وأيضًا السيوطي ينقل كلام ابن الحجر السابق في (التدريب) ويؤكده ويعقّب عليه بأنه ألف في الأحاديث المتواتر كتابًا، ثم اختصره في كتاب آخر، هذا كله يدل على أن المتواتر موجود، وأنه قد أُلِّفت فيه الكتب.
من الفوائد أيضًا المتعلقة بالحديث المتواتر أن نقول: إنهم حين يذكرون كلمة "المتواتر" هكذا مطلقة؛ فإنما يقصدون المتواتر اللفظي.
أيضًا، من المسائل الهامة: حين نقول بوجود المتواتر في السنة بكثرة؛ فليس معنى ذلك أن الأغلب في السنة هو الخبر المتواتر؛ وإنما الأغلب هو الآحاد، وهذا لا يقلل من شأن الآحاد ولا يزيد في المتواتر. إذن الحديث المتواتر موجود؛ لكنّ الأغلبية في السنة للحديث الآحاد.
المؤلفات كثيرة في الحديث المتواتر، منها كتاب (قطف الأزهار) و (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة) و (الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة) وكلها للسيوطي، وهناك من جعلهما كتابين فقط وليست ثلاثة كتب، و (البرهان) للزركشي، ألف قبل السيوطي كتابًا في الأحاديث المتواترة أشار إليه السخاوي في (فتح المغيث)، وهناك (نظم المتناثر من أحاديث المتواتر) تأليف أبي الفيض جعفر الحسن الشهير بالكتاني، وهناك (اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لشمس الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن علي بن طولون الحنفي الدمشقي الصالحي، وهناك (لقط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة) لأبي الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري.
وهناك كتب كثيرة، ومعظم هذه الكتب مطبوع بفضل الله عز وجل ومعظمها أيضًا في جزء واحد لا يصعب طلبه من المكتبات، ولا يصعب الوقوف عليه مما لا نطيل بذكر التفصيلات حول هذه الكتب كثيرًا، ذكرناها للفائدة.
هناك أحاديث متواترة كثيرة: من أمثلتها: حديث: ((من كذب عليّ متعمدًا؛ فليتبوأ مقعده من النار)) ابن الصلاح في مقدمته رحمه الله قال: نقله من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
الصحابة العدد الجم، وهو في الصحيحين مروي عن جماعة منهم، والعراقي في تعليقاته على المقدمة أفاد أن بعض من جمع طرقه وصل بهم إلى ثمانية وتسعين نفسًا، وذكرهم بالاسم الزبيدي في (لقط اللآلئ المتناثرة)، وذكر من أخرج رواية كل منهم من أصحاب الكتب؛ فمن بين الصحابة الذين رووه مثلًا غير العشرة المبشرين بالجنة: أبو هريرة، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وأبو قتادة، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، في نفر كثير من الصحابة -رضوان الله عليهم-، وقد أخرجه الشيخان -رحمهما الله تعالى- من رواية علي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وأنس، والمغيرة، وغيرهم كثير؛ كما انفرد البخاري رحمه الله ببعض طرقه مثل انفراده من طريق الزبير بن العوام وعبد الله بن عمرو بن العاص وهكذا، ويكاد هذا الحديث يوجد في كل كتب السنة تقريبًا.
حديث: ((الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة))، حديث: ((لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلًا))، حديث: ((من غشنا فليس منا)) أو ((من غش فليس منا)).
حديث الآحاد
حديث الآحاد الذي هو القسم الثاني من أقسام الحديث باعتبار عدد الرواة في كل حلقة من حلقات إسناده:
الآحاد جمع أحد بمعنى الواحد، ويعرّفه العلماء فيقولون: هو ما فَقد شرطًا من شروط الحديث المتواتر، ويعرّفه غيرهم فيقولون: هو ما لم يبلغ درجة التواتر، التعريفان قريبان من بعضهما، نستطيع أن نقول بمعنى واحد تقريبًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
بإيجاز، الحديث الآحاد له أقسام:
منها: الحديث المشهور: واختُلِف في تعريفه، مثلًا ابن حجر رحمه الله في (شرح النخبة) يقول: ما له طرق محصورة بأكثر من اثنين، وقيل في تعريفه أيضًا: ما رواه في كل طبقة من طبقاته ثلاثة فأكثر دون أن يصل إلى درجة التواتر.
