيتَّخِذوه عُذْرًا للاستمرارِ على الشِّركِ إذا غَزاهُم المسلِمون.(11)--------------------------------------------
(10) - إعجاز القرآن (ص 28) للباقلاّني.
(11) -تفسير الطاهر بن عاشور: (10/ 117).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
رابعًا: القرآن - المعجِز- هو كلام الله، منزل غير مخلوق
فقوله: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) فيه حُجَّةٌ صَريحةٌ لِمَذهَبِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ، القائلينَ بأنَّ (القُرآنَ كَلامُ اللهِ غيرُ مَخلوقٍ)؛ لأنَّه تعالى هو المتكَلِّمُ به، وأضافه إلى نفسِه إضافةَ الصِّفةِ إلى موصوفِها، وبُطلانُ مذهَبِ المُعتَزلةِ ومَن أخذَ بِقَولهم: إنَّ القُرآنَ مَخلوقٌ.(12)
وقوله: (القُرآنَ كَلامُ اللهِ غيرُ مَخلوقٍ) فيه نصٌّ صريحٌ في أنَّ هذا الذي نَقرؤُه ونَتلُوه، هو بِعَينِه كلامُ الله، فالصَّوتُ صَوتُ القارِئِ، والكلامُ كَلامُ البارِئِ؛ لأنَّ اللهَ صرَّح بأنَّ هذا المُشرِكَ المُستجيرَ يَسمَعُ كَلامَ اللهِ، يتلوه عليه نبيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فهذا المحفوظُ في الصُّدورِ، المقروءُ في الألسِنةِ، المكتوبُ في المصاحِفِ؛ هو كلامُ اللهِ جَلَّ وعلا، بمعانيه وألفاظِه.(13)
والصواب الذي عليه سلف الأمة، كالإمام أحمد والبخاري صاحب الصحيح في كتاب (خلق أفعال العباد)، وغيره، وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم- أتباع النصوص الثابتة، وإجماع سلف الأمة، وهو أن القرآن جميعه كلام الله، حروفه ومعانيه، ليس شيء من ذلك كلامًا لغيره … وأن الله يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح.(14)
قال الإمام الطحاوي (ت: 321 هـ) رحمه الله:
وإنّ القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر وقد ذَمَّه الله وعَابَهُ وأوعده بسقر حيث قال تعالى: (سأُصلِيه سَقَر) (المدثر: 26)، فلما أوْعَدَ بِسَقَر لمن قال (إنْ هذا إلا قول البشر) (المدثر: 25) عَلِمْنَا وأيْقَنَّا أنَه قولَ خالقِ البَشَر ولا يُشْبِه قول البشر.(15)
قال ابن أبي حاتم (ت: 327 هـ) رحمه الله:
" سألت أبي وأبا زُرْعَةَ عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟
فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار: حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته.(16)--------------------------------------------
(12) - يُنظر: (تفسير ابن سعدي) (ص: 329).
(13) يُنظر: (العذب النمير) للشنقيطي (5/ 280). العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشَّنْقِيطِيِّ فِي التَّفْسِيرِ المؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي (المتوفى: 1393 هـ) المحقق: خالد بن عثمان السبت إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، مكة المكرمة الطبعة: الثانية، 1426 هـ عدد الأجزاء: 5.
(14) - مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية: (12/ 243 - 244).
(15) شرح العقيدة الطحاوية: (ص: 179).
(16) - أخرجه ابن جرير الطبري في " السنة ": (1/ 176) بسند صحيح، ويُنظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لأبي القاسم اللالكائي: (1/ 198).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
خامسًا: القرآن كلام الله- المعجز- تكلم الله به بحرف وصوت
والقرآن عند أهل السنة هو كلام الله تعالى حقيقة -حروفًا ومعاني-، وأنه سبحانه تكلم به بحرف وصوت، وسمعه جبريل، وقد تكلم السلف في الحرف والصوت وذكروا أدلته، وتكلموا في حكم من أنكره.
ولكن لما وجد - في أهل البدع - من ينكر الحرف والصوت لينكروا كلام الله، بيَّن السلف أن كلام الله شامل للحروف والمعاني، وأنه تعالى يتكلم بصوت، كما يصفونه بما ورد من التكليم، والمناداة، والمناجاة.(17)
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البخاري (ت: 256 هـ) رحمه الله:
سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: مَا زِلْتُ أَسْمَعُ أَصْحَابُنَا يَقُولُونَ: إِنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: حَرَكَاتُهُمْ وَأَصْوَاتُهُمْ وَاكْتِسَابُهُمْ وَكِتَابَتُهُمْ مَخْلُوقَةٌ، فَأَمَّا الْقُرْآنُ الْمَتْلُوُّ الْمُبَيَّنُ الْمُثَبَّتُ فِي الْمُصْحَفِ الْمَسْطُورُ الْمَكْتُوبُ الْمُوعَى فِي الْقُلُوبِ فَهُوَ كَلَامُ اللهِ لَيْسَ بِخَلْقٍ، قَالَ اللَّهُ تعالى: (بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) (العنكبوت من آية: 48).
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: فَأَمَّا الأَوْعِيَةُ فَمَنْ يَشُكُّ فِي خَلْقِهَا؟. "(18)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728: هـ) رحمه الله:
" إذَا قَرَأْنَا الْقُرْآنَ فَإِنَّمَا نَقْرَؤُهُ بِأَصْوَاتِنَا الْمَخْلُوقَةِ الَّتِي لَا تُمَاثِلُ صَوْتَ الرَّبِّ، فَالْقُرْآنُ الَّذِي نَقْرَؤُهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ، مُبَلَّغًا عَنْهُ لَا مَسْمُوعًا مِنْهُ، وَإِنَّمَا نَقْرَؤُهُ بِحَرَكَاتِنَا وَأَصْوَاتِنَا، الْكَلَامُ كَلَامُ الْبَارِي، وَالصَّوْتُ صَوْتُ الْقَارِئِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعَ الْعَقْلِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: 6) وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " (زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ).(19)
قال العلامة ابن القيم (ت: 751 هـ) رحمه الله: في "الكافية الشافية":
"واللهُ رَبِّي لم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا … وكَلامُه المسموعُ بالآذانِ
صِدقًا وعَدْلاً أُحْكِمَتْ كَلماتُه … طَلَبًا وإخبارًا بلا نُقصانِ.(20)
وقال الشيخ حافظ حَكَمي (ت: 1377: هـ) رحمه الله:
وَالْقَوْلُ فِي كِتَابِهِ الْمُفَصَّلْ … بِأَنَّهُ كَلَامُهُ الْمُنَزَّلْ
عَلَى الرَّسُولِ الْمُصْطَفَى خَيْرِ الْوَرَى … لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِمُفْتَرَى
يُحْفَظُ بِالْقَلْبِ وَبِاللِّسَانِ … يُتْلَى كَمَا يُسْمَعُ بِالْآذَانِ
كذَا بِالَابْصَارِ إِلَيْهِ يُنْظَرُ … وَبِالْأَيَادِي خَطُّهُ يُسَطَّرُ
وَكُلُّ ذِي مَخْلُوقَةٌ حَقِيقَهْ … دُونَ كَلَامِ بَارِئِ الْخَلِيقَهْ
جَلَّتْ صِفَاتُ رَبِّنَا الرَّحْمَنِ … عَنْ وَصْفِهَا بِالْخَلْقِ وَالْحَدَثَانِ
فَالصَّوْتُ وَالْأَلْحَانُ صَوْتُ الْقَارِي … لَكِنَّمَا الْمَتْلُوُّ قَوْلُ الْبَارِي
مَا قَالَهُ لَا يَقْبَلُ التَّبْدِيلَا … كَلَّا وَلَا أَصْدَقُ مِنْهُ قِيلَا.(21)--------------------------------------------
(17) - المرجع السابق: (6/ 518).
