Arabic source text

📘 আদ-দিফাউ আনিস সুন্নাহ - জামিয়াতুল মদীনা (বাকালোরিউস) (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

📘 الدفاع عن السنة - جامعة المدينة (بكالوريوس) (جامعة المدينة العالمية)

📘 আদ-দিফাউ আনিস সুন্নাহ - জামিয়াতুল মদীনা (বাকালোরিউস) (জামিয়াত আল-মদিনা আল-আলামিয়্যাহ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
التعريفان يشتركان في أن التواتر: مجيء الشيء بعد الشيء؛ لكن الاختلاف بينهما هو: هل لا بد من التراخي بين مجيئهما، أو أن التراخي غير مطلوب؟
صاحب (القاموس المحيط) ذكر الاثنين معًا، قال: والتواتر التتابع أو مع فترات، أما صاحب (الصحاح)؛ فقد اعتبر التراخي شرطًا في التواتر؛ حيث قال: والمواترة: المتابعة، ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينهما فترة؛ وإلا فهي مداركة ومواصلة.
والخلاصة من كل ذلك: أن التواتر هو التتابع مع التراخي أو بدون التراخي، على قول صاحب (الصحاح): القول بالتراخي هو الأقوى؛ لأنه سمى المواترة التي لا فاصل بينها بأنها مداركة ومواصلة، ويقول بالنص: "ولا تكون المواترة بين الأشياء إلا إذا وقعت بينهما فترة" …
كل هذه مناقشة لغوية للمتواتر، خلاصتها: أن التواتر هو مجيء الشيء إثر الشيء بفترة بينهما أو بدون فترة، على التتابع المباشر بدون انقط اع.
إذا انتقلنا إلى الاصطلاح: نجد له تعريفات متعددة: يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى- عن المتواتر في (نزهة النظر): فإذا جمع هذه الشروط الأربعة وهي: عددٌ كثير، وأحالت العادة تواطؤهم على الكذب، ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، ويضاف إلى ذلك أن يصحب خبرَهم إفادةُ العلم لسامعه؛ فهذا هو المتواتر.
ابن حجر -رحمه الله تعالى- نلاحظ أنه عرّف المتواتر هنا من خلال ذكر شروطه، اشترط له أربعة شروط:
- عددٌ كثيرٌ في كل حلقة.
- يستحيلُ في العقل وفي العادة أن يتواطئوا على الكذب.
- الثالث: أن يتوفر ذلك في كل حلقة من حلقات الإسناد، من أوله إلى منتهاه،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)

وهو ما عبّر عنه بقوله: ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء.
- وكان منتهى خبرهم الحس، هذا الشرط الرابع.
- ثم قال: ويضاف إلى ذلك: بأن يصحب خبرهم إفادة العلم لصالحه، وقال: فهذا هو التواتر.
أما الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- فيعرِّف المتواتر في "كفايته" فيقول: فأما خبر التواتر: فهو ما أخبر به القوم الذين بلغ عددهم حدًّا يُعلَم عند مشاهدتهم بمستقر العادة أن الكذب منهم محال، وأن التواطؤ منهم في مقدار الوقت الذي انتشر الخبر عنهم متعذر، وأن ما أخبروا عنه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، وأن أسباب القهر والغلبة والأمور الداعية إلى الكذب منتفية عنهم؛ فمتى تواتر الخبر عن قوم هذه سبيلهم؛ قُطِع على صدقه، وأوجب وقوع العلم ضرورة.
هو تعريف طويل، وأيضًا ركز فيه الخطيب -رحمه الله تعالى- على عدد الرواة وصفاتهم نلاحظ أنه يركز على أن هؤلاء القوم الذين أخبروا بالخبر المتواتر، يستحيل بمستقر العادة أن يتفقوا على الكذب، وأن الكذب منهم محال، وأن التواطؤ بينهم في مقدار الوقت الذي انتشر فيه الخبر متعذر، وأن الخبر الذي أخبروه لا يجوز دخول اللبس والشبهة في مثله، ولا يوجد عندهم سبب واحد يدعوهم إلى الكذب … كل الأسباب التي تؤدي إلى الكذب منفية عنهم من قهر وغلبة ومصلحة وما إلى ذلك …
أما ابن الصلاح في "مقدمته" رحمه الله يعرف الحديث المتواتر بأنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواياته من أوله إلى منتهاه.
وإذا نظرنا أيضًا إلى تعريف ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- نجده يركز على شرطين من شروط المتواتر: وهو أنه لا بد أن يوجد في ناقلي الخبر المتواتر الصدق

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)

الذي نجزم به ويوفر لنا العلم ضرورة بصدقهم، وأيضًا هذا الشرط يتوفر في كل الحلقات من أول السند إلى منتهاه، عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه -أي: من نثق به ضرورة- ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في روايته من أوله إلى منتهاه -يعني: في كل حلقة من حلقات الإسناد.
على كل حال؛ مهما يكن من عباراتهم في تعريف المتواتر؛ فإننا نستطيع أن نصوغ منها تعريفًا يحتوي في طياته على الشروط التي وضعوها للمتواتر، مع ملاحظة أن مُعرفي المتواتر كثيرون جدًّا … كل من تكلم أو كتب في علوم الحديث وتعرض لهذا الأمر عرّفه، وهي كلها تعريفات -على كل حال- قريبة من بعضها.
نستطيع أن نصوغ تعريفًا من خلال ما ذكروه فنقول:
المتواتر: هو الذي يرويه جمعٌ يستحيل في العقل تواطؤهم على الكذب، أو وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد، عن مثلهم من أول السند إلى منتهاه، ويكون منتهى خبرهم الحسّ.

