Arabic source text

📘 আত-তালীকুল মুমাজ্জাদ আলা মুয়াত্তা মুহাম্মাদ (আবুল হাসানাত আল-লখনভি - মৃত্যু 1304 হিজরী)

📘 التعليق الممجد على موطأ محمد (أبو الحسنات اللكنوي - ت 1304 هـ)

📘 আত-তালীকুল মুমাজ্জাদ আলা মুয়াত্তা মুহাম্মাদ (আবুল হাসানাত আল-লখনভি - মৃত্যু 1304 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ومما أذكره مثالاً لهذه السِّمَةِ الساميةِ في كتبه: الكتابُ الكبيرُ الذي سمَّاه "ظفر الأماني في شرح مختصر السيد الجُرجاني"، في علم المصطلح الحديثي ومن أكبر ما أُلِّف فيه، فقد هالني حين حققته واعتنيت به لطبعه كثرةُ النقول فيه من مصادر بعيدة متباينة المواضيع والعلوم.
فتراه ينقل الجملة والجملتين، والكلمةً والكلمتين، ثم يُعَرِّحُ على كتاب آخر فينقل منه الصفحة أو نصفَها أو مثيلها، ثم ينتقل إلى كتاب آخر لا يُظَنُّ ولا يَرِدُ إلى الذهن أن يكون فيه الجملةُ التي يلتقطها منه، وتكون هي في موضعها الذي أثبتها فيه كحجرة الخاتم الثمينة في الخاتم النفيس.
فللَّه دَرُّه ما أعلمَهُ بالنصوص ومظانها وغيرِ مظانها، وما أصبرَهُ على نقلها وأنقَدَه لاختيارها، والكتبُ أغلبها لديه مخطوطة!
وإذا كان هذا شأنَه في الكتاب الكبير الضخم فلا يستغرب أن يكون هكذا شأنُه أيضاً في الكتب الصغيرة والرسائل اللطيفة، كرسالته: "تحفة الأخيار بإحياء سنة سيد الأبرار"، وهي من آخر ما اعتنيت بخدمته وتقديمه للطبع، فهذه الرسالةُ على لطافتها حجماً، نَقَل فيها من مصادر مخطوطة ما سمعتُ بأسماءِ كثيرٍ منها فضلاً عن رؤيتها، في الفقه الحنفي وفي غيره، فقد كان لديه مكتبة عامرة جامعة، تستجيبُ لكل علم يريدُ تحقيقَهُ والتأليفَ فيه.
فهذا الرجل إمامٌ في العلم، وإمام في كثرة التآليف المفيدة المتقنة، مع قِصَر العمر، فقد عاش تسعاً وثلاثين سنة وأربعة أشهر، وخلَّفَ أكثر من خمسة عشر ومئةِ كتاب ورسالة، في مواضيع شتى في المنقول والمعقول، شرحاً أو تحشيةً أو تأليفاً مبتكراً مستأنفاً.
ولو حُسِبَتْ أيامُ حياته، وقُسِّمَتْ على صفحات مؤلفاته، لأتت بالمدهش العجاب، من وفرة ما يصنِّفُه كلَّ يوم، فأين وقتُ المطالعة والتفكير والنسخ والتسويد والتبييض إن كان لديه تسويد، والأكل والشرب والنوم والأسفار عنده؟
ولكنَّ هناك أناساً آتاهم الله تعالى المواهبَ النادرة الفَذَّة، والقدرةَ العجيبة الباهرة عل احتواء العلم، وتحقيقه، وتدوينه عَذْباً مُضيئاً وَضِيئاً، من شعاع الخاطر إلى رأس

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٥)

القلم، دون تردُّد أو تعثُّر، أو وهنِ ذهنٍ أو عبارة أو تكدُّر، أو فُتورِ بيان، فأنفاسُهم وخواطرهم تحمِلُ العلم مستقيماً، وأقلامُهم تستقبله كذلك فيَخرجُ عَسَلاً مصفَّى، وتأليفاً قويماً، ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء، والإمام اللَّكْنَويُّ الشابُّ منهم، جزاهم الله عن العلم والدين والمسلمين خيرَ الجزاء.

‌‌أهميةُ طبع كتاب التعليق الممجد:
- هذا الكتاب العظيم والشرح الجليل أحَدُ الكتب الكبار التي ألَّفها الإمامُ عبد الحيّ اللَّكنوي، من كتبه الكثيرة البالغة 115 كتاب، وقد بدأ بتأليفه أواخر سنة 1292، وكانت سنه 27 سنة، ثم اعترضَتْهُ أسفار وأعراض وأشغال، فأتمَّ تأليفَه في شعبانِ سنة 1295.
فهي موهبة عجيبة، وقُدرة غريبة، أن يتسنم كتابَ الموطأ شابٌّ هنديٌّ اللغةِ والدارِ في هذه السن، وقد ضمَّنه زاهي علمه وأرقى معرفته في الحديث الشريف وعلومه، وفي الفقه الحنفي والمذاهب الأخرى وسائر ما يتصل بذلك من العلوم من بعيد أو من قريب، فجاء هذا الكتاب درة فريدة من درر العم، وجوهرةً نفيسة من أنفس الجواهر.
وسيجدُ القارئ المطالع فيه المزايا التي تميَّز بها الإمامُ اللكنوي وأشرتُ إليها قريباً، وسيُدهَشُ من قُوَّةِ ملكته ناصية التحقيق والتدقيق، والضبطِ والإتقان، ومناقشة المذاهب والآراء، والترجيح والتضعيف، والتجرُّد والإنصاف، دُونَ ليٍّ للنصوصِ ولا اعتساف.
هذا الكتاب النفيس طُبح أكثر من خمس مرات في الهند وباكستان، الطباعة الهندية الحجرية، ذات الحواشي الغواشي! والسطورِ المنمنمة، والعبارات المستديرة على جوانب الصفحة الثلاث، والعبارات القصيرة المتداخلة بين السطور، لضبط اسم أو كلمة، أو بيان عطفٍ على معطوف أو إعراب، أو لغة أو رواية، أو اختلاف فيها أو ما إلى ذلك. وبعضُ هذه العبارات القصيرة كُتبَتْ تحت السطر على امتداده ومستواه، وبعضها كُتبَتْ فوق السطر مقلوبة عليه مع قرب السطور وتداخل الكلمات، كما يراه القارئ المتأمل في الصورة المأخوذة عن النسخة المطبوعة في هذه التقدمة، فصارت قراءتُه - مع نفاسة مضمونه في كل جملة شارحة، أو تعليقةٍ موضَّحة - عسيرةً، لا يَصبرُ عليها إلا سادتُنا ومشايخثنا العلماءُ الهنود والباكستانيون، الذي ألِفوا هذه الطريقة في الطباعة الحجرية،

