التي لم يرتضوها .. وهكذا. وليست قضية التكرار كما زعم الشيخ.
ثم إن تفسيره قد زاد على ثلاثة آلاف صفحة فهو مكون من ثنتي عشر جزءًا تقع في ست مجلدات كبار أليس هذا تفسيرًا ضخمًا؟!.
الهدف الثاني: تجنب الاختلاف بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ:
لم أدرك ما قصده الشيخ بتجنب الاختلاف بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ فمن المعلوم أن ترد روايات في أسباب النزول بعضها صحيح وبعضها سقيم وعلى المفسر أن يدرس هذه الروايات ويأخذ بالرواية الصحيحة ويترك الأخرى، فما علاقة ذلك بترتيب النزول؟! وقد فعل الشيخ ذلك، ولكن لم يفعله على الديمومةـ إنما كان يفعله في بعض الأحايين- فلم يلتزم بالأخذ بالصحيحة دائمًا وإنما أخذ بالرواية الضعيفة، وقد يترك الصحيحة منها أحيانًا.
ومثل ذلك في الناسخ والمنسوخ، فإن الأحكام التي ترد في بعض الآيات ولا يمكن الجمع بين هذه الآيات وعلمنا وقت نزول الآيتين فإننا نحكم بنسخ الآية المتقدمة في النزول، كما هو مدون في قواعد الترجيح لدى علماء التفسير وعلماء أصول الفقه.
وسواء كان تفسير القرآن على حسب ترتيب المصحف أو على حسب ترتيب النزول فإن دراسة الآيتين تأخذ بعدًا معينًا ومنهجًا محددًا في الدراسة والمقارنة، فآيتا عدة المتوفى عنها زوجها في سورة البقرة(1)، الآية الناسخة متقدمة في ترتيب الآيات، والآية المنسوخة متأخرة في الترتيب. ومع ذلك لم يكن هناك إشكال عند أي مفسر في ذكر الآية الناسخة وتحديد حكم المنسوخ، لأنه لابد من تفسير الآيتين وتحديد المتأخرة في النزول منهما ثم بيان التعارض وبالتالي الحكم بنسخ إحداهما.
أما الهدف الثالث: قول الشيخ "ملا حويش": لتعريف القارئ كيفية نزول القرآن وتوقيفه على أسباب تنزيله:
وهذا الجانب أشبعه المفسرون بحثًا حيث ذكروا وقت نزول السورة والآيات وذكروا الروايات التي تحدد أسباب النزول. ولم يتركوا شاردة ولا واردة في ذلك إلا ذكروها. بل كان الشيخ "ملا حويش" ومن تبعه في التفسير حسب ترتيب النزول عالة على المفسرين السابقين في أخذ الروايات التي ذكرت مكية السورة أو مدنيتها، وبينت أسباب النزول، ذكروا كل ذلك مع التزامهم بترتيب السور حسب ما وردت في المصحف.
أما الهدف الرابع: قول الشيخ "ملا حويش": ليتذوق القارئ لذة معاني القرآن وطعم اختصار مبانيه بصورة سهلة يسرة ..
ما علاقة تذوق لذة معاني القرآن بالترتيب، إن تذوق المعاني يأتي في تفسير السورة بأسلوب بليغ جميل فما علاقة ذلك بالترتيب، ويتأتى ذلك من المنهجية التي اتبعها المفسر في كتابه من تفسير القرآن بالقرآن--------------------------------------------
(1) - يُنظر: الآية الناسخة (234) البقرة، والآية المنسوخة (240) البقرة.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 66)
وبصحيح السنة النبوية بأقوال الصحابة الثابتة، وبفهم أوتيه المفسر وملكته الخاصة التي لا تنحرف بها الأهواء.
مادامت السورة هي الوحدة الكاملة التي يتناول تفسيرها، فلا علاقة لموقعها بالتفسير وتذوقه وسلامته من الطعن والعلل والخطأ والزلل.
إن الأهداف والدوافع التي ذكرها ملا حويش وادعى أنها هي التي حملته على تفسير القرآن حسب ترتيب النزول تتحقق في كل تفسير بغض النظر عن ترتيب السور مادام المفسر متبعًا منهجًا سليمًا ذا أسلوب جميل صحيح في عرض معاني الآيات. "(1)
المبحث الثاني: عرض ودراسة ومناقشة التفسير الثاني" التفسير الحديث" لـ " محمد عزة دروزة" (ت: 1404 هـ)
وفيه ثمانية مطالب:
المطلب الأول: التعريف بتفسيره
وهو ثاني تلك التفاسير التي سلك مصنفوها ونهجوا نهجًا خاصًا ليس عليه عمل السلف في ترتيب السور ترتيبًا نزوليًا لا ترتيبًا مصحفيًا.
وتفسيره قد حوى القرآن الكريم كله، وقد رتبه على ترتيب النزول، وصدرت له طبعتان: الأولى سنة: 1964 م- في القاهرة بمطبعة عيسى البابي الحلبي وهي طبعة جميلة ونفيسة، و الثانية وهي المنقحة المصححة عن نسخة المؤلف صدرت سنة 2000 م عن دار الغرب الإسلامي ببيروت، وقد صدر في ثنتي عشر جزءًا مجموعة في ست مجلدات. وقد توفي رحمه الله في شوال سنة 1404 هـ.
المطلب الثاني: حجة "دروزة" في إقدامه على تغيير الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي
هذا ولقد صدر الأستاذ "دروزة" مقدمة تفسيره ببعض الفتاوى التي استند إليها واستجاز بها صنيعه هذا، وهي فتوى الشيخ أبي اليسر عابدين والشيخ عبدالفتاح أبي غدة، وقد أفتياه بالجواز، مفرقين بين الترتيبين، مبينين أن الترتيب المصحفي من أجل التلاوة، وأن ترتيب التفسير يختلف عن ترتيب في التلاوة.
وقد صدرهما "دروزة" تفسيره كما أسلفنا وهما على النحو التالي:
الأولى: لمفتي سوريا "أبي اليسر عابدين"، ونصها:
"ليس التفسير بقرآن يُتلى، حتى يُراع فيه ترتيب الآيات، والسور، فقد يمكن للمفسر أن يفسر آية، ثم يترك ما بجانبها لظهور معناها، وقد يفسر سورة، ثم يترك ما بعدها اعتمادًا على فهم التالي، ولا مانع من تأليف تفسير على الشكل المذكور، والله أعلم".
والثانية: لـ"عبد الفتاح أبي غدة"، جاء فيها:
"إن شبهة المنع لهذه الطريقة، آتية من جهة أنها طريقة تخالف ما عليه المصحف الشريف، ودفعها--------------------------------------------
(1) التفاسير حسب ترتيب النزول في الميزان د. مصطفى مسلم. بحث عن موقع أهل التفسير، بتاريخ: 15/ 12/ 1432 هـ. بتصرف.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 67)
أن المنع يثبت فيما فيها لو كان هذا الصنيع سلوكًا من أجل أن يكون هذا الترتيب مصحفا للتلاوة … ويستأنس لسواغية هذه الطريقة بما سلكه أَجِلَّةٌ من علماء الأمة المشهود لهم بالإمامة والقدوة من المتقدمين في تآليفهم، ولم يعلم أن أحدًا أنكر عليهم ما صنعوا".(1)
وكان يُتَحَتَم لزامًا على أبي غدة بيان من ذكرهم ممن سبق لهذا العمل من العلماء.
أما " دروزة " فقال:
ويحضرني منهم الآن الإمام ابن قتيبة المتوفى سنة 276 من الهجرة، فقد مشى في تفسير ما فسره في كتابه المطبوع "تأويل مشكل القرآن" على غير ترتيب النزول وعلى غير الترتيب المتلو الآن، ولا أشك أن هناك غيره من شاركه في هذه الطريقة من علماء عصره وما بعده، ممن لا يسعني الآن البحث عنهم، لضيق الوقت لدي.(2).
الداعي عند" دروزة" وعند ابن قتيبة لا يتفقان:
فإن كتاب (تأويل مشكل القرآن) لابن قتيبة يُعد من أنفس ما كُتِبَ في الرد على الملحدين والزنادقة الذين طعنوا في القرآن ووصفوه بأنه يشتمل على أشياء مشكلة. وقد انبرى ابن قتيبة لعرض شبهاتهم ومطاعنهم ورد عليها ردًا علميًا مؤصلًا مقرونًا ببراهين ساطعات قاطعات وحجج وبراهين دامغات مقرونة بأدلة نقلية وعقلية مفحمة مسكتة، فكان الدافع والباعث له على تصنيف كتابه هذا هو الذب عن حياض الكتاب العزيز.
