قَالَ البُخَارِي:
باب مَنْ قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ»
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ?وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ? [الزخرف: 72] .
وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أهل الْعِلْمِ فِي قوله تَعَالَى: ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجمعين * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ? [الحجر: 92، 93] عَنْ قَوْلِ لَا إله إِلَاّ اللَّهُ.
وَقَالَ تعالى: ?لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ? [الصافات: 61] .
قوله: «باب من قال: الإيمان هو العمل لقول الله عز وجل ?وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ? [الزخرف: 72] »
مقصود البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة القائلين: بأن العمل لا يحتاج إليه مع الإيمان، وغلط غلاتهم فقالوا: إن ناطق الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقدها.
وأراد «بالعمل» ما هو أعم من عمل القلب واللسان والجوارح، واستدل على ذلك بآيات من كتاب الله تعالى، وحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الآية الأولى: ?وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ? [الزخرف: 72] يحتمل أن تكون مصدرية أي: بعملكم، ويحتمل أن تكون موصولة أي: بالذي كنتم تعملون، ووجه الاستدلال بها: لأن «تَعْمَلُونَ» بمعنى تؤمنون كما قاله المفسرون، فأطلقوا العمل وأريد به الإيمان، واستشكل العلماء هذه الآية وقالوا: الإرث يقتضي مورثاً، وهو الذي ينتقل منه الشيء بعد موته إلى غيره، ووارثاً هو الذي انتقلت إليه التركة، فإن أريد بالمورث في قوله: ?أُورِثْتُمُوهَا? الله، فالله سبحانه وتعالى حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم فكيف يقال ورث الجنة للمؤمنين؟
وأجابوا عن هذا الإشكال بأوجه:
الأول: أن المورث هو الكافر فإن الكافر لولا كفره لكان له نصيب في الجنة، فلما مات كافراً انتقل نصيبه إلى المؤمن، بسبب كفره الذي هو موت روحه، فالمورث هم الكفار والورثة هم المؤمنون.
الثاني: أن المورث هو الله تعالى والإرث هنا مجاز عن الإعطاء على طريقة إطلاق الكل وإرادة الجزء.
واستشكل العلماء أيضاً من جهة أخرى وقالوا: إن ظاهرها يقتضي أن دخول العبد إنما هو بسبب عمله مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لن يدخل أحدكم الجنة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٦)
بعمله» (1) فإن ظاهره يدل على أن العمل ليس سبباً لدخول الجنة.
وأجابوا عنه وجمعوا بين الآية والحديث من وجوه أحسنها كما قاله شيخ الإسلام ابن حجر: أن المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول، والمثبت في الآية دخولها في العمل المتقبل والمقبول إنما يحصل برحمة الله تعالى فلم يحصل الدخول إلا برحمة الله تعالى (2) وحاصل معنى الحديث: لن يدخل أحدكم الجنة بسبب عمله الذي لم يتقبل منه، ومعنى الآية: وتلك الجنة التي أورثتموها بسبب عملكم المقبول برحمة الله تعالى.
فالحاصل: أن الدخول برحمة الله وليس عمل العبد مستقلاً بدخولها فقد روى أبو نعيم من حديث أبي الزبير أن جابراً قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يدخل أحداً منكم عمله الجنة، ولا يجيره من النار، ولا أنا إلا بتوحيد الله» (3) وإسناده على شرط مسلم.
نعم العمل نافع في الدرجات فقد نقل عن سفيان وغيره أنه قال: كانوا يقولون النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة برحمته، واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال.
وفي الحديث أيضاً: «سددوا وقاربوا وأبشروا واعلموا أن أحداً منكم لن ينجو بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» (4) وهي سعة رحمة الله تعالى.
يقول الحسن: يقول الله تعالى يوم القيامة: جوزوا الصراط بعفوي، وادخلوا جنتي برحمتي، واقتسموها بأعمالكم.
وجاء في الحديث: «ينادى مناد من تحت العرش: يا أمة محمد ما كان لي قبلكم فقد وهبته لكم وبقيت التبعات، فتواهبوها فيما بينكم وادخلوا الجنة برحمتي» (5) .
لطائف وأخبار في أن الدخول الجنة برحمة الله:
اللطيفة الأولى: قال في الروض الفائق: قال عبد الواحد بن زيد رحمة الله تعالى:--------------------------------------------
(1) جزء من حديث متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه (5/2373، رقم 6102) ، ومسلم في صحيحه (4/2171، رقم 2818) .
(2) انظر فتح الباري (1/78) .
(3) الحديث أصله في صحيح مسلم (4/2171، رقم 2817) .
(4) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه (5/2373، رقم 6102) ، ومسلم في صحيحه (4/2171، رقم 2818) .