(18) - يُنظر: خلق أفعال العباد: (2/ 70).
(19) - صححه الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة (2/ 270)، ويُنظر تخريجه في البدر المنير (9/ 637)، يُنظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: (12/ 98)، ونفس المصدر: (12/ 53).
(20) - مِنْ "الكافية الشافية": (البيتان: 556 - 557).
(21) - يُنظر: منظومة سُلَّمُ الوصولِ إلى علمِ الأصولِ في علمِ التوحيد، لحافظ أحمد حكمي، نسخة مصححة عن: مركز جنات للدراسات، (الأبيات من: 52 - 59)
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
سادسًا: القرآن -المُعجِز- هو الكتاب الذي هيمن على الكتب المنزلة قبله
وقد جعل اللهُ القرآنَ مهيمنًا على الكتب السابقة وحاكمًا عليها كما قال سبحانه: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة من آية: 48).
و (المهيمن): الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله(22)
(وَمُهَيْمِنًا) أي: حاكمًا على ما قبله من الكتب.(23)
(وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ): أي: مصدقًا عليه، كل شيء أنزله الله من توراة أو إنجيل أو زبور فالقرآن مصدق على ذلك، وكل شيء ذكر الله في القرآن فهو مصدق عليها وعلى ما حدث عنها أنه حق.(24).
وإنما كان القرآن مهيمنًا على الكتب لأنه الكتاب الذي لا يصير منسوخًا البتة، ولا يتطرق إليه التبديل والتحريف على ما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).(25)
- وقد - جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأكملها؛ حيث جمع فيه محاسن ما قبله من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدًا، وأمينًا، وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9).
فهو محفوظ بحفظ الله عز وجل إلى قيام الساعة، شاهد على هذه الكتب، مبين ما حرف منها، وحاكم بما أقره الله وأمر به من أحكامها، وناسخ ما نسخه الله منها، وهو أمين عليها في ذلك كله.(26)
وأهل السنة والجماعة مقرون بأن القرآن الكريم هو الكتاب المهيمن والحاكم على جميع الكتب المنزلة السابقة، والحافظ لكل كتاب قبله؛ وشاهد على كل تلك الكتب جميعًا بأنها وحيٌ منزلٌ من عند الله تعالى أنزله سبحانه على رسله، وأنه مصدق على ما فيها من الحق، نافيًا عما أُلحِق بها من باطل، وأنه حاكم عليها بالنسخ أو التقرير، فما وافقه منها فهو الحق الذي أنزله الله، وما خالفه منها فهو من الباطل الذي نسب إليها، فصارت للقرآن الهيمنة على جميع تلك الكتب المنزلة من كل وجه.
- و- السلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب.(27)--------------------------------------------
(22) - تفسير الطبري: م 4 (6/ 345).
(23) - تفسير ابن كثير: (2/ 92).
(24) - تفسير الطبري: م 4 (6/ 346).
(25) -التفسير الكبير للفخر الرازي: (12/ 11).
(26) - يُنظر: المسائل العقدية التي حكى فيها ابن تيمية الإجماع، لـ"مجموعة مؤلفين": (ص: 748).
(27) - مجموع الفتاوى: (17/ 43).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
سابعًا: القرآن - المعجز- كتاب أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ
والقرآن الكريم كتابٌ أُحكمت آياته ثُمَّ فُصِّلَتْ كما قال ربنا: (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: 1)
و (فُصِّلَتْ) أي: بُيِّنتْ، وأصلُ (فصل): يدلُّ على تَمييزِ الشَّيءِ مِنْ الشَّيءِ، وإبانتِه عنه.(28).
و (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) أي: هذا القُرآنُ أتقَنَ اللهُ آياتِه فلا خللَ فيها ولا باطِلَ ولا تَناقُضَ، ثمَّ بُيِّنَتْ بالأخبارِ الصَّادقةِ، والأحكامِ العادلةِ مِنْ أوامِرَ ونواهٍ.(29)
فما تقولون في فضل كتاب أنقذ الله به أمة من جاهلية جهلاء، وضلالة عمياء، دأبهم السلب والنهب، ومعبودهم الأوثان والحجارة، وديدنهم توارث العداوات والأحقاد، لا تعرف من الحق رسمًا. نحلتها ما وجدت عليه آباءها، وما استحسنته أسلافها، من آراء منحرفة، ونحل مخترعة، وملل مبتدعة، فأنزل الله عليهم هذا الكتاب فأنقذهم منها به، وانتشلهم به من أوحالها.--------------------------------------------
(28) - يُنظر: مقاييس اللغة، لابن فارس (4/ 505)، البسيط، للواحدي (11/ 343)، تذكرة الأريب، لابن الجوزي (ص: 339)، الكليات، للكفوي (ص: 700).
