مقرراً اعتمدته الكنيسة بعد مجمع نيقية ففصلت بين العقيدة وبين الشريعة، بين الدين والدولة وقسمت الحياة البشرية دائرتين مغلقتين:
الأولى: (دينية) من اختصاص الله، ويقتصر محتواها على نظام الإكليروس والرهبنة والمواعظ وتشريعات طفيفة لا تتعدى الأحوال الشخصية.
والأخرى: (دنيوية) من اختصاص قيصر وقانونه، ويحوي محيطها التنظيمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلاقات الدولية ونظم الحياة العامة.
هذه القسمة الضيزى لم تجد الكنيسة غضاضة فيها، ولم تتحرج من جعل قيصر شريكاً لله في ملكه، بل أعظم من شريك، فقسمت الكون شطرين: شطر لله وشطر لقيصر، فما كان لله فهو يصل إلى قيصر وما كان لقيصر فلا يصل إلى الله.
ويرى بعض المؤرخين أن السبب الذي أوقع الكنيسة في ذلك هو نظرتها القاصرة إلى الحياة الدنيا .. يقول صاحب (تاريخ أوروبا في العصور الوسطى): (إن المسيحيين الأولين على وجه الإطلاق لم يعمدوا إلى شيء من الإصلاح في المجتمع الروماني الذي نبتوا فيه برغم ما هو معروف من تحريمهم لكثير من العادات والطقوس القديمة، ولم تكن لهم فلسفة في الدولة وأصول الحكم ولا الإيمان بتجديد المجتمع من طريق الإنشاء والتنظيم، ولم يخطر ببال أحد منهم أن في استطاعة جماعاتهم الصغيرة البعيدة عن السلطة والنفوذ أن تحدث بالسياسة الرومانية أو المجتمع الرومانى شيئاً من التعديل، ذلك أنهم أيقنوا أن الدنيا متاع الغرور والشرور، وتعلموا أن الإنسان طريد جنة الخلد وحق عليه العذاب المقيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
"وتعلموا كذلك أن هذه الدنيا الغرارة لن تلبث حتى تزول، وإن رجعة المسيح إلى الأرض، وهي ما اعتقدها الناس وشيكة الوقوع، سوف تملأ الدنيا عدلاً بعد ما ملئت الدنيا ظلماً وجوراً وخبثاً ونقصاً يمحوه كله المسيح محواً، وإذا كان كذلك فما الذي يحمل المسيحي على إلغاء الرق أو الحرب أو المتاجرة في المحرمات أو الربا أو استعمال القوة الغاشمة التي ساعدت الدولة الرومانية على النهوض، ما دام ذلك كله مقضياً عليه بالزوال، وما دامت المشكلة الكبرى تنحصر في الوسيلة الواقية من العذاب الذي كتبه الله على الناس جزاءً وفاقاً لما ارتكبه آدم من الخطيئة في جنة الخلد، ولذا رضي المسيحيون بجميع ما وجدوا من نظم لا قبل لهم بتغييرها" (1).
وهذا التعليل مصيب، لكنه لا يمثل الحقيقة كاملة، فإن للكنيسة مستندات نقلية من نصوص الأناجيل لابد من عرض نموذج لها ومناقشته، وأهمها نصان:
1 - القول المنسوب للمسيح: "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله".
هذا القول هو أقوى وأصرح حجج الكنيسة، ولقد ظل شعاراً ترفعه أوروبا كلما أملى عليها الهوى أن تخالف شرع الله وتتمرد على شرعه، وبفضل هذا الشعار أخذ الدين ينكمش وينحسر على مر القرون حتى لم يبق له في أحسن الأحوال إلا ساعة في الأسبوع خاوية من كل معنى .. فما قيمة هذا الدليل بالنظرة العلمية المنصفة؟
لقد سبق لنا أن قلنا: إن كل ما روي عن المسيح من أقوال ليست منسوبة إليه يقيناً، بل ولا ظناً راجحاً، فالكنيسة بدلَّت وحرفت وأضافت وحذفت حتى طمست تعاليمه وأقواله ودفنتها إلى الأبد، وهذا القول مما يجوز أن يقال فيه -مبدئياً-: إن المسيح لم يقله، وإنه من--------------------------------------------
(1) (2/ 109 - 110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
إضافات الكنيسة، ومادام البحث العلمي يقرر أن الأناجيل كلها ظنية الثبوت ظنية الدلالة، فكيف يسوغ للكنيسة أن تحتج بهذه الظنيات في مسألة بالغة الخطورة كهذه؟
ولندع القيمة العلمية التاريخية للنص وننظر نظرة موضوعية فاحصة في منطوق العبارة ومدلولها فماذا نجد؟
إن هذه العبارة ظاهرها الأمر الصريح بالشرك "أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله" فهي تجعل قيصر شريكاً لله في التوجه إليه بالعمل، ومن ينفذها على ظاهرها يقع حتماً في شرك الطاعة والاتباع وهو شرك أعظم، لتنافيه مع توحيد الألوهية، وهذه الدلالة تكفي لنفي صدور العبارة من المسيح عليه السلام، لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما بعثوا لتحذير الجماعة البشرية من الشرك وتنفيرها منه جليله ودقيقه، فكيف يأمر نبي من أنبياء الله من أولي العزم بالشرك ويدعو إليه بهذه الصورة؟!