هذه التعريفات -على كل حال- متقاربة، مدارها على أن المشهور لا ينبغي أن يقل العدد في كل طبقة من طبقاته عن ثلاثة رواة في كل حلقة من حلقات الإسناد على الأقل، ليس معنى هذا: أنه يشترط أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة عن ثلاثة، بمعنى وجود ثلاثة في كل حلقة لا يزيدون ولا ينقصون نحن نريد ألا ينقص العدد عن ثلاثة ولو في حلقة واحدة من حلقات الإسناد، إذا قل العدد عن ثلاثة لا يصبح مشهورًا وينتقل إلى العزيز.
ننبه إلى أن الحديث المشهور تعتريه أحكام الصحة والحسن والضعف، بمعنى آخر: ليست شهرة الحديث دليلًا على صحته؛ وإنما لا بد من التثبت في شأنه، والحكم بما يليق به صحة أو حسنًا أو ضعفًا. أيضًا ما نقوله في هذه المسألة نقوله أيضًا في أقسام الآحاد من العزيز والغريب التي سيأتي الكلام عنها، ذكرناه فقط عند المشهور لأنه ربما تصور البعض أن شهرة الحديث دليلٌ على صحته، وكثير من نسأل من الناس عن بعض الناس فنقول لهم: إنها ضعيفة؛ فيقولون: إنها مشهورة جدًّا وتنتشر على الألسنة إلخ؛ ولذلك هناك مؤلفات في الأحاديث المشتهرة على الألسنة مثل: (المقاصد الحسنة) للسخاوي، ومثل (كشف الخفاء) للعجلوني، وغيرهم، يحكمون على الأحاديث المشهورة على الألسنة على كل حديث بما يليق بحاله من الصحة والحسن والضعف.
هناك كلام كثير جدًّا عن المشهور مظنه في كتب المصطلح حديث مشهور عند أهل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
الحديث وأهل العلم جميعًا والعوام مثل: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) وهناك مشهور عند المحدثين خاصة، ويقول العراقي -رحمه الله تعالى- في ألفيته:
كذا المشهور أيضًا قسموا … بشهرة مطلقة كالمسلم
أي: حديث: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) والمقصور على المحدثين من المشهور:
قنوته بعد الركوع شهرًا … ومنه ذو تواتر مستقر
يعني: يقصد بالحديث المشهور الذي هو عند أهل الحديث خاصة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظل يقنت على بعض القبائل شهرًا بعد الركوع لما فعلوه من قتل المسلمين في الرجيع وبئر معونة، وهناك مشهور عند الأصوليين، وعند الفقهاء، وعند النحاة، وقد لا يكون لا أصل له إلخ؛ لكنها تقسيمات للعلماء باعتبار ما دار على ألسنة الناس من الحديث كما هو معروف.
للحنفية في الحديث المشهور قولٌ أشار إليه الأستاذ الدكتور: محمد أديب صالح، بأن المشهور عند الأحناف له اصطلاحٌ خاص: إذا كان الحديث باعتبار عدد رواته ينقسم عند المحدثين إلى متواتر وآحاد -كما ذكرنا- فإنه عند الحنفية ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى متواتر، ومشهور، وآحاد … على ذلك؛ المشهور ليس قسمًا من أقسام الآحاد؛ وإنما هو قسيم للمتواتر والآحاد؛ فهو قسم ثالث من أقسام الحديث باعتبار عدد رواته في كل حلقة.
الأحاديث المشهورة على الألسنة لها مؤلفات كثيرة.
النوع الثاني من حديث الآحاد: هو حديث العزيز:
وسمي بهذا الاسم إما لقلة وجوده؛ لأنهم يقولون: عز الشيء يعز، يقصدون: أنه قل؛ وقد يكون سُمي بذلك لأنه قوي واشتد بمجيئه من طريق آخر من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
قولهم: عَزَّ يعَزُّ، بفتح العين في المضارع، أي: اشتد وقوي، ومنه قوله تبارك وتعالى: {فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ} (يس: 14) أي: قوينا وشددنا أمر الرسولين برسول ثالث.
"العزيز": هذه صفة مشبهة على وزن "فعيل" من عزّ؛ إنما تعريفه: ما لم يقل الرواة فيه عن اثنين ولو في طبقة واحدة، أو يقولون: ما تحقق في رواته اثنان ولو في طبقة واحدة، ولم يقلّ الرواة عنهما في أي طبقة.
ك ما ذكرنا عن حكم الحديث المشهور من أنه تعتريه أحكام الصحة والحسن والضعف؛ فكذلك نقول عن العزيز.
والغريب أيضًا القسم الثالث من أقسام حديث الآحاد:
هو أولًا لغويًّا: مشتق من الغربة؛ بمعنى: المنفرد أو البعيد … الرجل الغريب: هو المنفرد أو هو البعيد عن أهله … الحديث الغريب: سمي بذلك لأن راويه قد قد انفرد بالرواية عن غيره، مثل الغريب الذي انفرد وابتعد عن وطنه وعن أهله.
العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي علاقة واضحة، يعرفه ابن حجر -رحمه الله تعالى- في الاصطلاح فيقول عنه: ما تفرد بروايته شخص واحد في أي موقع وقع التفرد به في السند. هم يقسمونه إلى غريب نسبي وغريب مطلق، وكما قلت: هذا محله كتب المصطلح؛ لكن متى وُجد راو ٍ واحد ولو في حلقة من حلقات الإسناد يسمونه بالحديث الغريب.
هذه هي أقسام حديث الآحاد بإيجاز؛ لأن مظنتها هي كتب المصطلح … ولأننا بعد ذلك إن شاء الله تبارك وتعالى سنرد على الشبه التي أثاروها حول العمل بخبر الآحاد وكأنهم يريدون أن يضيعوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
حكم العمل بحديث الآحاد:
كما تكلمنا عن حكم العمل بالحديث المتواتر وأنه مقطوع بصدقه ومقطوع بصدق نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم وأيضًا منكر المتواتر كافر؛ لأنه كما يكون قد أنكر شيئًا من القرآن الكريم … القرآن الكريم نقل إلينا بالتواتر، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تلقاه عن سيدنا جبريل عليه السلام ثم تلقاه الصحابة الكرام عن النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاه من بعدهم عن الصحابة، هذا القرآن وظلت الأمة تتناقله بالملايين جيل عن جيل إلى عصرنا، وإلى ما بعد عصرنا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ كذلك الحديث المتواتر نقل إلينا بالعدد الكبير الذي يطمئن القلب إلى عدم وقوع الكذب منهم.
إذن، إنكار شيء من الحديث المتواتر هو أيضًا كإنكار شيء من القرآن الكريم؛ ولذلك حكم العلماء بكفر هذا وكفر ذاك.
بادئ ذي بدء نفرق بين مسألتين: ما الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم؟ ثم ما حكم العمل بحديث الآحاد؟
حين تكلمنا عن الخبر المتواتر قلنا: إنه يفيد العلم الضروري الذي يحصل اليقين لسامعه بصدق الخبر، لا يحتاج بعد ثبوت التواتر إلى نظر واستدلال. فما الدرجة التي يفيدها خبر الآحاد من العلم؟
آراء العلماء في هذا متعددة؛ منهم من قال بإفادة خبر الآحاد للعلم القطعي، بمعنى أننا نقطع بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قاله، ومنهم من قال بإفادته للعلم الظني. الظن يعرفه الأصوليون بتعريفات متعددة تدور حول: أنه العمل بالقول الراجح أو ترجيح أحد الاحتمالين. الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في مقدمة (صحيح
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
مسلم) ينقل وينسب هذا القول إلى المحققين والأكثرين من الأصوليين والمحدثين -وهذه الأكثرية في الحقيقة فيها نظر وقد تعقبه بعض العلماء في ذلك- ينقل أن أكثر العلماء من المحدثين والأصوليين يقولون بإفادته للظن، يعني: يغلب على ظننا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ولا نقطع بصدق نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم.
كثير من المحدثين من أهل العلم قالوا بإفادة خبر الآحاد للعلم النظري، أي: المبني على نظر واستدلال، نحن نصل إلى صحة الحديث بدراسة الإسناد ودراسة المتن، تعلمون أن علماء الحديث قد وضعوا شروطًا إذا توفرت في الإسناد حكم عليه بالصحة ووضعوا شروطًا للمتن: ألا يباين المنقول، أو يخالف المعقول، أو يصادم الأصول؛ وإذا كان كذلك فيكون صحيحًا، بالإضافة إلى معايير أخرى ذكروها في هذه المسألة.
إن العلماء الذين قالوا: إن خبر الآحاد يفيد القطع النظري، يعني: المبني على نظر واستدلال؛ لكننا نقطع بصحة نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم يقولون: قد درسنا الإسناد في ضوء القواعد المقررة عند العلماء ودرسنا المتن في ضوء القواعد المقررة عند العلماء لدراسة المتن؛ فسلِم لنا الإسناد والمتن معًا؛ فلماذا نتردد في القطع بصحة نسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟!
إلى هذا الرأي ذهب صاحب (المحلى) ابن حزم، وذهب الشيخ شاكر، والشيخ ناصر الألباني رحمه الله وذهب كثير من العلماء.
