52-قال: " حدثنا يحيى بن جعفر، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم - هو التيمي - عن أبيه، عن أبي ذر، قال: " دخلت المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس؛ فلما غربت الشمس قال: يا أبا ذر، هل تدري أين تذهب هذه؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب تستأذن في السجود، فيؤذن لها، وكأنها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، ثم قرأ: (ذلك مستقر لها) في قراءة عبد الله".
قوله: " أتدري أين تذهب هذه؟ " هذا الأسلوب من التعليم كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمله مع أصحابه، وهو من الأساليب التي ترسخ المعلومات في الذهن؛ لأن المسئول يبقى بعده يتطلع إلى الجواب بإقبال ولهف، فإذا ورد عليه الجواب وهو بهذه الحال، ثبت في قلبه، ورسخ لديه، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
قوله: " ذلك مستقر لها" هذا تفسير لقوله -تعالى-: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} (1) ، قال ابن كثير: " فيه قولان: أحدهما: أن المراد: مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض، من ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش، هي وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، وليس بكرة، كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم، تحمله الملائكة، وهو فوق العالم، مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك، وقت الظهيرة، تكون أقرب ما تكون إلى العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع، إلى مقابلة هذا--------------------------------------------
(1) الآية 38 من سورة يس.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٨)
المقام، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذ تسجد، وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث " ثم ذكر هذا الحديث بطرقه، ثم قال: " والقول الثاني: أن المراد بمستقرها" هو منتهى سيرها، وهو يوم القيامة، يبطل سيرها، وتسكن حركتها، وتكور، وينتهي هذا العالم إلى غايته، وهذا مستقرها الزماني" (1) .
قوله: " تستأذن في السجود، فيؤذن لها" أي: تطلب من الله الإذن في مواصلة سيرها في حالة سجودها، فيأذن الله -تعالى- لها إلى الوقت الذي تستأذن، ثم لا يؤذن لها، فتبقي في مكانها، ثم يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فينعكس سيرها، حيث تطلع على الناس من المغرب، ولا بد أن تطلع على كل الناس من مغربها، وعند ذلك يؤمنون، ولكن لا ينفعهم إيمانهم، كما أخبر الله -تعالى- بذلك، وهذا إيذان بانقضاء هذه الدار.
قال الكرماني: " القراءة المشهورة المتواترة هي: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} وقراءة عبد الله بن مسعود: ذلك مستقرها" (2) .
هكذا قال، والذي في "البخاري": مستقر لها، ولم يقرأ بها أحد من القراء.
قال ابن كثير: " قرأ ابن مسعود، وابن عباس: (والشمس تجري لا مستقر لها) أي: لا قرار لها، ولا سكون، بل هي سائرة ليلاً ونهاراً، لا تفتر، ولا تقف" (3) .
فعلى هذا يكون لابن مسعود فيها قراءتان، وافقه ابن عباس على إحداهما، وهما شاذتان.
وقد ذكر البخاري رحمه الله هذا الحديث في بدء الخلق، وفيه " فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش".--------------------------------------------
(1) "تفسير ابن كثير" (6/562-563) .
(2) الكرماني (25/633) .
(3) "تفسير ابن كثير " (6/563) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٠٩)
وسيأتي في آخر الباب بعد هذا، وفيه، " قال: مستقرها تحت العرش"، وذكر أيضاً هذين اللفظين في تفسير سورة يس، وبذلك تظهر مناسبة الحديث للباب، فذكره لأجل ما فيه من قوله: " تذهب حتى تسجد تحت العرش"، وقوله: " مستقرها تحت العرش" في غير هذه الرواية هنا.
قال الحافظ: " وأخرجه النسائي بلفظ: " تذهب حتى تنتهي تحت العرش، عند ربها" (1) ، وهو واضح في أن سجودها في أرفع ما تكون، وأقرب ما تكون إلى العرش، ومعلوم أنها دائماً تحت العرش، ولكن سجودها في مكان معين من
مسيرها، وهو دليل واضح على العرش، وارتفاعه العظيم، وهذا هو مراد البخاري رحمه الله من الحديث، ومعلوم أن الله -تعالى- فوق العرش كما سبق.