وهذا في الحقيقة كاف لإسقاط حجية العبارة؛ لكننا سنجامل الكنيسة ونجري مع احتمالها الضعيف جداً مفترضين جدلاً أن المسيح عليه السلام تفوه بما نسب إليه، فهل يعني ذلك أن نفهم من العبارة ما فهمته الكنيسة من ظاهرها، ونتخذ من فهمنا هذا قاعدة هي أعظم القواعد الكنسية العملية على الإطلاق؟ لنتتبع معها سياق العبارة فقد يعين على فهمها - إن قبلت - على حقيقتها:
يقول متى في إنجيله: "ذهب الفريسيون وتشاوروا لكي يصطادوه بكلمة، فأرسلوا إليه تلاميذهم مع الهيرودوسيين قائلين: يا معلم إنك صادق وتعلم طريق الله بالحق ولا تبالي بأحد، لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس، فقل لنا ماذا تظن: أيجوز أن تعطي جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم، وقال:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
لماذا تجربونني يا مرآءون، أروني معاملة الجزية، فقدموا له ديناراً فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ومضوا".
كان المسيح عليه السلام وأتباعه قلة مضطهدة تتبنى دعوة جديدة ناشئة، فلم يكن في مقدورها أن تصطدم بالامبراطورية الطاغية، وتواجهها بعداوة سافرة، ولم تكن هذه المواجهة مطلوبة منها وهي لا تزال في طور الدعوة -يقابل ذلك في الإسلام فترة ما قبل فرض الجهاد- وهذا الطور يقتضي الالتزام بمبدأ (كفوا أيديكم) كيلا يستثار عدو باطش فيفتك بالدعوة في مهدها.
هذا المنهج في الدعوة لاحظه الفريسيون -أعدى أعداء المسيح- فسولت لهم أنفسهم الحاقدة أن يدبروا مكيدة للمسيح ودعوته، بحيث تخرج الدعوة عن منهجها ومسارها المقرر وتناوئ الأوضاع القائمة مباشرة، وبذلك يجدون طريقة للإيقاع بالمسيح لدى الحاكم الروماني فكان هذا السؤال الخبيث.
والواقع أنه ليس في استطاعة المسيح عليه السلام والقلة المسلمة معه ولا من منهج دعوته أن يرفضوا دفع الجزية للجابي الروماني، الذي يجمعها من كل رعايا الامبراطورية ويدفعها للطاغوت قيصر، ولكن هذا لا يعني أبداً أن المسيح عليه السلام يقر ذلك الواقع الظالم، ويعترف لقيصر بحق مساواة الله في خلقه ويجعله شريكاً له في ألوهيته كما فهمت الكنيسة.
فالمسيح عليه السلام -لو صحت العبارة- وافق على إجراء مؤقت تقتضيه ضرورة الواقع وطبيعة الدعوة المرحلية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
وإذا كانت دعوة الأنبياء في جوهرها واحدة، فإن أول فرض الجهاد في الإسلام كان إذناً وليس أمراً ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)) [الحج:39].
وذلك أن القلة المسلمة في مكة كانت تطمع في الثأر لنفسها من الاضطهاد المرير الذي تلقاه من جبابرة مشركي قريش؛ كأن تغتال بعض المضطهدين مثلاً، أو تسلبهم شيئاً من أموالهم وراحتهم، واستأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك، فكان الأمر من الله بكف اليد، ولذلك أجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم: {إني لم أومر بهذا}.
وذلك كي تظل الدعوة سائرة في منهجها المرسوم لا تستفزها تحركات الأعداء للإيقاع بها وإبادتها في مهدها.
ولو قدر للمسيح عليه السلام أن تبلغ دعوته من القوة ما بلغت الدعوة الإسلامية عند الإذن بالجهاد لأذن لقومه بأن يرفضوا دفع الجزية لقيصر، بل لأمرهم بجهاد الرومان وإشهار عداوتهم.
وبذلك يتضح أنه حتى في حالة ثبوت العبارة فإنها ذات مدلول جزئي مؤقت في مسألة فرعية، ولا يجوز أن يستنبط منه قاعدة أبدية عامة يفضي تطبيقها إلى إهمال شريعة الله، والتخلي عن إقامة دينه في واقع الحياة وإقرار أحكام الطاغوت.
