Arabic source text

📘 দাওয়ানুল মুনাউয়িঈনা লি শায়খিল ইসলাম ইবনু তাইমিয়্যাহ - আরদু ওয়া নাকদ (আব্দুল্লাহ ইবনে সালিহ আল-গুসন)

📘 دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية - عرض ونقد (عبد الله بن صالح الغصن)

📘 দাওয়ানুল মুনাউয়িঈনা লি শায়খিল ইসলাম ইবনু তাইমিয়্যাহ - আরদু ওয়া নাকদ (আব্দুল্লাহ ইবনে সালিহ আল-গুসন)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ساعة يتحدثان وكان من حديثهما: أن طلب الملك الناصر من ابن تيمية رحمه الله أن يفتي في قتل بعض القضاة بسبب ما تكلموا فيه، وحثه على ذلك، إلا أن ابن تيمية رحمه الله أخذ في تعظيم هؤلاء القضاة والعلماء، وبيان مكانتهم، وينكر أن ينال أحداً منهم بسوء، وقال له: إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم، ومن آذاني فهو في حل وأنا لا أنتصر لنفسي (1) .
وبعد هذا الحوار انتقلا إلى المجلس العام حيث كان يجلس جمع كبير من الفقهاء والقضاة من مصر والشام فتكلم الوزير في أمر أهل الذمة، وطلبهم أن يعودوا إلى الزي الذي كانوا يلبسونه مثل سائر الناس، وترك الزي الذي أُلزموا به لتميزهم عن غيرهم، فسكت الملك كأنه يريد من الفقهاء والقضاة إبداء الرأي، وسكت الناس بما فيهم الفقهاء والقضاة فلم يتكلم أحد، فقال لهم السلطان: ما تقولون؟ يستفتيهم في ذلك، فلم يتكلم أحد. ثم جثى شيخ الإسلام على ركبتيه، وتكلم مع السلطان بكلام طويل، ورد على الوزير ما قاله رداً عنيفاً، وتكلم بما لا يستطيع أحد في المجلس أن يقوم بمثله، ولا بقريب منه (2) ، فهذه الحوادث وغيرها أثارت بعض من كان في قلبه غل وحسد على ابن تيمية رحمه الله، وتكدّرت عليهم حياتهم أن يروا ابن تيمية رحمه الله تزداد مكانته بين الناس، ويرتفع شأنه عند السلطان، وتسمع كلمته فتقبل عند ولاة الأمور، نعوذ بالله من الغل والحسد.
ثانياً: أهل الكلام (3) :
لقد كان ابن تيمية رحمه الله مثالاً للعالم الذي كان همه--------------------------------------------
(1) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص282، وذكر ابن كثير في البداية والنهاية 14/54 عن قاضي المالكية ابن مخلوف مقولة عنه هي قوله: (ما رأينا مثل ابن تيمية حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا، وحاجج عنا) ، وهذا نص يؤكد تكالب بعض الفقهاء والقضاة عليه، وتحريض السلاطين عليه، ولكن الله ناصره.
(2) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص278 - 281، البداية والنهاية لابن كثير 14/54.
(3) أهل الكلام: هم المشتغلون بعلم الكلام، وتعريف علم الكلام عند المتكلمين هو: (علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية على الغير بإيراد الحجج ودفع الشبه) ، وهو كلام في الله بما يخالف الكتاب والسنة، وفيه تقديم ما تدل عليه عقولهم على الكتاب والسنة.

انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 1/178، المواقف للإيجي ص27، شرح المقاصد للتفتازاني 1/163 - 166، مذاهب الإسلاميين لبدوي 1/7 - 8 عوامل وأهداف نشأة علم الكلام في الإسلام ليحيى فرغل، أصالة علم الكلام لمحمد السيد ص14 - 17، المدخل إلى دراسة علم الكلام لحسن الشافعي ص13 - 23، علم الكلام وبعض مشكلاته لأبي الوفاء التفتازاني ص3 - 6.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)

هو الدفاع عن عقيدة السلف، والإجابة عن الشبهات الموجهة إليها، وقبل ذلك عرض معتقد السلف بأسلوب ميسر سهل التناول، عن طريق المصادر الأساسية للتلقي في الاعتقاد وهي الكتاب والسنة، ثم أقوال سلف الأمة الموافقة للوحي، الشارحة له.
ولكن لم يطب هذا الصنيع لمن كان رحمه الله يهدم بنيانهم من القواعد من أهل الكلام، وأعداء عقيدة السلف، إذ كان يناقشهم مرة في منهجهم في التلقي، وموقفهم من مصادر الاستدلال الصحيحة، ويناقشهم في مصادرهم التي اعتمدوها بديلة أو أساساً، يكون القرآن وتكون السنة تابعة لها كالعقل، ويناقشهم في منهجيتهم في الاستدلال كموقفهم من الأخذ بأخبار الآحاد في الاعتقاد، أو تأويل النصوص، أو تفويضها، ويناقشهم - أيضاً - في المسائل المخالفة لعقيدة السلف - عندهم - وهي المترتبة على الأساس الفاسد عندهم في التلقي، ويناقشهم في جزئيات كثيرة في عقائدهم … أقول: لم يطب هذا الصنيع لهم، فما كان منهم إلا أن ألبوا عليه، وأجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم، ووشوا به عند السلاطين، وافتروا عليه الكذب، وسعوا في تغيير صورته عند الناس بتحميل كلامه ما لا يحتمل، حتى وقعت له رحمه الله محن كثيرة، أوذي بسببها، وسجن، بعد ما عقدت له مجالس، ومناقشات تكون النصرة له رحمه الله فيها، وكثرت المجالس وطالت سنوات عدة في النقاش بين مذهب السلف ويمثله ابن تيمية رحمه الله ومذهب المتكلمين ويمثله بعض القضاة والفقهاء، يعود بعضهم إلى الحق، ويعاند آخرون ويصرون على الباطل بعد بيان الحجة، واتضاح المحجة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)