‌‌شروط الحديث المتواتر
هذا التعريف الذي يحمل في طياته الشروط التي لا بد من توافرها في الحديث المتواتر، ونجمل هذه الشروط -كما ذكر ابن حجر وغيره- فيما يلي:
الشرط الأول: العدد الكثير:
بمعنى أن يجتمع في كل حلقة من حلقات الإسناد عدد كثير من الرواة.
وقد ذهب العلماء في تحديد هذا العدد مذاهب شتى؛ تبعًا لاعتبارات متعددة؛

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)

فبعضهم قال: إنهم أربعة؛ قياسًا على شهود الزنا الذين تثبت بهم جريمة الزنا ويقام الحد على فاعله: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور: 4) وحاول أصحاب هذا الرقم أن يضيفوا إليه بعض الأدلة الأخرى بأن يقولوا مثلًا: بأن الخلفاء الأربعة أو الأئمة الأربعة لو اجتمعوا على شيء فإن القول قولهم والرأي رأيهم؛ يسوقون مثل هذه الأقوال تأييدًا لرأيهم الذي ذهبوا إليه من اشتراط أربعة على الأقل في الخبر المتواتر.
القاضي أبو بكر الباقلاني مثلًا -كما نقل عنه العلماء- لم يقتنع بهذا العدد في إثبات التواتر؛ بل قال: أتوقف في الخمسة، والخمسة هذه قالها بعضهم قياسًا على الصلوات الخمس وغيرها من الأرقام التي حملت خمسة في الأحكام الشرعية الإسلامية.
ومن العلماء من اشترط سبعة؛ لاشتمالها على العدد المطلوب في كل نوع من أنواع الشهادات، وهي: الأربعة، والاثنان، والواحد.
ومنهم من اعتبر أقل عدد التواتر عشرة؛ وذلك لقوله تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (البقرة: 196) ووصفها بالكمال، ولأنها أول جموع الكثرة، واختار ذلك السيوطي -رحمه الله تعالى- وسار عليه في كتابه الذي جمع فيه الأحاديث المتواترة (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواتر)؛ فقال -رحمه الله تعالى-: كل حديث رواه عشرة من الصحابة؛ فهو متواتر عندنا معشر أهل الحديث.
وهناك من قال: يشترط في العدد أن يكون اثني عشر مثل نقباء بني إسرائيل: {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} (المائدة: 12).
ومنهم من قال: عشرون؛ لقوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} (الأنفال: 65).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)

ومنهم من قال: أربعون؛ لأن عند هذه السن يُبعث الأنبياء، وهي تدل على اكتمال العقل والأشد عند الإنسان؛ فمتى بلغ الإنسان أربعين سنة فقد كمل نضجه العقلي والبدني: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} (الأحقاف: 15).
ومنهم من قال: يشترط في العدد أن يكون سبعين، مثل من اختارهم موسى عليه السلام لميقات ربه: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا} (الأعراف: 155).
ومنهم من قال: ثلاثمائة، مثل أهل بدر ومن كانوا مع طالوت … إلى غير ذلك.
اعتبارات متعددة في اشتراط العدد كلها تبحث عن العدد الذي يطمئن القلب والعقل معًا إلى صدقهم وإلى عدم وقوع الكذب منهم ولو اتفاقًا.
إنما هناك من ذهب إلى أن العدد لا يُحصَر برقم معين؛ وإنما متى تحقق الاطمئنان إلى أن هذا الجمع يستحيل أن يتواطأ على الكذب وألا يقع منهم ذلك ولو من قبيل المصادفة، وأن نتأكد من عدم وجود الداعي عندهم للكذب أو وجود أسباب له؛ فقد تحقق التواتر، وقد يتحقق بعشرة، وقد لا يتحقق بملايين يُجمِعون على الكذب، وهذا يحدث في زماننا كثيرًا؛ فقد ينقل الأعداء مثلًا أخبارًا تتعلق بالإسلام وأهله أو بمصادره وهي كاذبة، وينشرونها بين الناس ويتناقلونها بالملايين.
إذن، اشتراط العدد المحدد قد لا يكون ضرورة بقدر التركيز على اطمئناننا إلى صدقهم وعدالتهم وأنه يستحيل أن يقع منهم الكذب.
ولعل هذا ما ذهب إليه بعض محققي أهل الحديث -وفي الحقيقة عدد كبير منهم- يقول الكتاني في (النظم المتناثر في الحديث المتواتر) -رحمه الله تعالى- نقلًا عن كتاب (ظفر الأماني): والتحقيق الذي ذهب إليه جمع من المحدّثين: هو أنه لا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)