(29) - يُنظر: تفسير الطبري: (12/ 308، 310)، معاني القرآن، للنحاس (3/ 327، 328)، تفسير ابن عطية، (3/ 148)، تفسير القرطبي، (9/ 2، 3)، مجموع الفتاوى، لابن تيمية (15/ 106)، (بيان تلبيس الجهمية) لابن تيمية (8/ 337)، تفسير ابن كثير، (4/ 303)، تفسير ابن سعدي، (ص: 376).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
ثامنًا: القرآن - المعجز- كتاب له فضائل أكثر من أن تُحْصى
- فـ - ما تقولون في فضل كتاب ختم الله به الكتب، وأنزل على نبي ختم به الأنبياء، وبدين ختمت به الأديان.(30)
ما تقولون في فضل كتاب فتحت به أمصار، وجثت عنده الركب، ونهل من منهله العلماء، وشرب من مشربه الأدباء، وخشعت لهيمنته الأبصار، وذلت له القلوب، وقام بتلاوته العابدون، والراكعون، والساجدون.
ذلكم القرآن الكريم: كلية الشريعة، وعمدة الملة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، فلا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه".(31)--------------------------------------------
(30) عبارة "الأديان السماوية" يستعاض عنها بكلمة الشرائع السماوية، وذلك لأن الدين واحد لا يتعدد كما قال ربنا: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ .. ) (آل عمران: من آية: 19). وقال الله تعالى:
(قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: 136) .. ووصف الله إبراهيم بأنه (كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). (آل عمران: 67). ولعلها سبق قلم من الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى. الباحث.
(31) -الموافقات للشاطبي (3/ 346).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
تاسعًا: القرآن - المعجز- له ترتيب تنزلي وترتيب مصحفي لآياته وسوره لا يحق لأحد التعرض له بأي حال من الأحوال
الترتيب الأول: ترتيب الآيات في السور
وإن من أبرز أوجه إعجاز القرآن ترتيب آياته في سوره في نظم واحد، وكأنها نزلت كلها متتابعة ومرتبة على هذا الترتيب الذي تحير عقول البشر في جزالة أسلوبه وحسن سبك عباراته وحُسن نظمه وترابط آياته وكأنها حبات لؤلؤ في تتابع بعضها البعض، وكأنها قطعة واحدة في منظومة واحدة نزلت على هذا النسق، متتابعة، ورغم أن الترتيب النزولي للآيات مغاير لهذا التتابع والترابط، فقد تنزل آيات في سورة ما وتكون متأخرة في ترتيبها على آيات أخر في نفس السورة، وقد تكون تلك الآيات نزلت بعدها، ومع ذلك لا يمكن أن تشعر أبدًا بأي خلل أو عدم ترابط في الوحدة الموضوعية بين آيات السورة الواحدة، أو أن تجد في نفسك أدنى شك أنها نزلت على هذا النسق متتابعة الآيات وكأنها نزلت على هذا الترتيب المصحفي.
الترتب الثاني: ترتيب سور القرآن
وقل كذلك في الترتيب المصحفي لسور القرآن، فإن الترتيب المصحفي على وضعه في المصاحف المنتشرة بين أيدي المسلمين في مشارق الدنيا ومغاربها هو الترتيب الذي استقرت عليه المصاحف العثمانية التي أجمع عليها الصحابة رضي الله عنهم أجمعين وأجمع عليها السلف والخلف وتلقتها الأمة بالقبول، وهي مع ذلك موافقة تمامًا للعرضة الأخيرة والتي هي موافقة للقرآن المثبت في اللوح المحفوظ عند رب العزة في كتاب مكنون مصون.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
عاشرًا: الختام وبيان الشاهد من هذه التوطئة
وبعد بيان تلك الخصائص العظيمة والجليلة للقرآن من كونه المعجزة الخالدة الباقية الدالة على صدق نبوة ورسالة خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم، وأنه المُعجِزة التي يُعَدُ سماعها حجة، وأنه كلام الله، وأنه منزل غير مخلوق، وأن الله سبحانه تكلم به بحرف وصوت، وأنه معجزة تحدى الله بها الثقلين، وأن مهيمن على الكتب المنزلة قبله وحاكم وشاهد عليها، وأن ترتيب آياته جاء على أعظم وجه من النسق والترابط البديع وكأنها نزلت على هذا النسق، وأن الترتيب المصحفي للسور والآيات استقر العمل به
والإجماع عليه منذ أن حرَّق عثمان المصاحف وجمعهم على الإمام.
فقد أقدم ثلاثة نفر على مخالفة الترتيب المصحفي بكتابة ثلاثة تفاسير وفق الترتيب النزولي، والباحثُ في هذا البحث يناقش أصحابَ تلك التفاسير الثلاثة التي خالف مصنفوها إجماع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، وخالفوا إجماع الأمة قاطبة - كذلك -، وذلك بتصنيف تلك التفاسير وترتيبها وفق الترتيب النزولي للسور، تاركين الترتيب المصحفي ومخلِّفينه وراءهم ظهريًا، وهم وإن كان قد خالفوا إجماع الأمة فقد وافقوا في ذلك أعداء الملة من شرذمة المستشرقين.
ولقد جاءت تلك الدراسة لتناقش الثلاثة نفر في صنيعهم الذي تجاسروا فيه على هذا العمل المهيب فاتحين على الأمة بابًا عظيمًا من الشر وثلمة خطيرة يجب رأب صدعها وسد خلتها سدًا لذرائع أخرى عظيمة قد تفتح باب التجرؤ على العبث في ترتيب الآيات كما فتحت الباب على مخالفة الترتيب المصحفي لسور القرآن المجمع عليه من قبل، وعليه عمل الأولين والآخرين من هذه الأمة المرحومة.
وإن- أهم ما يجب على أهل دين الله كشفه، وأولى ما يلزم بحثه، ما كان لأصل دينهم قوامًا، ولقاعدة توحيدهم عمادًا ونظامًا، وعلى صدق نبيهم صلى الله عليه وسلم برهانًا، ولمعجزته ثبتًا وحجة، ولاسيما أن الجهل ممدود الرواق، شديد النفاق، مستول على الآفاق.(32)
ولذلك كان الدافع لمناقشة هذه التفاسير وتفنيد دوافع مصنفيها بالحجة والبيان وواضح الأدلة وساطع البرهان، انتصارًا للقرآن، وإرضاءً لربنا الرحمن.--------------------------------------------
(32) إعجاز القرآن، للباقلاني: (ص: 3 - 4)، تحقيق أحمد صقر، دار المعارف مصر، الطبعة الخامسة.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 39)
خطة البحث
وقد ضمَّن الباحثُ بحثَه خطة بحث مكونة من فصلين، وكل فصل يندرج تحته عدد من المباحث، وكل مبحث يندرج تحته عدد من المطالب، وقد بيَّن فيه ما يلي:
أولًا: أهمية موضوع البحث
ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها
ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث
رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه
خامسًا: منهج البحث
سادسًا: خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة.