وقد امتحن رحمه الله، لأجل تأليفه (العقيدة الحموية) ، وتحزب عليه أهل الكلام من المبتدعة، وذلك سنة (698هـ) (1) ، ويذكر ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله ما كان يعمله أهل الكلام من إيغار الصدور على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بسبب العقيدة الحموية، فيقول: (فأخذوا الجواب الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقاً في رده، ثم سعوا السعي الشديد إلى القضاة والفقهاء، واحداً واحداً، وأوغروا خواطرهم، وحرفوا الكلام، وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم - حاشا من ذلك - وأنه قد أوعز ذلك المذهب إلى أصحابه، وأن العوام قد فسدت عقائدهم بذلك، ولم يقع من ذلك شيء، والعياذ بالله، وسعوا في ذلك سعياً شديداً) (2) .
ثم طلب قاضي الحنفية من شيخ الإسلام أن يأتي إليه، فقال له ابن تيمية رحمه الله إن العقائد ليس أمرها إليك، وإن السلطان إنما ولاك لتحكم بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس مما يختص به القاضي، ففرح أهل الضلال بهذا الجواب، فأوغروا صدر قاضي الحنفية حتى تم لهم ما يريدون، فأمر القاضي أن ينادي في البلد ببطلان عقيدة ابن تيمية، فنودي في بعض البلد، وما إن علم والي البلد بذلك حتى هب لنصرة ابن تيمية رحمه الله فأرسل طائفة، فضربوا المنادي، ومن كان معه، وأمر بمتابعة من كان يسعى في هذه الفتنة، وقد كان مغضباً من عملهم هذا، ويريد الانتقام منهم، فاختفى أكثرهم، واحتمى الآخرون ببعض كبار وأعيان البلد، ثم إن ابن تيمية رحمه الله جلس على عادته يوم الجمعة في الدرس، وكان تفسيره في قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] ، فذكر الحلم، وما ينبغي استعماله، فكان ميعاداً جليلاً.
ثم اجتمع شيخ الإسلام رحمه الله بقاضي الشافعية، وقرأ معه العقيدة الحموية، وأوضح ما أشكل على القاضي من بعض المواضع، فلم يحصل--------------------------------------------
(1) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص198، البداية والنهاية لابن كثير 14/4.
(2) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص200.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)

إنكار عليه من الحاكم، ولا ممن حضر المجلس وانتهى المجلس وقاضي الشافعية يقول: كل من تكلم في الشيخ يعزر (1) ، قال ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله بعد ذكره هذه المواقف: (والذين سعوا فيه معروفون عندنا، وعند كل أحد، قد اشتهر عنهم هذا الفعل الفظيع - وكذلك - من ساعدهم بقول، أو تشنيع، أو إغراء، إو إرسال رسالة، أو إفتاء، أو شهادة … ) (2) .
وامتحن ابن تيمية رحمه الله في عقيدته من قبل أهل الكلام محنة أشد من سابقتها، وذلك في الرسالة التي ألفها بعنوان (العقيدة الواسطية) ، فنوظر بسببها، وأوذي من أجلها سنة (705هـ) ، فقد ورد مرسوم من السلطان أن يجمع الفقهاء والقضاة ثم يسأل ابن تيمية رحمه الله عن اعتقاده، وفعل الوالي ذلك، فأحضر الشيخ العقيدة الواسطية، وأخبر الحضور أنه كان قد كتبها قبل سبع سنين تقريباً، فقرئت العقيدة في المجلس، وأخرت بعض المواضع إلى مجلس آخر، حضر فيه الشيخ صفي الدين الهندي (3) ،
فناقش ابن تيمية كثيراً لكنه لم يفلح؛ لأنه كما يصف ابن كثير (774هـ) رحمه الله فقال: (ولكن ساقيته لاطمت بحراً) (4) .
ثم إنهم اصطلحوا على أن يناظر ابن تيمية، أحد الذين يعرفون عنه جودة الذهن، وحسن البحث، ألا وهو كمال الدين ابن الزملكاني (ت - 727هـ) ، حيث--------------------------------------------
(1) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص201 - 202، البداية والنهاية لابن كثير 14/4، وقد أثنى ابن كثير رحمه الله على قاضي الشافعية وقال: (وكان القاضي إمام الدين معتقده حسناً، ومقصده صالحاً) .
(2) العقود الدرية ص202.
(3) صفي الدين الهندي: محمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي، أبو عبد الله الشافعي، المتكلم، ولد بالهند، سنة أربع وأربعين وستمائة، كان فاضلاً، خرج من دلهي فحج، وجاور بمكة ثم رحل إلى بلاد كثيرة، حتى استوطن دمشق، تصدى للإفتاء، ناصب العداء لابن تيمية، ت سنة 715هـ.

انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير 14/74، شذرات الذهب لابن العماد 6/37.
(4) البداية والنهاية 14/36.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)

طال البحث بينهما، حيث انفصل الحال على قبول الاعتقاد الذي قرأه ابن تيمية رحمه الله. وعاد الشيخ إلى منزله معظماً مكرماً (1) ، ثم عُقد مجلس ثالث لابن تيمية رحمه الله وكانت نهايته أن اجتمع الجماعة على الرضى بالعقيدة التي يعتقدها ابن تيمية رحمه الله، وكان الباعث على هذه المجالس هو تحريض من قاضي المالكية ابن مخلوف (2) ، ونصر المنبجي (3) ،
إلى السلطان على شيخ الإسلام رحمه الله (4) ، فكانت نتائج المجلس السابقة لم ترض هذين الشيخين، ولم تشف غليليهما، فطلبا من السلطان أن يصدر مرسوماً يطلبه إلى مصر، ومحاكمته فيها، ففعل السلطان ذلك، وطُلب ابن تيمية رحمه الله من دمشق إلى مصر، فخرج ابن تيمية رحمه الله ممتثلاً من دمشق في يوم مشهود، ووصل يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان سنة (705هـ) إلى القاهرة، ومن غد بعد صلاة الجمعة، جمع القضاة، وأكابر الدولة، وادعى عليه ابن مخلوف (ت - 718هـ) أنه يقول: إن الله فوق العرش حقيقة، وذكر بعض المسائل، ولما انتهى سأله القاضي جوابه، فأخذ الشيخ في حمد الله والثناء عليه، فقيل له: أجب؛ ما جئنا بك لتخطب، فقال ابن تيمية رحمه الله ومن الحاكم في؟ فقيل له: القاضي المالكي، قال: كيف يحكم فيّ وهو خصمي؟ فغضب رحمه الله من ذلك، ثم أصدر فيه مرسوم بحبسه، فحبس في برج أياماً، ثم نُقل بعد ذلك إلى الحبس--------------------------------------------
(1) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص203، البداية والنهاية لابن كثير 14/36 - 37.
(2) ابن مخلوف: علي بن مخلوف بن ناهض بن مسلم النويري المالكي، قاضي المالكية بمصر، سمع الحديث، واشتغل وحصل، كان مشكور السيرة، غزير المروءة، له مواقف سيئة مع ابن تيمية، ت سنة 718هـ.
انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير 14/90، شذرات الذهب لابن العماد 6/49.
(3) نصر المنبجي: نصر بن سليمان المنبجي، صوفي حلولي، كان الجاشنكير يتفانى في حبه، كاد لابن تيمية كثيراً، ت سنة 719هـ.

انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد 6/52.
(4) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 14/37.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)

المعروف بالجب، وقد مكث فيه إلى شهر ربيع الأول من سنة (707هـ) (1) .
وأما تفصيلات الحوار الذي دار بين شيخ الإسلام رحمه الله ومخالفيه في العقيدة الواسطية، فقد حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على وجه التفصيل (2) .

ثالثاً: الشيعة (3) :
الشيعة بجميع فرقها من رافضة وزيدية (4) ، وغيرها يبغضون شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ ذلك أنه ناقشهم نقاشاً مطولاً في كتابه (منهاج السنة النبوية) وفي غيره في بعض رسائله، ومن أمثلة أعدائه من الرافضة ابن المطهر الحلي (5) ، الذي ألف (منهاج الكرامة) فرد عليه شيخ الإسلام بمنهاج السنة النبوية، فرد عليه ابن المطهر رداً هزيلاً ضعيفاً.--------------------------------------------
(1) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص250 - 253، البداية والنهاية لابن كثير 14/38.
(2) انظر: حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية 3/160 - 194) .
(3) الشيعة: هم الذين شايعوا علياً رضي الله عنه على وجه الخصوص، وأما غلاتهم فهم الذين غلوا في حبه، وقالوا بإمامته نصاً أو وصية، إما جلياً وإما خفياً، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيرهم، أو بتقية منهم، وهم فرق كثيرة منهم الغالي الكافر، ومنهم دون ذلك.

انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري 1/65 - 166، ذكر مذاهب الفرق الثنتين والسبعين لليافعي ص71 - 88، معجم الفرق الإسلامية لعارف تامر 108، فرق معاصرة لغالب عواجي 1/127 - 269، المناهج والمذاهب الفكرية للعريبي ص65 - 71.
(4) الزيدية: أتباع زيد بن علي بن الحسين، إحدى فرق الشيعة، يقولون بتفضيل علي على سائر الصحابة، وبخلود أصحاب الكبائر في النار، وبالخروج على أئمة الجور، وهم فرق متعددة.
انظر: التنبيه والرد للملطي ص46 - 48، مقالات الإسلاميين للأشعري 1/136 - 166، التبصير في الدين للإسفراييني ص27 - 34، الزيدية لأحمد صبحي، الزيدية للصاحب بن عباد، الزيدية لعلي شرف الدين، معتزلة اليمن لعلي زيد، الإمام زيد بن علي المفترى عليه للخطيب، تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن لأيمن سيد ص209 - 218.
(5) ابن المطهر الحلي: الحسن بن يوسف بن علي بن محمد بن المطهر الحلي العراقي الرافضي، رأس الشيعة وشيخهم في العراق، له تصانيف كثيرة جداً في الفقه والنحو والأصول والفلسفة والرفض، منها منهاج الكرامة الذي نقضه شيخ الإسلام في منهاج السنة، ت سنة 726هـ.
انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير 14/125، الدرر الكامنة لابن حجر 2/158، النجوم الزاهرة للأتابكي 9/267، ابن تيمية حياته وعقائده لصائب عبد الحميد ص197 - 221.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)

وقد كان الرافضة في جبل كسروان - قريب من دمشق -، سبباً للفتن، وإخافة للناس، ومعارضة المارين بهم بكل سوء، فاستأذن ابن تيمية رحمه الله نائب السلطان على دمشق أن يجهز جيشاً، وأن يقاتل هؤلاء في جبلهم، فأذن له ولي الأمر وأمر بتكوين جيش لقتالهم، وصحبه في ذلك القتال، وما زال الجيش في حصارهم وقتالهم، حتى فتح الله الجبل، وأجلى أهله، وقد ذكر ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله أن فتح الجبل يعد من الكرامات المعدودة لشيخ الإسلام، ذلك أن أهله من البغاة الرافضة السبَّابة، ولكونهم أخافوا الناس، وقطعوا السبيل، فتعين قتالهم (1) ، وقد كانت هذه الموقعة من أسباب أذية ابن تيمية رحمه الله واضطهاده، وسجنه فيما بعد، وذكر ابن كثير (ت - 774هـ) رحمه الله أن هذه الواقعة قد ملأت قلوب أعدائه حسداً له وغماً (2) .
وأما الزيدية فلا يقلون بغضاً لابن تيمية رحمه الله عن الرافضة، ومثال ذلك ما ألفه الحسن بن إسحاق (3) ، رداً على ابن تيمية رحمه الله فيما ذكره من مسائل في (منهاج السنة النبوية) ، وقد افترى على ابن تيمية رحمه الله في أمور كثيرة (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: العقود الدرية ص180، وقد ذكر ص182 - 194 رسالة مطولة من شيخ الإسلام إلى السلطان الملك الناصر يبين له ما حصل من نصر للمسلمين على الرافضة، ويبين له خطرهم على الأمة، وقد ذكر ابن عبد الهادي - أيضاً - ص181 مناظرةً للشيخ مع أحد الرافضة في مسألة عصمة الأئمة.
(2) انظر: البداية والنهاية 14/35.
(3) الحسن بن إسحاق بن المهدي أحمد بن الحسن الحسني، من علماء الزيدية تفقه في مدينة ذمار، وتقلب في ولاياتها حتى صار عاملاً على بلاد تعز، سجن أكثر من عشرين سنة، ومات في سجنه، سنة 1160هـ.
انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي 2/198.
(4) انظر: رسالته بعنوان (رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه فيما يتعلق بالإمامة والتفضيل) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)