يشترط للتواتر عدد؛ وإنما العبرة بحصول العلم القطعي؛ فإن رواه جمعٌ غفير ولا يحصل العلم به لا يكون متواترًا، وإن رواه جمع قليل وحصل العلم الضروري به يكون متواترًا ألبتة.
وعلى كلٍّ نستطيع أن نقول: إن الخلاف هنا ليس خطيرًا حقيقة، ولا كبيرًا، الكل يبحث عن عدد يطمئن القلب والعقل إلى صدقهم … من الممكن لنا ألا نحصره في عدد معين -كما ذهب إليه كثير من محققي الحديث- أو إذا اشترطنا عددًا؛ لعل اختيار السيوطي هو أن يرويه عشرة من الصحابة.
وفي الحقيقة؛ فإن الذي يتتبع عمل العلماء في إحصائهم للحديث المتواتر يكاد يلمح إلى أنه قد استقر اصطلاحهم على هذا الأمر؛ فيُبحث عن التواتر من ناحية الصحابة؛ فإذا وُجد عشرة من الصحابة رووا الحديث وكانت الطرق إليهم صحيحة أو حسنة؛ حُكم على الحديث بأنه متواتر … كل من جمعوا الأحاديث المتواترة مثل (لقط اللآلئ المتناثرة) ومثل كتاب الكتاني وغيره، كلهم اتبعوا هذه القاعدة: يحسبون العدد من ناحية الصحابة وأحيانًا يخرّجون الأحاديث، يقولون: حديث أبو هريرة مثلًا رواه فلان وهو من أصحاب الكتب … حديث أنس رواه فلان، إلى أن يكتمل عندهم عشرة من طرق صحيحة أو حسنة يطمئنون إلى التواتر ويذكرونه في كتابهم على أنه من بين الأحاديث المتواترة.
نستطيع أن نقول: تقريبًا هذا هو الذي استقر عليه الاصطلاح، مع ملاحظة أن العدد لا يُبحث عنه في الحلقات التالية للصحابة على الأعم الأغلب؛ باعتبار أن كل صحابي قد روى عنه مجموعة من التابعين، وكل واحد من هؤلاء التابعين قد روى عنه تلامذته … وهكذا تتواصل الحلقات وتتكاثر بحيث يستحيل أن نحصي العدد بدقة في كل حلقة؛ لكن يطمئنون إلى أنه متى ثبت لدينا أن عشرة من

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)

الصحابة الكرام رضي الله عنهم قد رووه فيطمئنون إلى صدقه وإلى صحته ويعتبرونه من المتواتر الذي يفيد العلم الضروري.
الشرط الثاني: أن يطمئن العقل والقلب معًا إلى عدم اتفاق هذا العدد على الكذب:
وهذا في الحقيقة متوقف على وجود صفات القبول المعروفة عند العلماء في هؤلاء الرواة مهما كان عددهم، فإن توفّرت شروط القبول مع العدد أيضًا واطمئن العقل والقلب إلى صدق خبرهم؛ حينئذ قد تحقق معنى التواتر، مثل: أن يكونوا مثلًا من بلاد متفرقة، مثل أن يكونوا من مهن مختلفة، مثل أننا نتأكد من أنه لا توجد عندهم دواعي للكذب؛ ليسوا أصحاب مصلحة في نقل خبر معين، مثلًا صُناع ينقلون خبرًا عن الصنعة الخاصة بهم، أو مثلًا طلابًا ينقلون خبرًا يتعلق بدراستهم، هذه الدواعي كلها تنتفي عندهم ونتأكد من هذا.
ولذلك وفقًا لهذا المعيار ناقشوا مسألة: هل يُشترط الإسلام في رواة الخبر المتواتر؟
- الحقيقة اختلفت المعايير حول هذا … ذكرنا مرارًا أن معيار صحة الحديث عندهم: هو توفر شروط القبول في الراوي، وهي شروط الصحة الخمسة: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، خلو الحديث من الشذوذ، خلو الحديث من علة القدح.
متى اطمأنوا إلى صحة الحديث؛ فهم حكموا عليه بالصحة بصرف النظر عن كونه آحادًا أو خبرًا؛ وبالتالي فإنهم قد اشترطوا في الراوي أن يكون مسلمًا وقت أدائه للحديث؛ لأن الإسلام عندهم هو أول شروط العدالة التي بموجبها تُقبل رواية الراوي.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)