وهناك من قال بإفادة الآحاد القطع؛ لكنه قصره على أحاديث الصحيحين مثل ابن الصلاح في (المقدمة) قال: بأن أحاديث الصحيحين فقط هي التي نقطع بصحة نسبتها للنبي صلى الله عليه وسلم وواضح أن مبنى هذا الرأي عند ابن الصلاح على أن الصحيحين قد أجمعت الأمة على تلقيهما بالقبول، ومن ثم فأصبح الأمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
إجماع أمة وليس مجرد رواية البخاري ومسلم فقط، ومن هنا أعطى لآحاد الصحيحين بالأحرى إفادة القطع، أي: نقطع بصحة نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم.
ابن حجر -رحمه الله تعالى- أضاف إلى ابن الصلاح فائدة أخرى: لم يقصر حكم إفادة العلم، أي: صدق النسبة والقطع بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم على أحاديث الصحيحين فقط؛ إنما ألحق بأحاديث الصحيحين كل حديث احتفت به قرائن تكسبه مزيدًا من القوة، قال فريق كثير من العلماء بأن الصحيحين أو آحاد الصحيحين يفيد القطع بصحة نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم لما توافر للصحيحين من إجماع الأمة … أيضًا ما المانع أن نلحق بهذا الأمر كل حديث قامت قرائن وأدلة على أنه يرتقي إلى أحاديث الصحيحين … قرائن أكسبته مزيدًا من القوة، خصوصًا وأننا نعلم أن الصحيحين لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة ولم يلتزما بهذا.
مثلًا الحديث المسلسل بالأئمة الأجلاء: حديث رواه الإمام أحمد بن حنبل، عن الإمام الشافعي، عن الإمام مالك، عن نافع، عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- مثلًا أو عن الزهري عن ابن عمر … هذا حديث نستطيع أن نسميه بأنه مسلسل بالأئمة الأجلاء الكبار، فلو كان هذا الحديث عند غير الصحيحين ألحق ابن حجر مثل هذه الأحاديث بأحاديث الصحيحين.
بما أنني قد تأكد من صحة السند وتأكدت من صحة المتن وسلِم لي الاثنان معًا- فلماذا لم أقطع بصحة نسبة الحديث للنبي صلى الله عليه وسلم؟!
متى صح الحديث وجب العمل به:
العلماء أجمعوا جميعًا على أن الحديث متى صح وجب العمل به بصرف النظر عن إفادته بالنسبة لنسبته إليه صلى الله عليه وسلم الظن أو القطع ولا يصرف عن وجوب العمل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 232)
به إلا بصارف شرعي كأن يكون منسوخًا مثلًا، أو عامًّا وخُصص، حتى النووي رحمه الله لما تكلم من وجهة نظره عن أن خبر الآحاد يفيد الظن حكى إجماع العلماء على أن الأمة يجب عليها العمل بما غلب على ظنها … ليس شرطًا أن أصل إلى درجة القطع لأعمل بمضمون الخبر، هذا أمرٌ مقرر للعلماء.
مثلًا، حين يخبرنا مخبر أنه قد رأى هلال شوال أو هلال رمضان: في هلال رمضان يجب على الأمة أن تصوم، ومن أصبح مفطرًا بعد أن تأكدنا من عدالة الناقل للخبر بأنه رأى الهلال سيفطر يومًا لا يجوز فطره وله عقوبته المقررة عند العلماء في كتب الفقه، وكذلك أيضًا من صام حين يُرى هلال شوال سيصوم يومًا حرم صيامه على المسلمين بإجماع الأمة على ذلك، والحج ينبني على ما يراه الرائي بالنسبة لهلال شهر ذي الحجة … البينات … الأحكام من الحدود وغيرها … مثلًا حين يشهد اثنان بأن فلانًا قتل فلانًا وتأكد القاضي من عدالة الرواة سيقتص منه، والاثنان خبر آحاد، والواحد الذي رأى الهلال خبر آحاد، والحدود كلها؛ حتى أشد الحدود أو أكثر الحدود طلبًا للعدد: وهو حد الرجم طُلِب فيه أربعة شهود؛ كما ورد في القرآن الكريم؛ حتى الأربعة على الرأي الأغلب عند العلماء ليس خبرًا متواترًا؛ إنما هو أيضًا خبر آحاد؛ وإنما زاد العدد في الأغراض لأنها مبنية على الصيانة والتحوط.