و" لقد وضع ابن قتيبة كتابه "تأويل مشكل القرآن" للدفاع عن حمى القرآن الكريم ضد الشكوك التي تثار حوله، والمطاعن التي تسدد نحوه، وانتدب نفسه لدرئها، وتبيان اعوجاجها، ورد كيدها إلى نحر أصحابها، خشية أن يغتر بها الأغمار والأحداث، أو يفتتن بها خفاف العقول وضعاف الإيمان، وقد أعانه على الرد المفحم والجواب المحكم امتلاكه لزمام البيان المشرق الرصين، واقتداره على النقد العلمي المتين.
ويذكر ابن قتيبة الباعث على تأليف هذا الكتاب في مقدمته فيقول:
" قد اعترض كتابَ الله بالطعن ملحدون، ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرّفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة في اللحن، وفساد النظم، والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور … فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة، وأكشف للناس ما يلبسون، فألّفت هذا الكتاب جامعًا لتأويل مشكل القرآن، مستنبطًا ذلك من التفسير بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملًا ما أعلم فيه مقالًا لإمام مطلع على لغات العرب، لأري المعاند موضع المجاز، وطريق--------------------------------------------
(1) - محمد عزت دروزة، مقدمة التفسير: (ص: 711). التفسير الحديث [مرتب حسب ترتيب النزول] المؤلف: دروزة محمد عزت الناشر: دار إحياء الكتب العربية - القاهرة الطبعة: 1383 هـ.
(2) -المرجع السابق: (11/ 1).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 68)
الإمكان، من غير أن أحكم فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل، ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير، إذ كنت لم أقتصر على وحي القوم حتى كشفته. وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وزدت في الألفاظ ونقصت، وقدّمت وأخّرت، وضربت لذلك الأمثال والأشكال، حتى يستوي في فهمه السامعون"(1)
ثم إن ابن قتيبة قد استعرض في كتابه الآيات التي أورد الطاعنون عليها إشكالاتهم في مواضعها من سورها من القرآن، غير مراع للترتيب المصحفي، بل إنه يذكر ما يريد الكلام عليه من الآيات التي ورد عليها الإشكالات، ثم ينتقل إلى غيرها، وقد يعود للسورة السابقة بعد انتقاله لغيرها إن احتاج المقام الداعي إلى ذلك.
وهنا يرد سؤال هل يُعد كتاب ابن قتيبة كتاب تفسير خالص؟ أم أنه كتاب ورد في جانب من الجوانب ألا وهو الرد على افتراءات ومطاعن وشبهات في جانب معين ألا وهو جانب ما ظاهره الإشكال في القرآن، وابن قتيبة قد ذهب في سورة ويرجع إليها كذلك.
وهل يُقال بعد ذلك أنه كتاب تفسير محض؟ أم إن موضوعه كموضوع كتاب "دفع إيهام الاضطراب عن الكتاب" للشنقيطي، والذي قد جمع فيه ما تيسر من أوجه الجمع بين الآيات التي يُظَنُّ بها التعارض في القرآن الكريم، مُرتِّبًا لها على حسب الترتيبي المصحفي، لا النزولي، ولا أعلم أن أحدًا من أهل العلم ولا غيرهم من الباحثين منذ زمن العلامة الشنقيطي حتى وقتنا الحاضر يذكر أن له كتاب تفسير سوى كتابه الشهير المعروف" أضواء البيان".
وهناك أطروحة علمية "رسالة دكتوراه" بعنوان: (المؤلفات في مشكل القرآن الكريم ومناهجها) بالجامعة الإسلامية بالمدينة، وقد جمع الباحث(2) فيها ما أُلِف في مشكل القرآن وقد أوصلها إلى ستة وتسعين مصنفًا، ما بين مخطوط ومفقود ومطبوع، أما المطبوع منها فيزيد على الخمسين مصنفًا، وأما المخطوط فقرابة سبعة عشر مخطوطًا.
فهل أعد أهل العلم ما صُنِفَ في هذا الباب من بين الكتب الملحقة بكتب التفسير؟ أم ضمن مصنفات مشكل القرآن فحسب؟
وهل مصنفات مشكل القرآن تعالج ما تعالجه المصنفات في التفسير من الشمولية، أم أنها تعالج جانبًا واحدًا فحسب.
هذا ولقد اعتمد "دروزة" في تفسيره على الترتيب الوارد في مصحف " قدروغلي"، لأنه قد ذكر فيه أنه طبع تحت إشراف لجنة خاصة من ذوي العلم والوقوف حيث يتبادر إلى الذهن أن قد أشير إلى ترتيب النزول فيه (سورة كذا نزلت بعد سورة كذا) بعد اطلاع اللجنة على مختلف الروايات والترجيح بينهما.(3)--------------------------------------------
(1) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، المقدمة ص 4، تأويل مشكل القرآن المؤلف أَبُو مُحَمَّدٍ، عَبْدُ اللهِ بنُ مُسْلِمِ بنِ قُتَيْبَةَ الدِّيْنَوَرِيُّ (المتوفى: 276 هـ) المحقق: إبراهيم شمس الدين الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان. ويُنظر: نظرة حول كتاب " تأويل مشكل القرآن " لابن قتيبة، مقال لـ" عبد العظيم أنفلوس " عن موقع أهل التفسير، بتاريخ: 18/ 3/ 1438 هـ
(2) والباحث هو: عبدالرحمن بن سند بن راشد الرحيلي، يُنظر: قاعدة المنظومة للرسائل الجامعية.
(3) - محمد عزت دروزة، مقدمة التفسير: (ص: 12 - 13).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 69)
ومصحف" قدروغلي" هو مصحف عثماني كبير كتبه الخطاط الشهير السيد مصطفى نظيف الشهير بـ " قدروغلي" والذي ولد عام: (1262 هـ) فى مدينة روس من أراضي بلغاريا، وهو في الأصل من القرم، وقد صحبه معه والده مصطفى أفندي إلى اسطنبول، فأدخل الى الإندرون(1) فكتبه. وكانت كتابته في شهر رمضان من عام (1309 هـ)، وذلك في عهد السلطان عبدالحميد الثاني-رحمه الله.
وكانت أول طبعة للمصحف الشريف طبعتها مطبعة الشمرلي الشهيرة-بالقاهرة-، هي طباعة تلك النسخة التي كُتبت بخط السيد مصطفى نظيف الشهير بـ " قدروغلي"، وكان قد خطها عام 1891 م، وتم طباعتها في المطبعة العثمانية، ثم قامت مطبعة الشمرلي بإعادة طبعها عام 1944 م.
وقد توفي " قدروغلي "رحمه الله عام 1313 هـ، ودفن فى مقابر يحيى أفندي فى حي بشيكطاش باسطنبول.
المطلب الثالث: بيان أهم وأبرز الدوافع التي ساقت " دروزة " لترتيب تفسيره ترتيبًا نزوليًا
"أما دوافع الأستاذ "محمد عزة دروزة" لاتباع هذا النمط من التفسير فقد بينه بقوله في مقدمة تفسيره في الطبعة الأولى:
" .. فإننا بعد أن كتبنا الثلاثة وهي: عصر النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن، والدستور(2) القرآني في شؤون الحياة، انبثقت فينا فكرة كتابة تفسير شامل، بقصد عرض القرآن بكامله بعد أن عرضناه فصولاً حسب موضوعاته في الكتب الثلاثة، نظهر فيها حكمة التنزيل ومبادئ القرآن، ومتناولاته عامة بأسلوب وترتيب حديثين، متجاوبين مع الرغبة الشديدة الملموسة عند كثير من شبابنا الذين يتذمرون من الأسلوب التقليدي ويعرضون عنه، مما أدى إلى انبتات الصلة بينهم وبين كتاب دينهم المقدس، ويدعو إلى الأسف والقلق"، وعلق المؤلف على الكلام السابق في الطبعة الثانية بقوله: " ونزيد على ما قلناه في الطبعة الأولى فنقول: إن الحاجة إلى ذلك تشتد يومًا بعد يوم بنسبة ازدياد ما يتعرض له شبابنا وناشئتنا من تيارات جارفة عاصفة من الإلحاد والتحلل من مختلف القيم والروابط الأخلاقية والاجتماعية والتقليد الأعمى لكل تافه سخيف مخل بالدين والخلق والمروءة، والإقبال على قراءة المجلات والروايات الماجنة الخليعة التافهة .. "ا. هـ(3).
ويقول في موضع آخر مبررًا هذا المنهج:
" … لأننا رأينا هذا يتسق مع المنهج الذي اعتقدنا أنه الأفضل لفهم القرآن وخدمته، إذ بذلك يمكن متابعة السيرة النبوية زمنًا بعد زمن، كما يمكن متابعة أطوار التنزيل ومراحله بشكل أوضح--------------------------------------------
(1) -الإندرون: "جهاز تربوي تعليمي" كان تابعًا للسراي العثماني. يُنظر: الخطاط الحاج محمد نظيف وأعماله: عن موقع: شبكة المبدعين للمحاضرات والكراسات والمعارض الخطية. بتصرف.
