والزندقة (1) ، ووصفه بالخبث، والدعاء عليه، ورميه بالجهل، وسوء الفهم، والحقد الدفين في قلبه (2) .
ومنها - أيضاً -: رميه بقلة العقل، وضعفه، كما ذكر ذلك ابن بطوطة (ت - 779هـ) في رحلته (3) وغيره (4) .
وقد أجاب عنها الإمام الذهبي (ت - 748) رحمه الله وهو المنصف في موقفه من ابن تيمية رحمه الله قائلاً: (وقد تعبت بين الفريقين، فأنا عند محبيه مقصر، وعند عدوه مسرف مكثر) (5) ، قال رحمه الله وكأنه يرد على هذه المقولة: (لا يؤتى من سوء فهم، بل له الذكاء المفرط، ولا من قلة علم فإنه بحر زخّار، بصير بالكتاب والسنة) (6) .
وحين عاتب الذهبي (ت - 748هـ) رحمه الله أبا الحسن السبكي (ت - 756) على ما--------------------------------------------
(1) الزندقة: كلمة فارسية معربة، ومعناها: النفاق الأكبر، والإلحاد الأعظم، والزنادقة هم الذين لا يؤمنون بالآخرة، ووحدانية الخالق، وتطلق الزندقة على القائلين بدوام الدهر، وقد كانت المانوية المزدكية تسمى الزنادقة أو الزنديقية، وأصل هذه الكلمة بالفارسية نسبة إلى (زند وبازند) وهما كتابان وضعهما المجوس في مصالح الدنيا وعمارة العالم.
انظر: المقالات والفرق للقمي ص64، 193، بغية المرتاد لابن تيمية 338، الإيمان له ص 203، الرد على الرافضة للمقدسي ص134 - 135، لسان العرب لابن منظور 10/147 مادة (زندق) .
(2) انظر: دفع شبه من شبه للحصني ص45 - 63، 94، 107، 121، مقدمة تحقيق أحمد محمد مرسي للبرهان الجلي لأحمد الغماري ص25، والبرهان الجلي ص56، 57، 58، 76.
(3) انظر: تحفة النظار في غرائب الأمصار ص112.
(4) انظر: السيف الصقيل للسبكي ص21، الجوهر المنظم للهيتمي ص28، فيض الوهاب للقليوبي 4/120، الرد المحكم المبين لعبد الله الغماري ص50.
(5) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص27) .
(6) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص25) ، وانظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص70.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 85)
صدر منه تجاه ابن تيمية رحمه الله كتب أبو الحسن السبكي (ت - 756هـ) جواباً يعتذر فيه، ومما قاله في الاعتراف بذكائه قوله: (أما قول سيدي في الشيخ، فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده، وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف..) (1) .
9 - إطلاق ألفاظ الكفر: وقد كثرت مقولات السب والشتم على ابن تيمية رحمه الله من قبل مناوئيه ومخالفيه، حتى تجاوزوا فأطلقوا أن ألفاظه كفرية، وأنه لا يقول بها إلا كافر، وتمادوا فأطلقوا عليه أحكاماً بالكفر، وأنه لا دين له، وأنه من المشركين، والملاحدة، واتهامه بالخروج من الدين (2) .
هذه أبرز معالم منهج المخالفين لابن تيمية رحمه الله تجاهه، وإذا أردنا تتبع أسباب هذا الهجوم المتواصل منذ وفاة شيخ الإسلام إلى هذا العصر، فيمكننا معرفة أهم هذه الأسباب وأشهرها، وهي كالتالي:
أ - الخلاف العقدي: وهذا - في نظري - أبرز الأسباب وأقواها، فشيخ الإسلام رحمه الله جاهد البدعة، وقمعها، ونصر السنة وأيّدها، بكل ما يملك من إمكانات: بالفتوى، والرسالة، والكتب الكبار التي تبين خطر المذاهب البدعية، وترد على أعلامها، وبالمناظرة والحوار، وجاهدهم بالنفس - أيضاً -، وذلك لمعرفته رحمه الله بخطرهم، ونخرهم في جسم الأمة، فجاهد أهل الكلام بجميع طوائفهم وفرقهم، ورد على المتصوفة وجميع فرق الباطنية (3) ، وهدم--------------------------------------------
(1) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/392 - 393، الرد الوافر لابن ناصر الدين ص100.
(2) انظر: دفع شبه من شبه وتمرد للحصني 38، 45، 107، حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص167، تحقيق السقاف لدفع شبه التشبيه لابن الجوزي ص245، البرهان الجلي لأحمد الغماري ص55 - 56، المقالات السنية للحبشي ص70 - 71.
(3) الباطنية: تيار يضم مجموعة من الفرق، ينظمها القول بأن للنصوص ظاهراً وباطناً، وأن المقصود هو علم الباطن، وكان من أول من قال بهذا في الإسلام: عبد الله بن ميمون القداح، ومحمد بن الحسين الملقب بدندان.
انظر: الفرق بين الفرق للبغدادي ص281 - 312، التبصير في الدين للإسفراييني ص140 - 147، الملل والنحل للشهرستاني تحقيق بدران 1/170 - 178.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 86)
أصول الفلاسفة بالأدلة النقلية والعقلية، وأوذي لأجل وقوفه وبيانه الحق في مسألة التوسل، ومسألة شد الرحل … فكانت هذه الوقفات الشجاعة سبباً في أن يقف المستفيدون من هذه البدع التي هدمها شيخ الإسلام في وجهه ويعادوه، ويكيدوا له المكائد بجميع صنوفها وأشكالها.