نعم … المحدثون قبلوا أن يتحمل الكافر؛ لكنهم اشترطوا أن يكون وقت الأداء مسلمًا: عملية الرواية: تحمل وأداء، التحمل: هو أن يأخذ التلميذ الحديث من شيخه بواحد من طرق التحمل المعتمدة عند العلماء، والأداء: هو أن يؤدي الشيخ الحديث إلى تلميذه بواحد من طرق الأداء المعتبرة عند العلماء، وهي ثمانية، وهذا له مبحث خاص في علوم الحديث "مبحث التحمل والأداء".
علماء الحديث اشترطوا وقت الأداء أن يكون المؤدي مسلمًا؛ لأنه ينقل لنا ديننا، ولا نطمئن إلى نقل الدين من غير المسلمين؛ لكنهم قبلوا أن يتحمل الكافر، يعني: لو أن كافرًا سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فلن نقبل منه أن يؤدي إلا بعد إسلامه، لن نقبل أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقل لنا الخبر إلا إذا كان مسلمًا.
ولذلك وُجد في الصحيحين رواة تحملوا وهم كفار من الصحابة ومن غيرهم، وكمثال على ذلك: حديث أبي سفيان المشهور في لقائه مع هرقل، كان ذلك في سنة سبع للهجرة، حينما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رسائله إلى الملوك والرؤساء من أهل الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وجاءت رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل -وكان بالشام- وسأل عمن يستطيع أن يحدثه عن هذا النبي الذي هو من مكة المكرمة؛ فأخبروه أن أبا سفيان في تجارة بالشام، فاستدعاه والذين معه وسألهم عن النبي صلى الله عليه وسلم سؤالًا.
هذه القصة وقعت وقت أن كان أبو سفيان كافرًا؛ فإنه لم يسلم إلا بعد فتح مكة في سنة ثمانية؛ لكن أداءه للحديث كان بعد الإسلام؛ ولذلك قبل منه العلماء.
الخلاصة: أن علماء الحديث يشترطون في ناقل الخبر للحديث النبوي خاصة بشكل ضروري أن يكون مسلمًا، بصرف النظر عن كون الحديث متواترًا أو كونه

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)

آحادًا … هذا تقسيم لم يتوقفوا عنده من حيث ضرورة توفر شرط الإسلام في ناقله.
ويعبر عن رأي المحدثين في هذا الخطيب البغدادي حيث يقول -رحمه الله تعالى- في (الكفاية): ويجب أن يكون وقت الأداء مسلمًا؛ لأن الله تعالى قال: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} (الحجرات: 6) وإن أعظم الفسق الكفر؛ فإذا كان خبر المسلم الفاسق مردودًا مع صحة اعتقاده؛ فخبر الكافر بذلك أولى.
ثم يروي الخطيب -رحمه الله تعالى- بسنده إلى بهز بن أسد أنه ذُكِر له الإسناد الصحيح فقال: هذه شهادات الرجال العدول لبعضهم على بعض، يقصد: أنهم عدول يشهدون على بعضهم بأن كل واحد منهم سمع من الآخر؛ فلا بد أن نتأكد من إسلامهم ومن حسن توفر الثقة فيهم … لا بد من التأكد من ذلك، ولا سبيل لهذا إلا الإسلام، وإذا كان الله عز وجل قد طلب منا أن نتوقف في قبول خبر الفاسق مع صحة اعتقاده؛ فمن باب أولى نتوقف في خبر الكافر.
يقول الأصوليون: إنهم لا يشترطون الإسلام في رواة المتواتر عند أدائهم له …
نقل العلامة القاسمي -رحمه الله تعالى- في (قواعد التحديث) كلام النووي فقال: وقع في كلام النووي في (شرح مسلم) في المتواتر: أنه لا يشترط في المخبرين بالإسلام، وكذا قال الأصوليون، ولا يخفى أن هذا اصطلاح للأصوليين؛ وإلا فاصطلاح المحدثين فيه: أن يرويه عدد من المسلمين؛ لأنهم اشترطوا فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلًا ضابطًا بأن يكون مسلمًا بالغًا؛ فلا تقبل رواية الكافر في باب الأخبار وإن بلغ في الكثرة ما بلغ، إلى آخر ما قاله -رحمه الله تعالى.
والذي أعتقده في ذلك: أنه لا تقبل رواية الكافر للحديث الشريف أبدًا مهما كثر

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)