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٦)

وفي تداخل الكلمات في السطور، وإلا أفرادٌ قليلون من العلماء العرب، الذين يستهويهم التحقيق العلمي والفتوحات الربانية في المطبوعات الهندية، النفيسة المضمون والعلم.
وأمَّا عامَّةُ القراء العرب فما أبعدَهم من الصبر على قراءة مثلِ هذا الكتاب، ومن المطبوعات الهندية القديمة، فلذا حُرم من هذا الكتاب وأمثاله كثيرون من إخواننا العلماء العرب، وحيلَ بينهم وبين ما يشتهون.
وقد كنتُ منذ ثلاثين سنة نوَّهْتُ بفضل هذا الكتاب ومزاياه، في بعض تعليقاتي على كتاب "الرفع والتكميل"، وقلتُ: إنَّ خُلُوَّ مكتبة العالم منه حِرمانٌ كبير، فأخذت هذا الكلمةُ مأخذها من عَزائم كثير من العماء وبعض الجهات العلمية الرسمية، التي اعتادت نشر الكتب النادرة النفيسة النافعة، فعزمَتْ وزارة الأوقاف في دولة الإمارات العربية المتحدة على طبعه، واهتمت به، وكلَّفتني بتحقيق دولة مقدمته التي قدَّم بها المؤلف قبل الدخول في الشرح، والتي تبلغ كتاباً مستقلاً غير صغير، ونسخَتْها وبعثتها إليَّ، ثم توقَّفَتْ لبعض الأسباب، فوقف الكتاب كما هو!
ثم عزَمَتْ مؤسسة شهيرة كبيرة قديرة من دور النشر، على نشره، ونسخته إلى منتصفه، وقدَّمته لي وكلَّفتني بتحقيقه والعناية به، وكنتُ حينئذ في ارتباط علمي ودراسي جامعي ومشاغل زاحمة! لا يمكنني معها أن أتفرغ له كما أحب، ليَخرج كما يَستحق أن يُخرَج به، فتوقفَ نشرُه أيضاً!
وأخيراً توجهَتْ هِمَّةُ الأخ الفاضل الشيخ الدكتور تقي الدين النَّدْوي، الهنديُّ المنشأ والدار، العربيُّ المُقام والقرار، إلى نسخه وكتابته والصبر على خدمته بكل دقة وأمانة، ليَخرج إلى القراء بالطباعة الفائقة، والعناية الطبية، وتنزيلِ شروحه وتعليقاته في منازلها، وربطها بالألفاظ المتصلة بها، مع الضبط والإتقان.
وكان مما أعانه وشجّعه على ذلك اهتمامُ الأخ الأستاذ محمد على دولة، ناشِرِ الكتب النافعة المختارة المنتقاة، السليمة القويمة، فاستقبل هذا الكتابَ بترحاب واستعداد كامل لنشره، عملاً بثنائي عليه وحَضِّي على طبعه وإخراجه.
فلهذين الأخوين الأستاذين الفاضلين يعودُ فضلُ إخراج هذا الكتاب العظيم، ولهما مِنَّةٌ على من يقرأه بهذا العرض الرائق القشيب، وهذا الطبع الفصيح الجميل.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٧)

وإني لأقدم شكري الجزيل لهما على تحقيق هذا الأمنية الغالية، التي كانت في نفسي، فحقَّقَاها على خير ما يُستطاع، جزاهما الله خيراً، وتقبل منهما هذا العمل الصالح الثمين بإخراج هذا الكتاب وأمثاله. وحينما تتناولُهُ أيدي القراء العلماء العرب، سيعرفون منه نبوغ العالمِ الشابِّ الهندي عبد الحي اللكنوي، صاحب التصانيف الزائدة على 115 مؤلَّف، ومانتهُ في صفوف العلماء الكبار والمؤلِّفين المكثرين الأخيار، رحماتُ الله تعالى عليه ورضوانُه العظيم.
في الرياض يوم الجمعة 27 من صفر سنة 1412 وكتبه عبدَ الفتَّاح أبو غُدَّة

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٤٨)