قال الحافظ: " قوله: تحت العرش" قيل: معناه: هي حين محاذاتها، ولا يخالف هذا قوله تعالى: {وجدها تغرب في عين حمئة} (2) ، فإن المراد بها: نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب، وسجودها تحت العرش إنما هو بعد الغروب".
قال: " وفي الحديث رد على من زعم أن المراد بمستقرها: غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة ".
وقيل: مستقرها: منتهى أمرها، عند انتهاء الدنيا.
وقال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش: أنها تستقر تحته استقراراً لا نحيط به نحن، وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق سيرها ودورانها فيه.
قلت: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار: وقوعه في كل ليلة ويوم عند سجودها، ومقابل الاستقرار: المسير المعبر عنه بالجري " انتهى (3) .--------------------------------------------
(1) "الفتح" (8/541) .
(2) الآية 86 من سورة الكهف.
(3) "الفتح" ملخصاً (8/542) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٠)
وقال أيضاً: " وظاهر الحديث: أن الشمس هي التي تسير، وتجري.
وقال ابن العربي: أنكر قوم سجودها، وهو صحيح ممكن، وتأوله قوم على ما هي عليه من التسخير الدائم، ولا مانع من أن تخرج عن مجراها، فتسجد ثم ترجع.
قلت: إن أراد بالخروج: الوقوف، فواضح، وإلا فلا دليل على الخروج" اهـ. (1)
قلت: وكونها تسجد تحت العرش لا يقتضي مفارقتها لفلكها وانتظامها في مسيرها بالنسبة للأرض، فهي دائمة الطلوع على جزء من الأرض، والأوقات بالنسبة إلى أهل الأرض تختلف بمقدار سيرها.
ومعلوم أن تعاقب الليل والنهار واختلافهما يترتب على مسيرها، فربما يقول قائل: أين سجودها تحت العرش؟ ومتى يكون؟ وسيرها مستمر، وبعدها عن الأرض لا يختلف في وقت من الأوقات كما أن سيرها لا يتغير، كما هو مشاهد.
والجواب: أنها تسجد كل ليلة تحت العرش، كما أخبر به الصادق المصدوق، وهي طالعة على جانب من الأرض، مع سيرها في فلكها، وهي دائماً تحت العرش، في الليل والنهار، بل وكل شيء من المخلوقات تحت العرش، لكنها في وقت من سيرها، وفي مكان معين، يصلح سجودها، الذي لا يدركه الخلق، ولكن علم بالوحي، وهو سجود يناسبها على ظاهر النص.
أما التسخير: فهي لا تنفك عنه أبداً. والله أعلم.
قال شيخ الإسلام: " فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنها تسجد كل ليلة تحت العرش، فقد علم اختلاف حالها بالليل والنهار، مع كون سيرها--------------------------------------------
(1) "الفتح" (6/299) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١١)
في فلكها من جنس واحد، وأن كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه، وإنما ذلك اختلاف بالنسبة والإضافة، علم أن تنوع النسب والإضافة لا يقدح فيما هو ثبات في نفسه لا مختلف" (1) .
يعني: أن اختلاف السير يكون بالنسبة لمن في الأرض، فهي تطلع على جانب منها وتغرب عن جانب آخر، مع أن سيرها في فلكها ليس فيه هذا الاختلاف، فلا يختلف سجودها باختلاف الليل والنهار؛ لأن هذا الاختلاف يكون بالنسبة إلى من في الأرض، وبالإضافة إليهم، أما هي فسجودها في مكان معين من سيرها، وفي وقت معين لا يختلف.
ثم قال رحمه الله: " ومن هنا يظهر الجواب عما ذكره ابن حزم، وغيره في حديث النزول (2) ، حيث قالوا: قد ثبت أن الليل يختلف بالنسبة إلى الناس، فيكون أوله ونصفه وثلثه بالمشرق قبل أوله، ونصفه وثلثه بالمغرب، قالوا: فلو كان
النزول هو النزول المعروف، للزم أن ينزل في جميع أجزاء الليل، إذ لا يزال في الأرض ليل، قالوا: أو لا يزال نازلاً وصاعداً، وهو جمع بين الضدين.