ب - الحسد: وهذا هو الذي أحرق قلوب ضعاف الإيمان من أعداء ابن تيمية رحمه الله من الفقهاء، والقضاة؛ ذلك أن مما يُعجب من ابن تيمية رحمه الله أن الناس تتجه إلى فتاواه، وتقبلها وتأخذ بها، فأثار هذا الأمر حفيظة ضعاف الإيمان لينالوا منه، ويحطوا من قدره، وينزلوا من مكانته في قلوب الناس، أو قلوب بعض الولاة الذين لا يقبلون إلا قوله.
ولقد تنبه الحافظ ابن كثير (ت - 774هـ) رحمه الله إلى هذا السبب، فكان يجعله سبباً لكثير من الفتن والبلايا التي تعرض لها ابن تيمية رحمه الله (1) .
وقال الحافظ ابن حجر (ت - 852هـ) رحمه الله: (برز في كل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه، كان يتكلم في التفسير، فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحره العذب النمير، يرتعون من ريع فضله في روضة وغدير، إلى أن دب إليه من أهل بلده داء الحسد … ) (2) .
وفي تقريظ لكتاب (الرد الوافر) جعل البلقيني (3) داء الحسد أهم وأبرز--------------------------------------------
(1) انظر على سبيل المثال: البداية والنهاية 14/35، 37، 49.
(2) الدرر الكامنة 1/167.
(3) البلقيني: صالح بن عمر بن رسلان البلقيني الشافعي، شيخ الإسلام، من العلماء الكبار، ولي قضاء الديار المصرية، وعزل وأعيد ست مرات، توفي وهو على القضاء، ت سنة 868هـ.
انظر في ترجمته: النجوم الزاهرة للأتابكي 16/333، شذرات الذهب لابن العماد 7/307.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 87)
الأسباب في عداوة من عادى ابن تيمية رحمه الله وأطال في ذلك (1) .
جـ - الجهل بعقيدة السلف، واتباع الهوى:
ومن أفضل ما قيل في هذا، قول بهاء الدين السبكي (ت - 777هـ) : (والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل، أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به) (2) .
وقال الإمام الذهبي (ت - 748هـ) رحمه الله في وصف أعداء الشيخ: (الذم والمقت لأحد رجلين: رجل أفتى في مسألة بالهوى، ولم يبد حجة، ورجل تكلم في مسألة بلا خميرة من علم، ولا توسع في نقل، فنعوذ بالله من الهوى والجهل، ولا ريب أنه لا اعتبار بذم أعداء العالم، فإن الهوى والغضب يحملهم على عدم الإنصاف) (3) .
د - التعصب: سواء كان لمذهب أو شيخ، أو التعصب ضد مذهب، أو عالم برد كل ما جاء عنه سواء كان حقاً أو باطلاً، والتعصب دليل على الجهل ونتيجة له، فصاحبه بعيد عن الإنصاف والحق، وسأعرض مثالين من أمثلة التعصب الممقوت ضد ابن تيمية رحمه الله.
فالمثال الأول: ذم التقي الحصني (4) لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهذا الرجل ممن اشتهر بالتعصب، وقد شهد عليه بهذا عدد كبير من العلماء--------------------------------------------
(1) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص249 - 252.
(2) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين الدمشقي ص99، الشهادة الزكية لمرعي الحنبلي ص24.
(3) ذيل تاريخ الإسلام (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه، ومنها ترجمة شيخ الإسلام ص26) ، وانظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 2/307، 309، 313.
(4) التقي الحصني: أبو بكر محمد بن عبد المؤمن الحصني، نسبة إلى الحصن قرية من قرى حوران، الدمشقي الفقيه الشافعي، حط على ابن تيمية وبالغ في ذلك، وتلقى ذلك عنه الطلبة بدمشق، وثارت بسبب ذلك فتن كثيرة، ت سنة 829هـ.
انظر في ترجمته: الضوء اللامع للسخاوي 6/83، شذرات الذهب لابن العماد 7/188.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 88)
والمؤرخين، فقد كان شديد التعصب للأشاعرة، منحرفاً عن أهل السنة، وتفحش في ابن تيمية - كما يقول مترجموه - وتجهر بتكفيره من غير احتشام (1) ، ومثل هذا لا يؤخذ عنه قول فيمن أبغضه، فتعصبه قد أعماه عن قول الحق والعمل به، إلى ظلم الناس، وبخسهم حقوقهم.
وأما المثال الثاني: فهو العلاء البخاري (2) ، الذي يعرف بشدة التعصب لمذهبه الحنفي، ووُصف بضيق الصدر، وسرعة الغضب، وكان لجوجاً في المخاصمة، وذكر مترجموه - أنه إذا أبغض غلا فيه وزاد، فيه حدّة وتهوّر في الألفاظ، ومن تعصبه الذي ذم لأجله أنه حكم على من أطلق على ابن تيمية رحمه الله لقب شيخ الإسلام (3) بأنه كافر (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: الضوء اللامع للسخاوي 6/83، إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر 8/110 - 111.