& بسم الله الرحمن الرحيم

‌‌مقدمة المحقِّق [د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فيَسُرّ المحقِّق ويسعده أن يقدِّم للقراء الكرام كتاب "التعليق الممجد على موطأ محمد" للإمام أبي الحسنات عبد الحي اللكنوي - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - في الطبعة القشيبة المشرقة.
كتاب الموطّأ من أشهر ما دُوِّن في النصف الأول من القرن الثاني، هو تأليف إمام دار الهجرة - على صاحبها الصلاة والسلام - أبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأَصبحي الحمريري القحطاني، أحد أعلام الإسلام، وأحد أعيان هذه الأمة، وأحد أركان الملَّة، وأحد من وُضع له القَبول في الأرض، وأحد من سلَّمت له الأمة الإمامة في الحديث والفقه معاً.
وكتاب الإمام أبي عبد الله البخاري "الجامع الصحيح المسند من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُننِه وأيامه" وإن كان أصبح أصح كتاب بعد كتاب الله العزيز عند جمهور العلماء لما له من مزايا في التزام أمور وشروط، وآداب وعادات، في تخريجه الحديث، وانتقائه ما لم يشاركه فيه أحد من معاصريه، ولا ممن سبقه، مع ذلك فإن موطَّأ الإمام مالك أصبح قدوة وأسوة للبخاري، ولمن جاء بعده، فهو الذي انتهج هذا المنهج، وسلك مسلك الانتقاء والاصطفاء، وفتح هذا الباب من الجمع

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥١)

بين الحديث والفقه، وآثار الصحابة وأقوال التابعين، فللإمام مالك ولكتابه منَّة على رقاب الأمة جميعاً.
وتهافت على روايته وسماعه عن المؤلف الإمام محدِّثون وأئمة فقهاء، وعلماء وملوك، كما لم يتفق لغيره من الكتب ذلك، وقد أفرد له القاضي عياض باباً في المدارك ("ترتيب المدارك": 2/170) .
واشتهر من رواته جماعة نُسبت إليهم نُسَخ الموطَّأ: منهم الإمام محمد بن الحسن الشيباني الكوفي، صاحب الإمام أبي حنيفة النعمان، والإمام يحيى بن يحيى المصمودي الأندلسي، ونسخة يحيى هي المعروفة بين أهل العلم، قد شرحها جمع من المتقدمين والمتأخرين، ومنهم شيخنا المحدِّث الكبير محمد زكريا الكاندهلوي المتوفَّى سنة 1982 بالمدينة المنورة، على صاحبها الصلاة والسلام، وأسمى شرحه "أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك"، طُبع في القاهرة في خمسة عَشَرَ مجلداً.
وقد قام باستيفاء من شرحه قديماً وحديثاً من أقدم عهد إلى عهده في الفائدة العاشرة من الفصل الثاني من مقدمة الكتاب.
وأما نسخة محمد بن الحسن الشيباني، فلم يشرحها إلا الشيخ بيرى زاده، والشيخ علي القاري، ثم جاء بعدهما الإمام عبد الحي اللّكنَوي، فقام بشرح الكتاب فكفى وشفى.
والكتاب كان بالخط الفارسي، وطُبع في الهند مراراً طباعة حجرية دقيقة بحيث لا تكاد تبدو للناظر، وقد كان ذلك من أسباب زهد كثير من فضلاء العرب في الاستفادة منه، وانصرافهم عنه، وقد طال طلب إخواننا طبْع هذا الكتاب على الحروف الجديدة وفي الحروف العربية وحدها كما ذكر الشيخ عبد الفتاح أبو غُدّة في هامش "الرفع والتكميل" (في ص 65) ، وقد طُبع هذا الكتاب العظيم مرات كثيرة، وكلها

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٢)

في الهند نسأل اللَّه أن ييسِّر لنا طبعه في بلادنا، فإن خلوَّ مكتبة العالم منه لَحِرمان كبير.
وقد أمرني سماحة الأستاذ الكبير أبو الحسن علي الندوي بتحقيق هذا الكتاب العظيم، وانتساخ هوامشه ووضعها في محلها، فاشتغلت به متوَكِلاً على الله تعالى.
إن هذا الشرح لموطأ مالك برواية الإمام محمد بن حسن الشيباني زينة الشروح، وصاحبه كان آية من آيات الله في العلم والإخلاص والتقوى، {واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} (سورة البقرة: آية 282) .
هذا ويرى القارئ في الكتاب مسلكَ مالكٍ في السنن، وروحَ أبي حنيفة في الاستنباط، وعلمَ الشافعي في التأصيل والتفريع، وورع أحمد في الاحتياط.
عملي في هذا الكتاب:
-1 - انتسختُ هوامش الكتاب ووضعتها في محلها.
-2 - صحَّحتُ الكتاب وإذا وجدت فيه تحريفاً أو تغايراً ذا بال، نبَّهت إليه.
-3 - علَّقتُ على مواضع كثيرة من الكتاب بما يستكمل مقاصده ويزيد فرائده وفوائده.
-4 - وإذا ترددت في كلمة من الشرح رجعت إلى المصادر التي نقل منها المؤلف، وتأكّدتُ من صحتها.
-5 - كان المؤلف عليه الرحمة والرضوان - كعادته في أكثر كتبه - قد علَّق في حواشي الكتاب تراجم لكثير ممَّن ذَكَرَهم من العلماء وختمها بقوله: (منه) .
فإني وضعت محله (ش) إيذاناً بأنها من المؤلف الشارح.
-6 - وضعت فِهْرساً عامّاً للكتاب.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٣)

وفي الختام أسأله تعالى أن يتقبَّل منا ومن جمع من ساهم في إخراج هذا الكتاب، وأن يوفِّقنا لخدمة السُّنَّة المطهرة وعلومها، وأن يحسن ختامنا ويرحم والدينا ومشايخنا وسائر المسلمين، إنه وليُّنا ومولانا، ونعم النصير.
د. تقي الدين الندوي أستاذ الحديث الشريف بجامعة الإمارات العربية المتحدة

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٤)