2 - "مملكتي ليست من هذا العالم" بقطع النظر عن صحة نسبة هذه العبارة إلى المسيح عليه السلام أو عدمها، نجد أن الكنيسة فهمتها فهماً خاصاً، وجعلت هذا الفهم منهجاً وأصلاً من أصول عقيدتها تقاوم بها الفطرة البشرية والعقل السليم والتطور الإيماني المستقيم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
فهمت الكنيسة من قول المسيح: "مملكتي ليست من هذا العالم" -إن كان قالها- أن الدنيا والآخرة ضرتان متناحرتان وضدان لا يجتمعان، الدنيا مملكة الشيطان ومحط الشرور والآثام، وعمل الإنسان فيها لتحسين أوضاعه المعاشية ومحاولة تحقيق القسط الملائم من السعادة والرفاهية والتمتع بطيبات وخيرات الكون، كلها أعمال دنسة يمليها الشيطان ليصرف الإنسان عن مملكة المسيح الخالدة (الآخرة)، والفقر وشظف العيش - حسب المفهوم الكنسي- هما مفتاح الملكوت الضامن، وتنسب الأناجيل إلى المسيح قوله: "إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله" (1).
وبمقتضى ذلك لا يسأل الإنسان الله شيئاً من متاع الدنيا أو خيراتها العاجلة، بل يقتصر على ما طلبه المسيح حسب رواية الأناجيل (خبزنا كفافا) (2).
والإنسان -حسب هذا المفهوم- يولد موصماً بالخطيئة الموروثة ويدخل إلى الدنيا دخول المجرم إلى السجن، وكما أن أباه أكل من الشجرة فعوقب بالطرد من الجنة وقضي عليه بالحرمان والنكد، فكذلك إذا تمتع بطيبات الدنيا وملاذها فسيعاقب بحرمانه من نعيم الملكوت.
إذا كان هذا هو حال الدنيا وحال الإنسان فيها ففيم العناء لإصلاح ما وجد بطبيعته فاسداً؟ وما جدوى تقويم ما خلق من أصله معوجاً؟ ليتحكم الجبابرة في الناس وليستعبدوهم وليعبثوا في الكون كما يريدون، فسوف يحاسبهم المسيح يوم الدينونة! وليجمع الناس المال ويتمتعوا بالحياة الدنيا ويتزوجوا وينجبوا، فسوف يحرمهم ذلك من الدخول في ملكوت الله والفوز في الملأ الأعلى، أما المسيحي الكامل--------------------------------------------
(1) متى: (19/ 25).
(2) متى: (6/ 12).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
الإيمان، فما له ولهذه الأمور، أليس كل همه الخلاص من هذا المأزق! مأزق وجوده في هذه الأرض في مملكة الشيطان؟
هكذا استخلصت الكنيسة من تلك العبارة وأشباهها مفهوماً سلبياً ضيقاً للحياة الدنيا، وبالتالي لمهمة الدين فيها، يائسة من إمكان إقامتها على الحق والعدل الإلهي، فحرفت المسيحية من عقيدة شاملة ذات منهج رباني كامل نزلت لتغيير الواقع الجاهلي المنحرف الذي يعيشه الناس، وإقامة واقع جديد تحكمه الشريعة المنزلة إلى نظرة بوذية قاصرة للدنيا، مشفوعة بآمال وأحلام مرتقبة في الآخرة، ورأت أن تنظيم شئون الدولة وتقويم النظم السياسية والاقتصادية وإصلاح الأوضاع الاجتماعية، ليس من دينها في شيء، لأن مملكة المسيح ليست من هذا العالم.
ولا يعني هذا أن الكنيسة لم تمارس سلطات سياسية أو نفوذاً اجتماعياً، فقد كان منها ما لم يكن من أعتى القياصرة (1) لكن هذه الممارسة تظل محدودة بنطاق المطامع الشخصية لرجال الدين، وكانت الرغبة في إشباع هذه المطامع، وليست الرغبة في إقامة دين الله وشرعه هما الدافع من ورائها، فكان البابا يهمه بالدرجة الأولى أن يتولى تتويج الملوك ويحصل منهم على الضرائب والجنود ولا يسمح بأدنى تساهل في ذلك، أما حكمهم بغير ما أنزل الله فلا شأن له به؛ لأن ذلك من اختصاص قيصر؛ ولأن مملكة المسيح ليست في هذا العالم.
والواقع أن هذه العبارة كسابقتها لا تنهض دليلاً لما زعمته الكنيسة، بل إن لها -إن صحت- معنى آخر يوضحه السياق، وها هو سياقها كما ورد في إنجيل يوحنا: "دخل بيلاطس -أيضاً- إلى دار الولاية، ودعا يسوع وقال له: أنت--------------------------------------------
(1) انظر الباب الثانى: فصل طغيان الكنيسة -لا سيما- الطغيان السياسي، (ص:133).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
ملك اليهود. أجابه يسوع: أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني؟ أجابه بيلاطس: العلي أنا يهودي؟ أمتك ورؤساء الكهنة أسلموك لي ماذا فعلت؟ أجاب يسوع: مملكتي ليست في هذا العالم، لو كانت مملكتي في هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلَّم لليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا" (1).