(2) العلاء البخاري: محمد بن محمد، (سبعة من آبائه اسمهم محمد) ، البخاري العجمي الحنفي، العلامة، نشأ ببخارى، ورحل إلى الأقطار، واجتهد في الأخذ عن العلماء، ممن غلا في بغض ابن تيمية، كان ملازماً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ت سنة 841هـ.
انظر في ترجمته: الضوء اللامع للسخاوي 1/284، النجوم الزاهرة للأتابكي 15/314، شذرات الذهب لابن العماد 7/241.
(3) ذكر ابن ناصر الدين في الرد الوافر ص51 - 56 معاني شيخ الإسلام التي منها: أنه شاب على الإسلام، ومنها: أنه سمي بذلك لسلوكه طريقة أهله، ومنها: أنه شيخ وأكبر المشايخ في ذلك العصر، وغيرها، وهذا المصطلح إطلاق يعرف عند المتقدمين مثل إطلاق قاضي القضاة، ثم عدّد بعض من أطلق هذا اللقب من التابعين ومن بعدهم، وأما العلماء الذين لقبوا ابن تيمية بهذا اللقب فهم كُثر اعتنى بجمعهم ابن ناصر الدين في كتابه الرد الوافر، وانظر: تقريظات الكتاب - أيضاً - في آخره، وقد أطلق أعداء ابن تيمية رحمه الله هذا المصطلح على غيره انظر على سبيل المثال: المقالات للكوثري ص546، 578 - 582، 608، شواهد الحق للنبهاني ص289.
(4) ولذا رد عليه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت 842هـ) بمصنف نفيس سماه: (الرد الوافر على من زعم بأن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 89)
والأمثلة كثيرة في هذا الباب على التعصب ضد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (1) .
هـ - قوة ابن تيمية في الحق: فقد كان رحمه الله جريئاً في قول الحق، والهجوم على أعدائه، والدفاع عنه، لا يخاف في الله لومة لائم، وكثيراً ما وصفه مترجموه في مناظراته مع الخصوم بقوة القلب، وبالشجاعة.
وقد كان - أيضاً - لا يحابي، ولا يداهن في دين الله عز وجل، ولا يطلب ود أحد من الناس في ترك إنكار المناكر والبدع، سواء كانت تلك صغيرة أم كبيرة، ويغضب إذا انتهكت محارم الله عز وجل ولا يقف أمام غضبه أحد، حتى يُغير ذلك المنكر ويُصلح.
وقد كان لهذه الطريقة أثرها الطيب في عصره، إذا اتضح الحق، وانكشفت البدعة، وزال لبسها عن أذهان الناس، وكان من نتائج هذه الطريقة أن كثر أعداؤه، بل وعاد بعض مادحيه ذاماً، يقول الذهبي (ت - 748هـ) رحمه الله.
(.. وإلا والله فلو لاطف الخصوم، ورفق بهم، ولزم المجاملة، وحسَّن المكالمة، لكان كلمة إجماع، فإن كبارهم وأئمتهم خاضعون لعلومه وفقهه … ) (2) .
يقول البزار (ت - 749هـ) رحمه الله حول أسباب عداوة المناوئين لابن تيمية رحمه الله: (كان إذا وضح له الحق يعض عليه بالنواجذ، ولا يلتفت إلى معاند، فاتفق غالب الناس على معاداته، وجُلّ من عاداه قد تستروا باسم العلماء والزمرة الفاخرة، وهم أقبل الناس في الإقبال على الدنيا، والإعراض--------------------------------------------
(1) انظر: ما كتبه الكوثري والحبشي والسقاف حول ابن تيمية، فلا يقبلون منه خيراً مطلقاً، وكل كلامهم حوله إنما هو ذم له.
(2) انظر: ترجمة ابن تيمية من ذيل تاريخ الإسلام للذهبي (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص24) ، وانظر حول هذا المعنى: الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب 2/394، 395، الدرر الكامنة لابن حجر 1/161.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 90)
عن الآخرة، وسبب عداوتهم له: أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرياسة، وإقبال الخلق وراءه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وأرادوا ستر ذلك عن الناس، حتى لا يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبهتان عليه، والوقوع فيه خصوصاً عند الأمراء والحكام … ) (1) .
رحمه الله، وغفر له، وأسكننا وإياه الفردوس الأعلى من الجنة (2) .--------------------------------------------
(1) الأعلام العلية ص67.
(2) يرى بعض الباحثين أن الأسباب الحقيقية هي: حسد الأقران، ورغبة بعض المتآمرين على تصفية عناصر القوة، وما يسببه ابن تيمية من حرج للسلاطين، وأما غيرها من الأسباب كالخلافات العقدية فهي ذرائع معلنة للعامة لتبرر إبعاد ابن تيمية وسجنه، انظر: الفكر التربوي عند ابن تيمية لماجد كيلاني ص75 - 80.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 91)
المطلب الثالث
اعتراف خصومه بقدره
من سنة الله عز وجل أن يجري الحق على ألسنة أعدائه ومخالفيه؛ وذلك بياناً له، وتطميناً لقلوب المؤمنين، وإقامةً للحجة على أعدائه ومناوئيه، وفي هذا المطلب سأستعرض شيئاً من قول أعداء ابن تيمية رحمه الله وهي من باب قول الله عز وجل: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] ، ولسنا في حاجة في كل موضع من المواضع أن نذكر شهادة الأعداء والمخالفين، ولكنها إذا وجدت وذكرت كانت شهادة بالفضل لأهل الفضل، كما قال الشاعر:
وشمائل شهد العدو بفضلها … والفضل ما شهدت به الأعداء (1)
وليس القصد من ذكر هذه النماذج هو الحصر، بل يكفينا من القلادة ما أحاط بالعنق، ومن الأمثلة ما يقرر القاعدة.
ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان - ولا يزال - له من المكانة في نفوس أهل السنة مما لا يحتاج فيه إلى ذكر ثناء القادحين فيه، وفي عقيدته، ولو كان - أيضاً رحمه الله من أهل المداراة، والملاينة مع المبتدعة في مقابل عدم إظهار امتعاضه، وبغضه لبدعهم، ولما هم عليه؛ لكان موضع قبول بإجماعهم، فهم مقرون في حقائق نفوسهم أنه إمام من أئمة المسلمين، وعلم من أعلامهم البارزين (2) .--------------------------------------------
(1) البيت للسري الرفاء، انظر: ديوانه ص9.
(2) انظر: ترجمة ابن تيمية في ذيل تاريخ الإسلام للذهبي (ضمن ثلاث تراجم نفيسة مستلة منه ص24) ، الدرر الكامنة لابن حجر 1/161.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 92)
ومن مناوئيه: من أثنى عليه في أول أمره، ثم انقلب عليه وصار عدواً بعد أن كان صديقاً، بسبب الأهواء، والتأثر بما كان ينقل عن ابن تيمية رحمه الله من وشايات مضللة، ودعايات مغرضة: أو لتعصب، وغيره - كما سبق بيانه - ومن أمثلة هؤلاء ابن دقيق العيد (ت - 702هـ) رحمه الله حيث قال: (لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد) (1) .
ومنها كلام ابن الزملكاني (ت - 727هـ) في ابن تيمية، وهو كثير، ومنه قوله عن ابن تيمية رحمه الله: (كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحداً لا يعرف مثله) (2) .
وقال عنه: (اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها، وله اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب، والتقسيم والتبيين) (3) .
وقال عنه: (هو بارع في فنون عديدة من الفقه والنحو والأصول، ملازم لأنواع الخير وتعليم العلم، حَسَن العبارة، قوي في دينه، صحيح الذهن، قوي الفهم) (4) .
وأثنى عليه كثيراً ثم أنشأ يقول:
هو حجة لله قاهرة … هو بيننا أعجوبة الدهر
هو آية في الخلق ظاهرة … أنوارها أربت على الفجر (5)
ومن الأمثلة: كلام أبي حيان النحوي (ت - 745هـ) في ابن تيمية رحمه الله ومن قوله فيه: ما رأت عيناي مثل ابن تيمية، ثم أنشأ يقول:
لما أتينا تقي الدين لاح لنا … داع إلى الله فرد ماله وَزَر--------------------------------------------
(1) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص111، الشهادة الزكية لمرعي الحنبلي ص29.
(2) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص107، الشهادة الزكية لمرعي الحنبلي ص36.
(3) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص109.
(4) انظر: الرد الوافر لابن ناصر الدين ص109.
(5) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 14/137، ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/392.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 93)
على محياه من سيما الألى صحبوا … خير البرية نور دونه القمر (1)
ومن خصوم ابن تيمية رحمه الله من يعترف بفضله وقدره، في حالة ضعف، واستسلام، كما حصل للقاضي المالكي ابن مخلوف (ت - 718هـ) حيث قال: (ما رأينا مثل ابن تيمية حرّضنا عليه، فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا، وحاجج عنا) (2) ، وذلك حين طلب الملك الناصر (ت - 741هـ) من ابن تيمية رحمه الله أن يفتي في قتل بعض العلماء من الفقهاء، والقضاة، فدافع عنهم رحمه الله وأثنى عليهم، وقد كان ابن مخلوف (ت - 718هـ) في مقابل ذلك يحرض السلاطين هو ونصر المنبجي (ت - 719هـ) على ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة -.
ومن مناوئيه: ما يحملهم الإنصاف، وكثرة المحامد والمناقب التي يتميز بها ابن تيمية رحمه الله على مدحه، والثناء عليه، وإن كان ذلك في لحن القول، مع بغضهم له، والقدح فيه، والنيل منه كلما أمكنهم ذلك: وهؤلاء كثير (3) .
فمن الأمثلة قول تقي الدين السبكي (ت - 756هـ) حين عاتبه الذهبي (ت - 748هـ) رحمه الله في ابن تيمية رحمه الله: (أما قول سيدي في الشيخ فالمملوك يتحقق كبر قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم الشرعية والعقلية، وفرط ذكائه، واجتهاده، وبلوغه في كل ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائماً، وقدره في نفسي أعظم من ذلك وأجل، مع ما جمع الله له من الزهادة والورع والديانة، ونصرة الحق، والقيام فيه لا لغرض سواه وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان) (4) .--------------------------------------------
(1) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/392، الرد الوافر لابن ناصر الدين ص119 في قصيدة طويلة.