سابعًا: مجموع الفهارس:
وخطة البحث تتكون من فصلين على النحو التالي:
الفصل الأول
توقيف الترتيب المصحفي للآيات والسور
ويشتمل على ستة مباحث:
المبحث الأول: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي
وفيه مطلبان:
والترتيب المصحفي يشتمل على أمرين:
المطلب الأول: الأمر الأول: ترتيب الآيات في السور
المطلب الثاني: وأما الأمر الثاني: فهو ترتيب السور وفق الترتيب المصحفي
المبحث الثاني: من أوضح الأدلة على أن ترتيب الآيات في السور توقيفي، نزول بعض السور جملة واحدة
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ذكر جملة من السور التي نزلت جملة واحدة
المطلب الثاني: الخلاصة في ذكر السور التي نزلت جملة واحدة
المبحث الثالث: مذاهب العلماء وخلافهم في ترتيب السور
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: المذهب الأول: أن ترتيب السور أمر توفيقي من اجتهاد الصحابة
المطلب الثاني: المذهب الثاني: أن ترتيب السور أمر توقيفي من النبي صلى الله عليه وسلم
المطلب الثالث: المذهب الثالث: أن ترتيب أغلب السور أمر توقيفي من النبي صلى الله عليه وسلم وأن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة
المبحث الرابع: أبرز أقوال العلماء القائلين بأن ترتيب سور القرآن الكريم كان ترتيبًا توقيفيًا
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ذكر جملة من أقوال العلماء المتقدمين
المطلب الثاني: ذكر جملة من أقوال العلماء المعاصرين
المبحث الخامس: أبرز الأدلة التي استدل بها بعض العلماء على توقيف الترتيب
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 40)
المصحفي وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: الدليل الأول: إجماع الصحابة-رضي الله عنهم على ترتيب السور في المصحف العثماني
المطلب الثاني: الدليل الثاني: تحزيب الصحابة-رضي الله عنهم للقرآن
المطلب الثالث: الدليل الثالث: النظم الترتيبي لبعض السور المتشابهة في مفتتحها
المطلب الرابع: الخلاصة من أقوال وأدلة العلماء القائلين بأن ترتيب السور توقيفي
المبحث السادس: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: أول من خالف وعارض الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي
المطلب الثاني: أبرز المستشرقين الداعين لإعادة ترتيب القرآن ترتيبًا نزوليًا
المطلب الثالث: أبرز من تأثر بالمستشرقين من المعاصرين
الفصل الثاني
عرض ودراسة ومناقشة التفاسير الثلاثة التي رُتِبَت على ترتيب النزول
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: عرض ودراسة ومناقشة التفسير الأول "بيان المعاني لـ " عبد القادر ملا حُوَيِّش "
وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: التعريف بتفسير "بيان المعاني" ومؤلفه "ملا حُوَيِّش "
المطلب الثاني: الكتب التي اعتمد عليها "حُوَيِّش" في تفسيره
المطلب الثالث: طريقته في التفسير
المطلب الرابع: أول دراسة حول هذا التفسير
المطلب الخامس: دراسة نقدية مختصرة لتفسير "حُوَيِّش"
المطلب السادس: حصر دوافع إقدام "حُوَيِّش" على تغير الترتيب المصحفي بالرتيب النزولي ومناقشتها
المبحث الثاني: عرض ودراسة ومناقشة التفسير الثاني" التفسير الحديث" لـ " محمد عزة دروزة"
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: التعريف بتفسيره
المطلب الثاني: حجة "دروزة" في إقدامه على تغيير الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي
المطلب الثالث: بيان أهم وأبرز الدوافع التي ساقت " دروزة " لترتيب تفسيره ترتيبًا نزوليًا
المطلب الرابع: مناقشة دوافع "دروزة":
المطلب الخامس: طريقة "دروزة" في تفسيره
المطلب السادس: تقييم تفسير "دروزة"
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 41)
المطلب السابع: عقيدة " دروزة " في صفات الرب- جل في علاه-
المطلب الثامن: أبرز الدراسات حول تفسير "دروزة"
المبحث الثالث: عرض ودراسة ومناقشة التفسير الثالث كتاب "معارج التفكر ودقائق التدبر" لـ " حبنكة الميداني"
وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: التعريف بالكتاب ومؤلفه وبيان أهم دوافع وبواعث تأليفه
المطلب الثاني: أضواء جانبية على عقيدة الـ "حبنكة"
المطلب الثالث: منهج الـ "حبنكة" في كتابه، ورأيه في ترتيب السور، وما كان لزامًا عليه اتباعه
المطلب الرابع: حصر دوافع الـ "حبنكة" في انتهاج هذه الطريقة
المطلب الخامس: مناقشة دوافع ومبررات الـ "حبنكة"
المطلب السادس: هل تحققت الأهداف التي رامها مُفْتَتِحُو تغيير الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي
المطلب السابع: بيان وجوب احترام الترتيب المصحفي وعدم التعرض له، والتصدي لمن تعرض له
منهجية البحث
أولًا: أهمية موضوع البحث
تتمحور وتتمركز أهمية هذا البحث حول تلك الجرأة التي أقدم عليها الثلاثة نفر الذين أحدثوا أمرًا جللًا فصنفوا ثلاثة تفاسير وكتبوها وفق الترتيب النزولي مخلِّفِين وراء ظهورهم الترتيب المصحفي الذي استقرت عليه الصحف العثمانية وأجمع عليه الصحابة كلهم عن بكرة أبيهم- رضي الله عنهم أجمعين- وتلقته الأمة بالقبول وأجمع عليه السلف والخلف حتى زماننا الحاضر.
من هنا تأتي أهمية هذا البحث، فكان لابد ولزامًا من تقديم دراسة معالجة لهذا الخطر ومناقشته وتفنيده، ودفع تلك الفجيعة بأسلوب علمي تأصيلي مقرون بالحجج النقلية والعقلية، ولذا فقد سُمِّي البحثُ بـ "صَحِيِحِ المَعْقُوُلِ المُوَافِقِ لِصَرِيِحِ المَنْقُوُلِ فِيِ مُنَاقَشَةِ ثَلَاثَةِ تَفَاسِيِرَ رُتِّبَتْ عَلى تَرْتِيِبِ النُّزُوُلِ".
ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها
الدراسة الأولى: "التفاسير حسب ترتيب النزول في الميزان"
تأليف: أ. د. مصطفى مسلم محمد، خبير بمركز تفسير للدراسات القرآنية، وأستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الشارقة سابقًا، بحث منشور في ملتقى أهل التفسير، بتاريخ: 15/ 12/ 1432 هـ.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 42)
عرض لتلك الدراسة:
ناقش الباحث في تك الدراسة قضية ترتيب القرآن بين التوقيف والتوفيق، ثم تابعها بعرض دوافع أصحاب تلك التفاسير وناقشها وفندها بقلم يدل على الغيرة على كتاب الله ويدل على رسوخ صاحبه، وقد أفاد وأجاد فجزاه الله خيرًا.
أهم الملاحظات على تلك الدراسة:
أولًا: لقد عرض الباحثُ تلك الدوافع جملة ثم فنَّدها جملة، وكان الأولى له عرض دوافع كل واحد من تلك التفاسير على حده، ثم يعقبها بالرد عليه مباشرة، ولكنها كما أسلفنا عرضها جميعًا ثم فندها جميعًا، وأعني بعرضها جميعًا وجملة أنه عرضها الأول فالثاني ثم الثالث ثم جاء الرد عليها بعد ذلك على نفس طريقة العرض، وكان الأولى أن يعرض دوافع كل واحد ثم يرد عليها ويفندها مباشرة حتى لا يتشتت ذهن القارئ، وحتى لا تداخل عليها الملاحظات والمآخذ والرد عليها بين تفسير وآخر.
ثانيًا: من أهم الملاحظات بل والمآخذ على هذا البحث افتقاره لبيان عقيدة أصحاب التفاسير الثلاثة الأشعرية بل إن الأول منهم- ملا حُوَيِّش- متهم بالتصوف والانتماء للطريقة النقشبندية، مع رده للإجماع، وجهله بالسنة ورده لها، وتضعيفه للأحاديث الصحيحة الثابتة، واستشهاده بالموضوعات، وطعنه كذلك في الصحيحين، وغيرها من الطوام المذكورة بالتفصيل في ثنايا بحثنا، ومراجع "حُوَيِّش" التي اعتمد عليها في تفسيره تدل على ذلك دلالة واضحة.
وإن معرفة الجانب العقدي وإبرازه للقارئ من الأهمية بمكان ليكون على حذر من المزالق العقدية والمخالفات التي خالف فيها المفسرُ معتقدَ أهلِ السنةِ ولا سيما في تأويل صفات الرب جل في علاه.
ثالثًا: من الملاحظات الهامة على هذا البحث- كذلك- افتقاره لتقديم تعريف بتلك التفاسير ولو تعريفًا موجزًا ليقف القارئ على مشهد عام على تلك التفاسير ويطالع طريقة تناول كل مفسر منهم لآيات الكتاب المجيد، والمآخذ التي أُخِذَت على عمل كل مفسر في تفسيره.
رابعًا: ومن الملاحظات الجليَّة على هذا البحث- كذلك- افتقاره لترجمة أصحاب تلك التفاسير ليطالعها القارئ ويقف عليها.
فإن التعريف بالكتاب ومؤلفه ومعتقده وطريقة تناوله للتفسير يعطي تصورًا واضحًا جليًا عن الكتاب وكاتبه من جوانب عدة تخدم القارئ وتسهل له الوقوف على كل ما ينبغي أن يعرفه عن الكتاب الذي يطالعه وعن مؤلفه ومنهجه ومعتقده.
وهذه الملاحظات وغيرها لا تقدح في جهد الباحث ولا في قيمة بحثه العلمية النقدية، ولا سيما وأنه أستاذ له قدره وله مكانته العلمية والتقدمية - رحمه الله تعالى -.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 43)
اعتذار عن تلك الملاحظات
ومما يعتذر به عن تلك الملاحظات لفضيلته لعله رأى الاختصار المناسب لمقتضى الحال التي كُتِبَت من أجلها تلك الدراسة، وهي المشاركة بها في إحدى المؤتمرات العلمية، كما أشار فضيلته إلى ذلك(1)، ولا شك أن الحال هذه تقتضي الاختصار والتركيز فقط على موضوع البحث المطلوب.
الدراسة الثانية: "القرآن الكريم بين ترتيب المصحف وترتيب النزول دراسة منهجية نقدية في الترتيب المصحفي والتاريخي للقرآن "
تأليف الدكتور/ سعيد بو عصاب
عرض لتك الدراسة:
تعتبر تلك الدراسة من الكتابات الحديثة في علوم القرآن، فهي من منشورات مركز الدراسات القرآنية التابعة للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، الطبعة الأولى، 1438 هـ/ 2017 م في مجلد متوسط يتكوّن من 168 صفحة، كما أنها من منشورات: دار الأمان للنشر والتوزيع بتاريخ: 06/ 06/ 2017 م -كذلك-.
ومؤلفها أستاذ للتفسير وعلوم القرآن بجامعة القرويين، كلية العلوم الشرعيّة بالسمارة.
أهمية تلك الدراسة:
تأتي أهمية تلك الدراسة من خلال موضوعها المتميّز، الذي يعالج إشكالية الدعوة إلى ترتيب المصحف حسب النزول، والذي أصبح مثارَ جدلٍ بين الدارسين المُحْدَثين في العصور الأخيرة بين مؤيدين ومعارضين، فجاءت هذه الدراسة لمناقشة الموضوع في منهج وصفي تاريخي تحليلي نقدي؛ مما جعلها مقاربة تأصيلية نقديّة تتوخى الأسلوب العلمي الموضوعي الهادئ.
محتويات تلك الدراسة:
تصدّرت مقدمة هذه الدراسة ببيان أهمية موضوع المطالبة بإعادة ترتيب القرآن في المصاحف حسب النزول؛ حيث ظهر في الناس في زماننا مَنْ يطالب بذلك بعد أن كان إجماع السلف منذ العهد النبوي على الترتيب المصحفي للقرآن الكريم. كما بيّن المؤلف الدافع إلى الكتابة في الموضوع، والتي لخصها في: كون الكتابة في هذا الباب تعتبر من العبادات، وأنَّ دعوات المطالبة بإعادة الترتيب، فيها ما هو مقبولٌ بشروط، وفيها ما هو مردود، وأنَّ في جانب من هذه الدعوات المسّ بقدسيّة المصحف، وأن في الكتابة في هذا الموضوع التنبيه إلى المناسبات السامية التي تضمنها الترتيب المصحفي، الذي تولد عنه "علم التناسب القرآني"، وأنَّ المؤلفات التي ناقشت موضوع الترتيب أو التفسير حسب النزول للقرآن الكريم تعدُّ قليلة ونادرة.