عددهم، ومهما كان اتصافهم بالصدق من وجهة نظر البعض؛ فهم مع صدقهم وكثرة عددهم لا يؤتمنون على الإسلام، ونحن نعلم موقفهم من الإسلام ومن أهله ومن قضاياه -ولا نريد أن نتوسع في هذه القضية- لكننا نؤكد أن الرواية للحديث الشريف شرفٌ لا يستحقه إلا من نال شرف الإيمان بالله تعالى وبهذا الرسول الكريم الذي ننقل كلامه، والذين لم يشرفوا أنفسهم بهذا الإيمان لا يجوز لهم أبدًا أن ينالوا شرف رواية حديث الطاهر صلى الله عليه وسلم.
على كل حال، الذي ينظر إلى أحوال كثير من غير المسلمين نجدهم يثيرون الشبهات حول السنة، ويتهجمون على الإسلام، ويتجرءون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكيلون الاتهامات جزافًا؛ فكيف يطمئن القلب والعقل بعد ذلك إلى قبول روايتهم لحديث نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم … قد نقبل روايتهم في غير الأحاديث النبوية … في الأخبار العادية السياسية والاقتصادية أو العلمية أو ما شاكل ذلك؛ لكن الحديث النبوي دين لا يؤخذ إلا عن من نثق في دينه وأمانته، ومن يحبون هذا النبي العظيم ويؤمنون برسالته ويتعبدون بطاعة الله تعالى وبطاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
نعود إلى الشرط الأول من شروط المتواتر لنقول: إنه العدد، ولنلخص الكلام في أننا إما أن نعتبر أن الحديث الذي رواه عشرة من الصحابة قد حدث له التواتر ولا يجهدون أنفسهم في تتبع الحلقات بعد ذلك اعتمادًا على أن الحلقات بعد هذا لا بد أن تكثر؛ فكل صحابي روى عنه مجموعة، وكل واحد من هؤلاء المجموعة روى عنه مجموعة، وتتبع ذلك يجهد كثيرًا، وعلى ذلك سار عمل من جمع الأحاديث المتواترة في كتبهم، وأكاد أقول: إن هذا الذي استقر عليه الاصطلاح، وعلى كل؛ لو قلنا: بأن العدد لا يحصر، وأنه متى اطمأن القلب إلى صدقهم فيحدث التواتر … أرى أن هذين الرأيين قريبان من بعضهما؛ وإن كنت أميل إلى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)

الرأي الأول باشتراط العدد حتى يكون عندنا اصطلاح محدد نقف عنده ونحتكم إليه؛ حتى لا يقال: إن قضايانا غير محددة أو لا يوجد لها ضوابط ملتزمة.
الشرط الثاني: أن يطمئن العقل والقلب معًا إلى عدم اتفاقهم على الكذب: هذا متوقف -في الحقيقة- على وجود صفات القبول المعروفة عند العلماء في هؤلاء الرواة مهما كان عددهم، ونحن قلنا: متى اطمأن القلب والعقل إلى صدقهم حدث التواتر … لعل هذا يؤيد ما ذكرناه من استبعاد تواتر الكفار؛ لأنه كيف يطمئن القلب والعقل إلى صدقهم … ذكرنا أن هذا الاطمئنان يتحقق بمراعاة أمور كثيرة، منها: صدقهم في الأخبار، منها: سلامة عقيدتهم، منها: عدم كيدهم ضد الإسلام، منها عدم وجود مصلحة لهم في الكذب إلخ؛ فمتى اطمأننا إلى ذلك حكم لخبرهم بالتواتر الذي يفيد العلم الضروري.
الشرط الثالث: أن يتوافر العدد المطلوب في كل حلقة من حلقات الإسناد مع وجود صفات القبول فيهم أيضًا؛ فليس التركيز على العدد وحده؛ بل لا بد أن ينضم إليه وجود صفات القبول فيهم في كل حلقة من حلقات الإسناد؛ فإذا اختل العدد أو فُقد شرط القبول -ولو في حلقة واحدة من حلقات الإسناد- اختل التواتر حينئذ حتى لو توفرت الشروط في بقية حلقات الإسناد؛ فالمطلوب هو وجود صفات القبول في كل رواة الحديث المتواتر في كل حلقة من حلقات الإسناد، مع كثرة العدد في كل حلقة.
الشرط الرابع: أن يكون منتهى خبرهم الحس؛ بمعنى: أن يقولوا في نهاية الخبر: رأينا، أو سمعنا؛ لأن الإدراك الحسي يفيد اليقين: أي: يروون شيئًا لنا في نهاية الكلام يعتمد على الحس، أي: على واحد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)

من أدوات الحس التي تفيد اليقين عند الإنسان، مثل: السمع، أو البصر، أو التذوق، أو اللمس، أو ما شاكل ذلك.
الشرط الخامس الذي أضافه ابن حجر -رحمه الله تعالى-: وهو أن يفيد الخبر اليقينَ والقطع لدى سامعه: وهذا نتيجة؛ ولذلك بعض العلماء توقف في قبوله كشرط، قال: هو نتيجة حتمية للشروط الأربعة السابقة؛ لأنه متى توفر العدد، وتوفرت صفات القبول في كل حلقة، وفي كل حلقات الإسناد مع انتهاء الخبر إلى الحس؛ بالضرورة سيطمئن القلب إلى سلامة الخبر، وسيقع التصديق به يقينًا.
على كل حال، ابن حجر يراه شرطًا، نحن نقلنا قوله: أن يفيد الخبر اليقين والقطع لدى سامعه؛ وذلك بأن يمطئن قلبه وعقله معًا أن ما حدثوه به هو الحق والصدق، ومقطوع بصدق نسبته إلى قائله … إن أفاد الخبر ذلك؛ فهو متواتر.
والحقيقة -كما قلنا- أنه قد دار نقاش طويل حول هذا الشرط الطويل الخامس؛ هل لا بد من وجود اليقين عند وجود السامعين أو نكتفي ببعضهم؟
نستطيع أن نقول: إن العلم الحاصل من كثرة العدد يوجب اليقين لدى كل السامعين؛ خصوصًا حين تنضم إلى ذلك بقية الشروط التي ذكرناها من شروط الحديث المتواتر؛ أما إذا كان اليقين في الخبر تحقق لقرائن أخرى غير كثرة العدد؛ فإن اليقين يتحقق لمن قويت عنده هذه القرائن؛ لأن القرائن قد تقوم عند البعض دون الآخرين، وقد يعتقدها البعض -أو يؤمن بها البعض- ولا يراها الآخرون قرائن قوية.
يقول صاحب (التعليق على نزهة النظر): والحق أن التواتر يحصل تارة بكثرة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)