يشهد اثنان عليّ بأنني مدين بمبلغ كذا لفلان … متى اطمأن القاضي لعدالة الرواة؛ حكم بأن المبلغ عليّ، ولا يحتاج الأمر إلى إقراري، وعليّ أن أؤدي المبلغ كما ذكره الشهود إلخ … إلخ …
أمور كثيرة جدًّا من أحكام الفقه والشرع تنبني على خبر الآحاد، وهذا يؤكد ما ذكرناه من أن الأمة يجب العمل عليها بخبر الآحاد.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
الدرس: 13 دفع الشبهات المثارة حول حجية السنة المطهرة (6)
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الثالث عشر
(دفع الشبهات المثارة حول حُجية السنة المطهرة (6))
الشبه المثارة حول حجية خبر الواحد، والرد عليها
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وأحبابه وأصحابه وأزواجه الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
هناك محاولات لإثارة الشبه حول حجية خبر الواحد، ويقولون بها، ويريدون أن ينتهوا إلى نتيجة: وهي أنه لا يجب العمل بخبر الواحد.
من أقوى ما حاولوا أن يستدلوا به قول الله تبارك وتعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء: 36) وقالوا: إن العمل بخبر الواحد اقتفاء لما ليس لنا به علم، وشهادةٌ وقولٌ بما لا نعلم؛ لأن العمل به موقوف على الظن …
هؤلاء يصرون على إفادته للظن، ويقولون: قال الله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم: 28) وقالوا: قد ذمّ الله تبارك وتعالى من اتبع الظن وبيَّن -جل في علاه- أن الظن لا يغني من الحق شيئًا؛ فهم يتبعون دليلًا واهيًا، لا قوة له، لا يفيد في إثبات الحق شيئًا … هذه شبهة قال بها بعض المعتزلة وقال بها بعض من تبعهم من المحدَثين.
وحاولوا بعد هذه القاعدة أن يستدلوا بأدلة من السنة؛ مثلًا في قصة ذي اليدين، وهي قصة مذكورة في الصحيحين، وذكرها البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان، والصلاة، والصوم، والفرائض، والأحكام … إلخ، ورواه الإمام مسلم في كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له.
وهذا لفظ مسلم: روى بسنده -رحمه الله تعالى- إلى أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي -إما الظهر، وإما العصر- فسلم في ركعتين، ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد فاستند إليه مغضبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر؛ فهابا أن يتكلما، وخرج سرعان الناس قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: قصرت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
الصلاة. فقام ذو اليدين فقال: يا رسول الله؛ أقصرت الصلاة أم نسيت؟ نظر النبي صلى الله عليه وسلم يمينًا وشمالًا فقال: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق؛ لم تصلّ إلا ركعتين. فصلى ركعتين وسلم ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع؛ ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع وسجد)) الخلاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتم الصلاة بناء على إخبار ذي اليدين بعد أن سأل الصحابة رضي الله عنه
ذو اليدين هو الخرباق بن عمرو السلمي، يقال له "ذو اليدين"؛ لأنه كان في يديه طول، وبعض الأقوال تقول: لأنه كان قصير اليدين؛ هو صحابي جليل، ترجم له في كتب الصحابة مثل (الإصابة) و (أسد الغابة) وغيرهم من الكتب التي ترجمت للصحابة -رضوان الله عليهم.
وجه استدلالهم بهذا الحديث:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل قول ذي اليدين بادئ ذي بدء إلا بعد أن سأل الصحابة، وكأنه لم يثق بخبر الواحد إلا بعد أن أكده الذين كانوا معه.
وأيضًا، يجمعون إلى ذلك أدلة كثيرة كلها تدور حول هذا المعنى: أن مواقف من الصحابة احتاجوا فيها إلى قول آخر يساند القول الأول.
من ذلك مثلًا: حديث عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- في توقفه في قبول خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان: أبو سعيد يقول: "كنا في مجلس عند أبي بن كعب؛ فأتى أبو موسى الأشعري مغضبًا حتى وقف فقال: أنشدكم الله؛ هل سمع أحدٌ منكم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الاستئذان ثلاث؛ فإن أذن لك وإلا فارجع)) قال أبي بن كعب: وما ذاك؟ قال: استأذنت على عمر بن الخطاب أمس ثلاث مرات؛ فلم يؤذن لي فرجعت، ثم جئته اليوم فدخلت عليه؛ فأخبرته أني جئت أمس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
فسلمت ثلاثًا ثم انصرفت. قال: قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل؛ فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك! قال: استأذنت كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال. فقال الفاروق رضي الله عنه: فوالله لأوجعنَّ ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا. فقال أبي بن كعب: فوالله لا يقوم معك إلا أحدثنا سنًّا؛ قم يا أبا سعيد. فقمت حتى أتيت عمر؛ فقلت: قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا".
حديث أبي موسى هذا رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا، ورواه مسلم رحمه الله في كتاب الآداب، باب الاستئذان.
