Arabic source text

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ - নাশআতুহা ওয়া তাতাওউরুহা (সাফর আল-হাওয়ালি)

📘 العلمانية - نشأتها وتطورها (سفر الحوالي)

📘 আল-ইলমানিয়্যাহ - নাশআতুহা ওয়া তাতাওউরুহা (সাফর আল-হাওয়ালি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وأما اعتقادهم أن الكنيسة فهمت التثليث خطأ من نصوص الكتب المقدسة، واستنبطته من تأويل بعض عبارات الأناجيل القائلة " أبي": "ابن الله" وأشباهها، فليس بأقل قوة من سابقه، وقد نبه إلى ذلك جرين برنتن، فقال: "يستطيع المرء إذا أخذ بالتفسير الطبيعي لمصادر العهد الجديد أن يزعم أن يسوع لم يدع لنفسه الألوهية قط، وأن مثل هذه العبارات (أي: أبي وابن الله) إنما رويت محرفة، أو استعملت مجازاً أو كانت هذا أو ذاك" (1).
ومن اليسير علينا تأييد هذا الرأي بما ورد في الأناجيل والرسائل من إشراك سائر الناس مع المسيح في إطلاق هذه العبارات عليهم وعدم اختصاصه بهذه الصفات جاء ذلك في مواضع كثيرة، منها:
1 - "كل من يؤمن أن يسوع هو المسيح فقد ولد من الله، وكل من يحب الوالد يحب المولود منه أيضا، بهذا نعرف أننا نحب أولاد الله" (2).
2 - في إنجيل متى يقول المسيح: "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون" (3).
وفيه أيضاً يقول المسيح للتلاميذ: "صلوا أنتم هكذا: أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك" (4).
4 - يقول في إنجيل لوقا: "ومن اعترف بي قدام الناس يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله" (5).--------------------------------------------
(1) أفكار ورجال: (177).
(2) رسالة يوحنا الأولى صح (5/ 1 - 3).
(3) صح (5/ 10).
(4) صح (6/ 10 - 11).
(5) صح (12: 9).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

وفي متى عنه: "إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته".
هكذا نجد في العهد الجديد نصوصاً كثيرة تصف الناس جميعاً -المسيح وغيره- بأنهم أبناء الله، وهو معنى مجازي قطعاً، وتصف المسيح بأنه " ابن الإنسان " ويمكن درء التعارض بينها بشأن المسيح برد نصوص المجاز إلى الحقيقة لأنها هي الأصل، وبذلك لا يكون للمسيح عليه السلام أية ميزة، عدا كونه رسولاً، إلا أن القدرة الإلهية خلقته من أم (بلا أب).
ولكن الكنيسة تماري في هذه الحقيقة الساطعة مستدلة بالأناجيل، لاسيما إنجيل يوحنا، مما يجعل الباحث ينقب عن حقيقة الأناجيل ذاتها ومدى حجيتها على هذه القضية وغيرها (1).
ب. تحريف الأناجيل:
ليس ثمة شك في أن الله تبارك وتعالى إنما أنزل على المسيح عليه السلام إنجيلاً واحداً مكملاً للتوراة المنزلة على موسى عليه السلام، وما من شك أيضاً في أن المسيح حين هتف ببني إسرائيل: " قد كمل--------------------------------------------
(1) بمناسبة الحديث عن التثليث نورد قصة طريفة ذكرها الشيخ رحمة الله في إظهار الحق مفادها: أن ثلاثة أشخاص تنصروا على يد قسيس، فزار صديق للقسيس القسيس وتلامذته وسأله، هل علمتهم العقائد الضرورية؟ قال نعم، واستدعى أحدهم وسأله أما صديقه الزائر عن عقيدته فقال: إنك علمتني أن الآلهة ثلاثة: أحدهم في السماء، والثاني: الذي تولد من بطن مريم العذراء، والثالث: الذي نزل في صورة الحمام على الإله الثاني بعد ما صار ابن ثلاثين سنة فغضب القسيس وطرده، ثم استدعى الثاني منهم، وسأله فأجاب: إنك علمتني أن الآلهة كانوا ثلاثة وصلب واحد منهم فالباقي إلهان، فغضب كذلك فطرده، ثم استدعى الثالث، وكان أذكى الثلاثة، وسأله فقال: يا مولاي! حفظت ما علمتني حفظاً جيداً، وفهمت بفضل الرب المسيح أن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد، والآلهة ثلاثة صلب واحد منهم فمات الكل لأنهم واحد، ولا إله الآن! هذا ومعلوم أن موقف معظم المثقفين الغربييين هو موقف التلميذ الثالث بعينه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (1)، إنما كان يعني ذلك الإنجيل المنزل، لا شيئاً آخر سواه.
والقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي تكفل الله بحفظه بنفسه ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) [الحجر:9] أما الكتب السابقة فقد وكل حفظها إلى علماء دينها.
((إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ)) [المائدة:44] إذن فقد كان في عهدة الكنيسة أن تحفظ هذا الإنجيل بنصه السماوي وصبغته الإلهية، فلا يمسه عبث عابث، ولا تجترئ عليه يد محرف، لكن الكنيسة -كعادتها- فرطت في واجبها، بل إنها هي التي فتحت للمغرضين باب التحريف والقول على الله بغير علم.
إن محرري دائرة المعارف البريطانية، وهم من ذوي الكفاءات العالية في معظم التخصصات - ومنها اللاهوت - لم يتطرفوا أو يبالغوا في القول بأنه "لم يبق من أعمال السيد المسيح شيء ولا كلمة واحدة مكتوبة" (2)، بل إنما عبروا بذلك عما ينبغي أن يقرره الباحث العلمي المدقق.
ونحن المسلمين نؤمن بأن في خبايا الأناجيل شيئاً من أقوال المسيح وتعاليمه التي يحتمل أنها وحي من الله، لكن ذلك لم يثبت لدينا بسند تاريخي موثوق إلى المسيح، وإنما آمنا به لأننا لو عرضناه على الوحي الإلهي المحفوظ "القرآن والسنة" لوجدنا الصلة بينهما واضحة، أما من لا يؤمن بالقرآن ولا يعترف إلا بحقائق البحث--------------------------------------------
(1) مرقص: (1 - 16).
(2) عن الجفوة المفتعلة: (13).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)