المخبرين، ويحصل تارة بصفاتهم -كدينهم وضبطهم- ويحصل تارة بأخبار المخبرين، مع ما ينضم إلى ذلك من القرائن التي تحتف بالخبر؛ ككون كل من المخبرين قد أخبر بمثل ما أخبر به الآخر مع التيقن بعدم تواطؤهم، ويحصل التواتر أحيانًا لسامع ولا يحصل لسامع آخر لفطنة الآخر وذكائه مثلًا، أو لمعرفته بأحوال المخبرين؛ فأهل العلم بالحديث والفقه قد يتواتر عندهم من السنة ما لم يدرك العامة تواتره؛ كوجوب الشفعة … ونحو ذلك، وفي مثل هذه الحالة يجب على العامة التسليم لأهل الإجماع الذين أجمعوا على صحته.
خلاصة هذه النقاشات -كما رأينا من أقوال العلماء-:
أن التواتر لا يتوقف على العدد فقط؛ وإنما توجد هناك أحيانًا قرائن أخرى قوية تشفع لقلة العدد؛ فتجعل الخبر -مع قلة العدد متواترًا- مثل أن يكون رواته من أهل الورع والصدق والتثبت والثقة، وقد يكثر العدد ولا يتحقق التواتر؛ كأن يكون رواته من أهل البدع، أو يجمعهم هوى معين، أو يخضعون لسلطان قاهر قد يؤثر في خبرهم … وهكذا؛ فمتى توفر العدد واستحال في العقل بحكم سنة الله تعالى الجارية في الناس أن يتواطأ هؤلاء القوم على الكذب؛ فإن الخبر حينئذ يكون متواترًا.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)

‌‌الدرس: 12 دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة المطهرة (5)

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)

بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثاني عشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (5))

‌‌أقسام الحديث المتواتر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فالحديث المتواتر عند العلماء ينقسم إلى قسمين: المتواتر اللفظي، والمتواتر المعنوي.
التواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه، بمعنى أن الرواة الذين بلغوا حد التواتر قد اتفقوا على رواية اللفظ والمعنى معًا.
هناك فريق من العلماء يدخل في المتواتر اللفظي ما يسمونه بتواتر الواقعة الواحدة؛ حتى وإن جاء التعبير عنها بألفاظ مترادفة وأساليب متعددة، ما دامت الروايات قد اتفقت جميعًا على أصل الواقعة الواحدة، هذا إلحاق بالمتواتر اللفظي أن واقعة واحدة تتعدد، مثلًا: رواة ينقلون لنا شيئًا من غزوة من الغزوات تباينت أو اختلفت ألفاظهم؛ لكن أصل الواقعة ثابت في هذه الروايات المتعددة يلحقونه بالمتواتر اللفظي، هذا جهد بعض العلماء.
وهناك من أصر على أن المتواتر اللفظي هو أن يكون قد ورد باللفظ المحدد بدون تغيير أو تبديل عند الرواة جميعًا.
التواتر المعنوي: وهو ما تواتر معناه فقط دون لفظه، بمعنى: أن يتفق الرواة جميعًا على أصل المعنى ويتم التعبير عنه بألفاظ متعددة، وهذا غير ما ذكرناه في المتواتر اللفظي من تواتر الواقعة الواحدة … من أدخلوا الواقعة الواحدة؛ هي واقعة واحدة لكن جرى التعبير عنها بأساليب متعددة؛ أما هنا الوقائع تعددت … قد لا تبلغ كل واحدة منها على حدة حد التواتر؛ لكنّ القدر المشترك بين هذه الوقائع جميعًا قد تعدد بتعدد الوقائع؛ فيكون التواتر حينئذٍ تواترًا معنويًّا.
مثال ذلك: أحاديث رفع اليدين في الدعاء: فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم نحو مائة حديث

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)