وتشترك الشيعة ومن وافقهم على الافتراء على ابن تيمية رحمه الله في موقفه من الصحابة عموماً، وموقفه من الخلفاء الأربعة، وبالذات علي بن أبي طالب (1) رضي الله عنه إذ يرون أنه ما إن يمر بذكره إلا ويلمزه ويذمه، ويتبع بالذم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من الدعاوى التي وضعت لها فصلاً مستقلاً لعرضها ونقدها.
رابعاً: الصوفية: كان من أبرز أعداء شيخ الإسلام رحمه الله في عصره، رجل سعى في أنواع المكائد على ابن تيمية رحمه الله لكن غيظه لم يزل يزداد ويتأجج. ذلكم هو نصر المنبجي (ت - 719هـ) ، وذكر ابن حجر (2)
رحمه الله مبلغ عداوة ذلك الرجل لابن تيمية رحمه الله وسبب تلك العداوة بقوله: (وكان من أعظم القائمين عليه الشيخ نصر المنبجي؛ لأنه كان بلغ ابن تيمية أنه يتعصب لابن عربي، فكتب إليه كتاباً يعاتبه على ذلك، فما أعجبه، لكونه بالغ في الحط على ابن عربي، وتكفيره، فصار هو يحط على ابن تيمية، ويغري به بيبرس الجاشنكير (3) ، وكان بيبرس يفرط في محبة نصر، ويعظمه، وقام القاضي زين--------------------------------------------
(1) علي بن أبي طالب: بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو الحسن، أول الناس إسلاماً، شهد المشاهد كلها إلا غزوة تبوك، أحد أصحاب الشورى الستة، ولي خلافة المسلمين بعد عثمان بن عفان، ت سنة 40هـ.
انظر في ترجمته: الاستيعاب لابن عبد البر 3/26، الإصابة لابن حجر 2/507.
(2) ابن حجر: أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني الشافعي، الإمام الحافظ المحدث، شهد له أعيان عصره بالحفظ، من أعظم مؤلفاته: فتح الباري شرح صحيح البخاري، ت سنة 852هـ.
انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد 7/270، البدر الطالع للشوكاني 1/87.
ابن عربي: محمد بن علي بن محمد بن أحمد الطائي، كان ذكياً، عالماً، شاعراً، كتب في التصوف والوحدة، ووجد في كتاباته الإلحاد، ت سنة 638هـ.

انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير 13/156، شذرات الذهب لابن العماد 5/190، الطبقات الكبرى للشعراني 1/188.
(3) بيبرس الجاشنكير، ركن الدين، كان من أشد أعداء ابن تيمية، ويحرض عليه العلماء، ويؤذيه، كان يثيره نصر المنبجي لإيذاء ابن تيمية، حاصره قراسنقر المنصوري، وقبض عليه، قتل سنة 709هـ.
انظر في ترجمته: البداية والنهاية لابن كثير 14/55، شذرات الذهب لابن العماد 6/18.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)

الدين بن مخلوف قاضي المالكية مع الشيخ نصر) (1) .
وقد أثار نصر المنبجي (ت - 719هـ) وابن عطاء الله السكندري (2)
مريديهما في أن يشكوا ابن تيمية على السلطة، ففعل مريدوهم ذلك. ورُد الأمر في هذه القضية إلى قاضي الشافعية، وعُقد المجلس بادعاءات من ابن عطاء الله (ت - 709هـ) لم يثبت على ابن تيمية رحمه الله منها شيء، وظهر من علم الشيخ في ذلك المجلس وشجاعته، وقوة قلبه، وصدق توكله، وبيان حجته، ما يتجاوز الوصف، ثم إن الدولة خيروه بين أن يرحل إلى دمشق أو إلى الإسكندرية، ولكن هذا الرحيل مشروط بشروط، وبين أن يدخل الحبس، فاختار الحبس، فدخل عليه جماعة من أصحابه وأتباعه فأشاروا بأن يقبل بالشروط لقاء سفره إلى دمشق، ونزل عند رغبتهم، وما إن تجاوز القاهرة حتى أرسلوا بريداً يرده إلى دمشق للحبس، وكان ذلك كله من تدبير المنبجي (ت - 719هـ) (3) ، وبقي الشيخ في الحبس، وقد استفاد منه المسجونون، وجمع كبير من الناس يدخلون عليه في السجن، ويستفيدون من علمه ومواعظه، وفي سنة (709هـ) ، أراد أعداء ابن تيمية أن يسيروه إلى الإسكندرية كهيئة المنفي، لعل أحداً من أهلها يتجاسر عليه فيقتله غيلة، فما زاد ذلك الناس إلا محبة له، وقرباً منه، وانتفاعاً به، واتفق أنه وجد في الإسكندرية طوائف من المتصوفة تنتسب إلى ابن عربي (ت - 638هـ) وابن سبعين (4) ، فمزق الله بقدومه عليهم شملهم، وشتت جموعهم--------------------------------------------
(1) الدرر الكامنة 1/157، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير 14/37.
(2) ابن عطاء الله السكندري: أحمد بن محمد بن عبد الكريم، أبو الفضل، ابن عطاء الله السكندري، متصوف شاذلي، ومن أشد خصوم ابن تيمية، ت سنة 709هـ.

انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر 1/291، شذرات الذهب لابن العماد 6/19.
(3) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص271، البداية والنهاية لابن كثير 14/46.
(4) ابن سبعين: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر الإشبيلي، أبو محمد، صوفي مشهور، ومن القائلين بوحدة الوجود، ت سنة 669هـ.
انظر في ترجمته: الطبقات الكبرى للشعراني 1/203، فوات الوفيات للكتبي 2/253، شذرات الذهب لابن العماد 5/329.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)