إن القضية لتبدو واضحة العيان، لقد دبر اليهود مكيدة أخرى، حيث رأوا أنه يمكن إيغار صدر (بيلاطس) على المسيح بتلفيق تهمة ضده، مفادها: أنه يدعي أنه ملك على اليهود، وزعيم سياسي يهدف إلى استقلال أمته عن الاستعمار الروماني والتبعية لقيصر، وهي تهمة كفيلة بتعريض المسيح ودعوته لأقسى العقوبات.
تظاهر اليهود بالنصح للحاكم الروماني، والحدب على دولته، فحملوا المسيح إليه موجهين إليه هذه التهمة. حينئذ وقع بيلاطيس بين تيارين نفسيين: تيار النخوة الوطنية الرومانية، وتيار التعقل والروية الذي يبعثه في نفسه علمه بخبث طوية اليهود من جهة، وتيقنه من براءة المسيح من جهة أخرى، لذلك تردد كثيراً في الأمر وهم أخيراً بأن يطلق المسيح، فصرخ اليهود قائلين: (إن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر، كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم لقيصر) (2).
ولما رأى إصرارهم على صلب المسيح دفعه إليهم قائلاً: إن لكم شريعة تحاكمون إليها أبناء شعبكم فخذوا ملككم واصلبوه وفق شريعتكم، فصرخوا قائلين اصلبه أنت أما نحن فـ"ليس لنا ملك إلا قيصر" (3).
وأخيراً نجحت المكيدة، بل على الصحيح: هكذا ظن اليهود.--------------------------------------------
(1) (18:34 - 37).
(2) يوحنا: (19/ 12).
(3) يوحنا: (19/ 15).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
ذلك موجز القصة كما رواها إنجيل يوحنا، وخلال التحقيق مع المسيح وردت هذه الكلمة عنه "مملكتي ليست من هذا العالم" كما يقول الإنجيل - وهو إن قالها، فإنما كان يريد أن يقول لبيلاطس: لست ملكاً من النوع الذي تتصوره أنت واليهود، على طراز قيصر وكسرى؛ فإن الملك الذي تتخيلونه أنتم بمعنى العزة والمجد العريض والشرف الباذخ، ليس حظي منه في هذه الدنيا وإنما هو عند الله في دار كرامته الخالدة، وما دمت لست طامعاً في مناصبكم الدنيوية ومظاهركم الكاذبة، فما الذي يحملكم على تجريمي وبأي حق تدينوني؟
لم يقل المسيح ولم يرد أن يقول: إنني بعثت إلى الضعفاء والعجزة لأعظهم في الكنائس، ولأعمر بهم الأديرة، وتعاليمي ليست سوى طقوس روحانية لا علاقة لها بالحياة، كما فهمت الكنيسة، فقد أعلن دعوته صريحة على الملأ: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقى سلاماً بل سيفاً" (1).
ولم يقل كما قال اليهود: ليس لي ملك إلا قيصر، ولو قال ذلك أو شيئاً منه لربما سلم من الأذى وبرئ من التهمة، لكن حاشا أن يقول ذلك، وهو رسول الله الذي أرسله لهدم كل سلطان لغير الله في الأرض، ومهما ظل عاجزاً عن هدمه فلن يقر ويعترف به.
ومع ذلك فقد كان يعلم من الله أن نهايته قد أوشكت، وأنه لن يكون له سلطان في هذه الحياة الدنيا، ولذلك لم يأمر أحداً من أتباعه بالدفاع عنه، بل أمر رجلاً منهم سل سيفه أن يغمده، وقال ذلك لبيلاطيس صريحاً: "لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكيلا أسلَّم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا".--------------------------------------------
(1) متى: (10: 35).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وهكذا نرى -كما رأينا- أن الكنيسة تعمد إلى عبارات تنسبها الأناجيل إلى المسيح قيلت مجازاً، أو وردت في ظروف مؤقتة وملابسات خاصة لتقرر منها قواعد أصولية تؤسس عليها دينها المحرف دون مراعاة لمنطق الاستدلال ومقتضى التحقيق العلمي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
- الفصل الثاني: البدع المستحدثة في الدين النصراني:
توطئة:
أدَّى التحريف المتعمد لنصوص الوحي المسيحي والتأويلات البعيدة لأعمال المسيح وأقواله، تلك التي فتحت الكنيسة لها الباب على مصراعيه، إلى استمراء وتسويغ التصرفات الخاطئة التي تلت ذلك فيما بعد، ولما كانت تحريفات الكنيسة تخبطات عشوائية لا ترتكز على قواعد محددة وليس لها ضوابط رادعة، فقد ظل المجال فسيحاً لإضافات أكثر وثغرات أعمق، وكان للمطامع الدنيوية والرغبات الشخصية الفضل الأكبر في دفع الموجة قدماً وتوجيهها كما يراد.