أيضًا، قصة أبي بكر -رضي الله تعالى عنه- حين توقف في ميراث الجدة لما جاءته تسأله حقها في الميراث: "قال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئًا، ولا أعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى لك بشيء؛ أشرنا إلى عظمة كلام أبي بكر رضي الله عنه وذكائه وفطنته وأشرنا أيضًا إلى الحديث ومدى دلالته على حجية السنة، بعد أن كان الخليفة الراشد الأول أبو بكر رضي الله عنه قد رد المرأة، وقال لها: ارجعي. حتى سأل الناس؛ فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس. وهي لم يذكر فرضها في القرآن؛ فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، وذكر مثل ما قاله المغيرة بن شعبة؛ فأنفذه لها أبو بكر -رضي الله تبارك وتعالى عنه-".
وقصة أبي بكر رضي الله عنه رواها أبو داود في كتاب الفرائض باب في الجدة ورواها الترمذي في كتاب الفرائض أيضًا باب ما جاء في ميراث الجدة، وعقب عليه الترمذي -رحمه الله تعالى- فقال: وهذا أحسن وأصح من حديث ابن عيينة، يعني: يرجح إحدى الروايتين؛ لكنه حكم لها بالصحة -على كل حال.
إذن، هذه أدلةٌ، المنكرون لحجية خبر الآحاد يتصورونها أنها أدلة على أن الصحابة لم يقبلوا خبر الواحد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
ونريد أن نرد على هذه الشبه، ثم نذكر الأدلة على قبول خبر الواحد وهي أدلة كثيرة جدًّا، وسنقف معها مع (رسالة الإمام الشافعي) -رضي الله تعالى عنه- وغيره من الكتب الواردة في هذه الموضوع:
المسألة الأولى: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم: 28) يقولون: إن هذه الآية قد ذم الله فيها الظن، وبيَّن أنه لا يغني من الحق شيئًا، يعني: من أراد الحق وطلبه؛ فلا يكتفِ بأدلة الظن؛ إنما لا بد له من الوصول إلى القطع واليقين، وأحاديث الآحاد تفيد الظن.
مثل هذه الآيات جمعوها واستدلوا بها، ونريد أن نقول: إن الظن هنا في هذه الآيات هو الذي يوضع في مقابلة اليقين؛ فكأنه نوع من الوهم، وإلا فإن الظن درجة من درجات العلم يبنى عليها، والظن: هو ترجيح أحد الاحتمالين أو هو القول بالعمل الراجح -على تعريفات متعددة للظن عند الأصوليين.
دعونا نستدل من القرآن الكريم على أن الله تبارك وتعالى في آيات كثيرة قد اعتبر الظن:
من ذلك مثلًا في سورة البقرة: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (البقرة: 45 - 46) لم تقل الآية: الذين يعتقدون أنهم ملاقو ربهم،
أيضًا، سورة المطففين: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ} (المطففين:1 - 5) مع أن إيماننا باليوم الآخر يجب أن يكون معتقدًا مقطوعًا به؛ إلا أن الله عز وجل اعتبر الظن هنا درجة كافية في وجوب الإيمان باليوم الآخر؛ بل إن هنا لفتة أشار إليها بعض العلماء حين قال: عبّر الله بالظن في مجال يقتضي اليقين؛ ليبين لنا أنه حتى ولو غلب على ظن الأمة أو غلب على ظن بعض أفراد الأمة أن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)
يوم القيامة واقع لكانت غلبة الظن هذه كافية في أن يحسنوا الاستعداد لهذا اليوم وألا يفعلوا ما فعلوه من مخالفات جسيمة حين طففوا الكيل والميزان؛ ألا يعتقدون يومًا سيحاسبون فيه على تطفيف الميزان وغيره؟! هذا الظن أو هذا الاعتقاد عبر عنه القرآن الكريم بقوله: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ}.
الخلاصة: أن الظن في هذا الفهم درجة من درجات العلم القوية التي، حتى وإن لم تصل إلى درجة اليقين؛ فهي كافية لأن ينتسب العبد إلى مضمون الخبر الذي غلب على ظنه بأنه صحيح، وهناك من العلماء من فسّر بأن الظن هنا: هو اليقين، وقالوا كذلك: الظن بمعنى اليقين، وسواء هذا أو ذاك؛ فهي اجتهادات في تفسير الآية.
ونخلص من ذلك كله إلى أن الاستناد إلى الآية: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} إنما هو استنادٌ إلى فهم خاطئ في معنى الظن … واضح جدًّا من السياق هنا أنه الوهم، أو الذي ليس له أي درجة من الصدق أو الحجية.