(5) أخرجه الديلمي في الفردوس (5/496، رقم 8871) عن أنس بن مالك.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٧)
خرجنا جماعة من الفقراء نريد سفراً في البحر، فعصفت الريح بنا فطردتنا إلى جزيرة في البحر فرأينا فيها رجلاً يعبد صنماً من دون الله فقلنا له: أي شيء تعبد؟ فأومأ بأصبعه إلى الصنم، فقلنا له: يا مسكين إن معنا في السفينة من يحسن أن يصنع مثل هذا، وإن هذا ليس إلهاً يعبد، قال: فأنتم تعبدون من؟ قلنا: نعبد الله. قال: وما الله؟ قلنا: الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي البحر سبيله وفي الأحياء والأموات قضاؤه. قال: فكيف علمتم به؟ قلنا: أرسل إلينا رسولاً أخبرنا بذلك. قال: فما فعل الرسول؟ قلنا: لما أدى رسالة الملك قبضه إليه. قال: فما ترك عندكم علامة من الملك؟ قلنا: بلى ترك عندنا كتاب الملك. قال: أروني كتاب الملك فإن كتاب الملوك حسان. فأتيناه بالمصحف فقرأناه عليه سورة فما زال يسمع ويبكي إلى أن تممنا السورة فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعص، فأسلم فحملناه معنا وعلمناه شرائع الإسلام وشيئاً من القرآن، فلما أقبل الليل صلينا العشاء وأخذنا مضاجعنا للنوم، فقال: يا قوم الإله الذي دللتموني عليه ينام؟ قلنا: لا يا عبد الله هو حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. قال: فبئس العبيد أنتم تنامون ومولاكم لا ينام. فأعجبنا كلامه فلما وصل إلى عَبْادان (1) وأردنا أن نفترق جمعنا له دراهم، وقلنا: أنفق هذه عليك. فنظر إلينا مغضبا وقال: لا إله إلا الله دللتموني على طريق ولم تسلكوها، أنا كنت في جزيرة في البحر أعبد صنماً من دونه فلم يضيعني، فكيف الآن وقد عرفته. ثم تركنا، ومضى عبد الواحد فلما كان بعد ثلاثة أيام أتاني أت فأخبرني عنه أنه بأرض كذا وهو يعالج سكرات الموت فجئته وقلت له: ألك حاجة قال: قد قضى حوائجي من عرفتني به، فبينما أنا أكلمه إذ غلبتني عيناي فنمت، فرأيت في المنام روضة خضراء وفي
الروضة قبة وفيها سرير وعليه جارية أجمل من الشمس والقمر وجهاً وهي تقول: سألتك بالله ألآ ما عجلت به علي فانتبهت فإذا به قد مات فجهزته ودفنته في قبر، فلما نمت رأيته في المنام في القبة التي رأيتها أولاً والجارية إلى جانبه وهو يتلو قوله تعالى: ?وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ? [الرعد: 23، 24] فهذا أسلم ولم يعمل إلا قليلاً، وقد تفضل عليه مولاه بدخول الجنة برحمته من غير عمل كثير، وهذا وإن كان مناماً فهو شيء يستأنس لما ذكرناه.--------------------------------------------
(1) هكذا بالأصل ويبدو أنه اسم مكان وصلوا إليه.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٨)
الثانية: ورد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «خرج من عندي أخي جبريل آنفاً وقال: يا محمد والذي بعثك بالحق إن لله عبداً من عباده عبد الله تعالى خمسمائه عام على رأس جبل، عرضه وطوله ثلاثون ذراعاً في ثلاثين ذراعاً، والبحر يحيط به أربعة آلاف فرسخ، من كل ناحية وأخرج الله له عيناً عذبة بعرض الأصبع تفيض بماء عذب، وأنبت شجرة رمان كل يوم تخرج رمانة، فإذا أمسي نزل إلى العين توضأ من الماء وأخذ الرمانة وأكلها تغنيه عن كل طعام، ثم يقوم إلى الصلاة فيصلي فسأل ربه عند وقت الأجل أن يقبضه إليه وهو ساجد ولا يجعل للأرض ولا لشيء على جسده سبيلاً حتى يبعثه وهو ساجد ففعل، قال جبريل: ونحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا صعدنا وهو ساجد، فنحن نجد في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله تعالى فيقول الرب تبارك وتعالى: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول العبد: بل بعملي يارب، فيقول: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي ثلاثاً، فيقول العبد: بل بعملي يارب، فأين عبادتي خمسمائة عام فيقول الله: حاسبوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، فوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائه سنة، وبقيت نعمة الجسد، فيقول: فأين عبادتي؟ فيقول الله تعالى: من خلقك ألم تك شيئاً؟ فيقول: أنت يارب، فيقول: من قواك على عبادة خمسمائه سنة؟ فيقول: أنت يارب، فيقول: من أنزلك في هذا الجبل وأخرج لك عينا من الماء الزلال، وأنبت لك كل يوم رمانة، وإنما تخرج في السنة مرة، وسألتني إن أقبضك ساجداً ففعلت، قال: نعم يارب، قال الله تعالى: فأعطني حق نعمتي عليك، قال: فبهت العبد بهتة شديدة فيقول الله تعالى: خذوه إلى النار فيسحبوه حتى إذا أشرف على جهنم التفت إلى الله تعالى كالمتوسل فيقول الله وهو أعلم: ما تريد يا عبدي؟ فيقول: إلهي أنعمت علي في الدنيا برحمتك، وردني إلى الجنة برحمتك فيؤمر به إلى الجنة، ويقول جل جلاله: أدخلوا
عبدي الجنة برحمتي فنعم العبد كنت، يا عبدي إنما الأشياء برحمة الله» (1) . ذكر هذا الخبر الترمذي الحكيم في نوارد الأصول في الأصل السابع.--------------------------------------------
(1) ذكره الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (1/94) ، وأخرجه الحاكم في المستدرك (4/278، رقم 7637) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي فى شعب الإيمان (4/150، رقم 4620) جميعاً عن جابر.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٩)
الثالثة: ذكر الإمام الغزالي في كتاب كشف علوم الآخرة: أنه يؤتى برجل يوم القيامة فما يجد حسنة يرجح بها ميزانه، وقد اعتدل ميزانه بالسوية فيقول الله تعالى: هل لك من حسنة، إذهب في الناس فالتمس من يعطيك حسنة ترجح ميزانك وتدخل الجنة، قال: فيحوس بين خلال العالمين فما يجد أحداً يكلمه في ذلك الأمر إلا يقول: أنا خائف من خفة ميزاني، قال: فييأس، فيقول له رجل: ما الذي تطلب؟ فيقول: حسنة واحدة يرجح بها ميزاني، فيقول ذلك الرجل: نظرت أنا في صحيفتي فما وجدت فيها سوى حسنة واحدة فما أظنها تغني عني شيئاً إلا أن يرحمني بكرمه، فخذها هبة مني لك، فينطلق فرحاً مسروراً فيقول الله تعالى له: ما بالك؟ وهو أعلم، فيقول: يارب كل الخلائق ما نظر منهم أحد لي سوى عبدك هذا، فينادي سبحانه وتعالى بصاحبه الذي وهبه الحسنة، ويقول له: يا عبدي لأي شيء وهبته الحسنة فيقول: إلهي نظرت في صحيفتي فما رأيت فيها سوي حسنة واحدة، فقلت: إذا كان المولى كريماً فما تنفع الحسنة للعبد السقيم، فيقول سبحانه وتعالى: كرمي يا عبدي أوسع من كرمك، خذ بيد صاحبك فادخلا الجنة بكرمي ورحمتي.