وهذا إنما قالوه لتخيلهم من نزوله -تعالى- ما يتخيلونه من نزول أحدهم، وهذا عين التمثيل، ثم إنهم بعد ذلك جعلوه كالواحد العاجز منهم، الذي لا يمكنه أن يجمع من الأفعال ما يعجز غيره عن جمعه.
وقد جاءت الأحاديث بأنه يحاسب خلقه يوم القيامة، كل منهم يراه مخلياً به، ويناجيه، لا يرى أنه متخلياً لغيره، ولا مخاطباً لغيره" (3) .
وسيأتي - إن شاء الله تعالى - إيضاح الرد على شبههم هذه وغيرها في--------------------------------------------
(1) "بيان تلبيس الجهمية" (2/228) .
(2) سيأتي شرحه - إن شاء الله تعالى -، وهذا الكلام محله شرح حديث النزول، ولكن لشدة ارتباطاه بما ذكر في سير الشمس أحببت إثباته هنا.
(3) "بيان تلبيس الجهمية" (2/228) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٢)
شرح الحديث.
وفي "صحيح مسلم"، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله -تعالى-: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} قال: " مستقرها تحت العرش" (1) .
وهذا يعين المقصود بالمستقر، وأنه: الموضع الذي تسجد فيه لربها، وتستأذن بمواصلة سيرها، وأن هذا يكون كل ليلة بالنسبة إلينا، ويجوز أن يكون بالنهار بالنسبة لغيرنا كأمريكا مثلاً.
وقد روى مسلم هذا الحديث مبسوطاً مبيناً، حيث قال بعد ذكر السند: " عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوماً: " أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك، حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي، أصبحي طالعة من
مغربك، فتصبح طالعة من مغربها" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها، لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً" (2) .
وقد ذكر الله -تعالى- في كتابه أن الشمس والقمر يسجدان له تعالى فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} (3) .--------------------------------------------
(1) "صحيح مسلم" (1/39) .
(2) "صحيح مسلم" (1/138) ، وانظر: " شرح النووي" (2/195) .
(3) الآية 18 من سورة الحج.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٣)
53-قال: " حدثنا موسى، عن إبراهيم، حدثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، أن زيد بن ثابت.
وقال الليث: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن السباق، أن زيد بن ثابت حدثه، قال: أرسل إلىَّ أبو بكر، فتتبعت القرآن، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} (1) حتى خاتمة براءة ".
زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان، النجاري، الأنصاري، أبو سعيد، ويقال: أبو خارجة، قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وكان يكتب الوحي، قال الشعبي: غلب زيد الناس على اثنتين، الفرائض، والقرآن، وكان أحد أصحاب الفتوى من الصحابة.
وقال مسروق: " قدمت المدينة، فوجدت زيد بن ثابت من الراسخين في العلم"، وفضائله كثيرة، توفي سنة 4، وقيل: 51، وقيل: 55، وقيل غير ذلك" (2) .
ومقصود البخاري رحمه الله من هذا الحديث: هو ذكر العرش في الآية الكريمة، حيث قال تعالى: {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (3) .--------------------------------------------
(1) الآية 128 من سورة براءة.
(2) "تهذيب التهذيب" (3/399) .
(3) آخر آية من سورة براءة.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٤)
قال الإمام ابن جرير - رحمه الله تعالى -: " يقول - تعالى ذكره - فإن تولى، يا محمد، هؤلاء الذين جئتهم بالحق من عند ربك، من قومك، فأدبروا عنك، ولم يقبلوا ما أتيتهم به من النصيحة في الله، وما دعوتهم إليه من النور والهدى، فقل: {حَسْبِيَ اللهُ} يكفيني ربي {لا إِلَهَ إِلَاّ هُوَ} لا معبود سواه {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} وبه وثقت، وعلى عونه اتكلت، وإليه وإلى نصره استندت، فإنه ناصري، ومعيني، على من خالفني وتولى عني ومن غيركم من الناس، {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} الذي يملك ما دونه، والملوك كلهم مماليكه، وعبيده.