يضاف إلى ذلك الحماقات التي ترتكب بطريق السذاجة والبله من بعض المنتسبين إلى الدين، ولا تجد من ينكرها أو يحاصرها، فتصبح مع مرور الزمن طقوساً وشعائر دينية.
كل ذلك تعرضت له النصرانية، فاستحقت أن توصم بأنها ديانة تركيبية أو بوتقة انصهرت فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة، شكلت ديناً غير متسق ولا متجانس.
ونظراً لصعوبة التمييز بين الصحيح من الزائف والأصلي من المبتدع في الدين النصراني، فقد تباينت وجهات نظر النقاد الغربيين وتباعدت شقة الخلاف بينهم، فغالى بعضهم إلى حد التصريح بأن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
النصرانية ديانة وضعية أرقى تكويناً وأدق تنظيماً من الديانات السابقة التي ابتكرها الإنسان -بزعمهم- منذ فجر التاريخ، وأن طقوسها وشعائرها هي امتداد للطقوس الطوطمية والشعائر الوثنية، التي كانت سائدة بين القبائل الهمجية القديمة.
وبالمقابل تعصب آخرون - لاسيما ذوي الميول الدينية - للرأي القائل بأن الدين النصراني - مكتملاً - دين سماوي على الحقيقة، وأن كل ما في الأناجيل وحي صادق، وأن أعمال الكنيسة مشروعة يقرها ويمليها المسيح، فليس شيء منها يستحق أن يوصف بأنه بدعة محدثة أو إضافة خاطئة، وتظل الكلمة الفصل في الموضوع، كما هي دائماً، في القرآن الكريم الذي نزل مهيمناً على ما قبله من الكتب، ويظل الرأي الذي يصح أن يوصف بأنه موضوعي ونزيه - في هذه المسألة وأشباهها - من نصيب الباحث المسلم وحده.
لقد سبق أن تحدثنا عن تحريف المسيحية - عقيدة وشريعة - والتحريف في ذاته بدعة خطرة، لكن الأمر لم يقتصر على تحريف ما هو موجود بالفعل، بل انتقل إلى إحداث ما لم يكن وابتداع تعاليم وضعية أُلصقت بالمسيحية وأُدخلت في صلبها، وربما كانت بدعة رجال الدين - كما يسمون - أبعد البدع أثراً، لأن البدع الأخرى لم تكن لتنمو لولا أن رجال الدين هم الذين ابتدعوها وأقروها وأضفوا الشرعية عليها لذلك سنبدأ بالحديث عن هذه البدعة، ثم نعقب ببعض البدع الأخرى لتكون نماذج وأمثلة شاهدة على ما نقول.
أولاً: رجال الدين الإكليروس:
ترى النظرة الجاهلية للتاريخ المتأثرة بنظرية التطور أن حياة البشر الدينية والاجتماعية مرت بثلاث مراحل رئيسية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
1 - مرحلة السحر والخرافة.
2 - مرحلة الدين.
3 - مرحلة العلم.
وفي المرحلة الأولى كان الفكر البشري يعيش أدنى أطواره وأحطها، وكان الإنسان آنذاك يرى أن حياته مرتبطة بأسباب خفية لا يستطيع إدراكها، فلجأ إلى السحر والشعوذة اللذين يستطيعان التأثير بطريقة غير محسوسة، وكلما ازداد وعي الإنسان بحياته وتفرعت آماله ومطامعه، ازداد تعلقه بالسحرة والكهان، لدفع الأرواح الشريرة التي تسبب له الضرر في نظره ولجلب المنافع المعيشية المتنوعة، وبمرور الزمن أصبح السحرة والكهان يتمتعون بأسمى المراكز الاجتماعية لدى الهمج، فآلت إليهم زعامات القبائل، وفرضوا سلطاناً مادياً لأنفسهم في أموال ونساء أتباعهم.
وبعد اكتشاف الزراعة واستقرار الحياة الإنسانية، بُنيت المعابد والهياكل وأصبح بعض الكهان ملوكاً يتوارثون الحكم، بينما ظل البعض الآخر يرأس المعابد والهياكل التي كانت تدر عليهم الشرف العريض والمال الوفير.
وبانتقال الإنسان إلى المرحلة الثانية "مرحلة الدين" بقيت رواسب موروثة عن المرحلة الأولى، من أبرزها طبقة رجال الدين الذين ليسوا سوى امتداد للسحرة والكهان في المرحلة السالفة، وظلوا يقومون بالمهمة نفسها التي كان يتولاها أولئك من قبل، والفارق الوحيد هو أن هؤلاء يستمدون سلطتهم من الدين بينما يستمدها أولئك من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
السحر (1)
هذا هو التعليل الجاهلي لظهور رجال الدين، وهو تعليل قاصر لأنه ينكر الوحي الإلهي ويغفل، عامداً، الفترات المضيئة التي تخللت التاريخ البشرى منذ البدء، وهي الفترات التي شهدت مبعث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ((وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَاّ خلا فِيهَا نَذِيرٌ)) [فاطر:24]، ويقصر نظره على فترات الانحراف عن منهج الله، تلك التي طغت عليها الخرافات والشركيات، وتحول فيها أتباع الأنبياء إلى سدنة أوثان ومشعوذين وكهان.