وروي أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أمتي أمة مرحومة، عجل عقابها في الدنيا بالزلازل والفتن، فإذا كان يوم القيامة دفع إلى كل رجل من أمتي رجل من أهل الكتاب، فيقال: هذا فداؤك من النار» (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «يتجلى الله تبارك وتعالى لنا يوم القيامة ضاحكاً يقول: أبشروا يا معشر المسلمين، فإنه ليس أحد منكم إلا وقد جعلت مكانه في النار يهودياً ونصرانياً» (2) .
وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة، ثم وضعها على العرش ثم نادى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم من قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدي ورسولي--------------------------------------------
(1) أخرجه أحمد في مسنده (4/410، رقم 19693) ، والحاكم في المستدرك (4/283، رقم 7649) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي فى شعب الإيمان (7/148، رقم 9799) ، والروياني في مسنده (1/334، رقم 505) .
(2) جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده (4/407، رقم 19671) ، وعبد بن حميد في مسنده (1/191، رقم 540) كلاهما عن أبي موسى.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٠)
أدخلته الجنة» (1) .
ولله در القائل:
ذنوبي كثيرة ما أطيق احتمالها … وعفوك عن ذنبي أجل وأكبر
وقد وسعتني رحمة منك … وإني لها يوم القيامة أفقر
وقيل: إن الله تعالى إذا أراد أن يستر عبده يوم القيامة ولا يفضحه على رؤوس الأشهاد، فيعطيه كتابة بيمينه وهو مشحون بالسيئات، وذلك العبد خائف مما في الكتاب، لعلمه أن ذنوبه كثيرة فيقرأ في الوجه الذي فيه السيئات سراً ويقول في نفسه: ليس لي حسنة واحدة، وتقول الخلائق: سبحان الله ليس في كتاب هذا العبد سيئة واحدة فإذا فرغ من قرأته يقول الله تبارك وتعالى عبدي: هذه حسناتك في ظهر كتابك أظهرتها لخلقي، وسترت عنهم سيئاتك في الدنيا والآخرة، يا ملائكة امضوا به إلى الجنة بعفوي ورحمتي.
ولقد أحسن من قال:
يا من له ستر عليَّ جميل … هل لي إليك إذا اعتذرت قبول
أيدتني ورحمتني وسترتني … كرماً فأنت لمن رجاك كفيل
وعصيت ثم رأيت عفوك واسعاً … وعليَّ سترك دائماً مسبول
فلك المحامد والممادح في الثناء … يا من هو المقصود والمسئول
وروى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن رجلين ممن يدخل النار يشتد صياحهما فيقول الله تعالى: أخرجوها ثم يقال: لأي شيء صياحكما؟ فيقولان: فعلنا كذلك لترحمنا، فيقول: إن رحمتي بكما أن تنطلقا فتلقيا أنفسكما في النار حيث كنتما، فينطلقان فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها عليه برداً وسلاماً، ويقوم الآخر فلا يلقي نفسه، فيقول له الرب تبارك وتعالى: ما منعك أن تلقي نفسك كما ألقي صاحبك نفسه، فيقول: يارب إن لأرجو أن لا تعيدني فيها بعد أن أخرجتني منها، فيقول الرب تبارك وتعالى: لك رجاؤك فيدخلان معاً الجنة برحمة الله» (2) .
وقال بكر بن سليم الصواف: دخلنا على مالك بن أنس رضي الله عنه في العشية التي قبض--------------------------------------------
(1) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس (4/415، رقم 7206) عن عمرو بن عبسة.
(2) أخرجه الترمذي في سننه (4/714، رقم 2599) عن أبي هريرة، قال الترمذي: إسناد هذا الحديث ضعيف.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢١)
فيها فقلنا له: يا عبد الله كيف تجدك؟ قال: لا أدري ما أقول لكم إلا أنكم ستعاينون من لطف الله ورحمته ما لم يكن لكم في حساب، فما برحنا من عنده حتى غمضناه.