‌‌تَرجمَة "العَلاّمة فَخر الهِند عبد الحَي اللَّكنَوي" (من "نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواطر"، للشيخ السيد عبد الحيّ الحَسَني (م 1341 هـ) : 8/234) .
الشيخ العالِم الكبير العلاّمة، عبد الحيّ، بن عبد الحليم، بن أمين الله بن محمد أكبر أبي الرحم، بن محمد يعقوب، بن عبد العزيز، بن محمد سعيد، بن الشيخ الشهيد قطب الدين الأنصاري السهالوي اللَّكْنوي: العالمُ الفاضلُ النحرير، أفضل من بثَّ العلوم، فأروى كلَّ ظمآن.
وُلد في سنة أربع وستين ومئتين وألف ببلدة باندا، وحفظ القرآن، واشتغل بالعلم على والده وقرأ عليه الكتب الدرسية معقولاً ومنقولاً، ثم قرأ بعض كتب الهيئة على خال أبيه المفتي نعمة الله بن نور الله اللكهنوي، وفرغ من التحصيل في السابع عشر من سنِّه، ولازم الدرس والإفادة ببلدة حيدر آباد مدّةً من الزمان، وفَّقه الله سبحانه للحج والزيارة مرتين: مرة في سنة تسع وسبعين مع والده، ومرة في سنة ثلاث وتسعين بعد وفاته، وحصلت له الإجازة عن السيد أحمد بن زيني دحلان الشافعي، والمفتي محمد بن عبد الله بن حميد الحنبلي بمكة المباركة، وعن الشيخ محمد بن محمد الغربي الشافعي، والشيخ عبد الغني بن أبي سعيد العمري الحنفي الدهولي بالمدينة المنورة، ثم إنه أخذ الرخصة (أي التقاعد من الوظيفة) من الولاة بحيدر آباد وقَنِع بمئتين وخمسين ربّيّة بدون شرط الخدمة، وقدم بلدته لكهنوء، فأقام بها مدة عمره، ودرّس وأفاد وصنّف وذكّر.
وإني حضرت بمجلسه غير مرة، فألفيته صبيح الوجه أسود العينين، نافذ اللحظ، خفيف العارضين، مسترسل الشعر، ذكيّاً فَطِناً، حادَّ الذهن، عفيف

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٥)

النفس، رقيق الجانب، خطيباً مصقعاً، متبحراً في العلوم معقولاً ومنقولاً، مطّلعاً على دقائق الشرع وغوامضه، تبحّر في العلوم، وتحرّى في نقل الأحكام، وحرّر المسائل، وانفرد في الهند بعلم الفتوى، فسارت بذكره الرُّكبان، بحيث إن علماء كل إقليم يشيرون إلى جلالته.
وله في الأصول والفروع قوة كامة، وقدرة شاملة، وفضيلة تامة، وإحاطة عامّة، وفي حسن التعليم صناعة لا يقدر عليها غيره، وكان إذا اجتمع بأهل العلم وجرت المباحثة في فنّ من فنون العلم لا يتكلم قط، بل ينظر إليهم ساكتاً، فيرجعون إليه بعد ذلك، فيتكلم بكلام يقبله الجميع، ويقنع به كل سامع، وكان هذا دأبه على مرور الأيام، لا يعتريه الطيش والخِفّة في شيء كائناً ما كان.
الحاصل أنه كان من عجائب الزمن، ومن محاسن الهند، وكان الثناء عليه كلمةَ إجماع، والاعترافُ بفضله ليس فيه نزاع.
وكان على مذهب أبي حنيفة في الفروع والأصول، ولكنّه كان غير متعصِّب في المذهب، يتتبع الدليل، ويترك التقليد إذا وَجد في مسألة نصّاً صريحاً مخالفاً للمذهب، قال في كتابه "النافع الكبير": (ومن مِنَحه - أي منح الله سبحانه - أني رُزقت التوجُّه إلى فن الحديث وفقه الحديث، ولا أعتمد على مسألة مالم يوجد أصلها من حديث أو آية، وماكان خلاف الحديث الصحيح الصريح أتركه، وأظن المجتهد فيه معذوراً، بل مأجوراً، ولكني لست ممّن يُشوّش العوام الذين هم كالأنعام، بل أُكلّم الناس على قدر عقولهم … ) . انتهى. وقال بُعَيْدَ ذلك: (ومن مِنَحه أنه جعلني سالكاً بين الإفراط والتفريط، لا تأتي مسألة معركة الآراء بين يديّ إلَاّ أُلهمت الطريق الوسط فيها، ولست ممن يختار التقليد البحت بحيث لا يترك قول الفقهاء وإن خالفته الأدلة الشرعية، ولا ممّن يطعن عليهم، ويهجر الفقه بالكلية) . انتهى.
وقال في "الفوائد البهيّة" في ترجمة عصام بن يوسف: (ويُعلم أيضاً أن الحنفي لو ترك في مسألةٍ مذهبَ إمامه بقوة دليل خلافاً لا يخرج به عن ربقة التقليد، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد، ألا تري أن "عصام بن يوسف"

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٦)