شذر مذر، وهتك أستارهم وفضحهم (1) .
وهناك مواقف أخرى بين الصوفية وبين ابن تيمية رحمه الله، وذلك في مناظراته رحمه الله مع طائفة الرفاعية (2) ، أهل الدجل والحيل والخرافة (3) .
خامساً: أصحاب العداوات الشخصية: من المتأثرة بالدعاوى الباطلة، أو المقلدة لشيوخهم من غير علم، أو أصحاب العواطف الذين تتقلب نظراتهم وآراؤهم من أي شبهة تعرض لهم، وذلك مثل ابن الزملكاني (ت - 727هـ) حيث كان من مؤيدي الشيخ ومناصريه، ثم انقلب عليه، كما في البداية والنهاية، ومثل أبي حيان (4) ، فقد أثنى على ابن تيمية رحمه الله وقال: ما رأت عيناي مثل هذا الرجل، ومدحه بأبيات منها:
لما أتانا تقي الدين لاح لنا … داع إلى الله فرد ماله وزر (5)
على محياه من سيما الأُلى صحبوا … خير البرية بدر دونه القمر (6)--------------------------------------------
(1) انظر البداية والنهاية لابن كثير 14/49 - 50.
(2) الرفاعية: تنسب إلى الشيخ أحمد الرفاعي (ت 578هـ) وهو منهم براء، فرقة من غلاة الصوفية، يزعمون في أشياخهم التصرف في الأكوان، والعروج إلى السماء، وتبديل اللوح المحفوظ، وعلم الغيب، ويستغيثون بهم من دون الله.
انظر: مناظرة ابن تيمية لهم (ضمن مجموع الفتاوى 11/445 - 476) ، الرفاعية لعبد الرحمن دمشقية.
(3) انظر: حكاية المناظرة في مجموع فتاوى ابن تيمية 11/445 - 476، العقود الدرية لابن عبد الهادي ص194، البداية والنهاية لابن كثير 14/36.
(4) أبو حيان: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الغرناطي الأندلسي، أبو حيان، من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث، تنقل في بلاد كثيرة إلى أن أقام بالقاهرة بعد أن كف بصره، ت سنة 745هـ.
انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر 5/70، شذرات الذهب لابن العماد 6/145، بغية الوعاة للسيوطي 1/280.
(5) الوَزَر: المعين والمساعد، انظر: لسان العرب لابن منظور 5/283 مادة (وزر) .
(6) انظر: الدرر الكامنة لابن حجر 1/162.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)

ودار كلام بينهما فجرى ذكر سيبويه (ت - 180هـ) ، فبين ابن تيمية رحمه الله بعض أخطاء سيبويه (ت - 180هـ) ، فنفر عن ذلك أبو حيان (ت - 745هـ) رحمه الله ولم يلتمس له العذر، ثم عاد ذاماً له في مجالسه وفي كتبه (1) .
هذان مثالان لأصحاب العداوات الشخصية، التي يكون الحادي لها التعصب والتقليد والهوى، وهذا هو دأب وديدن غالب أعداء ابن تيمية: أنهم يتناقلون ما يرونه خطأ من ابن تيمية رحمه الله دون نقد ولا تمحيص، بل بغض لشخصه رحمه الله فلا يقبلون منه شيئاً، وسيأتي - بحول الله وقوته - شيء من الأمثلة في منهج المناوئين.
وبهذا أكون قد استعرضت أبرز أقسام المناوئين لابن تيمية رحمه الله وإن كان وكما ذكرت سلفاً بعضهم يشترك مع البعض الآخر في قسمين، أو أكثر، ولكن هذا التقسيم يبين نوعية التيارات التي واجهها ابن تيمية، ووجد منها عنتاً ومشقة، إضافة إلى إثارة كثير من القضايا العقدية التي انتقدوها عليه عند العامة، وعند من جاء بعدهم من الأجيال اللاحقة والتي يجمعها: البعد عن عقيدة السلف، والتعصب للأشياخ والمتبوعين، وتقليدهم في الحق والباطل على حد سواء.--------------------------------------------
(1) ذكر ذلك جمع من أعداء ابن تيمية مثل: حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص85، المقالات السنية للحبشي ص40، التوفيق الرباني لجماعة من العلماء ص21 - 27.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)

‌‌المطلب الثاني
المنهج العام للمناوئين
تحدثت في المطلب السابق عن أبرز التوجهات العقدية التي كان ابن تيمية رحمه الله يواجهها، وتواجهه، أما هذا المطلب فسيكون في منهج المخالفين لابن تيمية في تعاملهم معه، ومع ما يحمله من توجه عقدي، ومواقفهم إزاء هذا التوجه، وسيكون هذا المطلب عرضاً لأبرز ملامح منهج المخالفين لابن تيمية رحمه الله تجاهه، وتجاه مؤلفاته وتعاملهم معها: تحريفاً، وتشويهاً، وتزويراً.

ولعل أبرز هذه الملامح كالتالي:
1 - التزوير على شيخ الإسلام والكذب عليه: فلقد بُلي رحمه الله بأعداء لا يخافون الله عز وجل أوصلهم عداؤهم إلى الاجتراء على الكذب، بتقويله ما لم يقل، والتزوير عليه في كتابة مؤلفات باسمه، وادعاء أنها له، وهو منها براء.
ومن هذه الافتراءات والكذب عليه: دعوى أن ابن تيمية رحمه الله يقول بالتشبيه في مسألة استواء الباري عز وجل على كرسيه، وممن ادعى ذلك ابن بطوطة (1) في رحلته المشهورة (2) .
ومن الكذب عليه - أيضاً - ما ادعاه الكوثري (3) في أن ابن تيمية رحمه الله--------------------------------------------
(1) ابن بطوطة: محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله، رحالة مؤرخ، طاف البلدان، واتصل بكثير من الملوك والأمراء، ت سنة 779هـ.
انظر في ترجمته: الدرر الكامنة لابن حجر 4/100.
(2) انظر: رحلة ابن بطوطة المسماة (تحفة النظار في غرائب الأمصار) ص112 - 113.
(3) الكوثري: محمد زاهد بن الحسن بن علي الكوثري الجركسي، فقيه مؤرخ متكلم، اشتهر بعدائه لمذهب السلف، ت سنة 1371هـ.
انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي 6/363، معجم المؤلفين لكحالة 10/4.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)