وقيل: إن الله سبحانه وتعالى ألطف وأرحم ما يكون بعبده إذا وضع في لحده ووضع خشن التراب على لين جلده، وجفاه من كان يرغب في قبوله ووده، فإذا وضع الميت على المغتسل أولاً، ودرج في ثيابه، وآيس من أحبابه فينادي: واسوأتاه وافضيحتاه، ولا يسمع نداءه إلا مولاه، فيجيه الحق جل جلاله ويقول: أنا سترك في الدنيا وأنا أسترك في الآخرة.
وقال لله دره:
يا من له ستر الجميل على الورى … ويجود بالإفضال منه وبالقرى
ايدتني ورحمتني وسترتني … وهديتني لطفاً وكنت مقصرا
وارحم بعفوك زلتي يا سيدي … ومصون وجهي في التراب معفرا
وإذا خرج الميت من الدار على النعش فإنه يصيح: واغربتاه، فيقول الحق سبحانه وتعالى: عبدي إذا كنت اليوم غريباً فإني منك ما زلت قريباً، لا تخف فإني مقيل عثرتك، وراحم عبرتك، ومؤنس وحدتك.
وقال لله دره:
يا راحم الغرباء من جوده … قد عمني يا مؤنسي في وحدتي
أمسيت من أهلي غريباً مفرداً … ولأنت يا مولاي راحم غربتي
فإذا وضعوه في اللحد ووضعوا خشن التراب على لين جلده، ثم تركوه وانصرفوا ومضوا عنه فيصيح: يا وحدتاه، فيناديه الكريم الرؤوف الرحيم: عبدي هل تستوحش وأنا أنيسك، هل تشكو الوحدة وأنا جليسك، يا عبدي ألست بربك؟ فيقول: بلى يا ربي، فيقول: كيف تركت ما أمرتك به وتبعت ما نهيتك عنه، أما علمت أن مرجعك إليّ، وأعمالك معروضة علي وبين يدي، أنسيت عهدي أم أنكرت وعيدي ووعدي، فالآن تخلى عنك الصاحب والصديق، وتجردت عن المال الوثيق، فلا المال نفعك في مآلك، ولا الصديق خلصك من قبح أفعالك، فما حجتك ومعذرتك؟ فيقول: يارب احتوى على قلبي حب الدنيا وحب المال، فحملاني على الذنوب والأثقال وها أنا قد صرت في دوارك وأنا الليلة ضيفك، فلا تعذبني بنارك، وإن لم ترحمني أنت فمن يرحمني؟ فيقول الله تعالى: يا عبدي مضوا عنك وتركوك، ولو أقاموا عندك ما نفعوك، إلى بأبي وجهوك، وعلى كرمي خلفوك، يا عبدي طب نفساً وقر عيناً فأنت الليلة
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٢)
ضيفي، والكريم لا يخيب ضيفه، يا ملائكتي أحسنوا في ضيافته وكونوا عليه أشفق من أهله وقرابته، ولله در القائل حيث قال:
إذا ما الموت في جسمي السقيم … سرى وأتى على عظمي الرميم
وبت مجاور الرب الكريم … فقولوا لي وافى نعيمي
لك البشرى قدمت على كريم
تولى العمر واقترب الرحيل … وزادي من التقى زاد قليل
وفي لحدي إذا حان النزول
فهنؤني أحبائي وقولوا … لك البشرى قدمت على كريم
وقيل: إن موسى عليه السلام قال في بعص مناجاته: يارب. فقال له: لبيك يا موسى. فقال موسى عليه السلام: يارب أنت أنت فمن أنا حتى تجبني بالتلبية؟ فقال: يا موسى إني آليت على نفسي أنه لا يدعوني عبد من عبادي بالربوبية إلا أجبته بالتلبية. فقال موسى: يارب هذا لكل عبد طائع؟ قال: ولكل عبد مذنب. قال: يارب أما الطائع فبطاعته فما بال المذنب؟ قال الله تعالى: يا موسى إني إذا جازيت المحسن بإحسانه، وضيعت المسيئ لإساءته فأين جودي وكرمي.
تعصي وتجهر بالعصيان إعلاناً … وأستر الذنب إنعاماً وإحسنانا
ولا أجازي مسيئاً في إساءته … ولا الذي في العصيان عدوانا
ومن أتى ببابنا بالذل منكسراً … نعطيه من فضلنا عفواً وغفرانا
ثم استدل البخاري رضي الله عنه على استعمال العمل بمعنى الإيمان لأجل الرد عل المرجئة بالآية الثانية فقال: «وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجمعين * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ? [الحجر: 92، 93] عن قول لا إله إلا الله»
المعنى: وقال جماعة من أهل العلم من الصحابة التابعين وغيرهم منهم أنس وابن عمر ومجاهد أن المراد بقوله: ?يَعْمَلُونَ? في قوله تعالى: ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجمعين * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ?: هو قول لا إله إلا الله، فأطلق العمل على قولهم وأريد به عمل الإنسان فقط، ومقتضى الآية على تفسيرهم: أن المكلفين لا يسألون يوم القيامة إلا عن قول لا إله إلا الله فقط.