ترك مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع، ومع ذلك هو معدود في الحنفية (قال الإمام وليّ الله الدهلوي - رحمه الله تعالى - في كتابه "حجة الله البالغة" (1/126) : "قيل لعصام بن يوسف رحمه الله: إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة رحمه الله؟ قال: لأن أبا حنيفة أُوتي من الفهم ما لم نُؤتَ، فأدرك بفهمه ما لم ندرك! ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم") . ويؤيِّده ما حكاه أصحاب الفتاوى المعتمدة من أصحابنا من تقليد أبي يوسف يوماً الشافعيَّ في طهارة القُلَّتَيْن، وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة واحدة لقوة دليلها، ويُخرجونه عن مقلِّديه! ولا عجب منهم فأنهم من العوامّ، وإنما العجب ممن يتشبّه بالعلماء، ويمشي مشيهم كالأنعام) . انتهى.
وكان مع تقدمه في علم الأثر وبصيرته في الفقه له بسطة كثيرة في علم النسب والأخبار، وفنون الحكمة، وكان ذا عناية تامّة بالمناظرة، يُنبِّه كثيراً في مصنفاته على أغلاط العلماء، ولذلك جرت بينه وبين العلامة عبد الحق بن فضل حق الخير آبادي مباحثات في تعليقات حاشية الشيخ غلام يحيى على "ميرزاهد رسالة" وكان الشيخ عبد الحق يأنف من مناظرته، ويريد أن لا يُذاع رده عليه.
وكذلك جرت بينه وبين السيد صِدِّيق حسن الحسني القِنَّوجي فيما ضَبَط السيد في "إتحاف النبلاء" وغيره من وَفَيَات الأعلام نقلاً عن "كشف الظنون" وغيره، وانجرّت إلى ما تأباه الفطرة السليمة، ومع ذلك لمّا توفي الشيخ عبد الحي المترجَم له تأسف بموته تأسَّفاً شديداً، وما أكل الطعام في تلك الليلة، وصلى عليه صلاة الغيبة، نظراً إلى سعة إطّلاعه في العلوم والمسائل.
وكذلك جرت بينه وبين العلاّمة محمد بشير السَّهسَواني في مسألة شد الرحل لزيارة النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن مصنفاته رحمه الله تعالى …

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٧)

(سَرَد المؤلف هنا مصنفات الإمام اللكنوي ويأتي ذكر أكثرها في (ترجمته في هذه المقدمة بقلمه) سوى أني زدت ما فات ذكرها في ترجمته:
في فن الصرف: 1 - تكملة الميزان، 2 - شرحها.
وفي فن المنطق والحكمة: 1 - الكلام الوهبي المتعلق بالقطبي، 2 - حاشية على شرح تهذيب المنطق لعبد الله اليزدي.
وفي فن المناظرة: 1 - حاشية على شرح الشريفية المشتهر بالرشيدية.
وفي علم التاريخ: 1 - مقدمة السعاية، 2 - ومقدمة عمدة الرعاية، 3 - وإبراز الغَيّ في شفاء العَيّ، 4 - وتذكرة الراشد بردّ تبصرة الناقد، 5 - وطربُ الأماثل بتراجم الأفاضل، 6 - ورسالة في الرؤيا المنامية التي وقعت لي، 7 - وفرحة المدرسين بذكر المؤلّفات والمؤلفين.
وفي فن الفقه والحديث: 1 - القول الجازم في سقوط الحد بنكاح المحارم، 2 - وتعليقه، 3 - وردع الإخوان عمّا أحدثوه في آخر جمعة رمضان، 4 - وعمدة الرعاية بحل شرح الوقاية، 5 - وجمع المواعظ الحسنة لخطب شهور السنة، 6 - والآيات البينات على وجود الأنبياء في الطبقات، 7 - وجمع الغرر في الرد على نَثر الدرر، 8 - ونفع المفتي والسائل بجمع متفرقات المسائل، 9 - والآثار المرفوعة في الأحاديث الموضوعة 10 - وغيث الغمام على حواشي إمام الكلام، 11 - ومجموعة الفتاوى (ثلاثة مجلدات كبار) ، 12 - وحاشية على شرح السيد الجرجاني للسراجية في الفرائض، 13 - وحاشية على الهداية، 14 - وظفر الأماني في شرح المختصر المنسوب للجرجاني في المصطلح، 15 - والرفع والتكميل في الجرح والتعديل، 16 - وتعليق على الجامع الصغير.
ومن مصنفاته التي لم تتم: منها 1 - خير العمل بذكر تراجم علماء فرنكي محلّ (لم يتم) ، 2 - والنصيب الأوفر في تراجم علماء المائة الثالثة عشر (لم يتم) .
وقال سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي في كتابه: "المسلمون في الهند" (ص 40) : ويبلغ عدد مؤلفات علامة الهند فخر المتأخرين الشيخ عبد الحيّ اللكنوي (110) منها (86) كتاباً بالعربية.
وكانت وفاته لليلة بقيت من ربيع الأول سنة أربع وثلاثمئة وألف. ودفن بمقبرة أسلافه، وكنتُ حاضراً ذلك المشهد، وكان ذلك اليوم من أنحس الأيام، اجتمع الناس في المدفن من كل طائفة وفِرقة أكثر من أن يُحصروا، وقد صلُّوا عليه ثلاث مرات) .

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٨)