وقد مهّدَ الباحثُ لتلك الدراسة بفصل تمهيدي، تناول من خلاله منهج التنزّل القرآني، بما يشمل المفهوم والظروف التي أحاطت به، والمقاصد والأغراض المتوخاة من تنجيم النزول القرآني، ثم أسباب النزول.
وقسّم الكتاب إلى قسمين أساسيين، خصص الأول منهما لدراسة الترتيب المصحفي للقرآن الكريم، مبينًا ترتيب الآيات في القرآن الكريم وترتيب السور والتناسب بين الآيات والتناسب بين السور، وأقوال العلماء في ذلك، مع عرض أدلة كلّ فريق. كما خصص القسم الثاني للدعوة إلى ترتيب وتفسير القرآن الكريم وفق منهج النزول، مع مناقشة الداعين إلى ذلك، كما ناقش دوافعهم لهذا المنهج ومدى قدرته على التطبيق. وقام بمناقشة عامة نقدية لدعوى محمد عابد الجابري في ترتيب سور القرآن الكريم، وركز على قضايا جزئية لها علاقة بالتفسير حسب النزول. وقد ذيّل المؤلف كتابه بخاتمة تضمنت أهم النتائج التي توصّل إليها البحث.(2)
أهم الملاحظات على تلك الدراسة:
نفس الملاحظات والمآخذ على الدراسة السابقة تنطبق في كثير من الأوجه على هذه الدراسة إن لم تتطابق تمامًا، ويزيد عليها قول المؤلف: "أنَّ دعوات المطالبة بإعادة الترتيب، فيها ما هو مقبولٌ بشروط، وفيها ما هو مردود".
ولا شك أن هذه الدعوى قد تفتح الباب على مصرعيه أما الأصوات التي تنادي بإعادة ترتيب القرآن ترتيبًا نزوليًا.
الدراسة الثالثة: "ترتيب سور القرآن وفق نزولها في فكر الجابري"
عرض وتحليل ونقد، تأليف الدكتور/ صبري عبد العزيز منصور صيام، الأستاذ المساعد في التفسير وعلوم القرآن في كلية الدراسات العربية والإسلامية للبنين بالقاهرة، بجامعتي الأزهر وتبوك، وهي منشورة في" المجلد الأول من العدد السادس والثلاثين لحولية كلية الدراسات الإسلامية للبنات بالإسكندرية (د ت).
وهذه الدراسة تتآلف من ثنتين وتسعين صفحة، قد أجاد مؤلفها وأفاد، حيث ناقش/ محمد عابد الجابري، المتوفي في: 19 جمادى الأولى 1431 هـ، الموافق: 3 مايو 2010 م، مناقشة وافية بالغرض.
ومن أبرز ما يؤخذ على هذه الدراسة ما يلي:
أولًا: قول المؤلف أنه لم يجد من رَدَّ على الجابري، أي أنه لم يقف على دراسات سابقة لمناقشته، وهناك العديد من الدراسات منها الدراسة السابقة لهذه الدراسة من تأليف الدكتور/ سعيد بوعصاب كانت في مناقشة الجابري وسجلت بتاريخ: 06/ 06/ 2017 م.
وهذه الدراسة للدكتور/ صبري عبد العزيز منصور صيام، لم نقف لها على تاريخ، ولابد أن الدراستين قد تقدمت إحداهما الأخرى زمانًا، فكان لزامًا على المتأخر منهما ذكر الدراسة المتقدمة منهما اعترافًا بالفضل والسبق ونسبته لأهله، ويُلتمس العذر للمتأخر منهما بحسن الظن به، ونقول لعله لم يقف على الدراسات السابقة لدراسته، ومنها تلك الدراسة.
ثانيًا: مع أن هذه المناقشة كانت لفكر الجابري فحسب غير أن المؤلف ذكر الثلاثة نفر الذين ناقشنا جرأتهم على ترك الترتيب المصحفي والجنوح للترتيب النزولي في بحثنا هذا، وهم "مُلاَّ حُوِيِّش"، " دروزة"، "حبنكة"، لاشتراكهم جميعًا في الجرأة على تغير الترتيب المصحفي الذي أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا، وقد ذكرهم الدكتور/ صبري ولكنَّه مَرَّ عليهم مرور الكرام في أسطر معدودة، وذلك في المطلب الثالث من المبحث الثاني، والذي كان ينبغي عليه مناقشتهم، وذلك لأن تأثيرهم قد يتعدى تأثير الجابري لانتسابهم للعلم عمومًا وللتفسير خصوصًا ولانتشار كتبهم بين الناس، فيكون خطر التأثر بهم أكثر وأعم من التأثر بالجابري الذي عُرِفَ وعُلِمَ واشتهر بين الناس بمنهجه الحداثي التغريبي.
ثالثًا: مما يؤخذ على هذه الدراسة ثناء المؤلف على أصحاب التفاسير الثلاثة، والذي يبدوا أنه لم يطالعها أو يطالع الدراسات النقدية لها، حيث قال عفى الله عنه: كان لهؤلاء الإعلام الثلاثة من وراء تفسير القرآن وفق زمن نزول السور أهداف سامية نابعة، نبعة عن الهدف الأسمى لنزول القرآن العظيم …
رابعًا: من أشد المآخذ على تلك الدراسة ما أخذ على سابقتيها من عدم ولاية الجانب العقدي العناية اللائقة به، فقد مَرَّ على تلك التفاسير الثلاثة مرور الكرام كما ذكرنا آنفًا، ولم يعرج على الجانب العقدي بل ولم يشر إليه أبدًا لا من قريب ولا من بعيد.
وهذه الملاحظات لا تقلل من قيمة البحث ولا من جهد الباحث، فقد كان المؤلف ذا حسن مرهف وصاحب قلم رصين وغيرة على كتابه ربه، فجزاه الله عن كتابه الجزاء الأوفى في الدنيا ويوم الدين.--------------------------------------------
(1) وتلك الدراسة موجودة ضمن مجموعة بحوث مقدمة لمؤتمر خدمة القرآن الكريم في القرن الرابع عشر الهجري، و الذي نظمته كلية الشريعة و الدراسات الإسلامية في جامعة الشارقة، من 22 - 23 صفر 1424 هـ، الموافق 23 - 24 أبريل 2004 م، و قد طبعت الأوراق المشاركة في خمسة محاور في مجلدين.
وهذا البحث يقع في الجزء الثاني / من الصفحة 514 حتى 526، يعني قرابة 12 صفحة فقط، بعنوان:" التفاسير حسب ترتيب النزول في الميزان". للاستزادة ينظر: ملتقى أهل التفسير، بتاريخ:24/ 3/2006 م.