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 14/54.
(3) أما الذين تحملهم الأهواء على الذم المطلق فهم - أيضاً - كثير مثل: الحصني، الكوثري، الحبشي، السقاف … وغيرهم.
(4) انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/392 - 393، الرد الوافر لابن ناصر الدين ص100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 94)
وقال في موضع آخر: (له فضل وذكاء واطلاع) (1) .
وقال في ثنائه على رد شيخ الإسلام على الرافضة:
ولابن تيمية ردّ عليه وفى … بمقصد الرد واستيفاء أضربه (2)
ومن الأمثلة أقوال الحسن بن إسحاق (ت - 1160هـ) في ابن تيمية رحمه الله وهو يرد عليه فذكر عنه أنه العلامة المحقق، وأنه علمه كالبحر المتلاطم الأمواج، المتشعب الفجاج، كثير الطرائق، وإذا تكلم في مسألة فإنه يأتي على ما يتحير عنده العقل ويذهب، من تحقيق للحق وتدقيق (3) .
وذكر عنه أنه بلغ الغاية في حسن الصناعة، لترصيف الكلام وتنميقه، وترقيق ما يسرده من الكلام وتدقيقه، يتصرف في كل مقام تصرف عارف متقن، بارع في معرفة أساليب الخطاب متمكن (4) .
وقال عن منهاج السنة النبوية: (ومع هذا فإننا لا ننكر أنه بتصديه للرد على الرافضي مصيب مأجور، وأن سعيه في ذلك سعي مشكور) (5) .
ومن الأمثلة: - أيضاً - بعض مقولات يوسف النبهاني (ت - 1350هـ) فقد قال عنه:
(وابن تيمية هذا هو إمام كبير، وعَلَم عِلمٍ شهير من أفراد أئمة الأمة المحمدية الذين تفتخر بهم على سائر الأمم، ولكنه مع ذلك غير معصوم من الخطأ والزلل … وابن تيمية وإن أخطأ في هذه المسائل المعدودة، فقد أصاب في مسائل لا تعد ولا تحد، نصر بها الدين المبين، وخدم بها شريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، على أن بعض ما نسب إليه من تلك المسائل أنكر صحة نسبتها--------------------------------------------
(1) انظر: السيف الصقيل ص16.
(2) انظر: هذه القصيدة في ترجمته في الطبقات الكبرى للشافعية لابن السبكي 10/176.
(3) انظر: رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه ص221.
(4) انظر: رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه ص222.
(5) رسالة تشتمل على ما ذكره ابن تيمية في منهاجه ص231.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 95)
إليه بعض العلماء الأثبات … ) (1) .
وقال: (اعلم أن الإمام ابن تيمية هو في العلم كالبحر العجاج، المتلاطم بالأمواج، فهو تارة يلقي باللؤلؤ والمرجان، وتارة يلقي الأحجار والصدف … ) (2) .
وقال: (اعلم أني أعتقد في ابن تيمية، وتلميذيه ابن القيم، وابن عبد الهادي، أنهم من أئمة الدين، وأكابر علماء المسلمين، وقد نفعوا الأمة المحمدية بعلمهم نفعاً عظيماً) (3) .
ومن الأمثلة - أيضاً - ما وصفه به أحد المناوئين المعاصرين (4) بأنه أحد علماء السلف المتأخرين، ومفكر من أكبر مفكري الإسلام (5) .
وإذا استعرضنا بعض كلمات الاعتراف بفضل ابن تيمية، وإنصافه، سواء كانت بقصد، أو بغير قصد، فيحسن أن نستعرض الطرف الآخر، وهو موقفه رحمه الله من مخالفيه ومناوئيه وإنصافه لهم، وسيكون هذا العرض من استقراء مؤلفات ابن تيمية رحمه الله ومناظراته مع خصومه، ودراستها لنتمكن من معرفة منهجه في رده على خصومه، ومناقشته لهم:
لقد كان ابن تيمية رحمه الله ينظر إلى خصومات أعدائه، وكيد مناوئيه على أنها نعمة من الله عز وجل يظهر بها الحق، ويدمغ الباطل فإذا هو زاهق، فهذه العداوات، وإن كانت في ظاهرها شراً، وهي نوع من الابتلاء للمؤمنين، إلا أنها تحمل في طياتها مصالح للمؤمنين الصابرين، قال رحمه الله: (إن ما يجري من نوع تغليظ، أو تخشين على بعض الأصحاب والإخوان، ما كان يجري بدمشق، ومما جرى الآن بمصر، فليس ذلك غضاضة، ولا نقصاً في حق--------------------------------------------
(1) شواهد الحق ص52.
(2) شواهد الحق ص56.
(3) شواهد الحق ص62، وانظر: ص181، 183، 289، 292، الأساليب البديعة له ص456، 470 - 472.
(4) وهو الدكتور علي سامي النشار.
(5) انظر: نشأة الفكر الفلسفي 1/311.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 96)
صاحبه ولا حصل بسبب ذلك تغير منا، ولا بغض، بل هو بعد ما عومل به من التغليظ والتخشين، أرفع قدراً، وأنبه ذكراً، وأحب وأعظم، وإنما هذه الأمور هي من صالح المؤمنين، التي يصلح الله بها بعضهم ببعض، فإن المؤمن للمؤمن كاليدين، تغسل إحداهما الأخرى) (1) .