يقول بوحدة الوجود (1) ، وأنه ينصر هذا المذهب ويؤيده (2) .
ومن الافتراء عليه: الزعم بأنه رحمه الله أعلن رجوعه إلى عقيدة الأشاعرة، وأنه تاب من عقيدة السلف الصالح، وأنه أقر بعقيدتهم في باب الصفات ونقلوا منها بعض النقولات، وادعوا أن ذلك كان سنة (707هـ) ، وأنه شهد عليه جمع من العلماء بذلك (3) .
وذكر صفي الدين البخاري (4) ، نماذج من افتراءات أعداء ابن تيمية رحمه الله عليه، ومنها: زعمهم أنه يقول بالتشبيه والتجسيم، وزعمهم أنه رحمه الله ينتقص من منزلة بعض الصحابة، وقد أجاب عنها البخاري (ت - 1200هـ) رحمه الله بأجوبة طيبة (5) .
وذكر ابن كثير (ت - 774هـ) رحمه الله في حوادث سنة (702هـ) أنه وقع في يد نائب السلطنة كتاب مزوّر، فيه أن الشيخ وجماعة معه كاتبوا التتار، ويرغبونهم في تغيير نائب السلطان على الشام، فلما وقف عليه نائب السلطنة عرف أنه--------------------------------------------
(1) وحدة الوجود: هي القول بأن العالم هو الله، والله هو العالم، وذلك مبني على أصلهم الفاسد، أن الله عين هذا الوجود، ومن أشهر زعماء أهل وحدة الوجود: ابن عربي، وابن سبعين.
انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية 2/521 - 557، وحدة الوجود لمحمد الراشد 27 - 61، المعجم الفلسفي لصليبا 2/569 - 570، معجم ألفاظ الصوفية للشرقاوي ص25، أضواء على التصوف لطلعت غنام ص200 - 338.
(2) انظر: مقالات الكوثري ص446.
(3) انظر: الدرر الكامنة 1/158، حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص83 - 84.
(4) صفي الدين البخاري: محمد بن أحمد بن خير الله الحنفي الحسيني، أبو الفضل، أصله من بخارى، تجول في البلدان إلى أن استقر في نابلس، ماتريدي المعتقد، محدث حافظ، ت سنة 1200هـ.
انظر في ترجمته: تاريخ عجائب الآثار للجبرتي 1/652، الأعلام للزركلي 6/241، معجم المؤلفين لكحالة 9/5.
(5) انظر: القول الجلي (ضمن مجلة كلية أصول الدين العدد الثاني ص238 - 247) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)

مفتعل، ففحص عن واضعه، فإذا هو فقير معروف بالشر والفضول، حيث وجد معه ومع من يعاونه مسودة الكتاب، فتحقق نائب السلطنة من ذلك، وعزره تعزيراً عنيفاً (1) .
ومن الافتراء والكذب عليه: أن مخالفيه ادعوا أنه يحرم زيارة القبور مطلقاً، فحُرّف كلامه رحمه الله ونُقل عنه ما لم يقله (2) ، وقد أجاب شيخ الإسلام رحمه الله عن هذه الدعوى مبيناً خطر الكذب المتعمد، وبين أن من تكلم في الدين بغير الاجتهاد المسوغ له الكلام وأخطأ فإنه كاذب آثم (3) .
وبعد استطراد عن خطر الكذب، وأنواعه، نقل ابن تيمية رحمه الله كلام الأخنائي (ت - 763هـ) ضده في أنه يحرم زيارة القبور مطلقاً، في جواب له كان قد كتبه قبل سنين، فأجاب ابن تيمية رحمه الله بقوله: (هذا الكلام مع قلّته، فيه من الكذب الباطل، والافتراء ما يلحق صاحبه بالكذابين المردودي الشهادة، أو الجهال البالغين في نقص الفهم والبلادة، وكان له أن يحكي لفظ المجيب بعينه، ويبين ما فيه من الفساد، وإن ذكر معناه فيسلك طريق الهدى والسداد.
فأما أن يذكر عنه ما ليس فيه، ولا يذكر ما فيه، فهذا خروج عن الصدق والعدل إلى الكذب والظلم؛ وذلك أن الجواب ليس فيه تحريم زيارة القبور ألبتة، لا قبور الأنبياء والصالحين ولا غيرهم، ولا كان السؤال عن هذا) (4) .
وحين نوظر رحمه الله في العقيدة الواسطية، بيّن للحاضرين جميعاً أنه يعلم بما زوره عليه أعداؤه، وأنه لا يرتضي هذا التزوير، ولا يمثل هذا المكتوب المزوّر شيئاً من عقيدته حتى ينظر فيه هو ويقره، فقال: (وكان قد بلغني أنه زُوِّر عليّ كتاب إلى الأمير ركن الدين الجاشنكير، أستاذ دار السلطان، يتضمن ذكر عقيدة محرفة، ولم أعلم بحقيقته، لكن علمت أنه مكذوب) (5) .--------------------------------------------
(1) انظر: البداية والنهاية 14/22.
(2) انظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص328.
(3) انظر: الرد على الأخنائي ص9 - 12.
(4) الرد على الأخنائي ص12 - 13.
(5) حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية 3/161) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)

وبعد أن ذكر رحمه الله للحاضرين شيئاً من معتقده قال: (أنا أعلم أن أقواماً يكذبون عليّ، كما قد كذبوا عليّ غير مرة، وإن أمليت الاعتقاد من حفظي ربما يقولون كتم بعضه، أو داهن، أو دارى، فأنا أحضر عقيدة مكتوبة، من نحو سبع سنين قبل مجيء التتر إلى الشام) (1) .
2 - التلبيس والتضليل: وهذا نوع آخر من أنواع الكذب والتزوير على ابن تيمية رحمه الله يستخدمه بعض خصومه، وصورته: أن يتحدث المخالف لعقيدة السلف في مسألة من المسائل المبتدعة، ثم يستشهد لنصرة ما يقوله ويقرره من الابتداع بكلام شيخ الإسلام رحمه الله فيظن الناظر أن ابن تيمية رحمه الله يقول بهذا القول، ولا يظهر هذا التلبيس إلا عند التحقيق، وذلك بالرجوع إلى النص في الكتاب الأصلي لابن تيمية رحمه الله ليجد الناظر أن المخالف قد اجتزأ النص، وبتره، فصار كلاماً آخر غير الكلام الذي يريده قائله، أو أن يستدل المخالف بنص مجمل مشتبه وليس هو موضع تقرير المسألة التي نقموا عليه فيها، ويترك النصوص المبينة المحكمة التي تفصل تلك المسألة وتقررها وفق القواعد العلمية المرعية عند أهل الشأن.
ومن الأمثلة على هذا التلبيس: دعوى أن شيخ الإسلام رحمه الله لا يأخذ بخبر الواحد في أمور الاعتقاد، والاستشهاد لهذا بكلام له رحمه الله (2) .
ومنها النقل عن ابن تيمية رحمه الله أنه يثني على الأشاعرة، وأنهم أنصار أصول الدين (3) .
ومنها النقل عن ابن تيمية رحمه الله أنه يجيز التوسل بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته،--------------------------------------------
(1) حكاية المناظرة في العقيدة الواسطية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية 3/162) ، وانظر: العقود الدرية لابن عبد الهادي ص200.
(2) انظر: مقدمة السقاف لتحقيق دفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص45.
(3) انظر مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص38، وقد رد عليه الشيخ صالح آل الشيخ: في هذه مفاهيمنا ص230، وبين أن هذا نقل نقله ابن تيمية رحمه الله عن العز بن عبد السلام.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)