(2) - يُنظر موقع: الرابطة المحمدية للعلماء، المملكة المغربية. إعداد: أستاذ/ رضوان غزالي باحث بمركز الدراسات القرآنية.
[*] (تعليق الشاملة): محتوى هذه الصفحة كله ليس في المطبوع من المجلة وهو ثابت في المرسل إلينا من المؤلف - حفظه الله -
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 44)
دراسات عامة حول تفسير الجابري:
كما قد هيأ الله دراسات نقدية أخرى حول تفسير الجابري والتي كان من أبرزها ما يلي:
الدراسة الأولى: "تخرصات الجابري على التفسير والمفسرين من خلال كتابه فهم القرآن الحكيم"
دراسة نقدية، تأليف: محمد بن عبدالعزيز بن عبدالله المسند، صادرة عن: مجلة تبيان للدراسات القرآنية، وهي: "مجلة محكمة"، تابعة لجمعية السعودية للقرآن الكريم وعلومه، في عددها: 25، في الصفحات من: 173 - 233، لعام 1438 هـ ـ 2018 م.
وكان من أبرز أهداف هذه الدراسة ما يلي:
1 - الذود عن التفسير وأئمّته، من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
2 - نقد تفسير الجابري على وجه الخصوص وما فيه من التخرّصات والاعتراضات على التفسير وأئمّته.
3 - بيان حقيقة ما يسمّى بالتفسير العصري للقرآن من خلال نقد تفسير الجابري الذي يعدّ مثالًا واضحًا لهذا النوع من التفسير.
وكان من أهمّ نتائجها ما يلي:
1 - تنوّع جهود الأعداء في النيل من هذا القرآن وآخرها ما يسمّى بالقراءات الحداثية للقرآن من أجل رفع القدسية عنه.
2 - مشاركة بعض المخدوعين من أبناء المسلمين في هذه الجهود المضللة.
3 - توجّه بعضهم لتفسير القرآن ليس من أجل بيان معانيه وإنّما لإخضاعه للأفكار والثقافة الغربية.
4 - أنّ "العقل" نعمة كبرى لكنّه إذا كان محكومًا بالهوى؛ صار وبالًا على صاحبه.
وكان من أهم توصياتها ما يلي:
1 - أوصى الباحثين ببذل الكثير من الجهود في مواجهة هذا الحملات المضللة. أوصي الجامعات ومراكز البحوث بالعناية بمثل هذه التوجهات التغريبية المضللة، وذلك بنشر الوعى بخطورتها، وطباعه البحوث والكتب التي تولت الرد عليها وكشف زيفها. كما أوصى الجامعات بتخصيص مادة دراسية متخصصة، تعنى بذلك. وبالله التوفيق.
وهذه الدراسة وفق اللهُ جامعَهَا لكشف عوار "الجابري" بأسلوب علمي رصين ورد محكم أصيل، فجزاه الله خيرًا عن كتابه ودينه ومنهاجه وشرعه.
الدراسة الثانية: "التفسير الواضح حسب ترتيب النزول لـ "محمد عابد الجابري"
دراسة تحليلية نقدية. وهذه الدراسة عبارة عن أطروحة علمية نالت بها الباحثة/ أحلام خليفة عبد الله الصويعي درجة الدكتوراه من الدراسات العربية وآدابها - شعبة الدراسات الإسلامية- بجامعة عين شمس، عام 1438 هـ-2017 م.
وهي وإن كانت دراسة وأطروحة علمية تناقش فكر "الجابري في التفسير فحسب،
- كسابقتها ولاحقتها- غير أن ضمها للدراسات سالفة الذكر، وذكرها والإشارة إليها مع تلك الدراسات تعطي القارئ الكريم تصورًا أوسع عن الجابري، وتفسح له المجال لتصور فكره وثقافته التي تدل على أنه ليس من أهل العلم أصلًا، كما أنها تجلي له حقيقة انتماء الرجل للمدرسة الحداثية التغريبية المعاصرة.
وقد افتتحت الباحثة تساؤلات الدراسة بالتساؤلات التالية
- هل كان الجابري مؤهلاً لأن يكون مفسرًا؟
- هل انطبع التفسير بما يحمله صاحبه من أفكار فلسفية وغربية؟
- هل أثار الجابري قضايا هامة في القرآن الكريم، في حين سكت عن أُخرى، وما الدافع وراء ذلك؟
- هل أَثار الجابري شبهات حول القرآن والإِسلام بدعوى التجديد؟
- هل كان الجابري في آرائه وأفكاره متأثرًا بتيار معين؟
- هل يُعتبر الجابري من المجددين في تفسير القرآن؟
وبهذا فكل هذه التساؤلات وغيرها تم الإفصاح عنها في الدراسة.
وهذا التساؤلات وأجوبتها كافية لتعرية "الجابري" ومنهجه وفكره.
الدراسة الثالثة: "سؤال المنهج في فهم القرآن الكريم وتفسيره عند محمد عابد الجابري من خلال كتابه فهم القرآن الحكيم التفسير الواضح حسب ترتيب النزول"
دراسة تحليلية نقدية، لحسن غماري، ولم يقف الباحث على تفاصيل لهذه الدراسة--------------------------------------------
[*] (تعليق الشاملة): محتوى هذه الصفحة كله ليس في المطبوع من المجلة وهو ثابت في المرسل إلينا من المؤلف - حفظه الله -
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 44)
ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث
ومناقشة تلك التفاسير تأتي انتصارًا للقرآن ودفعًا لتك الشبهة التي وقعوا فيها حتى لا يغتر بفعلهم أي غِرٍ كريم فيتابعهم ويوافقهم عليه، ولاسيما أن تلك التفاسير في متناول أيدي الناس.
ولذا فقد قام الباحث هنا بمعالجة الملاحظات والمآخذ التي تبينت له على الدراسات السابقة من عرض لتلك التفاسير وطريقة تناولها للتفسير ونقدها نقدًا علميًا بناءً وبيان معتقد مصنفيها وغيرها من المسائل التي لا غنى للقارئ عنها لتمكنه من الاطلاع الكامل على كل جوانب تلك التفاسير الثلاثة ليحصل عنده الإحاطة بها، ويحصل له التصور الكافي التام الذي يكفيه عن البحث والتنقيب عنها في مواضع وأماكن أُخَر.
وتأتي هذه الدراسة أيضًا مخاطبة للجهات العلمية المعنية في الأمة لاتخاذا التدابير اللزمة تجاه تلك التفاسير حتى لا تتكرر تلك الفجيعة مرة أخرى ولا سيما وأن مصنِفوها قد قضوا آجالهم وأفضوا إلى ما قدموا.
رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه
تتمثل مشكلة هذا البحث فيما أقدم عليه هؤلاء الثلاثة نفر من إحداث في تغيير الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي مدَّعين ادعاءات ما أنزل الله به من سلطان، وتلك الادعاءات إن لم تفند بالحجة والبرهان وبوسائل الإقناع فقد تحدث نوعًا من القناعات عند من لم ليس له بصر ثاقب وعقل راجح، ولاسيما أن من أصحاب تلك التفاسير من اعتمد في عمله - هذا- على فتاوى بعض علماء بلده لتبرأ ذمته وليجعلها حجة بينه وبين ربه، ومنهم من قدَّم أسبابًا واهية لا تقوم به حجة ولا تضح بها محجة، فيخشى إن لم تناقش وتفند تلك الحجج الواهية بأجوبة مقنعة مسكتة أن تنفذ تلك الفكرة وتنتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم.
فأتت تلك الدراسة لتناقش تلك التفاسير وتفند تلك الحجج الواهية التي قدموها والتي هي أوهن من بيت العنكبوت، وذلك بحجج واضحات وأدلة دامغات صيانة للترتيب المصحفي الذي عليه عمل الأوليين والآخرين من أهل الإسلام أجمعين.
خامسًا: منهج البحث
لقد استخدم الباحث في بحثه عددًا من المناهج البحثية، والتي كان من أبينها وأبرزها: المنهج الوصفي التحليلي
أما الفصل: فقد قام فيه الباحث بوصف ترتيب الآيات في السور بأنه "ترتيب توقيفي"، ثم قام بتحليل ذلك الترتيب مستدلًا على توقيفه بدلائل عدة، من أبرزها: نزول بعض السور جملة واحدة، ثم عرج على مذاهب العلماء وخلافهم في ترتيب السور وأنها ثلاثة مذاهب، ثم عرج على ذكر أبرز أقوال العلماء القائلين بأن ترتيب سور القرآن الكريم كان ترتيبًا توقيفيًا، ثم قام بوصف كل مذهب وصفًا تحليلًا مختصرًا مناسبًا لمقتضى الحال، ثم عرَّج على عرض الكلام على أبرز الأدلة التي استدل بها بعض العلماء على توقيف الترتيب المصحفي واصفًا لها وصفًا تحليليًا، ثم ختم هذا الفصل بالكلام على بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 44)
النزولي وبيان مصدره مبيّنًا وواصفًا له وصفًا تحليليًا دقيقًا مبيّنًا فيه أول من خالف وعارض الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي، ثم ثنَّى بذكر أبرز المستشرقين الداعين لإعادة ترتيب القرآن ترتيبًا نزوليًا، ثم ثلث وختم بذكر أبرز من تأثر بالمستشرقين من المعاصرين.
أما الفصل الثاني: فقد قام الباحث بعرض التفاسير الثلاثة، ثم تناول وصف كل تفسير منها وصفًا تحليليًا مناسبًا لمقتضى الحال مبينًا فيه التعريف بالتفسير ومؤلفه ومنهجه وعقيدته، ثم عرَّج على دوافع مخالفته للترتيب المصحفي وجنوحه للترتيب النزولي، ثم بعد وصفه لتلك الدوافع قام بتحليها تحليلًا وصفيًا مفندًا فيه تلك الدوافع بالوصف اللائق بكل دافع منها بما يقتضيه المقام، ثم بين الباحث أن الأهداف التي رامها مُفْتَتِحُو تغيير الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي لم تتحقق لهم، ثم ختم ببيان وجوب احترام الترتيب المصحفي وعدم التعرض له، والتصدي لمن تعرض له.
الفصل الأول توقيف الترتيب المصحفي للآيات والسور
المبحث الأول: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي
وفيه مطلبان:
إن الترتيب المصحفي هو الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة الموافقة لما هو مثبتٌ في اللوح المحفوظ، وهو الترتيب الذي استقر عليه الجمع البكري لأول جمع للقرآن بين لوحين، وهو الترتيب الذي استقر عليه المصحف الإمام في الجمع العثماني، وهو الترتيب الموافق للصحف العثمانية التي بعث بها الخليفةُ الراشدُ عثمانُ رضي الله عنه إلى الأمصار.
والترتيب المصحفي يشتمل على أمرين:
المطلب الأول: الأمر الأول: ترتيب الآيات في السور
فلا شك في أن ترتيب الآيات في السور أمر توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه البتة:
قال الزركشي (ت: 794 هـ) رحمه الله:
فأما الآيات في كل سورة، ووضع البسملة في أوائلها، فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها.(1)
وقال السيوطي (ت: 911 هـ) رحمه الله:
الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين.(2)
ويقول السيوطي (ت: 911 هـ) - أيضًا-رحمه الله:
"والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو الذي بين--------------------------------------------
(1) - الزركشي، البرهان في علوم القرآن، (1/ 256)، البرهان في علوم القرآن - لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: 794) تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم - الطبعة الأولى - دار إحياء الكتب العربية، مصر 1376 هـ - 1957 م.
(2) -السيوطي، الإتقان في علوم القرآن (1/ 211). الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت: 911 هـ) تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم - دار التراث بالقاهرة، الطبعة الثالثة، 1405 هـ-1985 م.، ويُنظر: إعجاز القرآن للباقلاني (صـ 60). إعجاز القرآن للباقلاني المؤلف: أبو بكر الباقلاني محمد بن الطيب (المتوفى: 403 هـ) المحقق: السيد أحمد صقر الناشر: دار المعارف - مصر الطبعة: الخامسة، 1997 م عدد الأجزاء: 1. وأسرار ترتيب القرآن: (صـ 41). للباقلاني، ومناهل العرفان في علوم القرآن (1/ 347). مناهل العرفان في علوم القرآن المؤلف: محمد عبد العظيم الزُّرْقاني (ت: 136 هـ) الناشر: مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، الطبعة الثالثة، عدد الأجزاء: 2، وحاشيه الشهاب على تفسير البيضاوي عنايه القاضي وكفاية الراضي: (1/ 25). وفتح البيان في مقاصد القرآن ـ أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (15/ 307). فتحُ البيان في مقاصد القرآن المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: 1307 هـ) عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري الناشر: المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر، صَيدَا - بَيروت عام النشر: 1412 هـ - 1992 م، عدد الأجزاء: 15.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 45)