وقد كان رحمه الله يملك تصوراً عجيباً عن الفرق، ومذاهب الرجال، والفروقات بين مذاهبهم، وهذا يدل على أنه إذا تكلم في مسألة عند فرقة فإنما يتحدث بها، وهو عالم بها، مدرك لمعناها، بل هو - أيضاً - يعرف لوازم قول المخالف أكثر من المخالف نفسه، حتى إنه يظهر تناقضات القول الواحد في نفسه مما لم يتنبه له صاحب القول (2) .
وقد كانت مصادره رحمه الله في معرفة أقوال المخالفين له مصادر موثوقة، عالية الإسناد، فمصادره تكون: إما بقراءة كتبهم، وإما بملاقاتهم ومناظرتهم، وإما عن طريق أقوال الثقات عنده عنهم (3) .
ويهمنا في هذا المطلب: بيان إنصاف ابن تيمية رحمه الله لخصومه، وعدم ظلمهم، لا في فعل، ولا قول، ولا كتابة: فمن أبرز ما تجلى: إنصافه يوم لقياه الملك الناصر (ت - 741هـ) وطلب الملك منه أن يفتي في قتل بعض حساده من الفقهاء، والقضاة، وأمْر ابن تيمية له بالعدول عن ذلك (4) .
وقد كان رحمه الله يطلب إقامة المناظرة: بياناً للحق، وإقامة للحجة، فيستعفي الخصم بلفظ أو بخط (5) ، فلم يطلب حظاً لنفسه ولا نفعاً، بل كان--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 28/53.
(2) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 2/54، 57، 58، 92، 106، 175، 243، 379، 471، 476، 4/18، 6/51، 17/446، 20/301 - 320، وغيرها.
(3) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 11/469، 18/57، درء تعارض العقل والنقل 5/61، 317، 323.
(4) انظر: البداية والنهاية لابن كثير 14/54.
(5) انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية 5/21.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 97)
يعفو عمن ظلمه، وكان قصده بيان الحق، وإن أدى ذلك إلى ظلم الناس له، وهضمهم بعض حقه.
قال رحمه الله: (على أي شيء أخاف: إن قتلت كنت من أفضل الشهداء … ) (1) .
وقال: (هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله فيّ بتكفير، أو تفسيق، أو افتراء، أو عصبية جاهلية: فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله، وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتماً بالكتاب الذي أنزله الله، وجعله هدى للناس، حاكماً فيما اختلفوا فيه … ) (2) .
وقد كان رحمه الله حريصاً على تأليف القلوب، وجمعها على الحق، لا أن تتفرق وتختلف، أو أن تجتمع على منكر وضلالة، قال رحمه الله: (والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومناظرة، وأنا كنت من أعظم الناس تأليفاً لقلوب المسلمين، وطلباً لاتفاق كلمتهم، واتباعاً لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله) (3) .
ومن إنصافه رحمه الله لخصومه أنه يناقشهم في المصطلحات حسب فهمهم لها، ثم يبين هذا الفهم هل هو صواب أم لا؟، ويستدل على قوله وحجته بأقوال المختصين في الفن، فإذا بحث مسألة في التفسير نقل عن أئمة التفسير، وإذا بحث مسألة في الفقه ذكر أقوال الفقهاء، وكذلك الأمر في بقية العلوم الشرعية، وأما إذا وافق خصمه الحق فإنه رحمه الله يوافقه عى ذلك ويؤيده ويثني على الحق الذي عنده، وإذا احتاج الأمر إلى تفصيل فإنه يفصل بأن يقول في كلام المخالف: قوله في هذه المسألة صواب، وأما قوله في المسألة الأخرى فخطأ (4) ، ويصف بعض مناوئيه بأن فيهم نوع دين مع نوع جهل كما قال ذلك--------------------------------------------
(1) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 3/215، 259.
(2) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 3/245.
(3) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية 3/227، 6/485، 502، 503، 506.
(4) انظر: درء تعارض العقل والنقل 6/23، 43، 151.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 98)
في الأخنائي (ت - 763هـ) الذي أساء الأدب مع شيخ الإسلام، ورد عليه بألفاظ نابية، ومع ذلك كان رحمه الله عادلاً معه في الحكم (1) .
ويعمم الحكم، والكلام المنصف على جميع من تكلم فيهم من علماء الإسلام، فذكر رحمه الله أنه ما منهم إلا من له في الإسلام مساع مشكورة، وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع، والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف … ، ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه … ، ومن اتبع ظنه وهواه فأخذ يشنع على من خالفه بما وقع فيه من خطأ ظنه صواباً بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة، فإنه يلزمه نظير ذلك أو أعظم، أو أصغر فيمن يعظمه هو من أصحابه، فقلّ من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين؛ لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبُعد الناس عن نور النبوة، وشمس الرسالة الذي به يحصل الهدى والصواب (2) .