والتلبيس هو: أن المقصود - أيضاً - جوازه بعد مماته (1) ، وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي يدعيها أعداء ابن تيمية رحمه الله (2) ، في أنه يوافقهم على عقائدهم الفاسدة، وهذا أسلوب آخر من أساليب تشويه الكلام الحق، حيث لما رأى أولئك أن ابن تيمية رحمه الله له القبول في الأرض، وأن كلامه في المسائل العلمية يوافقه الصواب - غالباً -، أرادوا أن يبثوا عقائدهم الفاسدة ببيان موافقة ابن تيمية رحمه الله لما يعتقدونه ويقررونه، ولذا فإن هذا التلبيس يُلحظ في المتأخرين أكثر منه عند المتقدمين.
3 - التحذير من الاغترار به علانية: حيث لم يتمكن أعداء ابن تيمية رحمه الله أن يواجهوه في المسائل العلمية، ولم يستطيعوا أن يقفوا معه في مناظرة منطقية، وظنوا أنهم بحبسه وسجنه وإهانته يستطيعون النيل منه، ولكن الحق يعلو، ومنزلة ابن تيمية رحمه الله في قلوب الناس تزيد، وقلوب الناس تخفق، وتلهج بالدعاء كلما سمعوا بإرادة الضر والوشاية بشيخ الإسلام رحمه الله، فاتخذ المناوئون أسلوباً آخر في حربه، وحرب معتقد السلف الصالح - رضوان الله عليهم - ألا وهو التحذير من قراءة كتبه، والتحذير من الاغترار بعلمه، والمناداة بفساد عقيدته في المجالس والأسواق، وفي مؤلفاتهم، ولكن الحق يعلو وينتصر، والباطل يظهر عواره ويخمد ولو بعد حين، فأعز الله شيخ الإسلام، وخلّد ذكره، ونشر علمه، وأخزى الله أعداءه، وأذلهم، وأعمى أبصارهم.
ومن أوسع ما رأيت في التحذير من كتب ابن تيمية رحمه الله ما كتبه يوسف--------------------------------------------
(1) انظر: مفاهيم يجب أن تصحح للمالكي ص55، وانظر الرد عليه في: هذه مفاهيمنا لآل الشيخ ص83 - 85.
(2) انظر من الأمثلة: المنح الوهبية لداود بن سليمان ص13، حقيقة التوسل والوسيلة لموسى علي ص216، 266، 275، شفاء الفؤاد بزيارة خير العباد للمالكي ص93، وغيرها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)

النبهاني (1) ، فقد جاء بأسلوب ناصح مشفق، يحذّر من خداع الشيطان، ومن كلام ابن تيمية رحمه الله في مسائل عقدية كالسفر لزيارة قبور الصالحين، والاستغاثة بهم (2) .
4 - نسبة الأولية له في ابتداع الضلالات: وهذا - أيضاً - من منهج خصوم شيخ الإسلام في التعامل مع ما يحمل من مبادئ وعقائد، فادعوا عليه بأنه أول من قال بإمكان حوادث لا أول لها، وبأنه أول من منع شد الرحل إلى زيارة قبور الصالحين، وأنه أول من أفتى بعدم جواز التوسل بالصالحين، وأنه أول من قال بالتجسيم، وغيرها من المسائل العقدية التي يرون أنه خالف فيها إجماع الأمة (3) .
5 - النقل من بعض، والاعتماد على المتقدمين دون التحقيق: فهذه الشبه التي يلوكها أعداء ابن تيمية رحمه الله هي من نقل المتأخر عن المتقدم، دون الرجوع إلى كتب صاحب الشأن، وهي موجودة متوفرة، فينقلون في مواضع متعددة عن ابن تيمية رحمه الله كلاماً هو ليس له، وإذا طولبوا بصحة النقل، وعزو الكلام إلى مصدره وقائله، سكتوا وفغروا أفواههم، ثم أحالوا إلى كتب أعدائه ومخالفيه، وهذا منهج عند التحقيق ليس بسوي ولا مرْضي.
ويعجب القارئ حين يقرأ كتب المخالفين، ويتأمل نسبتهم الكلام والمسائل إلى ابن تيمية رحمه الله إذ لا تكاد تجد عند المتأخر جديداً يذكر، فلا--------------------------------------------
(1) النبهاني: يوسف بن إسماعيل النبهاني، عالم معاصر، متصوف، رحل إلى مصر، وتولى القضاء، وله مؤلفات كثيرة، ت سنة 1350هـ.
انظر في ترجمته: الأعلام للزركلي 9/289، معجم المؤلفين لكحالة 13/275.
(2) انظر: شواهد الحق ص65 - 66، رفع الاشتباه في استحالة الجهة على الله له - أيضاً - ص224، التوفيق الرباني لجماعة من العلماء ص6.
(3) انظر: السيف الصقيل للسبكي ص63، دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص45، سعادة الدارين للسمنودي 1/82، كشف النقاب للطباطبائي ص15، محق التقول للكوثري (ضمن مقالاته ص468) ، وقد أجبت عنها في مواضعها من البحث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)