فقد اعترضه النووي فقال: الظاهر أن المراد لنسألنهم عن أعمالهم كلها أي: الأعمال التي يتعلق بها التكليف، والتخصيص بقول لا إله إلا الله دعوي لا دليل لها.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٣)
وقد استشكل العلماء هذه الآية بقوله تعالى: ?فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ أنس وَلَا جَانٌّ? [الرحمن: 39] فإن هذه الآية تعارض الآية التي ذكرها البخاري، وبيانه: أن قوله تعالى ?فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجمعين? [الحجر: 92] تدل على أن كل أحد يسأل يوم القيامة، وقوله تعالى ?فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ أنس وَلَا جَانٌّ? [الرحمن: 39] تدل على أنه لا يسأل أحد في القيامة، وقد جمع العلماء بين الآيتين من وجوه:
الأول: أن في القيامة مواقف مختلفة وأزمنه متطاولة، أعاننا الله الكريم على أهوالها ففي موقف أو زمان يسألون، وعليه يحمل قوله: ?فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ أنس وَلَا جَانٌّ? [الرحمن: 39] .
الثاني: المراد بقوله تعالى: ?فَيَوْمَئِذٍ لَاّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ أنس وَلَا جَانٌّ? [الرحمن: 39] أنهم لا يسألون سؤال استخبار بل سؤال التوبيخ وتقريع.
الثالث: أن المراد لا يسأل عن ذنبه غيره من الإنس والجان كما لا يحمل ذنبه غيره كما قال تعالى: ?وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى? [الأنعام: 164] .
ثم استدل البخاري بالآية الثالثة فقال: «وقال الله عز وجل: ?لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ? [الصافات: 61] والمعنى: لمثل هذا الفوز العظيم فليؤمن الكافرون، فأطلق العمل وأراد به الإيمان.
* * *
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٤)
قَالَ البُخَارِي:
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ «الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ» . قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (1) .
قوله: «حدثنا أحمد بن يونس وموسى بن إسماعيل، قال: أنبانا إبراهيم بن سعد قال: حدثنا ابن شهاب عن سعيد بن المسيب» هذا هو إمام التابعين سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي، من الفقهاء وأبيه وجده صحابيان.
والمسيب بفتح الياء على المشهور وقيل: بكسرها، وكان يكره فتح الياء ويحب أن يقال المسيب بكسر الياء، واجتمع بعمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وسمع منهم الأحاديث، وروى عنهم وعن أبي هريرة، وكان زوجاً لابنته وأعلم الناس بحديثه،--------------------------------------------
(1) للحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث فوائد عظيمة منها: قوله: «سئل» أبهم السائل وهو أبو ذر الغفاري.
قوله: «قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد» وقع في مسند الحارث أبي أسامة عن إبراهيم ابن سعد «ثم جهاد» فواخى بين الثلاثة في التنكير، بخلاف ما عند المصنف. وقال الكرماني: الإيمان لا يتكرر كالحج، والجهاد قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال. إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل. وتعقب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيم، وهو يعطي الكمال. وبأن التعريف من جملة وجوهه العهد، وهو يعطي الإفراد الشخصي، فلا يسلم الفرق. قلت: وقد ظهر من رواية الحارث التي ذكرتها أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة، لأن مخرجه واحد، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة، والله الموفق.
قوله: «حج مبرور» أي: مقبول ومنه بَرَّ حجك. وقيل: المبرور الذى لا يخالطه إثم. وقيل: الذى لا رياء فيه.
فائدة قال النووي: ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد الإيمان، وفي حديث أبي ذر لم يذكر الحج وذكر العتق، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة ثم البر ثم الجهاد، وفي الحديث المتقدم ذكر السلامة من اليد واللسان. قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لم يعلمه السائل والسامعون وترك ما علموه، ويمكن أن يقال: إن لفظة «من» مرادة كما يقال: فلان أعقل الناس، والمراد من أعقلهم، ومنه حديث: «خيركم خيركم لأهله» ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس.
فإن قيل: لم قدم الجهاد وليس بركن على الحج وهو ركن؟ فالجواب: إن نفع الحج قاصر غالباً، ونفع الجهاد متعد غالباً، أو كان ذلك حيث كان الجهاد فرض عين -ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر- فكان أهم منه فقدم والله أعلم. انظر فتح الباري (1/78) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٥)
وأخذ عن خلق من الصحابة وأخذ عنه خلق من التابعين وغيرهم، واتفق العلماء عل جلالته وأمانته، وهو أفضل التابعين كما قاله أحمد بن حنبل.
وأما ما ورد في صحيح مسلم من أن «خير التابعين رجل يقال له أويس» (1) فهو محمول على أنه أفضل في الزهد، وأما سعيد بن المسيب فإنه أفضل التابعين في العلم الشرعي قاله النووي (2) .
ومن فضائله رضي الله عنه أنه جاء رجل وهو مريض مضطجع على شقه فسأله عن حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بمشقة وحدثه به، فقال الرجل: وددت أنك حدثتني عنه وأنت مضطجع حتى لا تجهد نفسك، فقال: كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع (3) .
ومن فضائله أيضاً: أنه صلى صلاة الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة (4) .
وقال مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد (5) .
ومن كلامه رضي الله عنه: لا تمدوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة (6) .
ومن كلامه أيضاً: ما أكرمت العباد نفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت نفسها بمثل معصية الله (7) .
ومنه أيضاً: كفى نصرة من الله إن يرى عدوه يعمل بمعصية الله (8) .
ومنه أيضاً: من استغنى بالله افتقر إليه الناس (9) .
ومنه أيضاً: إن الدنيا نذلة، فهي إلى كل نذل أميل، وأنذل منها من أخذها بغير--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (4/1968، رقم 2542) عن عمر.
(2) انظر شرح النووي على صحيح مسلم (16/95) .
(3) أورده أبو نعيم في الحلية (2/169) .