ويركز ابن تيمية رحمه الله على أهمية لين الخطاب مع المخالف، ومخاطبته بالتي هي أحسن، حتى وإن أغلظ المخالف عليه القول؛ لأن الغرض هو بيان الحق، وإزالة الشبهة، ومع هذا ينبه إلى أن مقامات الخطاب للمخالف تختلف فلها أحوال: فقد تنفع المخاطبة بالتي هي أحسن وقد لا تنفع، ولذا يقول رحمه الله: (ما ذكرتم من لين الكلام، والمخاطبة بالتي هي أحسن، فأنتم تعلمون أني من أكثر الناس استعمالاً لهذا، لكن كل شيء في موضعه حسن، وحيث أمر الله بالإغلاظ على المتكلم لبغيه وعدوانه على الكتاب والسنة، فنحن مأمورون بمقابلته، ولم نكن مأمورين أن نخاطبه بالتي هي أحسن، ومن المعلوم أن الله تعالى يقول: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل--------------------------------------------
(1) انظر: الرد على الأخنائي ص9، وقارن بين هذا وبين ما في ص150 - 151.
(2) انظر: درء تعارض العقل والنقل 2/102 - 103، 311، 315.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 99)
عمران: 139] ، فمن كان مؤمناً فإنه الأعلى بنص القرآن) (1) ، وقد عمل بهذه القاعدة في مناقشاته مع الغلاة، فقد رفع صوته في مناظرته مع الرفاعية لما يرى من الوقع العظيم في القلوب لرفع الصوت في المناظرة (2) .--------------------------------------------
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية 3/232.
(2) انظر: مناظرة ابن تيمية لدجاجلة البطائحية (ضمن مجموع فتاوى ابن تيمية 11/465، 466) ، ومن أراد التفصيل في بيان منهج ابن تيمية رحمه الله في رده على الخصوم فليرجع إلى موقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود 1/284 - 317، ومقدمة تحقيق بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية 1/40 - 67 للغفيص، وهي في الأصل رسالة دكتوراه مقدمة إلى قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بكلية أصول الدين بالرياض.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 100)
المبحث الثاني
دعاوى المناوئين حول منهج شيخ الإسلام ابن تيمية ومناقشتها
المطلب الأول
دعاوى المناوئين حول منهج شيخ الإسلام ابن تيمية
حاول المناوئون لابن تيمية رحمه الله القدح في ابن تيمية رحمه الله وفي عقيدته، وذلك للتحذير منه، ومن كتبه، حتى لا يستفيد منها الناس، فجعلوا بينها وبين الناس حاجزاً كثيفاً من الشبهات، والتلبيسات، والافتراءات، وقد كان التشويه موجهاً إليه وإلى كتبه على مستويات مختلفة، فادعوا دعاوى على منهجه العام، كما ادعوا عليه في بعض الجزئيات والتفصيلات في باب الاعتقاد، ومن دعاواهم على المنهج العام لابن تيمية رحمه الله: ما ادعوا عليه بأنه على خلاف منهج السلف الصالح، وأن انتسابه إليهم إنما هو دعوى يدعيها، ويرون أن الذي في كتبه إنما هو من ابتداعه هو، ويرون - أيضاً - أنه يعتمد على بعض الكتب، والمصنفات المنحولة والمختلقة على بعض السلف (1) .
ومما ادعوا عليه رحمه الله في منهجه: أنه يقول بالتأويل، ويأخذ به، وإن كان في ظاهر الأمر يرده ويحذر منه، لكنه يؤول بعض النصوص، ويبعد بها عن المقصود الأساسي لها إلى مقصد آخر يراه ويؤيده (2) .--------------------------------------------
(1) انظر: حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص107، المقالات السنية للحبشي ص9، ابن تيمية ليس سلفياً لعويس أغلب الكتاب.
(2) انظر: شواهد الحق للنبهاني ص227، مقدمة الدسوقي في تحقيقه الاعتبار للسبكي ص8، حاشية الكوثري على السيف الصقيل للسبكي ص132، 136، المقالات السنية للحبشي ص80، الحقائق الجلية لابن جهبل ص72، 78.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 101)
ومما ادعو عليه - أيضاً - أنه متبع لهواه، يتلاعب بالنصوص، فيأخذ منها ما يوافق بدعته وقوله، ويترك ما لا يوافق بدعته، ولو أمكنه الطعن في الآيات والأحاديث لفعل، وفي هذا يقول عنه الحصني (ت - 829هـ) : (فإن هذا شأنه إذا وجد شيئاً لا مساس فيه لما ابتدعه قال به وقبله ولم يطعن، وإذا وجد شيئاً على خلاف بدعته طعن فيه، وإن اتُفق على صحته، ولا يذكر شيئاً على خلاف هواه، وإن اتفق على صحته … ) (1) .
وقال - أيضاً -: (وهذا شأنه إن وجد شيئاً يوافق هواه، وخبث طويته ذكره ووسع الكلام فيه وزخرفه، وإن وجد شيئاً عليه أهمله أو حمله على محمل يعرف به أهل النقل حمله وتدليسه عند تأمله … ) (2) .
ومما ادعوا عليه رحمه الله في منهجه بأنه يأخذ بخبر الواحد في الاعتقاد، وخبر الواحد عندهم لا يبنى عليه شيء من المسائل العقدية، وإنما يؤخذ به في أمور الأحكام (3) .