(2) - والدستور وصف لا يليق بالقرآن.
(3) التفسير الحديث، محمد عزة دروزة، دار الغرب الإسلامي. (د. ص)
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 70)
وأدق، وبهذا وذلك يندمج القارئ في جو نزول القرآن، وجو ظروفه ومناسباته ومداه ومفهوماته، وتتجلى له حكمة التنزيل".(1)
"إذن يمكن تحديد دوافع "دروزة" بالنقاط التالية:
1 - بيان حكمة التنزيل ومبادئ القرآن ومتناولاته عامة بأسلوب وترتيب حديثين.
2 - التجاوب مع رغبة الشباب المتذمرين من الأسلوب التقليدي في التفسير.
3 - لانتشال الشباب والناشئة من التيارات الإلحادية المتحللة من القيم والأخلاق والتقليد الأعمى لكل تافه سخيف مخل بالدين والخلق والمروءة.
4 - في هذا المنهج تسهيل فهم القرآن.
5 - يمكن هذا المنهج من متابعة السيرة النبوية زمنًا بعد زمن.
6 - كما يمكن هذا المنهج من متابعة أطوار التنزيل ومراحله بشكل أوضح وأدق".(2)
المطلب الرابع: مناقشة دوافع "دروزة":
الحقيقة إن المتأمل في تلك الدوافع التي ذكرها الأستاذ "دروزة"رحمه الله
يجد ما يلي
1 - أنها غير مقنعة البتة، فلم يسق براهين ودوافع ذات معنى وثيق ولصيق بما ذهب إليه من هذا الخرق وشق عصا الجماعة بمخالفته لهذا الإجماع الذي تلقته الأمة بالقبول.
2 - أنه لا علاقة لتلك الدوافع من قريب أو بعيد أبدًا بما نهجه من ترتيب كتابه على الترتيب النزولي
3 - أن تحقيق تلك الأهداف والبواعث لا تعارض بينها وبين الترتيب المصحفي الذي أجمعت الأمة على قبوله والعمل به، وسواء كان هذا الترتيب توقيفي أم اجتهادي.
4 - وهل الشباب المتذمر يحتاج لتغير ما تلقته الأمة بالقبول والعمل، وهل هذا التغير سيريح ويصلح الشباب، أم أنه يحتاج لتعليم وتوجيه وإصلاح وتربية؟!
5 - كان عليه أن يبين ويبرهن كذلك علاقة هذا المنهج بتسهيل فهم القرآن.
فقوله تعالى (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُّدَّكِر) [القمر: 17] لا علاقة له بطريقة ترتيب القرآن. لأن معناه "فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه"؟.(3)
6 - وهل التيارات الإلحادية والتقليد الأعمى إلخ … كل ذلك يُعالَج بتغير ترتيب سور القرآن على هذا النمط؟ أم يُعالَج بالتوعية والتبصير والرد لمصادر التلقي وإبراز القدوات الصالحة التي يتأسى بها الشباب.--------------------------------------------
(1) -التفسير المنير، وهبة الزحيلي، دار الفكر. (د. ص)
(2) - التفاسير حسب ترتيب النزول في الميزان د. مصطفى مسلم. بحث عن موقع أهل التفسير، بتاريخ: 15/ 12/ 1432 هـ
(3) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير: (4/ 337). تفسير ابن كثير: تفسير القرآن العظيم المؤلف: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774 هـ) المحقق: سامي بن محمد سلامة الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، ط 2، 1420 هـ - 1999 م، عدد الأجزاء: 8.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 71)
7 - معرفة أسباب وتاريخ النزول فيه غنية في معرفة أطوار التنزيل ومراحله وقل كذلك في ترتيب متابعة السيرة.
وختامًا لهذه المناقشة:
فإن الأستاذ "دروزة" لم يقدم براهين واضحات ولا حجج دامغات على ما ذهب إليه من تغير الترتيب المصحفي والجنح إلى الترتيب النزولي.
المطلب الخامس: طريقة "دروزة" في تفسيره
وقد اتبع "دروزة" في تفسيره المنهج البياني والتحليلي، كما كان كثيًرا ما يتناول تفسير بعض الآيات بطريقة التفسير الموضوعي.
وقد رتبه ترتيبًا نزوليًا لا ترتيبًا مصحفيًا، وكان كتابه (القرآن المجيد) بمثابة مقدمة لتفسيره الموسوم بـ" التفسير الحديث".
وكان من أبرز مباحثه واهتماماته ما يلي:
1 - فقد تكلم عن أساليب القرآن، كما تكلم عن أثره
2 - ولقد تناول في تفسيره كذلك جمع القرآن وتدوينه وقراءته ورسم المصحف وطريقة نظمه.
3 - كما تناول الطريقة المثلي لتفسير القرآن، والسبيل المؤدي إلى فهمه
4 - كما اهتم بإلقاء بعض النظرات على جملة من المصنفات في التفسير، وتكلم عن الطرق والمناهج التي سلكها مؤلفوها.
5 - كما تناول كذلك بيان مناسبات القرآن وأسباب وتاريخ نزول الآيات.
6 - كما اعتنى بالتعريف بالسور قبل تعرضه لتفسيرها تعريفًا شمل جوانب عدة يبينها ويجليها هو بقوله:
"وقد رأينا بالإضافة الى هذا من المفيد وضع مقدمة أو تعريف موجز للسور قبل البدء بتفسيرها، يتضمن وصفها ومحتوياتها وأهم ما امتازت به، وما يتبادر من فحواها من صحة ترتيبها في النزول وفي المصحف، وما في السور المكية من آيات مدنية، وفي السور المدنية من آيات مكية حسب الروايات، والتعليق على ذلك حسب المقتضى. "(1)
7 - كان أحيانًا ما ينتبه ويتيقظ للقصص الإسرائيلي والأخبار اليهودية ويحذر منها كذلك، ومن أبين ذلك تعقيبه على قصة هاروت وماروت حيث يقول:
"ولقد أورد المفسرون القدماء روايات عديدة فيها العجيب الغريب، مختلفة في الصيغة والتفصيل، متفقة في الجوهر .. ولقد أورد ابن كثير رواية عجيبة مزورة الى أم المؤمنين عائشة .. ولقد ذكر القاسمي أن الرازي في تفسيره قرر بطلان الروايات من وجوه عديدة، وأن الإمام أبا مسلم احتج على بطلان نزول السحر عليها من وجوه عديدة أيضًا لم نر طائلاً وضرورة الى إيرادها)(2)--------------------------------------------
(1) التفسير الحديث: (1/ 8).
(2) - المرجع السابق: (7/ 217).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 72)
وكذا تعقيبه قصة سليمان عليه السلام حيث يقول:
" … ونعتقد أن هذه القصة مما كان متداولاً في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم وان مصدرها اليهود".(1)
لكن مع هذا كله فقد أكثر من الاستشهاد بمثيلاتها من الإسرائيليات، ويكون بذلك قد جمع بين الضدين والنقيضين في آن واحد.
8 - كما كان أحيانًا يتعرض لبعض الأحكام الفقهية عند وجود داع لذلك، مع استدلاله ونقله للأقوال والآثار، وبيان الحكم التشريعية وأسرارها.
9 - كما كان له نقولات كثيرة عن مصادر أئمة التفسير وسادات التحبير قد اعتمد عليها في تفسيره مثل تفسير شيخ المفسرين- ابن جرير الطبري-، وتفسير البغوي، وابن كثير، وتفسير والخازن، والكشاف للزمخشري المعتزلي، والقاسمي والنيسابوري والنسفي وغيرها.
10 - كما اعتمد النقل عن كتب اللغة والتاريخ وعلوم القرآن والعزو إليها، ككتاب تاريخ العرب قبل الإسلام، وكتاب تاريخ الجنس العربي في مختلف الأطوار والأدوار والأقطار، والإتقان للسيوطي وغيرها من المصنفات.
11 - كما كان له موقف واضح يُحمد ويُشكر عليه ويحسب له ألا وهو نقده للشيعة ومعارضتهم وتكذيبهم وبيان عوارهم.
أهم بواعث ودواعي ترتيبه لتفسيره ترتيبًا نزوليًا:
يقول في ذلك:
"وقلّبنا وجوه الرأي حول هذه الطريقة، وتساءلنا عما إذا كان فيها مساس بقدسية المصحف المتداول، فانتهى بنا الرأي الى القرار عليها، لأن التفسير ليس مصحفًا للتلاوة من جهة، وهو عمل فني أو علمي من جهة ثانية، ولأن تفسير كل سورة يصح أن يكون عملاً مستقلاً بذاته لا صلة له بترتيب المصحف، وليس من شأنه أن يمس قدسية ترتيبه من جهة ثالثة)(2).