فسياق الآية واضح في أن الظن هنا ليس هو الظن الذي عرفه الأصوليون بأنه: ترجيح أحد الاحتمالين، أو العمل بالقول الراجح؛ وإنما هو الظن المرادف للوهم الذي لا يَعتمد على أي دليل ولا حتى شبهة دليل؛ وإنما يخرف به أصحابه من غير استناد إلى آثارة من علم أو برهان حتى ولو كان ضعيفًا.
إذن هذا الدليل وأمثاله مما حاولوا أن يستدلوا به على أن خبر الآحاد لا يُعمل به لإفادته الظن مردودٌ عليه -كما وضح من القول.
أما ما ذكر من استدلالهم بقصة ذي اليدين التي أشرنا إليها وبقصة عمر -رضي الله تبارك وتعالى عنه- في قصة الاستئذان مع أبي موسى، وفي قصة ميراث الجدة كلها لا تدل على ما ذهبوا إليه.
أولًا: الصحابة كلهم عدول، وأبو موسى عدل من العدول الكبار في عالم الصحابة، وذو اليدين أيضًا؛ إنما الصحابة -رضوان الله عليهم- علمونا التثبت في رواية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
الأخبار، لم يشكوا أبدًا من خبر أبي موسى، ولم يشك الصديق في خبر المغيرة، ولم يشك النبي صلى الله عليه وسلم في ذي اليدين؛ إنما أرادوا التأكد فقط؛ فهل بعدما شهد شاهد مع أبي موسى أو مع المغيرة أصبح الخبر متواترًا؟! لا، لا يزال خبر آحاد كما هو؛ لأنه من رواية اثنين فقط، ورواية اثنين -باتفاق الجميع- من أخبار الآحاد، وليس من أخبار التواتر.
خصوصًا أن المواقف الثلاثة التي أشرنا إليها تحمل أحكامًا شرعية في قصة ذي اليدين.
أيضًا ميراث الجدة، القرآن على تفصيله في آيات المواريث لم يذكره؛ ولأن قصة الجدة نادرة، يندر أن تظل الجدة حية إلى أن ترث حفيدها؛ فيكون الخبر ليس معروفًا عند كثير من الصحابة … هذا أمر وارد جدًّا؛ فلذلك أراد الصديق رضي الله عنه أن يستوثق؛ لأن هذا أيضًا حكم شرعي، وكذلك الأمر في قصة أبي موسى، ويتضمن حكمًا بأن الذي يستأذن ثلاث مرات ولم يؤذن له؛ فليرجع.
إذن، الاستدلال أيضًا بهذه النصوص ليس استدلالًا قويًّا؛ بل هو ضعيف ومتهافت -كما ذكرنا- والعلماء الذين ذكروا هذا ذكروا أدلةً كثيرة على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأن الصحابة -رضوان الله عليهم- قبلوا كثيرًا جدًّا من أخبار الآحاد.
أدلة الإمام الشافعي على حجية خبر الواحد
ونأتي الآن إلى أدلة الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى- في (الرسالة) عقد فصلًا ممتعًا تحت عنوان: الحجة في تثبيت خبر الواحد: ذكر فيه مجموعة من الأدلة الكثيرة جدًّا ربما تقترب من ثلاثين دليلًا لإفادة خبر الواحد أو لحجيته ووجوب العمل به، وكل العلماء الذين تكلموا في هذا: الشيخ الألباني عليه رحمه الله له كتاب في هذا … الشيخ أحمد شاكر له كتاب في هذا … وكثير من العلماء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
نشير إلى العمدة في هذا وهو كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-:
يقول رحمه الله: فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنصّ خبر أو دلالة فيه أو إجماع -يعني: بنص خبر صريح، أو خبر يدل على هذا ولهدلالة التزامية أو تضامنية أو ما شاكل ذلك أو بإجماع- فقلت له: أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نضّر الله عبدًا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه … )) إلى آخر الحديث.
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- هنا يروي بإسناده، ورواه الترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على ترديد السماع، وقال عن حديث عبد الله بن مسعود هذا: حسن صحيح، ورواه أيضًا من حديث زيد بن ثابت، وقال عنه: حديث حسن، ورواه أبو داود في كتاب العلم، باب نشر العلم، ورواه غيرهم كثير.
وجه الدلالة من النص -كما يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى-: فلما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرأً يؤديها والامرؤ واحد، دل على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدي إليه؛ لأنه إنما يؤدى إليه حلال يفعل وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة في دين ودنيا -يعني: أحكام الشرع كلها تنقل- ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظًا ولا يكون فيه فقيهًا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين -إن شاء الله- لازم.