‌‌مقَدِّمَة الشَّارح
الحمد لله الذي اصطفى من عباده رسلاً وأنبياء، وجعل أفضلهم وأكملهم خاتَمَ الأنبياء، فهدى بهم الأمم الطاغيَة والفِرَق الباغِيَة، أحمده حمداً كثيراً، وأشكره شكراً جميلاً على أن اختار لأفضل أنبيائه وزراء ونقباء وخلفاء وأبدالاً ونجباء، من اقتدى بأحدهم اهتدى، ومن ترك سبيلهم ولم يتمسَّك بسننهم استحق الحفرة الحامية. أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسولُه، صاحب المعجزات الباهرة، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وصحبه وتَبَعه إلى يوم الآخرة.
وبعد فيقول عبده الراجي عفو ربه (في الأصل: عفوه القوي، والظاهر عفو ربه القوي) القوي، معدن السيئات ومخزن المخالفات المكنّى بأبي الحسنات، المدعو بعبد الحي اللَّكنَوي، ابن مولانا الحاج الحافظ محمد عبد الحليم، أدخله الله دار النعيم: لا يخفى على أولي الألباب أنّ أفضل العلوم علمُ السُّنَّة والكتاب، وأن أفضل الأعمال القيام بخدمتها ونشر أسرارهما، وكثيراً ما كان يختلج في قلبي أن أشرح كتاباً في الحديث وأكشف أسراره بالكشف الحثيث، باعثاً لرضا نبينا شفيع المذنبين، ورضاه رضا رب العالمين، عسى الله أن يجعلني ببركته من الصالحين، ويحشرني في زمرة الحدِّثين مع الأنبياء والصديقين. إلَاّ أن ضيق باعي قد كان يثبّطني عن القيام في هذا المقام إلى أن أشار إلىَّ (في الأصل: "إليه" والظاهر "إليَّ") بعضُ من أمْرُهُ حتم وإرشاده غنم أن أحشِّيَ موطَّأ الإمام مالك الذي قال الإمام الشافعيُّ في حقه: (ما على ظهر الأرض كتابٌ بعد كتاب الله أصحّ من كتاب مالك) (تزيين الممالك: ص 43) ، وأعلق عليه حاشية وافية وتعليقات كافية. فتذكّرتُ ما رأيت في المنام في السنة الثامنة والثمانين والمائتين (في الأصل: "والمائتين" ساقطة) بعد الألف من الهجرة - على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم والتحية - كأنِّي دخلت في المسجد النبوي بالمدينة الطيبة، فإذا أنا بالإمام مالك

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٥٩)

جالساً فيه، فحضرت عنده، وصافحته، وقلت له: كتابكم "الموطأ" لي فيه اختلاجات وشكوك، أرجو أن أقرأه عليكم لتحل تلك الشكوك، فقال فرحاً ومسروراً: هات به واقرأه عندي، فقمت من هناك لآتي به من بيتي، فاستيقظتُ، وحمدت الله على هذه الرؤيا الصالحة، وشكرته. فكأنّ في هذه الرؤيا إشارة من الإمام مالك إلى توجُّهي إلى مؤطئه (في الأصل "بموطئه" وهو تحريف، والصواب: "إلى موطئه") والاشتغال بدرسه وتدريسه وشرحه.
فلما تذكَّرتُ هذا صمَّمت عزمي بتعليق تعليق عليه، وشدَّدت مِئزري لكتابة حاشية عليه، وكان في بلادنا في أعصارنا من نسخه نسختان متداولتان: نسخة يحيى الأندلسي، ونسخة محمد بن الحسن الشيباني من أجل تلامذة الإمام أبي حنيفة، لا زال مغبوطاً بالفضل الرحماني، فاخترت لتعليق التعليق النسخة الثانية لوجهين:
أحدهما: أن النسخة الأولى قد شرحها جمع من المتقدمين والمتأخرين، ونسخة محمد لم يشرحها إلاّ الفاضلان الأكملان بيرى زاده، وعلي القاري فيما بَلَغَنا، وأنا ثالثهما إن شاء ربنا، فاحتياجها إلى التحشِّي والشرح أكثر ونفعه أكمل وأظهر.
وثانيهما: أن نسخة محمد مرجَّحة على موطّأ يحيى لوجوه سيأتي ذكرها في المقدِّمة، ونافعة غاية النفع لأصحابنا الحنفية خصّهم بالألطاف الخفية.
فشرعت في كتابة تعليق عليه مسمّىً (في الأصل: "مسمِّياً") بـ "التعليق الممجَّد على موطّأ الإمام محمد"، وفي شهر شوال من السنة الحادية والتسعين حين إقامتي بحيدر أباد - الدكن، صانه الله عن البدع والفتن، وكتبت قريباً من النصف، وبلغت إلى كتاب الحج، ثم ببركته يسَّر الله لي سفر الحجّ وسافرت في شوال من السنة الثانية والتسعين إلى الحرمين الشريفين مرة ثانية، رزقنا الله العودة إليهما مرة ثالثة، ومرة بعد مرة إلى أن أُتوفَّى في المدينة الشريفة، ثم رجعت في الربيع الأول من السنة الثالثة والتسعين إلى الوطن - حُفظ عن شرور الزمن - وابتليت مدة بالأمراض العديدة التي ابتليت بها في تلك الأماكن الشريفة إلى أن رزقني الله النجاة منها ببركة الأدعية

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٠)