المجرد فليس غريباً أن ينكر الأناجيل برمتها ويقول مثل قولة دائرة المعارف البريطانية هذه.
ولندع رأي المعاصرين ولنعد إلى القرن الأول الميلادي حيث احتمال وجود الإنجيل أقوى وأرجح، فماذا نجد؟
يقول آدم كلارك أحد شارحي الأناجيل: "محقق أن الأناجيل الكثيرة الكاذبة كانت رائجة في أول القرون المسيحية، وكثرة هذه الأحوال الغير صحيحة (كذا) هَيَّجت لوقا على تحرير الإنجيل، ويوجد ذكر أكثر من سبعين من هذه الأناجيل الكاذبة والأجزاء الكثيرة من هذه الأناجيل باقية، وكان " فابري سيوس" جمع الأناجيل الكاذبة وطبعها في ثلاث مجلدات" (1).
هكذا قفز العدد من واحد إلى سبعين، والمسيحية لا تزال في مهدها، مما دفع لوقا إلى كتابة إنجيله، فأي هذه الأناجيل يا ترى الإنجيل الحقيقي الموحى إلى المسيح ما دمنا مسلِّمين بأن الله لم ينزل إليه إلا إنجيلاً واحداً؟
إن لوقا نفسه ليفتح لنا الطريق إلى الحقيقة النيرة التي تهدم الأناجيل كلها - ومنها إنجيله - وها هي ذي مقدمة إنجيله تنطق بها.
يقول لوقا في المقدمة: "إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخُدَّاماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً، إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق، أن أكتب إليك على التوالي أيها العزيز تاوفيلس لتعرف صحة الكلام الذي علمت به" (2).--------------------------------------------
(1) إظهار الحق: (292)، وانظر: محمد رسولاً نبياً - عبد الرازق نوفل: (188).
(2) انظر: أعمال الرسل من العهد الجديد صح: (1).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

وعلى هذا فلا السبعون الكاذبة ولا إنجيله الصادق وحي من الله ولا أحدها هو منسوب إلى المسيح، بل الكل سير وقصص يكتبها أتباع المسيح عن حياته ودعوته كما سمعوها من أسلافهم الذين رأوا المسيح وخدموه، ولو استعرنا عبارة الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون لقلنا عن الأناجيل:
" هي مجموعة من الأوهام والذكريات غير المحققة التي بسطها خيال مؤلفيها (1).
إن أشبه الكتب الإسلامية بالأناجيل، من جهة موضوعها لا من جهة ثبوتها، هي كتب السيرة … فهل يمكن بأي حال من الأحوال القول بأن سيرة ابن هشام مثلاً وحي منزل من الله؟ إن هذا لمحال شرعاً وعقلاً، فكيف وسيرة ابن هشام مقطوع بنسبتها إلى مؤلفها ومتصلة السند بصاحب السيرة صلى الله عليه وسلم ومحفوظة بأصلها العربي، لم تتناولها الترجمات، كما هو الحال في الأناجيل، كما أنها لم تفرض بسلطة قانونية أو كهنوتية وإنما أقرها البحث والتدقيق، وكم من علماء مسلمين بلغوا ذروة العبادة والورع لا يعتد الباحثون المسلمون من رواياتهم بشيء؛ لأن شروط التحقيق العلمي لم تتوفر فيهم، أما الكنيسة فلا يكاد راهب ينقطع في صومعة أو عابد يتظاهر بحب المسيح حتى تقول: "إنه مملوء بالروح القدس" وتمنحه لقب "رسول " أو "قديس"، وتعد كلامه وحياً ملهماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ولذلك فليس غريباً أن يكون لدى الكنيسة مائة وعشرون رسولاً (2) يؤخذ كلامهم -على علاته- قضايا مسلمةٌ وتقدس رسائلهم، كما تقدس الأناجيل.
تلك حصيلة المسيحية في قرونها الثلاثة الأولى: سبعون إنجيلاً--------------------------------------------
(1) حياة الحقائق: (62).
(2) انظر: أعمال الرسل من العهد الجديد صح: (1).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)