وهذا الكلام له وجهاته إن كان تفسيرًا لسورة واحدة فحسب، لأنه وكما قال يصح أن يكون عملاً مستقلاً بذاته، أم جمعه لتفسير القرآن كله بهذه الطريقة فقد خالف بذلك ما عليه عمل الأمة سلفًا وخلفًا.
المطلب السادس: تقييم تفسير "دروزة"
" إن كل من يقرأ ما كتبه المفسر في مقدمة تفسيره وهو يلوم على المفسرين، ويبحث عن الثغرات في تفاسيرهم، حتى إنه لم يبرئ تفسيرًا قديمًا أو حديثًا من هذه الثغرات، أقول إن كل من يقرأ ذلك ترتسم في ذهنه ومخيلته صورته مشرقة عن التفسير الحديث. ولكن الحقيقة أن هذا التفسير-الذي أراد له صاحبه أن يكون جامعًا لمحاسن التفاسير، بريئًا في ثغراتها، حسبما رسم في خطته المثلى--------------------------------------------
(1) - المرجع السابق: (2/ 322).
(2) - يُنظر: محمد عزة دروزة وتفسير القرآن الكريم، دكتور فريد مصطفى سليمان. الرياض مكتبة الرشيد، رسالة دكتوراه بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، 485 ص، الطبعة الأولى، 1993 م - 1413 هـ.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 73)
للتفسير- كان بدعًا من التفاسير- لا من حيث ترتيبه فحسب- ولا من حيث منهجه كذلك- ولا من حيث ما ورد فيه من أفكار وآراء، ولكن من حيث هذه الحيثيات جميعًا.
لفد تكلم الأستاذ عن القصص القرآني، فكان التطبيق العملي الذي جاءنا به، كثرة الاستشهاد بالإسرائيليات، دون تميز بين ما يخالف العقيد الإسلامية، وإجماع الأمة على عصمة الأنبياء عليهم السلام، وهو الذي كان يعيب على المفسرين أقل مما ذكره، وحينما تكلم عن الآيات الكونية جردها من حقائقها، وحصرها في نطاق وعظي فحسب، وكان حريًا به أن يفعل بالقصص مثل هذا.
أما في آيات الأحكام فقد رأينا الرجل ينزلق انزلاقات خطيرة لا من حيث التناقض والخطأ في بعض المسائل، وإنما من حيث الاضطراب والتشويش اللذان ينعكسان على القارئ.
ولقد خلا التفسير بعد ذلك كله من الاصطلاحات العلمية الضرورية ومن مواطن الإشارة لبيان أسرار الإعجاز من عرض هدايات الآيات القرآنية عرضًا شيقًا اللهم إلا من بعض لفتات سجلناها له.
بهذا يكون التفسير على ما فيه من فوائد وعلى ما له من مزايا خلا من كثير من خصائص التفسير قديمها وحديثها.
إن التفسير الحديث من رأي له إيجابياته وسلبياته، ولكن لا يخلو من سلبيات، والرجل كان ذا حس مشكور في دفاعه عن الإسلام، وكان ذا ثقافة عامة، وتظهر في أثناء تفسيره غيرته على دينه، والعمل الإنساني معرض دائمًا للخطأ، فرحم الله صاحب التفسير الحديث وأجزل له المثوبة وجزاه الله خيرًا عما قدم".(1)
المطلب السابع: عقيدة " دروزة " في صفات الرب- جل في علاه
ومن الأهمية بمكان أن يُخْتَمَ الكلامُ هنا على عقيدة " دروزة " في صفات الرب- جل في علاه- في ضوء تفسيره.
ونسوق لذلك مثاليين واضحين من تفسيره:
المثال الأول: تأويله لصفة اليد الثابتة لله تعالى على الحقيقة على وجه يليق بذاته العلية تأويلًا واضحًا جليًا عند تفسيره لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) (الفتح: 10).
وفد عزا للزمخشري المعتزلي في الكشاف قوله:
ولقد كان تعبير (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) موضوع أقوال تتصل بعلم الكلام وصفة الله من حيث نسبة الجوارح إلى الله تعالى.(2)
ثم يقول - عفى الله عنه-:
ولسنا نرى التعبير والسياق يتحملان ذلك، فقد قصد به كما هو المتبادر شدة التوكيد على خطورة العهد والبيعة وكون الله شاهد عليها استهدافًا لقوة التلقين الذي أريد بثه في نفوس المسلمين.
ثم عقب ذلك بنقل عدة تأويلات لصفة اليد عن بعض أهل التأويل من المفسرين، ثم قال بعدها مؤيدًا لتلك التأويلات:
وفي هذه التأويلات سداد وتفيد أن الجملة حملت على المجاز.
ثم يختم--------------------------------------------
(1) - يُنظر: التفسير والمفسرون أساسه واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث (مرجع سابق). د. فضل حسن عباس: (3/ 240 - 241).، دار النفائس-عمان-الأردن، ط 1، 1437 هـ. بتصرف يسير.
(2) لم يقف الباحث على هذا القول عند الزمخشري المعتزلي كما عزاه " دروزة".
وإنما وجد عند الزمخشري قوله: لما قال إنما يبايعون الله أكده تأكيدًا على طريق التخييل فقال:
(يد الله فوق أيديهم) يريد أن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين: هي يد الله، والله تعالى منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى: تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما، كقوله تعالى: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) (النساء: 80). يُنظر: تفسير الزمخشري: (10/ 512).
وكلام الزمخشري المعتزلي كذلك كله تأويل باطل يتنافى مع معتقد أهل السنة في صفات الرب جل في علاه.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 74)
كلامه هنا-عفى الله عنه- بتقرير عقيدته في صفات الرب- جل في علاه- قائلًا:
ولقد نبهنا في مناسبات سابقة على ما ينطوي من تعبيرات: يد الله، وجه الله، سمع الله، وما ينبغي أن يفهم من التقريرات القرآنية وسنة السلف الصالح، وقد عزا ذلك لتفسير سورة القصص.(1)
يقول سماحة شيخنا الإمام ابن باز (ت: 1420 هـ) رحمه الله:
هذه الآية عند أهل السنة والجماعة تدل على أمرين:
الأمر الأول: إثبات اليد لله سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه موصوفٌ باليد، كما قال جلَّ وعلا: (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) (ص: 75)، وقال سبحانه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) (المائدة: 64)، وهذا بإجماع أهل السنة والجماعة ثابتٌ لله تعالى، صفة اليد لله ثابتةٌ عند أهل السنة والجماعة بالنصِّ وبالإجماع.
والأمر الثاني: أنه سبحانه يقرّ هذه البيعة ويرضاها، وأن يد رسوله- صلى الله عليه وسلم قائمةٌ مقام يده سبحانه في إنفاذ هذه البيعة، (يد الله فوق أيديهم)، والمراد بهذا إثبات أن يد الرسول صلى الله عليه وسلم قائمةٌ مقام يد الله في إثبات هذه البيعة.
ففيه إثبات اليدين جميعًا: يد الله سبحانه التي هي قائمةٌ به سبحانه، وهو فوق العرش، فوق جميع الخلق، ويد الرسول التي بايعتهم بأمر الله وشرع الله ورضاه.(2)
المثال الثاني: تأويه لصفة مجيء الرب جل في علاه عند تفسيره لقوله تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) (الفجر: 22)
قال دروزة- عفى الله عنه-:
" … والمتبادر أن هذا مع وجوب الإيمان به وكونه في النص من قدرة الله ومع وجوب تنزيه الله عز وجل من مفهوم المجيء والرواح والوقوف والجلوس وغير ذلك من أفعال الخلق وصفاتهم قد استهدف التأثير بالسامعين لأنهم بخطورة المشهد القضائي الأخروي العظيم، قد اعتادوا في الدنيا عقد مجالس قضائية لمحاكمة المجرمين وعقوباتهم. وقد يكون الشأن في هذا هو مثل وصف الجنة والنار بأوصاف اعتادها الناس في الدنيا للتقريب والتمثيل والتأثير في السامعين على ما شرحناه قبل … ".(3)
ولا شك أن هذا التأويل الواضح لصفات الرب جل في علاه يجلى عقيدته فيها، وأنه سلك مسلك أهل التأويل من الأشاعرة ومن نحى نحوهم، وقد خالف بذلك عقيدة أهل السنة والجماعة في إثبات صفات الرب جل وعز على الحقيقة على الوجه الذي يليق بذاته- سبحانه-، بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تكيف ولا تمثيل، كما قال ربنا: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ((الشورى: 11)--------------------------------------------
(1) - يُنظر: التفسير الحديث لـ " دروزة": (1/ 591).