وإنما عنى بوصفه - جل ثناؤه - نفسه بأنه رب العرش العظيم: الخبر عن جميع ما دونه أنهم عبيده، وفي ملكه، وسلطانه؛ لأن العرش العظيم إنما يكون للملوك، فوصف نفسه بأنه ذو العرش، دون سائر خلقه، وأنه المالك العظيم، دون غيره، وأن من دونه في سلطانه، وملكه، جار عليه حكمه وقضاؤه" (1) .
وقال ابن كثير: " وهو رب العرش العظيم" أي: هو مالك كل شيء، وخالقه؛ لأن العرش العظيم، الذي هو سقف المخلوقات، وجميع الخلائق من السماوات والأرضيين وما فيهما وما بينهما، تحت العرش، مقهورون بقدرة الله -تعالى-، وعلمه محيط بكل شيء، وقدره نافذ في كل شيء، وهو على كل شيء وكيل" (2) .
وثبت عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن (3) .
وقد تقدم أن تخصيصه -تعالى- العرش بأنه ربه، وإضافته إليه -تعالى- يدل على أمر زائد على ما في المخلوقات غيره من السماوات والأرض بأنه ربها.--------------------------------------------
(1) "تفسير الطبري" (11/77-78) بتحقيق محمود شاكر.
(2) "تفسير ابن كثير" (4/179-180) ط الشعب.
(3) انظر: المصدرين السابقين.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٥)
وكذلك وصفه إياه بأنه عظيم وكريم ومجيد، وهذه الأوصاف والإضافة لم تأت في غير العرش من المخلوقات؛ وهذا لأنه تعالى اختاره لقربه، واستوائه عليه.
قوله: " حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري، لم أجدها مع أحد غيره" يعني: أنه ما وجدها مكتوبة، مثبتة بالكتابة، إلا عند أبي خزيمة.
وليس معنى ذلك أنه لم يحفظها إلا أبو خزيمة، فإن زيداً وأُبياً، وأبا بكر، وغيرهم من الصحابة، كانوا يحفظون القرآن كله، وهو يريد من كتبها عن الرسول صلى الله عليه وسلم بدون واسطة.
قال الحافظ: " قوله: لم أجدها مع أحد غيره" أي: مكتوبة؛ لما تقدم من أنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة.
ولا يلزم من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند من لم يتلقها من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما زيد كان يطلب التثبت عمن تلقاها بغير واسطة.
ولعلهم لما وجدها زيد عند أبي خزيمة تذكروها، كما تذكرها زيد، وفائدة التتبع: المبالغة في الاستظهار، والوقوف عند ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
قال الخطابي: هذا مما يخفى معناه، ويوهم أنه كان يكتفي في إثبات الآية بخبر الشخص الواحد، وليس كذلك، فقد اجتمع في هذه الآية زيد بن ثابت، وأبو خزيمة، وعمر".
ثم علق الحافظ على كلام الخطابي بقوله:
"وكأنه ظن أن قولهم: لا يثبت القرآن بخبر الواحد، أي: الشخص الواحد، وليس كما ظن، بل المراد بخبر الواحد: خلاف التواتر، فلو بلغت رواة
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٦)
الخبر عدداً كثيراً، وفقد شيئاً من شروط المتواتر (1) ، لم يخرج عن كونه خبراً لواحد.
والحق أن المراد بالنفي: نفي وجودها مكتوبة، لا نفي كونها محفوظة" (2) .
ثم ذكر أحاديث تؤيد ما قال.
وقال في موضع آخر: " والذي يظهر أن الذي أشار إليه أنه فقده، فقد وجودها مكتوبة، لا فقد وجودها محفوظة، بل كانت محفوظة عنده، وعند غيره، ويدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن: " فأخذت أتتبعه، من الرقاع والعسب" (3)
وقال أيضاً: " والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة - بالكنية- والذي وجد معه الآية من سورة الأحزاب خزيمة.
وأبو خزيمة، قيل: هو ابن أوس بن يزيد بن أحرم، مشهور بكنيته، دون اسمه، وقيل: هو الحارث بن خزيمة.