يكذب بعضها بعضاً، ومائة وعشرون رسولاً، منهم من ألَّف أناجيل، ومنهم من كتب رسائل، ومنهم من كان يكرز (يعظ) من حفظه ومعلوماته … وطوائف وفرق تجل عن الحصر تختلف في قضايا أساسية بالغة الأهمية، وكان عام (325) يمثل معلما من معالم التاريخ البارزة، ففيه عقد مجمع نيقية الذي ابتدئت به صفحة جديدة في تاريخ الديانات العالمية، وأن هذا المجمع ليستحق أن يقف عنده المرء طويلاً.
إن أي مجمع أو مؤتمر يجب أن تتوفر فيه شروط خاصة -لاسيما إذا كان دينيا- ومن أوجب هذه الشروط:-
1 - حرية البحث والمناظرة، سواء في جدول أعماله أو صيغة قراراته، فلا تكون هنالك سلطة قاهرة تفرض على المجتمعين موضوعاً أو قراراً بعينه مهما كانت.
2 - نزاهة القصد وروح التفاهم، بأن يكون الوصول للحق هدفاً مشتركاً بين المجتمعين بدون تعصب أو إصرار.
3 - اتخاذ قرارات سائغة ومنطقية مع اعتراف مقرريها بأنها عرضة للخطأ والصواب وقابلة للنقاش، وإلا جاز اتهامهم بالاستبداد الفكري.
وهذه الشروط -مع الأسف- مفقودة كلياً في هذا المجمع " المقدس":
فأولاً: لم يكن سبب انعقاده ذاتياً نابعاً من الأساقفة أنفسهم، بل إن الامبراطور الرومانى " قسطنطين" هو الذي دعا إلى انعقاده وهو رجل وثني ظل وثنياً إلى أن عُمِّد وهو على فراش الموت (1).
ثانياً: حضر المجمع ألفان وثمانية وأربعون من البطاركة--------------------------------------------
(1) انظر: اضمحلال الإمبراطورية الرومانية: جيبون (1/ 564).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)

والأساقفة يمثلون مذاهب وشيعاً متناحرة، أبرزها فرقتان:
1 - الموحدون، كما يدعون، أتباع آريوس، وكان عددهم يقارب سبعمائة عضو.
2 - الثالوثيون، أتباع بولس، وكان عددهم حوالي ثلاثمائة وثمانية عشر عضواً.
3 - ومعلوم أن وثنية قسطنطين ثالوثية، وهذه في حد ذاتها تمثل قوة معنوية للثالثوثيين، فكيف إذا أضيف إلى ذلك أنه جمع الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً في مجلس خاص وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه وسيفه وسلمه إليهم، وقال: " قد سلطتكم اليوم على مملكتي .. ".
ثالثاً:- لم تكتف قرارات الجمع بالتحيز لقسطنطين ودعاة التثليث، بل لعنت وحرمت من يخالف هذه القرارات، والحرمان عقوبة لها حجمها الكبير في المسيحية (1)
وأبرز قرارات المجمع القرار الذي اتخذه بشأن الأناجيل، وهو أن الأناجيل المعتمدة الصحيحة هي الأناجيل الأربعة المنسوبة لـ (متى، لوقا، مرقص، يوحنا) وأما ما عداها فمزيف مكذوب تحرم قراءته ويجب حرقه وإبادته. وهذا بلا شك قرار جائر بحق الدين والتاريخ، ويستطيع المرء أن يحمل المجمع، أو هذا القرار خاصة، مسؤولية ضياع النسخة الأصلية من الإنجيل المنزل، لاسيما وأن الناظر إلى هذه الأناجيل يجد بينها من التضاد الشكلي والموضوعي ما يؤكد أنها ليست وحياً، بل ليست سيرة صادقة للمسيح عليه السلام.--------------------------------------------
(1) انظر: ما نقله الشيخ أبو زهرة عن ابن البطريق: محاضرات في النصرانية: (44)، وقد أكد جيبون تدخل قسطنطين المباشر في المؤتمر وفرضه لقراراته بالقوة: (1/ 126 - 127).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)