(4) أورده أبو نعيم في الحلية (2/163) .
(5) أورده أبو نعيم في الحلية (2/163) .
(6) أورده أبو نعيم في الحلية (2/170) ، والذهبي في سير أعلام النبلاء (4/232) .
(7) أورده أبو نعيم في الحلية (2/164) .
(8) أورده أبو نعيم في الحلية (2/164) .
(9) أورده أبو نعيم في الحلية (2/173) ، والذهبي في سير أعلام النبلاء (4/239) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٦)
حقها، وطلبها بغير وجهها، ووضعها في غير سلبها (1) .
مات رضي الله عنه في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة سنة ثلاث وتسعين «سنة الفقهاء» لكثرة من مات فيها منهم.
«عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل قال: إيمان بالله ورسوله قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: جح مبرور» .
السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هذا السؤال هو أبو ذر رضي الله عنه.
والجهاد هو: القتال مع الكفار لأجل إعلاء كلمة الله، وإنما كان أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله من غيره لأنه بذل النفس في سبيل الله، قال بعضهم: والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
قال الحليمي: لولا دفع الله المشركين بالمؤمنين وتسليط المؤمنين على دفعهم عن بيضة الإسلام، لقلب الشرك على الأرض وارتفعت الديانة، فثبت أن سبب بقاء الدين هو الجهاد.
وهو أفضل من العزلة والتفرغ للعبادة فقد أخرج ابن عساكر بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بخير الناس منزلة رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، إلا أخبركم بخير الناس منزلة بعده رجل معتزل في غنم له يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعبد الله لا يشرك به شيئاً» (2) .
وكتب عبد الله بن المبارك إلى فضيل بن عياض وهو بمكة يحثه على الجهاد، وكان الفضيل قد اعتزل الناس ولازم العزلة والعبادة وترك الجهاد فقال:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت إنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه … فنحورنا بدمائنا تخضب
أو كان يتعب خيله في باطل … فخيولنا يوم الصبحية تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا … رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا … قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في … أنف امرء ودخان نار تلهب--------------------------------------------
(1) أورده أبو نعيم في الحلية (2/170) .
(2) أخرجه أحمد في مسنده (2/523، رقم 10789) ، والحاكم في المستدرك (2/77، رقم 2379) وقال: صحيح على شرط الشيخين.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٧)
هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميت لا يكذب
فلما سلمت إليه هذه الأبيات ذرفت عيناه ثم قال: صدق عبد الله ونصحني (1) .
وظاهر الحديث يقتضي أن الجهاد أفضل من الحج، وهو محمول على حج النافلة، وأما حجة الإسلام فإنها أفضل من الجهاد، هذا إذا كان الجهاد فرض كفاية، أما إذا كان فرض عين فإنه مقدم على حجة الإسلام قطعاً لوجوب فعله على الفور.
والحج هو قصد الكعبة لأجل النسك مع الوقوف بعرفة والحج المبرور قيل: هو المقبول، ومن علامة قبول حج الإنسان أنه إذا رجع يكون حاله خيراً من الحال الذي كان قبله، وقيل: هو الذي لا رياء فيه، وقيل: هو الذي لا يعقبه معصية، وقيل: هو الذي لا يرتكب فيه المعاصي، قال بعضهم:
فمن كان بالمال الحرام حجيجه … فعن حجة والله ما كان غناه
إذا هو لبى الله كان جوابه … من الله لا لبيك حجك رددناه
* * *--------------------------------------------
(1) أورده ابن عساكر في التاريح (32/449) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٨)
المجلس الخامس العشرون
في الكلام على باب: كفران العشير وكفر دون كفر
وما في حديثه من الفوائد واللطائف
قَالَ البُخَارِي:
باب كُفْرَانِ الْعَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
قوله: «باب كفران العشير وكفر دون كفر» قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرحه على هذا الصحيح: أراد البخاري في ترجمته أن يبين أن الطاعات كما تسمى إيماناً. كذلك المعاصي تسمى كفراً. وإطلاق الكفر عليها مجاز بمعنى كفر النعمة لا كفر الحجة.
و «العشير» بمعنى معاشر وهو الزوج. بمثل كيل بمعنى مواكل.
قيل له: عشير لأنه يعاشر المرأة وتعاشره. وهو مأخوذ من قوله تعالى: ?وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ? [النساء: 19] فكفران مصدر مضاف إلى المفعول الفاعل متروك.
والمعنى: باب إنكار المرأة وجحدها إحسان زوجها إليها. وخص هذا الذنب بالذكر دون غيره من الذنوب وأطلق عليه الكفر لرقيقة بديعة. وهي قوله صلى الله عليه وسلم: «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» (1) وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كان ذلك دليلاً على تناولها بحق الله تعالى. فلذلك أطلق عليها الكفر لكنه كفر نعمة لا يخرج عن الملة.
قال الإمام النووي: ويجوز أن يراد «بالعشير» الخليط والصاحب أي: مطلق المعاشر سواء كان زوجة وغيرها. فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل. والمعنى: باب كفران الصاحب إلى إنكار الصاحب والمخالط إحسان صاحبه مخالطه.
قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ. عَنْ مَالِكٍ. عَنْ زَيْدِ بْنِ أسلم. عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ. عَنِ ابن عَبَّاسٍ. قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أكثر أهلها النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ» . قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ. وَيَكْفُرْنَ الإحسان. لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ» .--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في سننه (3/465. رقم 1159) . وقال: حسن غريب. والبيهقي في سننه الكبرى (7/291. رقم 14481) عن أبي هريرة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٢٩)
وها هنا فوائد بعضها مستفاد من الحديث والبعض الآخر بطريق المناسبة:
الأولى: الكفر قد يطلق على غير الكفر بالله بأن يراد كفر النعمة أي: إنكارها ودليل هذه الفائدة من الحديث قوله: «يكفرن العشير. ويكفرن الإحسان» ويؤخذ منه صحة تأويل الكفر في أحاديث بكفر النعمة والحقوق كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» (1) المعنى: لا ترجعوا بعدي كفاراً للنعمة والحقوق.
ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم. فقد كفر حقهم ونعمتهم» (2) .
الثانية: ينبغي لولي الأمر وأصحاب الولايات وكبار السن أن يعظوا رعاياهم واتباعهم. ويحذروهم من المخالفات لأوامر الله تعالى ونواهيه. ويحرضوهم على الطاعات.
الثالثة: للمتعلم أن يراجع العالم فيما سمعه منه إذا لم يظهر له معناه ليبينه له.
الرابعة: دل الحديث المذكور على أن كفران الحقوق. وجحد الإحسان حرام معدود من كبائر الذنوب. ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد من فعل ذلك بالنار. فجحد المرأة إحسان زوجها عليها. كأن قالت: ما رأيت منك خيراً قط. حرام معدود من كبائر الذنوب.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (1/56. رقم 121) . ومسلم في صحيحه (1/81. رقم 65) عن جرير.
وأخرجه البخاري في صحيحه (6/2518. رقم 6474) . وأبو داود في سننه (4/221. رقم 4686) . والنسائي في سننه (7/126. رقم 4125) . وابن ماجه في سننه (2/1300. رقم 3943) عن ابن عمر.
وأخرجه البخاري في صحيحه (6/2593. رقم 6667) . والنسائي في سننه (7/127. رقم 4130) عن أبي بكرة.
وأخرجه البخاري في صحيحه (2/619. رقم 1652) . والترمذي في سننه (4/486. رقم 2193) عن ابن عباس. وقال: حسن صحيح.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه (1/83. رقم 68) . وأحمد في مسنده (4/365. رقم 19263) . والطبراني في المعجم الكبير (2/320. رقم 2332) . والبيهقي في شعب الإيمان (6/382. رقم 8596) جميعاً عن جرير.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٠)
وكذا كل من وصل إليه إحسان من غيره. سواء كان ذلك الإحسان مالاً أو علماً أو جلب نفع أو دفع ضرر. إذا أنكره وجحده. كأن قال: فلان لم يفعل معي خيراً قط. حرام وكبيرة.
فإذا قرأ إنسان على غيره قرآناً أو علماً من العلوم أو سلكه أو رباه أو دله طريق من طرق أهل الخير ونحو ذلك. ثم أنكر ذلك. وقال: فلاناً لم أقرأ عليه شيئاً. أو لم يسلكني. أو ليس بشيخي. أو لم أنتفع به. أو نحو ذلك فهو حرام. لما في ذلك من حجد النعمة التي وصلت إليه.
وإنما كان جحد النعمة حراماً معدوداً من الكبائر لأن المرأة إذا جحدت نعمة زوجها فقد جحدت نعمة الله. لأن هذه النعمة التي وصلت إليها من زوجها هي بالحقيقة واصلة من الله.
قال شيخ الإسلام تاج الدين السبكي: اعلم أن كل من وصل إليك على يديه خير من المخلوقين فهو في قبضة رب العالمين. فاشكره وحده لا تشرك به أحداً. واعلم أن المخلوق مضطر. سلط الله عليه الإرادة. وألقى في قلبه أن يعطيك فلم يجد بعد ذلك سبيلاً إلى دفعك. ولا يعطيك إلا لغرض نفسه. لا لغرضك. ولو لم يكن له غرض في الإعطاء لما أعطاك ولو لم يعتقد أن له نفعاًَ لما نفعك. فهو إذاً إنما يطلب نفع نفسه بنفعك. ويتخذك وسيلة إلى نعمة أخرى يرجوها لنفسه. وما أنعم عليك إلا الذي سخره لك. وألقى في قلبه ما حمله على الإحسان عليك.
وهنا سؤال وهو أن يقال: إذا كان المنعم بالحقيقة هو الله. وأن النعمة التي صدرت من العبد إنما هي من الله أجراها على يد العبد. فلأي شيء يستحق العبد شكر هذه النعمة كما ورد في سنن أبي داود عن أبي هريرة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (1) .
وفي الترمذي: «من لا يشكر الناس لا يشكر الله» (2) لفظ آخر: «من لم يشكر--------------------------------------------
(1) أخرجه أبو داود في سننه (4/255 رقم 4811) . وابن حبان في صحيحه (8/198. رقم 3407) . وأحمد في مسنده (2/295. رقم 7926) . والطيالسي في مسنده (ص: 326. رقم 2491) . والبيهقي في سننه الكبرى (6/182. رقم 11812) . والبخاري في الأدب المفرد (1/85. رقم 218) . والقضاعي في مسند الشهاب (2/35. رقم 829) . والبيهقي في شعب الإيمان (6/516. رقم 9117) عن أبي هريرة.
(2) أخرجه الترمذي في سننه عن أبي هريرة (4/339 رقم 1954) وقال: حسن صحيح.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣١)
الناس لم يشكر الله» (1) .
وفي حديث آخر: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير. ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله. والتحدث بنعمة الله شكر. وتركه كفر» (2) .