ومما ادعوا عليه في منهجه - أيضاً - أنه مسارع في تكفير من خالفه، سواء أقام الدليل على التكفير أم لم يقم عليه دليل، وأن كل من خالفه ولم ينقد إلى رأيه وقوله فمآله إلى التكفير والتشهير والتحقير (4) .--------------------------------------------
(1) دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص74.
(2) دفع شبه من شبه وتمرد للحصني ص113، وانظر: المقالات السنية للحبشي ص205 - 206.
(3) انظر: الحقائق الجلية لابن جهبل ص87، رفع الاشتباه للنبهاني ص232، شروط الأئمة الستة للكوثري ص13.
(4) انظر: شفاء السقام للسبكي ص132، براءة الأشعريين لأبي حامد بن مرزوق ص254، التوسل بالنبي له ص181، المقالات السنية للحبشي ص133.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 102)
المطلب الثاني
مناقشة دعاوى المناوئين حول منهج ابن تيمية
حرص المناوئون لابن تيمية رحمه الله على إضعاف ثقة الناس به وبكلامه، فأقاموا الشُبه على منهجه رحمه الله كما أقاموها على بعض تفصيلات المعتقد، ومع اختلاف كثير منهم معه في المعتقد كالأشاعرة والمتصوفة وغيرهم، إلا أنهم جميعاً لا يصمدون أمام الحقائق، فالمُدعي يطالَب بإثبات صدق دعواه، وذلك بإيراد كلام الخصم، ليكون حجة على صدق الدعوى، وهم إذا طولبوا بذلك ولّوا على أدبارهم هاربين.
وقد يجد الناظر المحقق أن عندهم بعض النصوص التي ينقلونها عن ابن تيمية رحمه الله ولكن هذه النصوص إما أن تكون مبتورة فلا ينقلونها كاملة فيقع اللبس، أو أن ينقلوها وهم لا يفهمونها على حقيقتها، بسبب الجهل بمذهب السلف، وبما تحمله المصطلحات والألفاظ من معان.
وأما دعوى أن ابن تيمية رحمه الله على خلاف مذهب السلف … ، فيجاب عن أصحاب الدعوى بأن يقال لهم: ماذا تريدون بمصطلح السلف: إن كان المراد سلف الأشاعرة والمتصوفة وغيرهم من المبتدعة فإن ابن تيمية رحمه الله لم ينتسب إلى أحد منهم، ولم يقل بقولهم، بل كان يرد عليهم ويناقشهم.
وأما إذا كان المراد بالسلف: سلف الأمة وأئمتها، وأن ابن تيمية على خلاف ما كانوا عليه، فهذا من أعجب العجب، أن يكون الشارح لمعتقد السلف، والمستدل له، والمدافع عنه على خلافه، ثم يكون أصحاب الدعوى من أهل الأهواء هم حملة هذا المعتقد الحق، والمدافعون عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 103)
وإذا كان المتهمون لابن تيمية بهذه التهمة، والقائلون بها ليسوا على معتقد السلف الصالح، فلم يفهموه، أو فهموه ولم يطبقوه فكيف تقبل منهم مثل هذه الدعاوى والتهم المزيفة.
وإذا أردنا تحقيق الأمر من جهة ابن تيمية رحمه الله فإنه سيتضح من فعله ومن قوله: فهو الذي أوذي وطرد؛ لأجل كلمة الحق وعقيدة السلف، وهو الذي نوظر وحوقق لأجلها، وهو الذي سُجن وأُبعد عن أهله ووطنه لأجلها، وهو الذي ذاق المتاعب والآلام لأجلها، وليست هذه علائم من ينتسب ويدعي الانتماء إلى عقيدة السلف دون وعي وقناعة، بل هذه دلائل إيمانه بهذا المعتقد، وتصديقه الجازم به.
وأما ما يؤيد ارتباط ابن تيمية رحمه الله بمذهب السلف، وقناعته به، وتطبيقه له من أقواله في مؤلفاته فهو كثير جداً، فمن منهجه رحمه الله ربط الناس بمذهب السلف، وتقرير هذا المذهب كلما سنحت فرصة، سواء أكان عن طريق الإجمال، أم عن طريق التفصيل.
وقد أعلن وأخبر بمصادره في الاعتقاد من كتب السلف، وكرّرها مراراً، فهي عن أئمة معروفين من السلف كالإمام أحمد (ت - 241هـ) ، والخلال (ت - 311هـ) ، وابن خزيمة (ت - 311هـ) ، والآجري (ت - 360هـ) ، وابن بطة (ت - 387هـ) ، وابن مندة (ت - 395هـ) وابن أبي زمنين (ت - 399هـ) ، وغيرهم من أئمة السلف رحمهم الله أجمعين - (1) ، وكتب هؤلاء وغيرهم ثابتة لهم، وذلك بصحة نقلها إلينا.
فقد ذكر مترجموهم كتبهم التي ألفوها في الاعتقاد في عداد كتبهم، وكتبهم قد طبع أكثرها محققاً، وقد بين محققوها صحة نسبة هذه الكتب إلى مؤلفيها، إضافة إلى توافق ما في هذه الكتب مع اعتقاد السلف الذي هو اعتقاد--------------------------------------------
(1) انظر على سبيل المثال: الحموية ص28 - 30، منهاج السنة النبوية 2/363 - 367، شرح حديث النزول ص228 - 230.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 104)