إن اختيار أربعة مؤلفات من بين سبعين مؤلفاً مع عدم إبداء أسباب تبرر ذلك، لهو إجراء قسرى، يعبر عن روح الرعونة والصلف اللذين لم ينفكا عن الكنيسة في أية حقبة من تاريخها، ولذلك فليس عجيباً أن يعاملها العاقون من أبنائها بمثل ذلك التطرف والغلو، وليت الأمر اقتصر على هذا، لكن الكنيسة لم تحفظ الأناجيل الأربعة نفسها من التحريف بعد أن فرضتها على أتباعها، وكان للأباطرة دخل في هذا التحريف، ولا لوم عليهم فإنما قلدوا الكنيسة في ذلك.
يقول "لاندر" أحد مفسري الأناجيل: "حكم على الأناجيل المقدسة لأجل جهالة مصنفها بأنها ليست حسنة بأمر السلطان اناسطيوس في الأيام التي كان فيها "مسالة" حاكماً في القسطنطينية فصححت مرة أخرى" (1). وهذا القول اعتراف بالغ الخطورة، فهو يقرر ثلاث حقائق تاريخية:
1 - أن مؤلفي الأناجيل مجهولون، وظلوا كذلك حتى القرن الرابع الميلادي.
2 - أن لأهواء الحكام وميولهم يداً فيما تعرضت له الأناجيل من تحريف باسم التصحيح.
3 - أن التحوير والتعديل ظل يمارس في الأناجيل دون شعور بالحرج، مما يدل على أنه عادي مألوف، قد أورد الشيخ "رحمة الله الهندى" خمسة وأربعين شاهداً على التحريف بالزيادة في الأناجيل، مدعمة بالوثائق والاعترافات، نختار واحداً منها للتمثيل فقط.
الآية الثالثة والخمسون من الباب السابع وإحدى عشرة آية من--------------------------------------------
(1) إظهار الحق: (296).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)

الباب الثامن من إنجيل يوحنا إلحاقية (مضافة) قال هورن في إلحاقية هذه الآيات: إرازمس وكالوين وبيزا وكروتيس و … والآخرون من المصنفين الذين ذكرهم ونفينس وكوجز لا يسلمون صدق هذه الآيات " ثم قال: " كرايز ستم وتهيو فلكت ونونسي كتبوا شروحاً على هذا الإنجيل، فما شرحوا هذه الآيات، بل ما نقلوها في شروحهم، وكتب ترتولين وساي برن في باب الزنا والعفة، وما تمسكا بهذه الآيات، ولو كانت هذه الآيات في نسخهما لذكرا أو تمسكا بها يقينا".
وقال وارد كاتلك: "بعض القدماء اعترض على أول الباب الثامن من إنجيل يوحنا وحكم نورتن بأن هذه الآيات إلحاقية يقيناً" (1).
فهذه اثنتا عشرة فقرة، يكاد يكون هناك إجماع على إضافتها وغيرها كثير، ولا غرابة في ذلك، فليس لدينا حد فاصل بين كلام الله وكلام البشر، بل ليس هناك ضابط يعرف به كلام المسيح من كلام غيره، فالشك وارد على كل فقرة في الأناجيل إلى درجة أن أعظم المتعصبين لها لا يستطيع إقناع الباحث العلمي بسوى ذلك.--------------------------------------------
(1) إظهار الحق: (264).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 52)

‌‌ثانياً: تحريف الشريعة:
فصل الدين عن الدولة:
يحسن بنا قبل الخوض في هذا الموضوع أن نوطئ له بمقدمتين:
الأولى: عن الدين في نظر الروم طبيعته والتزاماته.
الثانية: عن حالة الشريعة الإنجيلية ومدى تطبيقها في واقع الحياة قبل أن يعتنقها الروم رسمياً.
أولاً: الدين في نظر الرومان:
نستطيع أن نقول: إن المجتمع الروماني (أي: الجنس الأبيض المستعمر) لم يكن له دين موحد يتعبد به، ولا فلسفة واحدة يؤمن بها، بل كان غارقاً في دياجير جاهلية كالحة متعددة الألوان مختلفة الأنحاء.
فالطبقة الحاكمة تشارك الشعب في أعياده الوثنية، وتخدم تماثيل الآلهة الكثيرة، بيد أنها لا تدين في الواقع بغير الشهوة العارمة للتسلط والرغبة الجامحة في الاحتفاظ بكرسي المملكة، لا سيما وأن الامبراطور نفسه كان (إلهاً) يعبده الشعب.
أما الطبقة المثقفة فأشتات متفرقة، منها أتباع المدرسة الرواقية الموغلة في التجريد والتصوف، ومنها مريدو المدرسة الأبيقورية المفرطة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)