(2) - يُنظر: مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز: (24/ 273). مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله المؤلف: عبد العزيز بن عبد الله بن باز (المتوفى: 1420 هـ) أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر عدد الأجزاء: 30 جزءًا.
(3) - التفسير الحديث: (1/ 545).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 75)
المطلب الثامن: أبرز الدراسات حول تفسير "دروزة"
1 - جهود محمد عزة دروزة في تفسيره المسمى: (التفسير الحديث). لمحسن عبد الرحمن أحمد. القاهرة، كلية الآداب، جامعة عين الشمس، 1984 م، رسالة دكتوراه. (رسالة القرآن، العدد الثامن/ 208).
2 - محمد عزة دروزة وتفسير القرآن الكريم، دكتور فريد مصطفى سليمان. الرياض مكتبة الرشد، رسالة دكتوراه بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، 485 ص، الطبعة الأولى، 1993 م - 1413 هـ.
3 - التفسير الحديث للأستاذ محمد عزة دروزة. عبد الحكيم محمد أنيس. جامعة بغداد، العلوم الإسلامية، رسالة ماجستير، 1993 م.(1).
المبحث الثالث: عرض ودراسة ومناقشة التفسير الثالث كتاب "معارج التفكر ودقائق التدبر" لـ " حبنكة الميداني" (1425 ت: هـ)(2).
وفيه سبعة مطالب
المطلب الأول: التعريف بالكتاب ومؤلفه وبيان أهم دوافع وبواعث تأليفه
وكتابه هو ثالث تلك المصنفات في التفسير التي سلك مصنفوها ونهجوا نهجًا خاصًا ليس عليه عمل السلف في ترتيب السور ترتيبًا نزوليًا لا ترتيبًا مصحفيًا. وقد صدر الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار القلم بدمشق في خمسة عشر مجلدًا كبارًا، وقد مات قبل أن يكمله، فقد انتهى-رحمه الله من المكي ثم وافاه الأجل بعد بدايته في تفسير سورة البقرة.
التعريف بالمؤلف:
ومؤلفه هو: الشيخ عبد الرحمن بن حسن حبنكة الميداني-رحمه الله
التعريف بالكتاب:
الكتاب هو: "معارج التفكر ودقائق التدبر"
بيان أهم دوافع وبواعث تأليفه:
هذا التفسير أقامه مؤلفه على ترتيب نزول القرآن الكريم،
حيث يقول مبينًا سبب اختياره هذا المنهج:
وقد رأيت بالتدبر الميداني للسور أن ما ذكره المختصون بعلوم القرآن الكريم من ترتيب النزول، هو في معظمه حق، أخذًا من تسلسل البناء المعرفي التكاملي، وتسلسل التكامل التربوي، واكتشفت في هذا التدبر أمورًا جليلة تتعلق بحركة البناء المعرفي لأمور الدين، وحركة المعالجات التربوية الربانية للرسول صلى الله عليه وسلم، وللذين آمنوا به واتبعوه، وللذين لم يستجيبوا لدعوة الرسول مترددين، أو مكذبين كافرين.
وقد حاول المؤلف تطبيق ما ذكره في كتابه (قواعد التدبر الأمثل للقرآن الكريم) في كتابه هذا، يقول رحمه الله:
وبعد فقد فتح الله عز وجل علي خلال تدبري الطويل لكتابه المجيد، باستخراج أربعين قاعدة من قواعد التدبر الأمثل لكتابه، قابلة للزيادة عليها، وهذه القواعد تقدم للمتدبرين أصول التفسير الأقوم للقرآن، ولم أجد في المفسرين من اهتم بالتزام مضمونها، ولا بالتزام كثير منها.
وقد رأيت من الواجب علي أن أقدم ما أستطيع تقديمه من تدبر لسور هذا--------------------------------------------
(1) يُنظر: المحتسب، اتجاهات التفسير في العصر الراهن/ 54 وهو نفس اتجاهات التفسير في العصر الحديث ولكن قد تغير اسمه في طبعة جديدة منقحة للمؤلف، وأبي حجر، التفسير العلمي للقرآن في الميزان/ 315. ويُنظر (الصفار، الجامع للرسائل، ص 27)
(2) - وُلدَ فضيلة الشيخ العلاَّمة عبد الرحمن حَبَنَّكَة المَيداني الدِّمشقي سنة 1345 هـ (1927 م)، في أحد أعرق أحياء دمشقَ، حيِّ المَيدان، لأُسرة علمٍ ودعوة وجهاد؛ فأبوه العلاَّمةُ المربِّي المجاهد حاملُ لواء الدَّعوة في الشام، الإمامُ حسن حَبَنَّكَة المَيداني، عضوُ المجلس التأسيسيِّ لرابطة العالم الإسلاميِّ، وتَرجعُ أُصولُ أسرة الشيخ إلى عَرَب بني خالد الذين تمتدُّ منازلُهم إلى بادية حَماة من أرض الشام.
وفي ليلة الأربعاء 25 من جُمادى الآخرة 1425 هـ قضى الله قضاءه الحقَّ بوفاة الشيخ عبد الرحمن حَبَنَّكَة المَيداني، عن 80 سنة، في إثْر مرض ألمَّ به.
للاستزادة: يُنظر: العلامة المفكر عبدالرحمن حبنكة الميداني-أيمن بن أحمد ذو الغني-مقال عن موقع الألوكة-بتاريخ: 19/ 3/ 1428 هـ.، ويُنظر "زوجي كما عرفته"-عائشة الجراح-دار القلم- دمشق.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 76)
الكتاب العزيز المعجز، ملتزمًا على مقدار استطاعتي بمضمون القواعد التي فتح الله بها عليَّ، مع الاعتراف بأن التزامها التزامًا دقيقًا وشاملًا عسيرٌ جدًا، بل قد يكون بالنسبة إلى متدبر واحد متعذرًا.(1).
المطلب الثاني: أضواء جانبية على عقيدة الـ "حبنكة"
يقول في كتابه "العقيدة الإسلامية وأسسها":(2)
"النوع الثاني ـ من الوحي ـ ما كان بواسطة إسماع الكلام الإلهي من غير أن يرى السامع من يكلّمه، كأن يخلق الله الأصوات في بعض الأجسام من حجر أو شجر، ومن هذا النوع ما كان لموسى عليه السلام حين مناجاته ربه في جانب الطور، وهذا النوع الثاني هو ما أشار إليه الله بقوله في الآية: {أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (الشورى من آية: 51) أي: وحيًا من وراء حجاب بواسطة خلق الله الأصوات كما ذكرنا أو بصورة أخرى يختارها الله عز وجل".
قلت: ومناجاة موسى ربه من جانب الطور هو ما جاء في قوله تعالى:
(فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) [القصص 30] ومعنى هذا عند حبنكة الأشعري أن الشجرة التي خلق فيها الصوت وهو القرآن، قالت لموسى: إني أنا الله رب العالمين!.(3)
بل أين الـ "حبنكة"؟ من قوله سبحانه: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) (النساء: 164)، ومن قوله جل وعلا: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ) (الأعراف من آية: 143)
ولقد تأمل الباحث في بعض ما كتب الـ "حبنكة" رحمه الله فلم يجده واضحًا من جهة المنهج العقدي في انتصاره بوضوح وجلاء لاعتقاد السلف، ومما يؤيد ما ذكره الباحث هنا ما أجاب به أحد الأعلام المعاصرين والذين لهم عناية كبرى بمنهج السلف وإبراز عقيدة أهل السنة والجماعة والدعوة إليها وعلى منهجها(4)، فقد سئل عن كتاب (أسس العقيدة الإسلامية) لـ " حبنكة" فأجاب حفظه الله تعالى:
"ما تحتاج لكتب المعاصرين الآن، طالب علم تقرأ كتب السلف، كتب المعاصرين -الذين لا يبيِّنون عقيدة أهل السنة قصدًا ويوضِّحونها- ما تحتاجها في العقيدة، خاصة العقيدة، إياك، -يعني- حتى تضبط عقائد السلف بتفصيلاتها، ثم بعد ذلك يمكن أن تقرأ في بعض الكتب في ذلك، هذا الكتاب من جنس كتب الشيخ عبد الرحمن حبنّكة الميداني، هو عنده ميل إلى الأشعرية أو التصريح بها في مواضع، وله كتاب اسمه: (ضوابط المعرفة) كتاب فلسفي يعني المعرفة عند الفلاسفة".(5) انتهى--------------------------------------------
(1) يُنظر: التعريف بكتاب "معارج التفكر ودقائق التدبر" لـ مجدي مكي-دار القلم- دمشق-ط 1 - 1427 هـ.، ويُنظر: المقدمة العامة لكتاب معارج التفكر ودقائق التدبر: (1/ 5 - 6).