وأما خزيمة، فهو ابن ثابت ذو الشهادتين" (4)--------------------------------------------
(1) من كون الناقلين عدداً كثيراً، يمتنع تواطؤهم على الكذب، من أول السند إلى نهايته.
(2) "فتح الباري" (9/15) .
(3) "الفتح" (8/518) .
(4) "الفتح" (9/15) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٧)
54- قال: " حدثنا معلى بن أسد، حدثنا وهيب عن سعيد، عن قتادة، عن أبي العالية، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند الكرب: " لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش الكريم ".
قوله: " يقول عند الكرب" الكرب - بفتح الكاف، وسكون الراء - قال الأزهري: "هو: الغم الذي يأخذ النفس، يقال: كربه الغم، وإنه لمكروب النفس، والكربة الاسم، والكريب: المكروب" (1) .
وقال الجوهري: " الكربة بالضم: الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكرب، على مثال الضرب، تقول منه: كربه الغم، إذا اشتد عليه، والكرائب: الشدائد، الواحدة: كريبة" (2) .
قوله: " كان يقول عند الكرب" كان: تدل على كثرة وقوع ذلك منه صلى الله عليه وسلم؛ لأن لفظة "كان" تدل على الاستمرار غالباً.
وقوله: " لا إله إلا الله " الإله هو: المعبود الذي تأله القلوب، وتذل له، وتحبه، وتعظمه، وتخافه، وترجوه، فالإله هو الذي يقصد بالخوف والرجاء، مع الذل والتعظيم، وكلما زاد الخوف والرجاء، والذل والتعظيم، صارت العبادة أكمل.--------------------------------------------
(1) "تهذيب اللغة" (10/205) .
(2) "الصحاح" (1/211) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٨)
قال شيخ الإسلام: " الإله هو: الذي يؤله، فيعبد، محبة وإنابة، وإجلالاً وإكراماً" (1) .
فقوله: " لا إله إلا الله " أي: لا أتوجه بقلبي عابداً وخاضعاً، متذللاً، خائفاً، راجياً، إلا إلى الله وحده، فهو إلهي، ومعبودي، الذي يملك نفعي وضري، وبإخلاص التأله له كمال حياتي، وسعادتي، وفي عدم ذلك الشقاء والهلاك.
"فالعبد كلما كان أذل لله، وأعظم افتقاراً إليه، وخضوعاً له، كان أقرب إليه وأعز له، وأعظم لقدره عنده، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله تعالى، فأما المخلوق
فكما قيل: احتج لمن شئت تكن أسيره، واستغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن لمن شئت تكن أميره.
فأعظم ما يكون العبد قدراً وحرمة عند الخلق: إذا لم يحتج إليهم بوجه من الوجوه، فإن أحسنت إليهم مع الاستغناء عنهم كنت أعظم ما يكون عندهم، ومتى احتجت إليهم ولو بشربة ماء نقص قدرك عندهم بقدر حاجتك إليهم، وهذا من حكمة الله ورحمته؛ ليكون الدين كله لله، لا يشرك به شيء.
والرب -تعالى- أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، وأفقر ما تكون إليه، وهو -تعالى- يعلم ما يصلح عبده، ويقدر على ذلك، ويريده، رحمة منه وفضلاً، وذلك صفته من جهة نفسه، لا شيء آخر جعله مريداً، راحماً، بل رحمته من لوازم نفسه، فإنه كتب على نفسه الرحمة، ورحمته وسعت كل شيء" (2) .
قوله: " العليم الحليم" أي: هو تعالى العظيم بكل شيء، فيعلم حالي. وما نزل به، ويعلم أسبابه، وما يترتب عليه، لا يخفى عليه خافية، فعلمه محيط بكل شيء.--------------------------------------------
(1) "مجموع الفتاوى" (1/22) .
(2) "مجموع الفتاوى" (1/39-40) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤١٩)
وهو -تعالى- حليم لا يعجل بالعقوبة لمن يستحقها، بل يعفو ويتجاوز، وحلمه عن علم وحكمة، فله -تعالى- الكمال المطلق قال -تعالى-: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَاّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً {42} سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا {43} تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَاّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} (1) .