في البهيمية والحسيات، ومدارس أخرى متأثرة بالفلسفات والوثنيات الإغريقية في تصوراتها وأفكارها.
وأما طبقات العامة من الشعب فهي تميل بطبيعتها إلى التدين، لكن التناحر المزمن بين الآلهة والصراع المرير بين الفلاسفة، أفقدها الثقة في المعتقدات الدينية والفلسفية بجملتها، فآثرت الاستجابة لداعي الهوى والانصياع إلى الملذات الجسدية والإغراق في المتع الحسية.
وخلاصة القول أن الروم لم يعتنقوا ديناً اعتناقاً جدياً يجعلهم يستمدون تصوراتهم وعقائدهم ونظام حياتهم منه وحده، نعم كان لهم آلهة ولم تكن آلهة تقليدية "لم تكن سوى محاكاة شاحبة للخرافات اليونانية، لقد كانت أشباحاً سُكِت عن وجودها حفظاً للعرف الاجتماعي، ولم يكن يسمح لها قط بالتدخل في أمور الحياة الحقيقية" (1).
وبذلك نستطيع أن نجزم بأن المجتمع الروماني كان مجتمعاً مادياً لا دينياً يعانى عزلة حادة عن معتقداته -أياً كانت- وبين واقع حياته العملي.
وقد عبر (سيسرو) عن الانفصال العميق بين الدين ونظام الحياة عند الرومان بقوله: "لما كان الممثلون ينشدون في دور التمثيل أبياتاً معناها: إن الآلهة لا دخل لهم في أمور الدنيا يصغي إليها الناس ويسمعونها بكل رغبة" (2).
ويقول الراهب (أوغسطين): "إن الروم الوثنيين كانوا يعبدون آلهتهم في المعابد ويهزءون بهم في دور التمثيل" (3).
ليس هذا--------------------------------------------
(1) الإسلام على مفترق الطرق: محمد أسد: (38).
(2) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: الندوي: (163).
(3) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: الندوي: (163).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 54)

فحسب، بل إن أبيقور (ق4) قبل الميلاد - ليعلن على الملأ دعوة علمانية صريحة، فهو يقول: "إن الآلهة لا يشغلون أنفسهم بأمور بني البشر، إنهم موجودون لأنهم يظهرون من آن لآخر للأشخاص (!) بيد أن مسائل العالم الأرضي لا تعنيهم، وما من علامة تدل على أنهم يعنون بعقاب الآثم وإثابة الصالح؟ أيمكن اعتقاد تدخلهم هذا مع ما نراه في هذا العالم؟ " "إن جوبيتير يرسل الآن بالصواعق على معبده، فهل سحق أبيقور الذي يجدف به"؟ "إن الآلهة يعيشون بعيداً عن العوالم ولا يهتمون إلا بشئونهم فلا تعنيهم أمورنا، إنهم يعيشون حكماء سعداء ويعظوننا بهذا المثال الذي يجب أن نسير على منواله، فلنعتبرهم كمثل عليا يقتدى بها، غير أنه يجب علينا ألا نشغل أنفسنا بما يريدونه منا، فإنهم لا يريدون منا شيئاً، فهم لا يعيروننا بالاً فلنفعل نحوهم كما يفعلون نحونا" (1).
هذا التصور للآلهة تشترك مع أبيقور فيه الغالبية العظمى من الرومان، ومن الطبيعي جداً أن ينشأ عن هذا التصور الخاطئ للإله تصور خاطئ لمهمة الدين في الحياة وواجب المخلوق تجاه خالقه، ولما كان الصراع هو التصور المشترك لطبيعة الحياة عند الرومان، فقد كانوا يتصورون الآلهة وهي تتصارع في الفضاء كما يتصارع أبطالهم على الحلبة، وليس من شأن البطل أن يشرع للجمهور بل كل همه أن يخرج من الحلبة ظافراً منصوراً.
وبما أن آلهة الرومان بطبعها لم تكن لتشرع لهم شيئاً، فقد كان--------------------------------------------
(1) المشكلة الأخلاقية والفلاسفة، كرسون: (67).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)

من الضروري أن يقوم بشر متألهون بمهمة وضع نظم الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة، ونتيجة لجهود هؤلاء برز إلى الوجود (القانون الروماني) الذي لا تزال أوروبا تعيش عليه أو على امتداده إلى اليوم، أما النظم الأخلاقية وقوانين الآداب العامة -إن وجدت -فقد كانت أبيقورية محضة.
وهكذا كان للرومان دين لكنه دين وجداني مجرد، لا تأثير له في السلوك العملي ولا يفرض التزامات خلقية معينة، ولا ينظم من شئون الحياة شيئاً، حتى إننا لنكاد نقول: إن الامبراطورية الرومانية نسخة قديمة من الولايات المتحدة الأمريكية اليوم.
كان الفرد الروماني -كالأمريكي اليوم- يخرج من نحلة إلى أخرى، وينتقل من مبدأ إلى نقيضه دون أن يطرأ على حياته العملية وسلوكه الشخصي أي تغيير، فالدين في نظره فكرة مجردة وعقيدة وجدانية فحسب.
ثانياً: حالة الشريعة الإنجيلية إلى سنة (325م):
ليس الإنجيل أول كتاب سماوي أنزله الله ولا هو حتماً آخر كتاب، فهو واحد من مجموعة كتب ابتدأت قبل المسيح بقرون وانتهت بالكتاب الخاتم المنزل على الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم.
ومهمة الكتاب السماوي وغاية إنزاله بينها الله تعالى في القرآن الكريم أوضح بيان فقال: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)) [البقرة:213].
فالحكم بالكتاب في كل اختلاف وتطبيقه في كل منحى من مناحي الحياة، واستمداد كل القيم والقوانين والأنظمة والتشريعات منه هو الغرض المقصود من إنزاله، والكتب السماوية هي -كما في الآية- كتاب واحد بالنظر إلى أن منزلها واحد