تفيد رفع يديه أثناء الدعاء؛ لكنها جاءت في وقائع مختلفة ومناسبات متعددة، كل قضية منها أو واقعة منها على حدة لم تبلغ حد التواتر؛ لكنّ القدر المشترك بينها وهو رفع اليدين في الدعاء قد ورد فيها جميعًا؛ كأن يروى عنه مثلًا في الحرب دعا فرفع يديه، في صلاة الاستسقاء رفع يديه … القدر المشترك بين هذه الروايات جميعًا هو رفع الدعاء؛ فوصل الأمر بذلك إلى تواتر المعنى باعتبار مجموع الروايات المتعددة في ذلك، هذا أمر قاله الكتاني في (نظم المتناثر) وهو معروف، وقاله السيوطي في (الأزهار المتناثرة) إلخ، وقاله غيرهم في التفريق بين تعدد الواقعة وبين تواتر اللفظ، كلاهما قسم خاص؛ هذا تواتر معنوي، وهذا تواتر لفظي.

‌‌الدرجة التي يفيدها الحديث المتواتر من العلم
الدرجة التي يفيدها الخبر المتواتر من العلم:
حصول العلم في النفس له طرق متعددة: هناك علم وُلدنا به "علم فطري": مثلًا أن الله عز وجل ركز معرفتنا به في فطرنا؛ فقال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} (الأعراف: 172) هذا أمر ولدنا به، هناك أمر نراه بالمشاهدة يتحقق به العلم القطعي اليقيني: السماء فوقنا والأرض تحتنا، هناك علم يتحقق بالبداهة: الواحد نصف الاثنين، والاستدلال عليه يكون صعبًا، والاستدلال على البدهيات يزيدها تعقيدًا:
وليس يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل
فما الدرجة التي يفيدها الخبر المتواتر من العلم؟
هل أقطع مثلًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال هذا الحديث، أو يغلب على ظني أنه قد قاله؟
ذهب الجمهور من المحدثين والأصوليين إلى أن الحديث المتواتر يفيد العلم اليقيني

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)

القطعي، يعني: مقطوع ومتيقن بصدق نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا مجال للشك أو الإنكار في ذلك، ولا يحتاج -بعد ثبوت تواتره- إلى أدلة أو براهين؛ فمتى ثبت التواتر أفاد العلم اليقيني المقطوع به لدى سامعه، كما يُقطع أيضًا بصدق نسبته إلى قائله … إن كان الخبر منقولًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن غيره ما دامت قد توافرت شروط التواتر؛ فأصبح الخبر يقينيًّا، ولا نحتاج بعد ثبوت التواتر إلى أدلة أخرى لكي نطمئن إليه أو لكي نتيقن وقوعه.
هناك أناسٌ جادلوا في هذا، منهم: الكعبي، وأبو الحسن من المعتزلة، ومنهم: إمام الحرمين، والغزالي من أهل السنة، يعني: قال بأن الخبر المتواتر يفيد العلم النظري وليس القطعي اليقيني.
الفرق بين العلم القطعي اليقيني، والعلم القطعي النظري من زوايا:
منها مثلًا: أن العلم اليقيني الضروري الذي يفيده الخبر المتواتر يستقر في النفس مثل البدهيات؛ فلا يمكن دفعه عن النفس، كما أنه لا يحتاج -كما ذكرنا مرارًا- إلى أدلة تثبته أو إلى براهين تؤكده، ولا يحتمل الخلاف حوله كمثل الخلاف الذي يجري في النظريات.
أما العلم النظري؛ فإنه يحتاج إلى براهين ويتوصل إلى نتائج بمقدمات.
كمثال لهذا العلم النظري -وهو أيضًا يصل إلى نتيجة قطعية؛ لكن بعد نظر واستدلال-: نظريات الهندسة: حين يقولون مثلًا: إن المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا، هذه نظرية هندسية، هي إلى الآن مجرد افتراض، علينا أن نثبته؛ لن نتوصل إلى القطع بها كنتيجة علمية مؤكدة إلا بعد أن نستدل عليها؛ فمثلًا يعلموننا في الهندسة أن نقول: أن الفرض هو كذا، الفرض هو رأس

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)