والتصور الإسلامي للتاريخ ينظر إلى الحياة البشرية على أنها خطان متوازيان: خط مشرق يمثل البشرية حين تهتدي إلى الله وتسلك طريق الأنبياء الذين يتعاقبون لردها إلى جادة الطريق، وخط آخر مظلم يمثل حزب الشيطان وفترات الضلال الذي طرأ على البشرية بعد أن كانت أمة واحدة على الإيمان، والسمة العامة للتاريخ هي الصراع بين الهدى والضلال، بين الحق والباطل.
ونحن لا ننكر التشابه الظاهر بين رجل الأكليروس في المسيحية وبين السحرة والكهان في العصور السابقة، لكننا نرجع ذلك إلى كون الطائفتين انحرفتا عن أصل صحيح واحد ولا نمضي أبعد من ذلك، أما التعليل المباشر الذي يوضح الأصل الحقيقي لرجال الدين، فهو أن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، واحتفظ بها الأحبار من بعده، فكان الأمر يقتضي وجود عدد من ذوي الموهبة والعناية يتفرغون لحفظ الكتاب وشرح تعاليمه وتأويل مشكله وإيضاح أحكامه، كي يسير عليها الفرد والمجتمع، وأمر الله تعالى هؤلاء العلماء أن يكونوا ربانيين بما كانوا يعلمون الكتاب وبما كانوا يدرسون، ونهاهم عن كتمان شيء منه أو تحريفه أو شراء شيء من عرض الدنيا به، لكن الأمر آل إلى أن كثيراً من الأحبار أغرتهم المطامع الدنيوية الزائلة واشتروا بعهد--------------------------------------------
(1) انظر مثلاً: العقلية البدائية: ليفي بريل. والغصن الذهبي "فريزر" وتكملة الموضوع في مبحث علمانية الاجتماع عند الحديث عن المدرسة الوضعية (ص:373) من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 78)
الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، ضيعوا الأمانة وفرطوا في الحفظ وفرضوا لأنفسهم سلطة دنيوية، يأكلون أموال الناس بالباطل ويتقبلون القرابين ويفرضون على الناس العشور باسم الهياكل والبيع، مستغلين منصبهم الديني أسوأ استغلال.
وبذلك استحقوا المقت من الله، وكانوا مثلاً سيئاً وقدوة طالحة لمن جاء بعدهم، ثم بعث الله عيسى بن مريم عليه السلام ومعه الإنجيل، فحذر أتباعه أبلغ تحذير من اقتفاء أثر أحبار اليهود الذين كان المسيح يسميهم "بائعي العهد، أولاد الأفاعي، عباد الدنيا" ودعا قومه إلى الاتصال المباشر بالله والتوبة إليه والخضوع له وحده دون سواه، وكان يوصي الحواريين والتلاميذ، قائلاً: "رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم فلا يكون هكذا فيكم" (1).
لكن القسيسين والرهبان لم يكونوا أفضل حالاً من الأحبار، فقد سلكوا الطريق نفسها وانصاعوا إلى الدنيا مستعبدين أتبعاهم المؤمنين، وساعد وجودهم ضمن الامبراطورية الرومانية على تثبيت مراكزهم وتدعيمها، وذلك بأنهم اقتبسوا من الأنظمة والهياكل السياسية للدولة فكرة إنشاء أنظمة وهياكل كهنوتية، وكما كانت هيئة الدولة تمثل هرماً قمته الامبراطور وقاعدته الجنود، كانت الهيئة الكنسية تمثل هرماً مقابلاً قمته البابا وقاعدته الرهبان، ونتيجة لمبدأ فصل الدين عن الدولة رعت الامبراطورية الهرم الكنسي ولم تر فيه ما يعارض وجودها فرسخ واستقر.
يقول المؤرخ الإنجليزي ويلز، في معرض الفرق بين مسيحية المسيح ومسيحية الكنيسة - كما سبق -أن تعاليم يسوع الناصري--------------------------------------------
(1) متى (20: 26).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
تعاليم نبوية من الطراز الجديد الذي ابتدأ بظهور الأنبياء العبرانيين، وهي لم تكن كهنوتية، ولم يكن لها معبد مقدس حبساً عليها ولا هيكل، ولم يكن لديها شعائر ولا طقوس، وكان قربانها "قلباً كسيراً خاشعاً " وكانت الهيئة الوحيدة فيها هيئة من الوعاظ، وكان رأس ما لديها من عمل هو الموعظة.