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)

وموضوعها واحد، وهو تقرير حقيقة واحدة لا تختلف أبداً هي توحيد الله وعبادته وحده بالمعنى الواسع الشامل للعبادة، هكذا كانت التوارة ((وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ)) [الأعراف:145] فهي شريعة كاملة بالنسبة لعصرها قامت عليها دول تملك خصائص الدولة في ذلك العصر، وكان بعض ملوك هذه الدول من أمثال داود وسليمان عليهما السلام أنبياء يحكمون بما أنزل الله ويقيمون الحياة كلها على شرعه وأمره، وظلت التوراة ما شاء الله أن تظل منهاجاً وشريعة ((يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ)) [المائدة:44] فما كان يجوز لمؤمن بها أن يستمد تصوراته وأفكاره ولا سلوكه وتشريعاته من سواها.
أما ما وقع في حياة بني إسرائيل مما يخالف هذا فهو انحراف لا يقره الله ولا تقبله شريعته، ثم جاء عيسى عليه السلام رسولاً إلى بني إسرائيل، وهو آخر رسلهم ليصلح ما فسد ويقيم ما اعوج من عقائد وأخلاق اليهود، وليردهم إلى الأصل الثابت: توحيد الله وعبادته وحده بتحكيم شرعه واتباع منهجه.
وبما أنه مبعوث إلى بني إسرائيل خاصة، فلم يكن ناسخاً لشريعة موسى وإنما كان متماً لها، وكان الإنجيل مصدقاً لما بين يديه وإن لم يكن مهيمناً عليه (1).
وكان الجديد في شريعة الإنجيل التخفيف من بعض التشريعات التي لم تنزل شرعاً دائماً وإنما جاءت عقوبة مؤقتة لليهود، مع اشتماله على مواعظ بليغة اقتضاها ما جبل عليه اليهود من غلظة في القلوب،--------------------------------------------
(1) يقول إنجيل متى عن المسيح: لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل (81: 5).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)

وجفاف في الأرواح، وإغراق مفرط تام في عبودية المادة، وحرصٍ مُصرٍّ على التشبث بالحياة الدنيا.
إذن فقد كانت التوراة مضموماً إليها تعديلات الإنجيل شريعة يجب أن تطبق، وعقيدة يجب أن ينبثق منها كل منهج للحياة: ((وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)) [المائدة:46/ 47]، لكن الذي حدث هو أن هذه الشريعة لم يكتب لها التطبيق على المستوى العام لسببين متلازمين:
الأول: أنه لم يقم لها دولة تتبناها وتقيمها في الأرض، إذ من المعلوم أن عيسى عليه السلام، توفاه الله ورفعه إليه وهو لم يزل في مرحلة الدعوة التي تشبه حال الدين الإسلامي قبل الهجرة.
الثاني: أنه، عليه السلام، قد بعث إلى قوم قساة القلوب غلاظ الأكباد، وفي الوقت نفسه كانت المنطقة المبعوث فيها جزءاً من مستعمرات إمبراطورية وثنية عاتية، فكان ميلاد الدين الجديد في محيط معاد كل العداء له ولرسوله ونتج عن ذلك اضطهاد فظيع للمؤمنين به لم يدع لهم فرصة لتطبيقه إلا في النطاق الشخصي الضيق.
وكان أول من وضع العراقيل أمام دعوة المسيح وشريعته اليهود قتلة الأنبياء، وتكاد الأناجيل والرسائل تكون وصفاً للعنت الذي لقيه المسيح وأتباعه من الطوائف اليهودية، وقد جللوا عداوتهم بإغراء الحاكم الرومانى بقتله وصلبه، ولكن الله تعالى رفعه إليه ونجاه منهم ومنه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)