(2) - يُنظر كتابه: العقيدة الإسلامية وأسسها: (2/ 249) الطبعة الأولى: دار القلم: (1385 هـ)، ويُنظر نفس الكتاب تحت عنوان " النصوص المتشابهات في صفات الله تعالى " ص 246 ..
(3) من كتاب: الرد القويم البالغ على الخليلي الإباضي، للشيخ/ علي بن محمد بن ناصر الفقيهي: (1/ 283). طبعة دار المآثر، الطبعة الثانية 1422 هـ.
(4) - ألا وهو الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.
(5) شرح العقيدة الواسطية (1/ 259).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 77)
المطلب الثالث: منهج الـ "حبنكة" في كتابه، ورأيه في ترتيب السور، وما كان لزامًا عليه اتباعه
أ- منهجه في كتابه:
كان من أبرز معالم منهجه في كتابه ما يلي:
لقد نهج الشيخ "حبنكة" في تفسيره التدبري نهجًا نجمله باختصار فيما يلي:
أولًا: لقد ذكر في مستهل كتابه أحكامًا تدبرية تتعلق بالاستعاذة والبسملة.
ثانيًا: يذكر المكي والمدني من السورة ثم يبين الأقوال الواردة فيها، ثم يرجح بينها ويبين ما ذهب إليه واختاره.
ثالثًا: يذكر السورة بطولها كاملة ثم يعرج على ذكر أوجه القراءات الواردة فيها.
رابعًا: يذكر السورة وما ورد فيها من فضائل ولا سيما فيما يتعلق بموضوع بحثه مستدلًا بنصوص السنة وآثار السلف في ذلك.
خامسًا: سلك طريقة موضوعية في تقسيم السورة، ثم قام بدراستها دراسة موضوعية تحليلية، ثم أعقب ذلك بنظرة إجمالية على كل ما حوته السورة من موضوعات.
سادسًا: يتعرض للأحكام الفقهية وبعض المسائل البلاغية أحيانًا ولا سيما عند وجود داع لذكرها.
ب- رأيه رحمه الله في ترتيب السور
قد مر معنا قول الشيخ "حويش"، والأستاذ "دروزة" في ترتيب السور وأنه عندهما توقيفي.
أما الشيخ "حبنكة"
فقدم على تفسير القرآن حسب ترتيب النزول، وهذا أمر جلل ليس له فيه إمام، إلا ما كان من صاحبيه الشيخ "حويش"، والأستاذ "دروزة" كما علمنا، ومع ذلك فقد قَدَّمَا حججًا ومبررات على ما قَدِمِا عليه من عمل وإن كانت كلها هاوية غير مقنعة، وقد مر معنا مناقشة ما قداماه من مبررات وتفنيده.
أما الشيخ "حبنكة": فإنه يرى أن ترتيب السور أمر اجتهادي خلافًا لـ "صاحبيه" "حويش"، و" دروزة"، ولم يقدم حججًا ولا براهين كصاحبيه،
ج- ما كان لزامًا عليه اتباعه
لذا كان لزامًا عليه أمورًا من أهمها ما يلي:
أولًا: عرض أقوال القائلين بتوقيف ترتيب السور وبيان حججهم وأدلتهم
ثانيًا: مناقشة أقوال وأدلة القائلين بالتوقيف، وبيان أدلة ما ذهب إليه وترجح لديه
ثالثًا: نقل إجماع الصحابة واستقرار رأيهم على المصحف الإمام وقبولهم وإذعانهم له.
رابعًا: نقل إجماع الأمة على قبول الترتيب التوقيفي للسور الذي استقر عليه المصحف الإمام ولا يزال العمل عليه من زمن الجمع العثماني إلى وقتنا هذا.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 78)
لكنه لم يفعل هذا رحمه الله.
المطلب الرابع: حصر دوافع الـ "حبنكة" في انتهاج هذه الطريقة
وفي ضوء كلامه في صدر كتابه فإنه يمكن تحديد أهم دوافعه لانتهاج هذه الطريقة فيما يلي:
1 - إن تدبره الطويل لكتاب الله، واستنباطه للقواعد التي ذكرها في كتابه
(قواعد التدبر الأمثل) كان من جملة ما دعاه إلى اتباع هذا المنهج.
2 - إن هذا المنهج يحقق تسلسل البناء المعرفي التكاملي.
3 - إن هذا المنهج يحقق تسلسل التكامل التربوي.
4 - كشف هذا المنهج عن أمور جليلة تتعلق بحركة البناء المعرفي لأمور الدين وحركة المعالجات التربوية الربانية الشاملة للرسول صلى الله عليه وسلم.
5 - الاستشراف إلى حكمة التدرج، ومعرفة الغاية من التكرير".(1).
المطلب الخامس: مناقشة دوافع ومبررات الـ "حبنكة"
وهل تحققت بهذا العمل الخارج عما درج عليه السلف والخلف من المفسرين الأهداف والمقاصد والمرامي المرجوة والمأمولة فيه؟
أولًا: هل الترتيبي المصحفي يمنع من التدبر حتى ننتقل إلى الترتيب النزولي؟
ثانيًا: ثم تلك الألفاظ الرنانة والمصطلحات الحادثة التي لم يدرج عليها أئمة السلف ولم يستخدموها في التفسير هي أقرب لكتب السلوك والتربية منها لكلام أئمة التفسير، وذلك مثل "تسلسل البناء المعرفي التكاملي"، "التكامل التربوي"، "والبناء المعرفي"، وأضرابها من تلك الألفاظ التي برز الشيخ بها مبرراته.
ثالثًا: ثم تبرير ذلك بحجة "الاستشراف إلى حكمة التدرج" وهل هذه الحكمة كانت مختفية في الترتيبي المصحفي حتى يبرزها الترتيب التنزلي؟.
والدكتور محمد عبد الله دراز- رحمه الله يضرب لذلك مثلًا محسوسا في كتابه: "حصاد قلم" فيقول واصفًا ذلك بمن قامـ:
" بجلب سلعًا لبناء بيتًا لا يبالي بأن يشتري أجزاء العرش والسقف قبل الأسس والجدران، متتبعًا في ذلك فرصة توفر الثمن وتوفر تلك السلعة في السوق، ثم بنا بيته، أكان ذلك مخلًا بهندسة ذلك البيت، وبالقياسات التي وضعها المهندس؟؟ كذلك كان القرآن الكريم ينزل بحسب الوقائع، ثم رتب حسب ذلك (الترتيب)(2) الذي أراده الله تعالى له فكان منسجمًا متكاملًا آخذا بعين الاعتبار التدرج في التعليم والفهم، والانتقال من جو إلى جو تدريجيان إما تصاعديًا أو تنازليَا، حسبما تقتضيه الضرورة … ".(3)
ومما لاشك فيه أبدًا أن الترتيب المصحفي هو ما استقرت عليه العرضة--------------------------------------------
(1) - يُنظر: التفاسير حسب ترتيب النزول في الميزان د. مصطفى مسلم. مقال عن موقع أهل التفسير، بتاريخ: 15/ 12/ 1432 هـ.
وهذا الدافع الأخير أخذته من شرح الشيخ للقاعدة التاسعة في كتاب قواعد التدبر الأمثل ص 153. (د. مصطفى مسلم).
(2) - هي في الأصل عند د. دراز "التصميم" فعدلها الباحث إلا المعنى المناسب ألا وهو: "الترتيب".
(3) - حصاد قلم، الدكتور/ محمد عبد الله دراز: تحقيق، أحمد مصطفى فضيلة، تقديم الدكتور/ عبد الستار فتح الله سعيد، دار القلم، 2000 م، القاهرة: ص: 45 وما بعدها
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 79)
الأخيرة الموافقة لما هو مثبت في اللوح المحفوظ عند رب العزة في كتاب مكنون وقد مر بنا ذكر ذلك الأمر تكرارًا ومرارًا، والقرآن أنزل جملة على هذا الوضع وتلك الحالة التي استقر عليها إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نُجِّمَ بعد ذلك حسب الأحداث والوقائع.
وهذا الذي يعنيه الدكتور محمد عبد الله دراز- رحمه الله في كتابه- النبأ العظيم- بقول: "لئن كان جمع عن تفريق، فقد فرّق عن جمع".(1)
ثم إن علماء المناسبات استخرجوا للأمة دررًا من المناسبات بين الآيات والسورة مع إن الكثير منها تنزل منجم الآيات ولم يتنزل دفعة واحدة، بل إن السورة الواحدة قد تنزل آيات منها متقدمة وتكون في أواسط السورة أو في أواخرها وخواتيمها، وقد ينزل صدر السور متأخرًا عن خاتمتها والعكس من ذلك كذلك، وأنت تجد ذلك متحققًا في أطول سور القرآن ألا وهي سور البقرة وهي من أوائل القرآن المدني نزولًا، أليس كذلك؟، فهل نزلة جملة أم نجومًا نجومًا؟
الجواب يأتي في جواب أئمة التفسير عن آخر ما نزل من القرآن، فإن أكثرهم على أن آخر آية نزولًا هي قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (البقرة: 281)
وهو مروي عن جمع من السلف، منهم: ابْن عَبَّاسٍ، أَبِي سَعِيد الخدريٍ، عِكْرِمَةَ، سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كما أنه اختيار جمع من المتأخرين كذلك.