النظرية: المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا، المطلوب: إثبات هذا الفرض، البرهان: بما أن … وبما أن … وبما أن … إذن النتيجة: هي أن المثلث المتساوي الأضلاع متساوي الزوايا أو المثلث المتساوي الزوايا متساوي الأضلاع، وصلنا إلى هذه النتيجة وأصبحت معلومة يقينيًّا مقطوعًا بها بعد أن استدللنا عليها، هذا هو العلم النظري القطعي.
كلمة "نظري" بمعنى: أنه جاء بناء على استدلال ونظر، و"قطعي" بمعنى: أنه وصلنا إليه كنتيجة مقطوع بها يعني: حتميّة …
الخبر المتواتر لا يحتاج إلى نظر واستدلال، هو بمجرد ثبوت التواتر يفيد القطع واليقين، ونسبة الخبر إلى قائله نسبة يقينية مقطوع بها؛ خلافًا لما ذكرناه من الكعبي وأبو الحسن من المعتزلة وإمام الحرمين والغزالي الذين يقولون: إن إفادة الخبر المتواتر للعلم هي إفادة نظرية.
وأيضًا، من الفروق بين العلم الضروري والعلم النظري: أن العلم الضروري يقع لكل سامع به -سواء كان عالمًا أو ليس من أهل العلم- يقع القطع به، أما العلم النظري؛ فلا يقع القطع به إلا لمن هو عنده أهلية النظر، ولمن هو يدرك هذا التخصص، وهذا الفهم، مثلًا المثال الذي ضربناه: المثلث المتساوي الزوايا متساوي الأضلاع؛ الرجل العادي لا يشتغل بها، ولا يهتم بها إلا المتخصصون في العلوم الهندسية ويأخذون هذه النظرية بعد تأكيدها لتطبيقها في أمور علمية متعددة ينتفعون بها في حياتهم.
وهناك من ينكر إفادة المتواتر للعلم لا نظري ولا قطعي، وهؤلاء لا يستحقون عناء الرد عليهم أصلًا؛ لأنه مخالف للبدهيات، وأجدر الآراء بالقبول -وهو الحق لا جدال في ذلك- هو رأي الجمهور الذي يؤكد أنه: متى توافر الخبر أصبح

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)

العلم به علمًا ضروريًّا، يعني: توفر في قلوبنا وفي يقيننا بعد أن تواتر الخبر؛ لكنه بعد ذلك لا يحتاج إلى نظر واستدلال.
هذا -على كل حال- هو الدرجة التي يفيدها الخبر المتواتر من العلم، وإذا طبقنا ذلك على الحديث النبوي: يفيدنا أنه متى ثبت تواتر الحديث فقد تيقَّنَّا بالضرورة بصدق نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم، وأصبح الإيمان بذلك إيمانًا حتميًّا لا يستطيع أحدٌ بعد أن يثبت تواتر الحديث أن يتكلم في صدق نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم بعكس ما يتكلمون به في شأن الخبر الآحاد.
ولذلك ترتب على ذلك كلام العلماء في قضية أخرى وهي: ما حكم منكره وجاحده؟
ما دمنا قد قطعنا بأنه يفيد العلم اليقيني القطعي الضروري، ولا يحتاج بعد ثبوت التواتر إلى أدلة وقطعنا بصحة نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه النسبة المقطوع بها قد تحققت بكثرة الطرق المعتبرة المؤكدة لذلك؛ فأصبح الخبر المتواتر قطعي الثبوت. رتبوا على ذلك مسألة وهي أن منكره وجاحده كافر؛ لأنه ما دامت نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقطوعًا بها؛ فإن جاحده مكذب للرسول صلى الله عليه وسلم وهذا بلا جدال يخرج صاحبه من الإيمان.
يقول فضيلة الدكتور أديب صالح عن حكم الحديث المتواتر: ولقد قرر العلماء أن المتواتر يفيد العلم اليقيني الذي لا مجال فيه للتكذيب ويكفر جاحده؛ لأنه قطعي الثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاحده مكذّب للرسول، وشأنه في إفادة العلم شأن ما يفيده الحس بالمشاهدة وغيرها.
يريد أن يقول في مسألة إفادة العلم: كما نرى بأدوات الحس، يعني: كما أرى

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)

بعيني الشيء وكما أسمع بأذني وأتيقن يقينًا جازمًا لا شبهة فيه؛ فكذلك إذا ثبت تواتر الخبر فقد أفاد درجة العلم التي تفيدها المشاهدة.
وهكذا نرى أن المتواتر لا يحتاج إلى شيء من البحث والنظر، كما نعلم مثلًا وجود عمر وعلي في الصدر الأول، وكما نعلم وجود دمشق وبغداد وقرطبة من غير حاجة إلى البحث والتأمل.
إذن الخبر المتواتر يفيد العلم القطعي، وبالنسبة للحديث فإن نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقطوع بها.
الحديث المتواتر جرى نقاش بين العلماء؛ هل هو موجود بكثرة في السنة؟
ابن الصلاح يقول: من تطلب المتواتر عز وجوده، لعله يقصد المتواتر اللفظي بنصه؛ لكنّ المتواتر كثير جدًّا في الأحاديث.
وابن حجر -رحمه الله تعالى- يرد على كلام ابن الصلاح في ادعاء العزة في وجود الخبر المتواتر يقول:
وما ادعاه من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم؛ لأن ذلك نشأ عن قلة الاطلاع على كثرة الطرق وأحوال الرجال وصفاتهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطئوا على الكذب أو يحصل منهم اتفاق على ذلك. ومن أحسن ما يقرر به كون المتواتر موجودًا وجود كثرة من الأحاديث: أن الكتب المشهورة المتداولة بأيدي أهل العلم شرقًا وغربًا المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مصنفيها إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعددت طرقه تعددًا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب -إلى آخر الشروط- أفاد العلم اليقيني، ومثل ذلك في الكتب المشهور كثير.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)