والأذكار المأثورة، لا بالأدوية المعمولة، فاشتغلت بإتمامه مع زيادات لطيفة فيما أسلفته، فجاء بفضل الله وعونه بحيث تنشرح به صدور الأفاضل، وتنشط به آذان الأماثل، وأرجو من إخوان الصفا وخِلاّن الوفا أن يطالعوه بنظر الإنصاف، لا بنظر الاعتساف، ويصلحوا ما وقع فيه من الخطأ والخلل، وما أبرِّئ نفسي من السهو والزلل، فإن البراء من كلِّ خطأ ليس من شأن البشر، إنما هو شأن خالق القوى والقَدَر، وأستغفر الله من زلّة القَدَم وطغيان القلم، مما علمتُ وما لم أعلم، ورحم الله امرءاً أصلح السهو والنسيان أو دعاني بخير الدنيا والآخرة بحضرة المَلِك المنَّان، وقد جنحتُ في هذا التعليق إلى أمور يُحسنها أرباب الشعور:
أحدها: أني لم أُبال بتكرار بعض المطالب المفيدة في المواضع المتفرقة ظناً مني أن الإعادة لا تخلو عن الإفادة، مع أني كلما أعدت أمراً ذكرتُهُ لم أجعله خالياً عن أمرٍ مفيدٍ زدته.
وثانيها: أني التزمتُ بذكر مذاهب الأئمة المختلفة مع الإشارة إلى دلائلها بقدر الضرورة وترجيح بعض على بعض، ولعمري إنها طريقة حسنة، قلَّ من يسلكها في زماننا، وإلى الله المشتكى من عادات جهلاء بلادنا، بل من صنيع كثير من فُضَلاء أعصارنا، حيث يظن بعضهم أن المذهب الذي تمذهب به مرجَّح في جميع الفروع، وأن كل مسألة منه بريئة عن الجروح، وبعضهم يسعى في هَدم بنيان المذاهب المشهورة، وينطق بكلمات التحقير في حق الأئمة المتبوعة، وأبرأ إلى الله من هؤلاء وهؤلاء، ضلَّ أحدهما بالتقليد الجامد، وثانيهما بالظن الفاسد والوهم الكاسد، يتنازعون فيما لا ينفعهم بل يضرّهم، ويبحثون في ما لا يعنيهم، وينادي منادي كلٍّ منهما في حق آخرهما بالتكفير والتضليل والتفسيق والتجهيل، ومع ذلك يحسبون أنهم يحسنون {وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} (سورة الشعراء: آية 227) {إنَّما أَمرُهُم إلَى اللَّه ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلونَ} (سورة الأنعام: آية 159) ، ولعلمي أنّ (في الأصل: "هذه الاختلافات" بدون "أن") هذه الاختلافات الواقعة بين الأئمة

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦١)

في الفروع الفقهية المأخوذة من اختلافات الصحابة والروايات النبوية ليس فيها تفسيق ولا تضليل، ومن نطق بذلك فهو أحقّ بالتضليل.
وثالثها: أني أسندتُ البلاغات والأحاديث المرسلة وشيّدت الموقوفة بالمرفوعة.
ورابعها: أني أكثرت من ذكر مذاهب الصحابة والتابعين ومَن بعدَهم من الأئمة المجتهدين والمعتَبرين ليتنبه الهائم ويتيقّظ النائم، ويعلم أن اختلاف الأئمة رحمة، وأن لكل منهم قدوة.
وخامسها: أني ذكرت تراجم الرواة وأحوالهم وما يتعلق بتوثيقهم وتضعيفهم من دون عصبيَّة مذهبية وحميَّة جاهلية، وربما تجد فيه تكراراً لا يخلو عن الإفادة، فإن الإعادة لا يخلو عن ذكر اختلاف أو زيادة.
وسادسها: أني قد وجدت نسخ الموطأ مختلفة كثيرة الاختلاف، فذكرت اختلافها، وبينت الغير (هكذا جاء في الأصل، وهو استعمال خاطئ وغلط شائع، لما جمع فيه من إدخال "أل" على "غير" مع الإضافة إلى ما فيه "أل"، وصوابه أن يقال "غير الصحيح") ، الصحيح والصحيح منها من دون اعتساف.
وسابعها: أني نبَّهت على السهو والزلَاّت التي صدرت من عليٍّ القاريّ في "شرحه" في شرح المقصود أو تنقيد الرواة خوفاً من أن ينظره أحد ممن ليس له حظ في هذه الفنون، فيقع في الخطأ وسيء الظنون، لا تحقيراً لشأنه وكشفاً لنسيانه، فإني من بحار علمه مغترِف وبفضله معترِف، والمتأخر وإن كان علمه أوسع وكلامه أنفع إلَاّ أن الفضل للمتقدم والشرف للأقدم.
هذا، وأسأل الله تعالى خاشعاً متضرِّعاً أن يتقبَّل منِّي هذا التأليف وسائر تأليفاتي، ويجعلها خالصة لوجهه وذريعة لإقبال نبيه وسبباً لنجاتي، إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وكان ذلك حين كنت مغبوطاً بين الأقران والأماثل ومحسوداً للأماجد والأفاضل بالمنن الفائضة عليّ، والإنعامات الواصلة إليّ من حضرة من هو قمر أقمار الوزارة، نور حديقة الرئاسة، سحاب ماطر الإنعام والإحسان، بحرُ زاخر الإكرام والامتنان، سدّته الرفيعة ملجأ للأماجد والأفاضل،

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٢)

وعتبته العلية محط الرجال (في الأصل: "رجال"، وهو تحريف.) الأماثل، يأتون إليه من كل مَرمَى سحيق، ويستفيضون من بحر فضله العميق، بأن ينشد في حقه ما أنشده التَّفْتازاني في حق ملكه:
أقامت في الرقاب له أيادي * هي الأطواق والناس الحمام
باسط بساط العدل والإنصاف، هادم قصر الجَور والاعتساف، هو الذي ضرب به (في الأصل: "ضربه" وهو تحريف) المثل في حسن الانتظام والأفضال، وذكر اسمه عند أرباب الإقبال آصف السلطنة النظامية، وزير الدولة الآصفية: النواب مختار الملك سالار جنك تراب عليخان بهادر، لا زالت أقمار دولته طالعة، وشموس إقباله بازغة، اللهم كما منحت على عبادك بفضله ولطفه فامنن عليه بعلوّ درجة في الدنيا والآخرة، واحفظه بحفاظتك من بليات الدنيا والآخرة بحرمة نبيك سيِّد الأنبياء وآله رؤوس الأتقياء.