وكثيراً ما يأتي وصفه -تعالى- بالحلم مقروناً بالمغفرة، مما يدل على أن الحلم هو: عدم المعاجلة لمن استحق العقوبة، وأنه -تعالى- يحلم على عباده، ويغفر لهم جرائمهم، ولهذا أخبر -تعالى- أنه لو يؤاخذ الناس بظلمهم وما كسبت أيديهم ما ترك على ظهر الأرض من دابة، قال -تعالى-: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ} (2)
قوله: " لا إله إلا الله رب العرش العظيم " كرر التوسل بإلهيته تعالى، والتبري من كل ما سواه من مألوه، وهذا أعظم الوسائل إلى الله -تعالى-، وهو إخلاص العبادة والتوجه إلى الله بصدق، ورغبة، ورهبة.
ولهذا صار إخلاص التأله والدعاء لله وحده، مفزع جميع العقلاء من المؤمنين والكفار، في كل كرب وشدة، كما ذكر الله -تعالى- هذا المعنى عن السابقين من الكفار، وغيرهم من أهل الإيمان.
قال تعالى: {لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ {63} قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ--------------------------------------------
(1) الآيات من 42- 44 من سورة الإسراء.
(2) الآية 61 من سورة النحل.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢٠)
كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} (1) ، وقال -تعالى- عن الطاغية الجبار: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلَاّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (2) ، وقال -تعالى-: {وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ} (3) ، وقال -تعالى- عن نبيه يونس عليه السلام: {وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَاّ إِلَهَ إِلَاّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (4) ، وهذا كثير في القرآن، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك.
قوله: " لا إله إلا الله رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم" هذا تكرير للتوسل إلى الله -تعالى- بألوهيته، وربوبيته، فبدأ بما يدل على إخلاص التأله له -تعالى-، ثم توسل باسميه الكريمين: العليم والحليم، ثم بأنه رب العرش العظيم، ثم بأنه رب السماوات والأرض، ورب العرش الكريم.
فاشتمل هذا الدعاء العظيم على التوجه إلى الله -تعالى- بأنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات.
والربوبية نوعان: عامة، وخاصة، فهو -تعالى- رب كل شيء ومليكه، المتصرف فيه كيف يشاء، وهو القائم على كل مخلوق بما يصلحه، ويربيه، {أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} ، وقد جمع النوعين في هذا الحديث، فتوسل بأنه رب
العرش العظيم الكريم، وبأنه رب السماوات والأرض، والرب هو: المالك المتصرف، القائم على كل مربوب بما يحتاجه من تربية في شؤون حياته كلها.
والمقصود من الحديث: قوله: " رب العرش العظيم" وقوله: " رب العرش--------------------------------------------
(1) الآيتان 63 و 64 من سورة الأنعام.
(2) الآية 90 من سورة يونس.
(3) الآية 8 من سورة الزمر.
(4) الآية 87 من سورة الأنبياء.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢١)
الكريم" وكلاهما وصف للعرش، وصف بأنه عظيم، وبأنه كريم، والعظمة تدل على الكبر، والسعة، والكرم يدل على الحسن، والجمال، والسعة أيضاً.
قال الكرماني: "وصف العرش بالعظمة، هو من جهة الكمية، وبالكرم، أي: الحسن من جهة الكيفية، فهو ممدوح ذاتاً وصفة، وخص بالذكر لأنه أعظم أجسام العالم، فيدخل الجميع تحته دخول الأدني تحت الأعلى، وذكر لفظ " الرب" من بين سائر الأسماء الحسنى؛ ليناسب كشف الكروب، الذي هو مقتضى التربية، ولفظ "الحليم"؛ لأن كرب المؤمن غالباً إنما هو على نوع تقصير أو غفلة في الطاعات" (1) .
وربوبيته -تعالى- للعرش، مع وصفه بأنه عظيم وكريم، تفيد تخصيصاً له عن غيره من السماوات والأرض، وذلك لأنه قد خصه بقربه، واستوائه -تعالى- عليه، ذكر شيخ الإسلام، عن أبي عمرو الطلمنكي – وهو من أئمة أهل السنة – أنه قال: " وأجمعوا – يعني أهل السنة والجماعة – على أن لله عرشاً، وعلى أنه مستوٍ على عرشه، وعلمه، وقدرته، وتدبيره بكل ما خلقه.
قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} (2) ، ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه، كيف شاء. قال: وقال أهل السنة في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (3) : الاستواء من الله -تعالى- على عرشه المجيد، على الحقيقة، لا على المجاز. واستدلوا بقول الله -تعالى-: {فإذا استويت أنت ومن معك على--------------------------------------------
(1) "شرح الكرماني على البخاري" (21/149) .
(2) الآية 4 من سورة الحديد.
(3) الآية 5 من سورة طه.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢٢)
الفلك} (1) ،
وبقوله: {لتستوا على ظهوره} (2) ، وبقوله: {واستوت على الجودي} (3) ، إلا أن المتكلمين من أهل الإثبات في هذا على أقوال:
فقال مالك – رحمه الله تعالى -: إن الاستواء معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وقال عبد الله بن المبارك، ومن تابعه من أهل العلم، وهم كثير: إن معنى استوى على العرش: استقر. وهو قول القتيبي.
وقال غير هؤلاء: استوى، أي: ظهر.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: استوى بمعنى: علا.
وتقول العرب: استويت على ظهر الفرس، بمعنى: علوت عليه، واستويت على سقف البيت، بمعنى: علوت عليه.
ويقال: استويت على السطح، بمعناه.
فقوله تعالى: {استوى على العرش} بمعنى: علا على العرش.
وقول الحسن (4) ، وقول مالك، من أنبل جواب وقع في هذه المسألة، وأشده استيعاباً، لأن فيه نبذ التكييف، وإثبات الاستواء المعقول، وقد ائتم أهل العلم بقوله واستجودوه، واستحسنوه" (5) .
ثم تكلم على فساد قول من تأول استوى بمعنى استولى، وقد مضى ما يغني عن ذكره.--------------------------------------------
(1) الآية 28 من سورة المؤمنون.
(2) الآية 13 من سورة الزخرف.
(3) الآية 44 من سورة هود.
(4) الحسن يقول: معنى استوى: ارتفع.
(5) إلى هنا ينتهي كلام الطلمنكي.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢٣)
ثم قال: " وقال الثعلبي: قال الكلبي، ومقاتل: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} يعني: استقر، قال: وقال أبو عبيدة: صعد.
وقيل: استولى، وقيل: ملك، واختار هو (1) ما حكاه عن الفراء وجماعة أن معناه: أقبل على خلق العرش، وعمد إلى خلقه، قال: ويدل عليه قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} (2) أي: عمد إلى خلق السماء.
وهذا من أضعف الوجوه (3) ، فإنه قد أخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق السماوات، والأرض، وكما مر في حديث عمران: " كان الله، ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض ".
فإذا كان العرش مخلوقاً، قبل خلق السماوات والأرض، فكيف يكون معنى استوائه عليه، بعد خلق السماوات والأرض، هو عمده إلى خلقه، مع أنه لا يعرف في اللغة "استوى" بمعنى: عمد إلى فعل كذا، لا حقيقة، ولا مجازاً، لا في النثر، ولا في النظم.
ومن قال: استوى، بمعنى عمد، ذكره في قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ} (4) ؛ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا، وقصدت إلى كذا، ولا يقال: عمدت على كذا، ولا قصدت عليه، مع أن هذا أيضاً غير معروف في اللغة، ولا هو قول أحد من مفسري السلف، بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك.--------------------------------------------
(1) يعني الثعلبي، وهذه الأقوال منقولة من تفسيره، وهو يجمع فيه بين المتناقضات، وليس لديه تميز لمذهب السلف.
(2) الآية 11 من سورة حم فصلت.
(3) بل هو باطل مخالف للنصوص الواضحة، وقد تقدم بيان بطلانه. وهذا الذي اختاره الثعلبي هو قول الجهمية والمعتزلة، ومن تبعهم من الأشعرية وغيرهم من أهل البدع.
(4) الآية 11 من سورة حم فصلت.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢٤)
وإنما هذا القول وأمثاله ابتدع في الإسلام، لما ظهر إنكار أفعال الرب -تعالى- التي تقوم به، ويفعلها بقدرته، ومشيئته، واختياره، فصار كل يفسر القرآن على ما يوافق قوله، واعتقاده.