يعدو الأمر إما زيادة في كذب، أو سوء فهم، أو سوء قصد، أو الإسفاف والإغراق في السباب والشتائم.
وقد ينقل الواحد منهم كلاماً للمتقدمين لم يفهمه، وقد أُتي من سوء فهمه، فيعرضه عرضاً يتبين معه قلة علمه، مثال ذلك ما حصل للنبهاني (ت - 1350هـ) من خلط حين ظن أن القصيدة النونية التي رد عليها السبكي (ت - 756هـ) غير القصيدة النونية المشهورة لابن القيم (1) ، فهي قصيدة أخرى حسب ظنه (2) .
ويظهر نقلهم من بعض، سواء كان ذلك النقل بعزو أو ليس بعزو، وسواء كان ذلك النقل حرفياً، أو كان نقلاً بالمعنى، إذا تتبع المنصف كلام أوائل المخالفين لابن تيمية رحمه الله ثم من جاء بعدهم، ثم من جاء بعدهم إلى هذا العصر، فلا يجد - مع كثرة الكتابات - وزناً علمياً لها، سوى التشويش، وكلمات الإثارة، البعيدة عن الوزن العلمي للعلوم والمعارف.
6 - كثرة الإلزامات الباطلة: لما كان المخالفون لابن تيمية رحمه الله يبحثون عن زلات كبار في صلب المعتقد من كلامه ولم يجدوا، اضطروا بعد ذلك إلى استخدام أسلوب الإلزام الفاسد، وذلك يكون:
إما بالقول بأن لازم القول قول، ويلزمون ما ليس لازماً، لكنها الأهواء، فيجعلون على سبيل المثال: لازم القول بإمكان حوادث لا أول لها: القول بقدم العالم، ولازم القول بمنع جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد مماته: القول بعدم محبته صلى الله عليه وسلم، وهكذا (3) .--------------------------------------------
(1) ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، العلامة الفقيه الأصولي المجتهد المحدث، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية، وحبس معه في قلعة دمشق، ت سنة 751هـ.
انظر في ترجمته: شذرات الذهب لابن العماد 6/168، البدر الطالع للشوكاني 2/143، ابن قيم الجوزية لعبد العظيم شرف الدين ص67 - 74، ابن قيم الجوزية وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف لعبد الله بن محمد ص59 - 79.
(2) انظر: شواهد الحق ص206.
(3) قد أجبت عن كل في موضعه من البحث.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)

وإما بالقول بأن لازم قول التلميذ قول الشيخ، فكل قول يقول به أحد تلامذة شيخ الإسلام رحمه الله فإنه يقول به لا محالة، وهذا ليس بصحيح، إذ بعض تلاميذه رحمه الله قد وصل إلى مرحلة الاجتهاد، فلا يقلده فيما وقع فيه من أخطاء وقد يزل التلميذ في أخطاء لا يقره عليها شيخه، ولم يأخذها عن شيخه.
وإما بذم ما لزم منه ذم ابن تيمية رحمه الله فكل ما يترتب على ذم ابن تيمية رحمه الله فهو مذموم عندهم، مثال ذلك أن ابن تيمية رحمه الله كان يذكر كثيراً الكتب التي يعتمد عليها في باب الاعتقاد، التي ألفها أئمة السلف، فلما كان لازم القدح بعقيدة ابن تيمية رحمه الله القدح في عقائد السلف، فعلوا ذلك غير مبالين، ولهم في ذلك طرق. إما أن يقدحوا في صحة نسبة الكتب إلى مؤلفيها، ويرون أنها كذب مختلق على من اشتهر أنهم ألفوها (1) .
وإما أن يذموا الكتاب ويقدحوا في الكتاب من أساسه، كما فعلوا في كتاب (التوحيد) للحافظ ابن خزيمة (ت - 311هـ) ، حيث أطلقوا عليه كتاب الشرك (2) .
وإما أن يرموا مؤلفيه بأنهم كانوا من السلف، ثم اختلطوا وتأثروا فلا يقبل منهم ما أُلف بعد تغيرهم، ويقولون ذلك احترازاً من القدح بهذا الشخص؛ لأنه إذا ذكر السلف فهو في عدادهم، كما فعلوا مع الدارمي (ت - 280هـ) رحمه الله إذ زعموا أنه كان على معتقد أهل السنة والجماعة، ثم أصبح مختل العقل عند تأليفه النقض (3) .
7 - التناقض والاضطراب: وذلك أن هدف المناوئين لابن تيمية رحمه الله هو--------------------------------------------
(1) انظر على سبيل المثال: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص108 - 110، المقالات للكوثري ص391 - 399.
(2) انظر: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص51، مقالات الكوثري ص399 - 406، وقد كان أول من أطلق عليه ذلك الرازي في تفسيره 27/150.
(3) انظر: السيف الصقيل للسبكي حاشية الكوثري ص72.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)

النيل منه، والحط من مكانته، وانتقاصه بأي أسلوب، فقد كانت هذه النتيجة، وهي التناقض بين بعضهم البعض، فبعضهم يدّعي أن ابن تيمية رحمه الله يقول بقول، والآخر يدعي أنه يقول بخلافه، والاختلاف بين ما يدّعونه على شيخ الإسلام رحمه الله وبين ما هو موجود ومقرر في كتبه ورسائله وفتاواه: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} [النجم: 23] .
ومن الأمثلة على ذلك: ما رمي به من أنه يقول بقول الرافضة، مع أنه رحمه الله له من الكتابات ما يعد من أقوى ما رُد عليهم كمنهاج السنة النبوية، وفي مقابل ذلك ما ادعي عليه أنه يبالغ في توهين كلام الشيعة (1) .
ومن الأمثلة: قول بعض مخالفيه بأنه يأخذ بخبر الواحد في الاعتقاد، ذاكراً ذلك على سبيل الذم والتنقص، وفي مقابل ذلك ما قاله بعضهم أنه لا يحتج بخبر الآحاد في الاعتقاد (2) .
ومن الأمثلة أيضاً: رميه رحمه الله بالقول بوحدة الوجود (3) ، مع أنه رحمه الله كان يرد عليهم، كرده على نصر المنبجي (ت - 719هـ) ، وقبله ابن عربي (ت - 638هـ) .
ومن أوسع ما كتبه رحمه الله في الرد على هذه العقيدة الفاسدة ما ذكره في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) في مواضع كثيرة جداً متفرقة من الكتاب.
8 - كثرة السب والشتم:
وهذه بضاعة المفاليس الذين لا يملكون علماً تقف عنده الأذهان، وتعترف له النفوس المنصفة، فيعوضون نقصهم هذا بأنواع من السباب والشتائم، تتأذى منه أفئدة المؤمنين، فمنها: رميه بالخداع والمكر والنفاق،--------------------------------------------
(1) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص63.
(2) انظر: شواهد الحق للنبهاني ص232، مقدمة تحقيق السقاف لدفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص45.
(3) انظر: مقالات الكوثري ص446.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)