وبعد وفاة المسيح عليه السلام، اشتدت المحنة على أتباعه من اليهود والرومان سواءً.
أما اليهود فكانوا كما تحدثت رسالة (أعمال الرسل) يقتلون المسيحيين ويرجمونهم ويغرون بهم الولاة … وكان من أبرز المضطهدين لهم شاؤل اليهودى، الذي تقول عنه الرسالة المذكورة: "أما شاؤل فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت ويجر رجالاً ونساءً ويسلمهم إلى السجن" (1).
على أن أعظم محنة نزلت بالمسيحية -عقيدة وشريعة- هي عملية (الغزو من الداخل) التي قام بها شاؤل: فقد تظاهر باعتناق المسيحية وجاء بتعاليم مناقضة سبق ذكر بعضها، وأخذ يؤلب على المسيحيين الحقيقيين، وبذلك أحدث فوضى عقائدية وبلبلة فكرية، فتضاعف البلاء على المسيحيين، إذ أصيبوا في دينهم وأنفسهم دفعة واحدة.
وأما الرومان فقد أنزل أباطرتهم بأتباع المسيح أشد الأذى، واشتهر باضطهادهم (نيرون 64م) و (تراجان-106م) و (ريسويس-251م) و (دقلديانوس-280م) وبلغ بهم الاضطهاد إلى درجة أن بعض الأباطرة كانوا يضعون المسيحيين في جلود الحيوان ويطرحونهم للكلاب فتنهشهم، أو يلبسونهم ثياباً مطلية بالقار ويوقدونها لتكون مشاعل بشرية يستضيئون بها في مراقصهم (2) وفي وسع المرء أن يدرك الحال التي تكون عليها شريعة يضطهد أتباعها ثلاثة قرون ويطاردون في معتقداتهم وأفكارهم، وهذه المطاردة كيف يمكن أن تقوم عليها دولة تنافح عنها وتلزم بتعاليمها وتثبت للعالم أنها شريعة كاملة.--------------------------------------------
(1) صح (8/ 4).
(2) انظر: محاضرات في النصرانية: (32)، وتاريخ العالم فصل: (21) واضمحلال الإمبراطورية الرومانية: فصل (15).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)

وإذا اتضحت لنا هاتان الحقيقتان، نعود إلى فصل الدين عن الدولة الذي مارسته الامبراطورية الرومانية والكنيسة ابتداءً من سنة (325).
إن الكنيسة لتهتز طرباً إذا ذكر لها عام (325)، فهو يمثل في نظرها عام النصر الحاسم على أعداء المسيح وبداية العصر الجديد - عصر السيادة والحرية - بعد عصر الاضطهاد والهوان.
لقد حصلت الكنيسة على ما لم يكن ليحلم به آباؤها الأولون … فبينما عاش المسيح والتلاميذ تحت تهديد الوالي الروماني ينظرون إلى الامبراطورية الفسيحة نظر من لا يطمع منها بشيء، نرى الكنيسة في القرن الرابع تظفر بالامبراطور نفسه صيداً ثميناً وتعمده بالماء المقدس إيذاناً بدخوله دين المسيح.
إن هذا النصر كبير، بل كبير جداً في حس الكنيسة وأتباعها، لكن الكنيسة نسيت -وما أكثر ما تنسى- قولة المسيح الصادقة: "ماذا ينتفع الإنسان إذا ربح العالم كله وخسر نفسه" (1).
فماذا ينفع الكنيسة إذا ربحت قسطنطين وإمبراطوريته وخسرت دينها وتعاليمها؟
لو أن الكنيسة ربانية حقاً لكان أول عمل عملته بعد انقضاء عهد الاضطهاد المرير هو البحث عن ذاتها هي، ببعث الإنجيل الأصلي ونشره وتحكيمه في شئون الحياة، وكان في إمكانها أن تقنع الامبراطور؛ فإما أن يقبل ذلك فيكون نصرانياً على الحقيقة، وإلا فلتكف منه بصداقته ورعايته وتمارس تطبيق شريعتها على أتباعها الحقيقيين في ظل عطف الامبراطورية، ذلك ما كان مفروضاً أن تضطلع به الكنيسة وأن يرضاه الامبراطور ويتقبله، غير أن الذي--------------------------------------------
(1) متى: (16 - 27).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)

حصل فعلاً هو أنه لا الكنيسة كانت مؤمنة جادة تطمع في هداية الناس ابتغاء مرضاة الله والدار الآخرة، ولا قسطنطين كان مؤمناً جاداً يريد أن يخلع عن عنقه ربقة الوثنية ليخلص دينه لله ويقف بين يديه وقوف العابد أمام المعبود.
إن الرابط الذي جمع الكنيسة بالامبراطور هو رابط المصلحة الدنيوية لكلا الطرفين لا غير، وإن كانت مصلحة الامبراطور أرجح وتنازله أرخص.
يقول درابر: "إن هذا الامبراطور الذي كان عبداً للدنيا والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئاً، رأى لمصلحته الشخصية ولمصلحة الحزبين المتنافسين … النصراني والوثني؛ أن يوحدهما ويؤلف بينهما، حتى أن النصارى الراسخين أيضاً لم ينكروا عليه هذه الخطة، ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة، وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها" (1).
كما أدرك هذه الحقيقة المؤرخ الإنجليزي (ويلز)، فقد شرح بدقة حال الامبراطورية معللاً اعتناق قسطنطين للمسيحية وإعلانها ديانة رسمية بأنه محاولة منه لإنقاذ إمبراطوريته المتضعضعة من التفكك والإنحلال، (2) وهو ما قال به جيبون من قبل (3).
هذا بالنسبة للإمبراطور، أما الذين اعتنقوا المسيحية من المواطنين الرومان فلم يتغير تصورهم السابق عن الدين ومهمته في--------------------------------------------
(1) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: (167).
(2) انظر معالم تاريخ الإنسانية: (718 - 719).
(3) انظر اضمحلال الإمبراطورية الرومانية، الفصل العشرون.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)