"بيد أن مسيحية القرن الرابع الكاملة التكوين، وإن احتفظت بتعاليم يسوع في الأناجيل "كنواة لها"، كانت في صلبها ديانة كهنوتية من طراز مألوف للناس من قبل منذ آلاف السنين، وكان المذبح مركز طقوسها المنمقة والعمل الجوهري في العبادة فيها، هو القربان الذي يقربه قسيس متكرس للقداس، ولها هيئة تتطور بسرعة مكونة من الشمامسة والقساوسة والأساقفة" (1)
وكان من الأسس الباطلة التي بنى عليها رجال الدين مبررات وجودهم مبدأ "التوسط بين الله والخلق"، الذي يقتضي ألَاّ يذهب الإنسان إلى رجل الدين ليعلمه كيف يعبد الله، بل ليعبد الله بواسطته، وليس للمذنب أن يتجه بتوبته إلى الله، طالباً الصفح والمغفرة، بل عليه أن يتجه إلى رجل الدين معترفاً أمامه بذنبه ليقوم بالتوسط لدى الله فيغفر له، وحسب هذا المبدأ نصب رجال الدين أنفسهم أنداداً لله تعالى وأوقعوا أتباعهم في الشرك الأكبر ((اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ)) [التوبة:31] وفوق كونه مبدأً باطلاً شرعاً، ساقطاً عقلاً، فإنه ليس في الأناجيل -رغم تحريفها- ما يدل على أن المسيح أقره أو دعا إليه.
وقد ترتب على هذا المبدأ آثار سيئة للغاية، منها: احتكار رجال الدين لحق قراءة وتفسير الإنجيل، ثم مهزلة صكوك الغفران،--------------------------------------------
(1) معالم تاريخ الإنسانية (3: 720).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
وكذلك الانشقاقات الدينية المتوالية التي دمرت الحياة بصفة عامة، وأخيراً كان هذا المبدأ إحدى الحجج التي سلها ملاحدة القرن السابع عشر فما بعد، في وجه الأديان عامة والمسيحية خاصة، وسيأتي تفصيل هذه الأمور في أبوابها بإذن الله (1).
يقول العالم الفرنسي المهتدي "ناصر الدين دينيه": "الوسيلة هي إحدى كبريات المسائل التي فاق بها الإسلام جميع الأديان، إذ ليس بين الله وعبده وسيط، وليس في الإسلام قساوسة ولا رهبان، إن هؤلاء الوسطاء هم شر البلايا على الأديان وإنهم لكذلك مهما كانت عقيدتهم ومهما كان إخلاصهم وحسن نياتهم، وقد أدرك المسيح نفسه ذلك، ألم يطرد بائعي "الهيكل "؟ غير أن أتباعه لم يفعلوا مثلما فعل، واليوم لو عاد عيسى فكم يطرد من أمثال بائعي الهيكل؟ "
"كذلك ما أكثر البلايا والمصائب، بل ما أكثر المذابح والمجازر التي يكون سببها هؤلاء الوسطاء، سواءً كانت بين العائلات وبعضها أو بين الشعوب والشعوب، وهم في ذلك كله يصيحون: باسم مجد الله" (2).
أما السلطة الكهنوتية، الطاغية، فإنها تستند إلى أسانيد واهية لا بد من مناقشتها:
لقد مر معنا -وسيظل- حقيقة تاريخية واضحة هي أن الافتراء على الله من جهة وسوء الفهم والخطل في الاستنباط من جهة أخرى، أمران ملازمان للكنيسة ملازمة الظل لأصله، وقد أخذ الله تعالى على أهل الكتاب هذه الأخطاء المتكررة ((تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ)) [الأنعام:93] .. ((يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)) [النساء:46].
وجرياً على ذلك تزعم الكنيسة أن المسيح قال لبطرس كبير الحواريين: " أنت--------------------------------------------
(1) انظر: فصل طغيان الكنيسة من الباب الثاني "الطغيان الديني" (ص:128).
(2) أشعة خاصة بنور الإسلام: (23).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً في السموات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السموات" (1).
فهمت الكنيسة من هذا القول: أن المسيح يعني أن السلطة الدينية المهيمنة باسمه سترتكز في الموضع الذي يموت فيه كبير الحواريين بطرس، ومن هذا المركز تمد أجنحة نفوذها على العالم أجمع وتحكمه باسم المسيح، وبما أن المسيح بطرس -كما تقول الكنيسة- مات في رومة، فإن رومة هي قاعدة المسيح لحكم العالم، وفيها مقر الكنيسة التي يرأسها ممثل المسيح ورسوله "البابا " المعصوم عن الخطأ، وكل ما تقرره الكنيسة هذه هو عين الصواب، إذ أن المسيح بواسطة الروح القدس هو الذي يملي عليها تصرفاتها، ومادام أنها تعمل باسم الله، وتحل وتبرم حسب مشيئته، بل هو يحل ويبرم حسب مشيئتها -تعالى الله على ذلك علواً كبيراً- فطاعتها واجبة، وقراراتها إلزامية لكل المؤمنين بالمسيح، وليس على الأتباع إلا الطاعة العمياء والانقياد الذي لا يعرف جدلاً أو نقاشاً، والذنب الذي لا يغتفر هو أن تصادم أوامر الله، التي هي أوامر الكنيسة، بواسطة العقل البشرى أياً كان صاحبه، والخارج على سلطة الكنيسة أو الناقد لقرارات مجامعها كافر "مهرطق" تحل عليه اللعنة والحرمان من دخول الملكوت، مهما بلغت وجاهة رأيه بل مهما كانت سوابقه وخدماته للمسيحية وللكنيسة نفسها.