وأما السلف فأقوالهم في هذا الباب متفقة، وإن اختلفت عباراتهم، فمقصودهم واحد، وهو إثبات علو الله واستوائه على عرشه.
فإن قيل: إذا كان الله لا يزال عالياً على المخلوقات، فكيف يقال: ثم ارتفع إلى السماء وهي دخان؟ أو يقال: ثم علا على العرش؟
فالجواب: أن هذا كما أخبر أنه ينزل إلى السماء الدنيا ثم يصعد، وروي: " ثم يعرج" وكما أخبر أنه يجيء لفصل القضاء بين عباده، وهو سبحانه لم يزل فوق، فإن صعوده من جنس نزوله ومجيئه، وهو –تعالى- في نزوله ومجيئه، لا يصير شيء من المخلوقات فوقه، فهو سبحانه يصعد، وإن لم يكن منها شيء فوقه.
فإن قيل: فإذا كان إنما استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فقبل ذلك: هل كان على العرش، أو لم يكن؟
قيل: الاستواء علو خاص، فكل مستوٍ على شيء عال عليه، وليس كل عال على شيء مستو عليه، ولهذا لا يقال لكل ما كان عالياً على غيره: إنه مستو عليه، ولكن كل ما قيل: إنه استوى على كذا، فهو عالٍ عليه.
والذي أخبر الله -تعالى- أنه كان – خلق السماوات والأرض – الاستواء، لا مطلق العلو، مع أنه يجوز أنه كان مستوياً عليه قبل خلق السماوات والأرض، لما كان عرشه على الماء، ثم لما خلق هذا العالم كان عالياً على العرش، ولم يكن مستوياً عليه، ثم استوى عليه بعد ذلك (1) . والأصل أن علوه على المخلوقات، وصف لازم له، كما أن عظمته وكبرياءه--------------------------------------------
(1) أو يقال: إن الاستواء بعد خلق السماوات والأرض، استواء خاص غير الذي قبل ذلك.
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢٥)
وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعل يفعله سبحانه بمشيئته وقدرته، ولهذا قال فيه: ثم استوى" (1) .
وقال ابن عبد البر: " وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى. فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد.
ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا، إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله – عز وجل – إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم.
ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع، ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه " (2) .
وقد تقدم ذكر بعض ما قاله السلف والأئمة في ذلك، في أول الباب، والجواب عما اعتمده أهل التأويل.--------------------------------------------
(1) "مجموع الفتاوى" (5/519-523) ببعض التصرف.
(2) "التمهيد" (7/131) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢٦)
55-قال: " حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال النبي: " يصعقون يوم القيامة فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش".
56-" وقال الماحشون: عن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي-صلى الله عليه وسلم قال: " فأكون أول من بعث، فإذا موسى آخذ بالعرش".
"الصعق: غشي يلحق من سمع صوتاً شديداً أو يرى شيئاً هائلاً مفزعاً" (1) .
وفي الأبي: " الصعق، والصعقة، والصاعقة، والهلاك، والموت، وقيل: كل عذاب مهلك، وهو أيضاً: الغشية تعتري من فزع لسماع صوت {مفزع، أو رأى مهولاً} (2) " وقد اختلف في هذا الصعق المذكور في هذا الحديث: أهو نفخة الصور للبعث، أو غيرها؟
فقيل: أنها نفخة البعث؛ لأن النفخة الأولى، لا يحس بها الأموات، وإنما هي لموت من كان حياً، وإنهاء الدنيا، وابتداء الآخرة.
ولكن يشكل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: " فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أو حوزي بصعقة الطور" ومعلوم أن موسى عليه السلام قد مات، فلا يجوز أن يكون المعنى: " فلا أدري: هل موسى مات، أم جوزي عن الموت بصعقة الطور".
وقد اختلف في النفخ في الصور: هل هو مرتان أو ثلاث؟--------------------------------------------
(1) "الفتح" (6/444) .
(2) " شرح الأبي على مسلم" (6/167) .
(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٢٧)