وفي ذلك يقول الحافظ (ت: 852 هـ) في الفتح- رحمه الله:
أصحّ الْأَقْوَالِ فِي آخِرِيَّةِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) (البقرة من آية: 281).(2)
ومع ذلك كله ترى الترابط النصي والوحدة الموضوعية وأغراض السورة مترابطة متناسقة وكأنها سبيكة واحدة ترابطًا ومعنى، وبلاغة وإعجازًا ولا تشعر أبدًا حين تأملك لها وتدبرك في آياتها أنها نزلت منجمة، وقد يكون بين ذلك التنجيم أزمانًا متباعدة.
المطلب السادس: هل تحققت الأهداف التي رامها مُفْتَتِحُو تغيير الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي
وأخيرًا فهل تحققت الأهداف التي رامها مُفْتَتِحُو هذا الباب
أولًا: لم تتحقق تلك الأهداف كما مر معنا، وكيف تتحقق في أمر عظيم جلل أجمع عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا وقد خرقوا هذا الإجماع.
ثانيًا: كيف تتحقق تلك الأهداف ولم تقترن بأي مبررات مقنعة أو أي معالم ظاهرة أو حجج دامغة وبراهين ساطعة وأجوبة مسكتة.
وإنما الذي تحقق من الأهداف هو ما أراده مُؤسسو ومرجو هذا الفكرة أولًا--------------------------------------------
(1) يُنظر: النبأ العظيم: (ص: 154). النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن الكريم المؤلف: محمد بن عبد الله دراز (المتوفى: 1377 هـ) اعتنى به: أحمد مصطفى فضلية قدم له: أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعني الناشر: دار القلم للنشر والتوزيع الطبعة: طبعة مزيدة ومحققة 1426 هـ- 2005 م عدد الأجزاء: 1.
(2) فتح الباري: (8/ 317).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 80)
من المستشرقين، بل إن أحدهم قد تراجع عن هذا العمل ألا وهو المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير: (ت: 1393 هـ) كما مر معنا في مقدمة البحث، - نعم - تراجع عن ترتيب ترجمته للقرآن بحسب ترتيب النزول لما رأى خطأه، فأعاد ترتيب تلك الترجمة بحسب الترتيب المصحفي، هذا مع سوء نيته وخبث طويته.
فهل كان للثلاثة نفر الذين خرقوا هذا الخرق أن يتراجعوا عن فعلهم كما تراجع عن مثله ذلك المستشرق، ويؤبوا إلى ما أجمع عليه أسلافهم الصالحون، لأنهم بذلك قد أفسدوا نظم القرآن، وذلك لأن "من قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن".(1)، وَلَمَّا أنهم كانوا قد قضوا نحبهم وقضوا آجالهم فحق لأهل الحل والعقد من الجهات المعنية في الأمة أن يبرموا في ذلك أمر رشيدًا وأن يعملوا على رأب صدعهم بعد أن أفضوا إلى ربهم ويقوموا بما أوجب الله عليهم تجاه كتاب ربهم، ولقد عناهم الله بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: 187).
قال ابن سعدي في تفسيره:
"الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل".(2)
فلزمهم أن يقوموا بواجبهم تجاه كتاب ربهم ويردوا تلك المصنفات إلى ما أجمعت عليه الأمة وسارت عليه تلك القرون الطوال، كما يُرد المتشابه إلى المحكم، فإن من خصائص أهل الحق رد المتشابه إلى المحكم، كما إن من خصائص أهل الباطل اتباع المتشابه ورد المحكم.
طوام كبرى نخشاها:
هذا ونخشى أن يأتي على الأمة زمان يأتي فيه من يُنادي بإعادة ترتيب آيات القرآن ترتيبًا نزوليًا كما نادى المستشرقون بترتيب السور ترتيبًا نزوليًا كذلك، وهم يريدون بذلك الطعن في القرآن ليفقد بذلك أعظم دلائل بقائه وحفظه، من مصداقيته، وتحقق أوجه إعجازه، وجزالة لفظه، ودقة نظمه، ولكن كما قال الله تعالى: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة من آية: 32)، فقد تولى الله تعالى حفظ كتابه بذاته العلية فقال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9)، ونخشى أن يتبعهم على ذلك من أعمى الله بصائرهم عن لزوم الحق والتمسك به ممن لا خلاق لهم ولا حظ ولا نصيب من علم ولا ورع--------------------------------------------
(1) الإتقان: السيوطي ج 1 ص 62. وعزاه لابن الأنباري.
(2) تفسير ابن سعدي: (161/ 1).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 81)
ولا تقوى من بني جلدتنا، والله تعالى وحده من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين.
المطلب السابع: بيان وجوب احترام الترتيب المصحفي وعدم التعرض له، والتصدي لمن تعرض له
والخلاصة فإن الأمر قد انتهى إلى أنه يجب احترام هذا الترتيب.
"وسواء أكان ترتيب سور القرآن اجتهاديًا (من الصحابة) أو توقيفيًا (من عند الله) فإنه يجب احترامه خصوصًا في كتابة المصاحف لأنه عن إجماع الصحابة والإجماع حجة. ولأن خلافه يجر إلى الفتنة ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب. ".(1)
وبعد الانتهاء من عرض تلك الكتب الثلاثة التي خالف مؤلفُوها جماهير السلف والخلف في لزوم الترتيب المصحفي، والجنوح عنه إلى الترتيب النزولي ومناقشتها والحكم عليها ناسب هنا عند الختام الاستزادة من أقوال وأدلة القائلين بالقول بأن ترتيب السور توقيفي والحكم عليها، وقد تبين لنا أمورًا ذكرنا جملة منها في بداية البحث، وننتقل هنا إلى ذكر جملة أخرى هامة من تلك الأمور فنختم بها لتكون مسكًا للختام، وذلك فيما يلي:
أولًا: إن كان في ترتيب آيات القرآن فيه من الإعجاز ما فيه، فإن ترتيب السور قد استخرج منه العلماء دررًا في علم المناسبات بين السور كذلك. فهو لا يقل شأنًا عن ترتيب آياته.
قال محمد بن سيرين (ت: 110 هـ) لعكرمة (ت: 107 هـ) أيّام الجمع الأول للقرآن:
"ألَّفوه كما أُنزل الأول فالأول، فقال عكرمة: لو اجتمع الإنس والجن على أن يألفوه ذلك التأليف ما استطاعوا".(2)
ثانيًا: الأولى في تلاوة القرآن مراعاة الترتيب المصحفي سواء كان ذلك في الصلاة أم خارجًا عنها لأنه الأصل، وإن حاد عنه أحيانًا جاز له ذلك ولكن ترك الأفضل والأولى والأحسن والأكمل والأتم، وذلك لأن ترتيب التلاوة أمر مندوب وليس بواجب بدليل فعله عليه الصلاة والسلام ذلك في صلاته في بعض الأحايين.
ويلحق البعض بذلك تعليم الصغار من بداية قصار المفصل لوجود المشقة والعنت في حفظ السور الطوال بداية، بل ولامتناعه عليهم أيضًا، وقد جرى على ذلك عمل الكثير من الأوليين في تعليم الصغار، وقد يلحق بهم كذلك تعليم الأعاجم الذين لا يحسنون العربية، وكذلك من أسلم وكان حديث عهد بكفر، وذلك لوجود العنت والمشقة في البدء بتلاوة وحفظ السور الطوال، وكذلك كبار السن ومن لديه تعثر وثقل في اللسان، وكل من يلحقه عنت ومشقة في الحفظ وتعلم التلاوة من بداية السور الطوال، وذلك لاشتراكهم جميعًا مع الصغار في العلة والسبب على حد سواء، ووجه الجواز في--------------------------------------------
(1) - الزرقاني: مناهل العرفان: (1/ 344).
(2) السيوطيّ، الإتقان: (ص: 155).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 82)
ذلك قراءة النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا على غير الترتيب المصحفي مما يدلل على عدم وجوب ذلك تلاوة من جهة، كما يدلل على جوازه عند الحاجة التي يتعثر معها الحفظ كالتي ذكرنا وما في نحوها كذلك من جهة ثانية، ولأن تلاوة كل فرد غير مثبتة في مصحف خاص لديه، بل إن كل منهم يتلو ويحفظ من مصحف واحد في ترتيبه المصحفي الذي أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا وجرى قبوله إجماعًا والعمل عليه ماض في الأمة عبر كل أجيالها، فتغير الترتيب المصحفي سالم ومأمون. والله أعلم.