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٣)

‌‌مقَدمة: فيهَا فوائد مُهمَّة
‌‌[الفائدة] الأولى: في كيفية شيوع كتابة الأحاديث وبَدْء تدوين التصانيف، وذكر اختلافها مَقصِداً، وتنوّعها مسلكاً، وبيان أقسامها وأطوارها.
- قال الحافظ ابن حجر العسقلاني (إمام الحفّاظ أحمد بن علي بن محمد العسقلاني المصري الشافعي، المتوفى سنة 852 هـ وقد ذكرت ترجمته في التعلقيات السنية على الفوائد البهية في تراجم الحنفية (ش)) : في "هدي الساري" (1/17 - 18 وفي الأصل: "الهدي الساري" وهو تحريف) . مقدمة شرحه لصحيح البخاري المسمّى بفتح الباري. أعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر أصحابه وكبار تَبَعِهم مدوّنة في الجوامع ولا مرتَّبة، لوجهين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهوا عن ذلك، كما ثبت في "صحيح مسلم" خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم، والثاني: سعة حفظهم وسيلان ذهنهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لمّا انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عَروبة وغيرهما، فكانوا يصنّفون كلّ باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة في منتصف القرن الثاني فدوّنوا الأحكام، فصنف الإمام مالك الموطأ، وتوخّى فيه القويّ من حديث أهل الحجاز، ومزجه بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وصنّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن الأَوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان الثوري بالكوفة، وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، وهشيم بواسط، ومعمر باليمن، وابن المبارك بخراسان، وجرير بن عبد الحميد بالريّ، وكان هؤلاء في

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٤)

عصر واحد، فلا يدرى أيهم سبق، ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم الى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنفوا المسانيد، فصنف عبد الله بن موسى العبسي مسندا، ثم صنف نعيم بن حامد الخزاعي نزيل مصر مسندا، ثم اقتفى الأئمة أثرهم في ذلك، فقلّ إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه في المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل واسحاق ابن راهويه وعثمان ابن أبو شيبة وغيرهم، ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معا" كأبي شيبة، فلما رأى البخاري هذة التصانيف، ووجدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشتمل على الضعيف، فحّرك همتّه لجمع الحديث الصحيح. انتهى كلامه (ليس غرض الحافظ أن كتابة الحديث لم تبدأ إلا في أواخر عصر النابعين، بل غرضه أن الكتابة بصورة الكتب والرسائل لم يشرع فيها إلى ذاك الوقت، وإلا فمجرد الكتابة كان من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك روايات كثيرة صريحة في زمنه صلى الله عليه وسلم، واستقر الأجماع على جوازها انظر: مقدمة "أوجز المسالك". 1/13، 14) .
وقال ابن الأثير الجزري (هو مبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الجزري، نسبة الى جزيرة ابن عمر بلدة الشافعي، مؤلف "جامع الأصول" و "النهاية" في غريب الحديث، وله أخ معروف بابن الأثير مؤلف "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" وهو أبو الفتح نصر الله المتوفي سنة 627 هجري، وأخ آخر مؤلف "أسد الغابة في أخبار الصحابة" اسمة عز الدين علي المتوفي سنة 62. هجري، وكثيراً ما يشتبه أحدهم بالآخر، وقد سقطت تراجمهم في التعليقات (ش) ، في مقدمة كتابه "جامع الأصول" (1/43ـ46) : والناس في تصانيفهم التي جمعوها مختلفو الأغراض، فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقا ليحفظ لفظه وليستنبط له الحكم، كما فعله عبيد الله بن موسى العبسي وأبو داود الطيالسي وغيرهما من أئمة الحديث أولاً، وثانياً الإمام أحمد بن حنبل ومن بعده، فإنهم أثبتوا الأحاديث في مسانيد رواتها، فيذكرون مسند أبي بكر الصديق مثلاً، ويثبتون فيه كل ما روي عنه، ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٥)

واحد على هذا النسق، ومنهم من يثبت الأحاديث في الأماكن التي هي دليل عليها، فيضعون لكل حديث باباً يختص به، فان كان في معنى الصلاة ذكروه (في الأصل: فيه ذكروه) في باب الصلاة، وإن كان في معنى الزكاة ذكروه في باب الزكاة كما فعله مالك بن أنس في (الموطأ) ، إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث قلت أبوابه، ثم اقتدى به من بعده، فلما انتهى الأمر إلى البخاري ومسلم وكثرت الأحاديث المودعة في كتابيهما كثرت أبوابهما وأقسامهما، واقتدى بهما من جاء من بعدهما وهذا النوع أسهل مطلباً من الأول، لوجهين:
الأول: أن الإنسان قد يعرف المعنى الذي يطلب الحديث من أجله وإن لم يعرف راويه ولا في مسند من هو، بل ربما لا يحتاج الى معرفة راويه.
والوجه الثاني: أن الحديث إذا ورد في كتاب الصلاة علم الناظر فيه أن هذا الحديث هو دليل ذلك الحكم من أحكام الصلاة، فلا يحتاج إلى أن يتفكر به. ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية ومعاني مشكلة، فوضع لها كتاباً على حدة، قصره على شرح الحديث وشرح غريبه وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام، كما فعله أبو عبيدة القاسم بن سلام وعبد الله بن مسلم بن قتيبة وغيرهما ومنهم من ضاف الى هذا ذكر الأحكام وآراء الفقهاء مثل أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي وغيره. ومنهم من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث، واستخرج الكلمات الغريبة دونها كما فعله ابو عبيدة أحمد بن محمد الهروي وغيره. ومنهم من قصد استخراج أحاديث تتضمن ترغيبا وترهيبا وأحاديث تتضمن أحكاماً شرعية فدونها وأخرج متونها وحدها كما فعله أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتاب "المصابيح". وغير هؤلاء المذكورين من أئمة الحديث لو رمنا أن نستقصي ذكر كتبهم واختلاف أغراضهم ومقاصدهم لطال الخطب ولم ينتهي إلى حد انتهى

(খণ্ড: ١) (পৃষ্ঠা: ٦٦)