الحياة، وكان التغيير الذي طرأ عليهم هو إحلال مسمى (الأب، والابن، وروح القدس) محل (جوبيتير، ومارس، وكورنيوس) فما كانوا ينتظرون من آلهة بولس وكنيسته من تشريع وتوجيه إلا ما ينتظر من آلهتهم الجامدة الشاحبة، ولم يكن مقام الأب الذي نادت به الكنيسة ليزيد عن مقام جوبيتير الذي صوره أبيقور.
وهكذا لم تستطع الكنيسة بتصورها الفاسد أن تقتلع جذور الوثنية المتغلغلة في أعماق النفس الرومانية، ولا أن تسمو بتلك النفوس من عالم الملذات الجسدية إلى عالم الفضيلة والطهر -باستثناء القلة التي ترهبت- ولقد عبر أحد المؤرخين الغربيين عن ذلك بقوله: "إن المسيحية لم تكن عند أكثر الناس غير ستار رقيق يخفي تحته نظرة وثنية خالصة إلى الحياة" (1).
وإذ قد عجزت عن ذلك، فمن الطبيعي أن تعجز عن إقامة الحياة: بنظمها وقيمها وأخلاقها على أساس من الدين، وبقي الدين كما كان هواية شخصية محدودة التأثير لم يتغير فيه، إلا أن المراسم الشكلية كانت تؤدى في معابد، فأصبحت تؤدى في كنائس، ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إن الكنيسة تزحزحت عن مركز التأثير إلى مركز التأثر، فدخلت الخرافات والأساطير والتقاليد الوثنية في صلب تعاليمها وطقوسها، وامتزجت بروايات الأناجيل وآراء المجامع المقدسة، كما حصل امتزاج وتلاقح بين الشريعة والقانون الروماني فأصبحت المسيحية ديانة تركيبية كما وصفها لوبون (2).
وهذا الضلال والخطل الذي وقعت فيه الكنيسة لا يبرره ما ذهب إليه ليكونت دي نوي، حين قال: (قَبِل الدين الكاثوليكى الذي نشأ على شواطئ المتوسط ذات--------------------------------------------
(1) تاريخ العالم (4/ 330).
(2) مصير الإنسان: (252، 255).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)

المخيلة الواسعة بعض العادات لأنه لم يجد إلى إزالتها سبيلاً وانتهت -أي: الكنيسة- مرغمة إلى قبول المساومة، وقد طغت عليها أمواج الخرافات القديمة الجارفة) (1) فالمؤمن الحق لا يقبل المساومة على دينه مهما قست الظروف والأحوال.
كما لا يبرره -من باب أولى- ما ذهب إليه فشر في قوله: "إن حكمة الكنيسة المسيحية هدت آباءها الأولين إلى قبول ما لم يستطيعوا له منعاً من قديم العادات والتقاليد والمعتقدات، بدليل استقبال الكنيسة لمبدأ تعدد الآلهة الراسخ بين شعوب البحر الأبيض المتوسط وتطويع ذلك المبدأ لما تقتضيه عقائدها" (2).
قد يكون جرم الكنيسة أهون لو أنها عدت عملها هذا تصرفاً استثنائياً مؤقتاً تفرضه عليها الضرورة الطارئة، ثم لا تلبث الشريعة أن تبرز إلى حيز التنفيذ على كل نشاطات الحياة، غير أن الذي تم -فعلاً- هو أنها اتخذت ذلك قاعدة ومنهجاً وسارت فيه إلى أبعد شوط.
وكان أول من سن سنة التنازل عن الشريعة مقابل قبول العقيدة، هو شاؤل (بولس) يقول برنتن:"كانت العقبة الكبرى في وجه الأمميين الذين وجدوا أسلوب الحياة المسيحية جذاباً قانون اليهود" -أي: شريعة التوراة- ثم يشرح برنتن كيف أن بولس أزال هذه العقبة فأفتى بأن (الإغريق والمصريين والرومان الذين يقبلون المسيحية في حل من الختان وفي حل من التقيد بحرفية القانون) (3).
وبمرور الزمن أصبح هذا الانحراف منهجاً--------------------------------------------
(1) مصير الإنسان: (252، 255).
(2) تاريخ أوروبا في العصور الوسطى: (1/ 80).
(3) أفكار ورجال: (18).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)