ومما يدلل على ذلك ما ثبت عند مسلم من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، ذاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَح البقَرَةَ، فقلتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فقلتُ: يُصَلَّي بِهَا في ركْعَةٍ، فمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَح النِّسَاءَ فَقَرأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَها، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذا مَرَّ بِآيَةِ فِيها تَسْبيحٌ سَبَّحَ، وَإِذا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعوَّذ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ … الحديث.(1)
وفي نحو ذلك يقول النووي رحمه الله في التبيان:
"قال العلماء رحمهم الله: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة، ثم البقرة ثم آل عمران، ثم النساء إلى أن يختم بـ (قُلْ أَعوذ بربِ النَّاس) سواء قرأ في الصلاة أم خارجًا عنها، ويستحب أيضًا إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها السورة التي تليها، ولو قرأ في الركعة الأولى: (قُلْ أَعوذ بربِ النَّاس) يقرأ في الثانية من البقرة
ودليل هذا: أن ترتيب المصحف لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ في الركعة الأولى: (ألم تَنزيل) وفي الثانية: (هَلْ أتَى) وصلاة العيدين (قاف) و (اقتربت).
ولو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ التي قبلها، أو خالف الموالاة فقرأ قبلها ما لا يليها جاز وكان تاركًا للأفضل، وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفقٌ على منعه وذمِّه؛ فإنه يُذهب بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حِكمة الترتيب ".(2)
وكما كان يقرأ في الجمعة أحيانًا بـ الجمعة في "الأولى" والغاشية في "الثانية".
ثالثًا: بما أن الترتيب المصحفي قد أجمعت الأمة عليه سلفًا وخلفًا وجرى العمل عليه فلا يحق لأحد كائنًا ما كان خرق الإجماع الذي هو حجة في ذاته والحيد عنه إلى غيره من أنواع الترتيب، نزوليًا كان أو موضوعيًا أو تاريخيًا أو غير ذلك مما لم يجر عليه عمل من جمعوا القرآن في عهوده الثلاثة، ولم يجر عليه عمل أي أحد ممن اتبعوهم بإحسان، وسواء كان الترتيب المصحفي هذا ترتيبًا توقيفيًا، أم كان ترتيبًا اجتهاديًا، وذلك صيانة وحفظًا لكتاب الله تعالى من التبديل والتغيير والتحريف، ولما يترتب على ذلك من مفاسد وطوام لا تحمد عقباها، وكذلك لما قد--------------------------------------------
(1) - رواه مسلم: (17/ 1176).
(2) يُنظر: التحبير في علم التفسير: للسيوطي: (ص: 637).
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 83)
يفتح باب التجرؤ على العبث في كتاب الله تعالى الذي (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: 42).
من هنا كان واجب التصدي لمثل هذا العمل وإبرازه للعباد بين الفينة والفينة انتصارًا لكتاب الله تعالى وردًا لمطاعن الطاعنين والمشككين في كتاب رب العالمين من سائر أعداء الملة والدين من الذين لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار ولا يتوقفون عن الطعن في كتاب الله تعالى ويعملون ويسعون في ذلك ليل نهار عبر الزمان والمكان، ورد سهامهم في نحورهم لينقلبوا إلى أهلهم خاسرين ويندحروا خاسئين ويرجعوا إلى جحورهم ذليلين وينقلبوا صاغرين.
نعم يقومون بذلك نصحًا لله تعالى ولكتابه كما قام الصديق الأول رضي الله عنه وتصدى لمانعي الزكاة يوم الردة، وكما قام الإمام المبجل أحمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة لكتاب الله يوم المحنة.
فكان التصدي لهؤلاء وأمثالهم وأذنابهم جميعًا من أوجب الواجبات المتحتمات على المعنين بهذا الشأن العظيم من المرابطين على ثغور الإسلام وحماته ومن الغيور على دينهم وكتاب ربهم وممن يحبون أن يشملهم وصف ربهم لهم (والذين اتبعوهم بإحسان) فيتحقق لهم وعده برضاه عنهم رضي الله عنهم في قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100).
وذلك كله سعيًا في تحقيق وعد ربهم الذي لا يتخلف ولا يتأخر ولا يتبدل ولا يتغير أبدًا الذي قال سبحانه فيه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 109)
وختامًا لهذا المبحث نسوق لطيفة للألباني - محدث العصر- رحمه الله:
وقد وُجِهَ إليه هذا السؤال:
ما الغاية من جمع القرآن ووضعه في المصحف وهل ترتيب السور في المصحف توقيفي أو اجتهادي.؟
فكان مما أجاب عنه بعد كلام طويل-رحمه الله: ما يلي:
" … ما أدري، لا أدري، هنا المسألة يقال فيها مسألة تعبدية لأن ترتيب القرآن ليس على حسب التاريخ، التاريخ النزولي الذي تشير إليه، هذه مسألة اختلف فيها العلماء هل هي توقيفية أم اجتهادية بعكس لما تنظم آية فتوضع في سورة، فهذا توقيفي يقينًا، أما ترتيب السور تقديمها وتأخيرها فمثلا اقرأ باسم ربك المفروض حسب السؤال المطروح آنفا أنها توضع في أول ما نزل فهي قد وضعت في آخر ما نزل، اختلفوا في هذا الترتيب للسور وليس في ترتيب الآيات في السور، ترتيب الآيات في السور توقيفي بدون أي تردد، أما ترتيب السور كما هو الآن في المصحف اختلفوا فمنهم من يقول هذا توقيفي أيضًا من
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 84)
الرسول عليه السلام ومنهم من يقول لا هذا باجتهاد من بعده، أما أنا شخصيًا ليس عندي رأي قاطع في الموضوع ولكن أقول إذا كان الراجح أنه توقيفي فهنا يأتي جواب السؤال السابق الله أعلم، وإذا كان هو باجتهاد ممن جمعوا القرآن بعد الرسول عليه السلام وصنفوه من بعده على هذا التصنيف فأنا ما عرفت ما هي الحكمة، ولذلك فأكل العلم إلى عالمه".(1)
فلنتأمل كيف بعلم من الأعلام وسيد من سادات الأنام يقول مثل هذا الكلام، (ما أدري، لا أدري، … فأنا ما عرفت ما هي الحكمة، … ولذلك فأكل العلم إلى عالمه)
[فرحم الله الألباني ذاك العالم الرباني.
وقد طال بنا البحث والتطواف فيما مضى ذكره لعظم الخطب.
والله سبحانه وحده من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين].
خاتمة البحث
في خاتمة هذه الدراسة الهامة للغاية يحمد الباحث ربه الكريم المنان ذا الطول والفضل والإنعام على ما امتن به -سبحانه- على عبده الفقير الضعيف من إتمام بحث على وجه يرجو به الإعذار إلى الله وبلوغ الحجة ووضوح المحجة لكل منصف يرجو اتباع الحق وسلوك سبيل المؤمنين في اتباع ما أجمع عليه السلف و الخلف من اتباع الترتيب المصحفي الذى نزل به القرآن و استقرت عليه صحف عثمان وتلقته الأمة بالقبول، وما يزال عليه العمل منذ جمع عثمان رضي الله عنه الأمة على الإمام إلى وقتنا الحاضر.
بيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة
لقد توصلت تلك الدراسة المتواضعة لنتائج هامة، ولعل من أبرزها ما يلي:
1 - إذا كان ترتيب الآيات في السور توقيفي، فإن ترتيب سور القرآن الكريم توقيفي- كذلك-.
2 - أن الترتيب المصحفي عليه عمل الأمة منذ أن جمع عثمان رضي الله عنه الأمة على الإمام، وقد أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم ـ، وتلقته الأمة بالقبول، وعليه العمل إلى وقتنا الحاضر.
3 - أن المستشرقين هم أول من خالف وعارض الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وطالبوا بإعادة ترتيب القرآن ترتيبا نزوليا، وقد تأثر بهم بعض المعاصرين
4 - أن أول من استجاب لأمر المستشرقين واتبع سبيلهم وخالف سبيل المؤمنين في العمل بالترتيب المصحفي الذي عليه عمل الأمة سلفا وخلفا الثلاثة نفر الذين تدارسنا معا وناقشنا عملهم في مخالفة الترتيب المصحفي والجنوح إلى الترتيب--------------------------------------------
(1) - سلسلة الهدى والنور: (257). بتصرف يسير جدًا في الألفاظ لأنها وردت مسجلة، فعدلت ألفاظ يسيرة جدًا ليستقيم المعنى كتابة.
(খণ্ড: 73) (পৃষ্ঠা: 85)