أما إذا كان المتمرد على الكنيسة وسلطتها حاكماً أو شعباً، فإن الجيوش المقدسة ستسحقه بأقدامها، إرضاءً للمسيح.--------------------------------------------
(1) متى (16: 19، 20).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
ذلك هو زعم الكنيسة التي تحول إلى واقع تاريخي عاد بأسوأ النتائج على أوروبا والعالم أجمع، ونحن لا نملك حياله إلا موقفاً واحدا صريحاً هو موقف الإنكار القاطع لنسبة هذا القول إلى رسول الله المسيح عليه السلام.
إن هذا القول يخدش التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء كافة، ويمس العقيدة الإيمانية الصحيحة في جوهرها، وهو من نوع دعوى الأناجيل الزاعمة أن المسيح قال: "أنا ابن الله" سواءً بسواء، بل أن إنجيل متى ليصرح بأن المسيح إنما قال ذلك لبطرس مكافأة له على قوله: "أنت المسيح ابن الله الحي" ولقد قال الحق تبارك وتعالى ((مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران:79/ 80].
فالأنبياء دعاة التوحيد ورسل الحق، لا يتصور أن تصدر عنهم دعوى فيها شائبة من شرك، وحاشا أن يزعم أحد منهم لنفسه شيئاً من خصائص الألوهية فضلاً على أن يهبه لغيره.
والمسيح عليه السلام بشر رسول لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فكيف يجوز أن ينسب إليه أنه يمتلك مفاتيح الملكوت التي لا يملكها إلا الله وحده؟ وإذا كنا ننكر جازمين أن يملكها المسيح فلا معنى للجدال في كونه وهبها لبطرس أو لم يهبها، وكون الكنيسة ورثتها من بطرس أو لم ترثها، فالخطأ هنا أساسي لا يمكن إقراره، كما لا يمكننا أن نقر بأن المسيح إله.
ومع ذلك فليس في استطاعة الكنيسة أن تقنع أي باحث علمي بصحة مزاعمها بطريق الأدلة اليقينية، ولا يستطيع أي إنسان ذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)
عقل سليم أن يساير منطقها الأعوج ويؤمن بمسلماتها العمياء.
وقد سخر الكاتب الأمريكي " جرين برنتن" من استدلال الكنيسة بهذه الفقرات، وأرجع السبب في وقوع الكنيسة في هذا الخطأ إلى التشابه الشكلي بين لفظتي " بطرس" و"صخرة" (1)
وإذا كان مفسرو الأناجيل المتعصبون لدينهم يصرحون بأن آيات كثيرة في الأناجيل لا أصل لها -كما سبق- في مبحث التثليث - فما بالك بالنقاد والمفكرين من غير رجال الكنيسة، فضلاً عن المسلم الذي ينفرد بمعلومات يقينية لا يتطرق الشك إليها.
ومن وجهة نظر التاريخ لا يمكن تبرير الشناعات التي ارتكبتها الكنيسة والحروب الطاحنة التي عرقلت مسيرة الحضارة وأزهقت أرواح الأبرياء، والاستبداد والطغيان اللذين مارسهما رجال الدين في كل شئون الحياة، والوقوف المستمر في صف الطغاة والظلمة ضد الشعوب البائسة، ومحاكم التفتيش، وإحراق العلماء، وبقية الجرائم الأخرى لا يمكن أن تبرر ذلك بأن المسيح أورث سلطانه وملكوته للسلطة الكهنوتية الغاشمة.
وبالإضافة إلى ذلك لو راجعنا إنجيل متى الذي أورد هذا الافتراء لوجدنا المسيح بعد ثلاث فقرات فقط من هذا القول يخاطب بطرس قائلاً: "اذهب عني يا شيطان، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس … " فكيف يتسق هذا الوصف وهذه التهمة مع الهبة السابقة والتكريم الذي لا حد له؟.
ثم لماذا تنظر الكنيسة إلى هذا القول وأضرابه، وتغض الطرف--------------------------------------------
(1) انظر: أفكار ورجال هو: 193، وذلك أن أسم بطرس هو " peter" ولفظ " pert" يعنى: صخرة، ومثله تماماً في تاريخ أوروبا في العصور الوسطى: (1/ 107).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 84)