ويستطرد الإمام الشافعي رحمه الله تبارك وتعالى يقول: أخبرنا سفيان، قال: أخبرني سالم أبو النضر: أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: قال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نَهيت عنه أو أمرت به؛ فيقول: لا ندري؛ ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)) يقول: قال ابن عيينة: وأخبرني محمد بن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله مرسلًا، وفي هذا تثبيتُ الخبر عن رسول الله وإعلامهم أنه لازم له، وإن لم يجدوا له نصّ حكم في كتاب الله، وهو موضوع في غير هذا الموضع.
والحديث له روايات أخرى: ((إلا إن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله تعالى)) بين في نهاية الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم يشرع كما يشرع الله تبارك وتعالى. هذه أدلة على حجية خبر الواحد.
ويستطرد الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- مع أدلته؛ فيروي أن رجلًا قبل امرأته وهو صائم؛ فوجد من ذلك وجدًا شديدًا -يعني خاف وتألم- فأرسل امرأته تسأل عن ذلك؛ فدخلت على أم سلمة -أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها- فأخبرتها أم سلمة؛ فقالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم، فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل الله لرسوله ما شاء؛ فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها، فقال رسول الله: ((ما بال هذه المرأة؟)) فأخبرته أم سلمة فقال: ((ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟! فقالت أم سلمة: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها؛ فأخبرته؛ فزاده ذلك شرًّا، وقال: لسنا مثل رسول الله؛ يحل الله لرسوله ما شاء! فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده)).
يقول الشافعي -رحمه الله تعالى-: وقد سمعت من يصل هذا الحديث، ولا يحضرني ذكر من وصله؛ لأنه رواه مرسلًا: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وعطاء بن يسار من الصحابة: تابعي، فالشيخ أحمد شاكر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
-عليه رحمة الله تعالى- يقول: وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن عطاء، عن رجل من الأنصار، وهو في (مسند الإمام أحمد): حدثنا عبد عبد الرزاق، أنبأنا ابن جريج، أخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من الأنصار: أن الأنصاري أخبر عطاء: أنه قبل امرأته على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم … ". فذكر الحديث، والهيثمي رحمه الله في (مجمع الزوائد) قال عنه: ورجاله رجال صحيح، والشيخ شاكر عقب وقال: وهو كما قال.
لكن الشيخين -رحمهما الله- روياه من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبّلها وهو صائم، وهو موجود عندهم في كتاب الصيام في حكم القبلة للصائم، وأيضًا الإمام مسلم روى من حديث عمر بن أبي سلمة -وهو ابن أم سلمة- أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيقبل الصائم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سلْ هذه)) لأم سلمة، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك، فقال: يا رسول الله، قد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له)).
على كل حال: الحديث صحيح، ووجه الدلالة منه: أن المرأة جاءت من عند زوجها -وهي واحدة- وأخبرتها أم سلمة -وهي واحدة- وعادت إلى زوجها، وعادت مرة بعد العودة إلى زوجها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكل ذلك أم سلمة تخبرها والمرأة تعود وتتكلم إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني والله لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده)) دلالة واضحة في الحديث على أن الخبر الواحد يُعمل به بدون تردد أبدًا.
قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في الإسناد أيضًا: في ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك)) دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله؛ لأنه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لما أخبرته، وهكذا خبر امرأته إن كانت من الصدق عنده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
ثم انتقل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- إلى دليل آخر على أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة عملوا بخبر الواحد:
قال: أخبرنا مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح؛ إذ أتاهم آتٍ فقال: "إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن، وقد أُمر أن يستقبل القبلة؛ فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة"، وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار وفِقْه وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعو فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة -هل يتركون ما افترضه الله عليه من وجوب الاتجاه إلى بيت المقدس إلا بحجة غيرت هذا الحكم، وهم لم يسمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم، هم في صلاتهم آتاهم آتٍ أخبرهم أنه قد أنزل الليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم قرآن يأمر بتحويل القبلة- ولم يَلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة؛ فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بخبر عامة.
يعني: هم كانوا متتبعين لقبلتهم أولًا؛ لأن لهم فيها ما أنزل الله عز وجل من كتاب الله وأيضًا سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي ظل سبعة عشر في المدينة بعد الهجرة يصلي بهم إلى بيت المقدس.
وانتقلوا عن هذا الحكم السابق في القرآن والسنة بخبر واحد؛ إذ كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد أتى عليهم بتحويل القبلة، أو ولم يكونوا ليفعلوه -إن شاء الله- بخبرٍ إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق، ولا ليحدِثوا أيضًا مثل هذا العظيم -الذي هو تحويل القبلة- في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثة، ولا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)