وفي حديث آخر: «إن أشكر الناس لله أشكرهم للناس» (3) .
فهذه الأحاديث تدل عل استحقاق العبد الشكر عن صدور النعمة منه.
فالجواب: أن الشارع صلى الله عليه وسلم إنما حث على شكرك إياه لا لكون النعمة صدرت منه. بل لكونها جرت على يده. فإذا شكرته عليها حمله ذلك الشكر على أن يزيد من فعل الخير. والمنعم بالحقيقة هو الله. فإذا شكرت عبداً لكونه أحسن إليك في الدنيا فإن شكره لكون الشارع صلى الله عليه وسلم أمر بذلك. لا لاعتقاد أنه فاعل ذلك. فإن شكرته معتقداً أن النعمة صدرت منه كنت مشركاً لا شاكراً. فإن العبد لا ينفع ولا يضر وربما تغير عليك. وانقلب حبه غضباً بأيسر الأسباب. والمحسن على الدوام الذي لا يتغير ولا يحول ولا يزول رب الأرباب.
الخامسة: دل الحديث على تعذيب جاحد الإحسان. وعلى أن إيمان النساء يزيد بشكر نعمة العشير.
السادسة: نساء الجنة مطهرات من الحيض والنفاس والبول والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر. وكل أذى يكون من نساء الدنيا. وطهر الله بواطنهن من الأخلاق السيئة والصفات المذمومة. وطهر لسانهن من الفحش والنطق بالكلام السيئ. وطهر طرف كل واحدة منهن من إن تنظر به إلى غير زوجها. وطهر أثوابهن من أن يعرض لها دنس أو وسخ. ويدل على ذلك كله قوله تعالى: ?وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ? [البقرة: 25] .
قيل: كانت أولاً حواء على صفة نساء الجنة مطهرة من الحيض وغيره. فلما أكلت--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في سننه (4/339. رقم 1955) وقال: حسن صحيح. وأحمد في مسنده (3/32. رقم 11298) . وأبو يعلى في مسنده (2/365. رقم 1122) عن أبي سعيد.
(2) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على المسند (4/375. رقم 19370) . والبيهقي في شعب الإيمان (6/516. رقم 9119) .
(3) أخرجه أحمد في مسنده (5/212. رقم 21895) . والضياء المقدسي في المختارة (4/306. رقم 1490) . والبيهقي في السنن الكبرى (6/182، رقم 11813) . والطيالسي في مسنده (ص: 141، رقم 1048) عن الأشعث بن قيس.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٢)
من الشجرة ابتلاها الله بالحيض وغيره.
السابعة: نساء الدنيا وهن الآدميات في الجنة أفضل وأحسن من الحور العين. ويدل على هذا ما رواه الطبراني عن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله أخبرني عن قول الله عز وجل: ?وَحُورٌ عِينٌ? [الواقعة: 22] قال: «حور عين ضخام العيون» إلى أن قلت: يا رسول الله نساء الدنيا أفضل أم الحور العين؟ قال: «بل نساء الدنيا أفضل من الحور العين كفضل الطهارة على البطانة» قلت: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: «بصلاتهن وصيامهن وبعبادتهن الله. ألبس الله وجوههن النور وأجسادهن الحرير بيض الألوان. خضر الثياب. صفر الحلي. مجامرهن الدر. وأمشاطهن الذهب. يقلن نحن الخالدات فلا نموت أبداً. ونحن الناعمات فلا نبتئس أبداً. ونحن المقيمات فلا نظعن أبداً. ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً. طوبى لمن كنا له وكان لنا» (1) .
الثامنة: الحور جمع حوراء. سميت بذلك قيل: لأن الطرف يحار فيها من رقة جلدها وصفاء لونها. «العين» جمع «عيناء» وهي العظيمة العين من النساء.
قال العلامة ابن القيم: من محاسن المرأة اتساع عينها في طول. وضيق العين في المرأة من العيوب. وإنما ينبغي الضيق منها في أربعة مواضع: في وجهها وصدرها وكاهلها وهو ما بين كتفها وجبينها. وينبغي القصر منها في أربعة وهي معنوية: لسانها ويدها ورجلاها وعينها. فتكون قاصرة الطرف قصيرة الرجل واللسان عن الخروج وكثرة الكلام. قصيرة اليد بتناول ما يكره الزوج وعن بذله. وينبغي الرقة منها في أربعة: خصرها وفرقها وحاجبها وأنفها (2) .
التاسعة: الحور مخلوقات من الزعفران لم يلدهن آدم ولا حواء. أنشأهن الله في الجنة من غير ولادة بين الآباء والأمهات.
وقيل: خلقهن الله من الزعفران وغيره. فقد ورد في أثر عن ابن عباس أنه قال: «خلق الله الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتها من الزعفران. ومن ركبتها إلى ثديها من المسك الأذفر. ومن ثديها إلى عنقها من العنبر. ومن عنقها إلى رأسها من--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (23/367. رقم 870) . وفي الأوسط (3/278. رقم 3141) .
قال الهيثمي (7/119) : فيه سليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم وابن عدى.
(2) انظر: حادي الأرواح لابن القيم (1/151) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٣)
الكافور الأبيض» (1) .
وروي أبو نعيم عن أنس يرفعه: «لو أن حوراء بصقت في سبعة أبحر لعذبت البحار من عذوبة فمها» (2) .
كما قيل:
فلو بصقت في البحر والبحر مالح … لأصبح ماء البحر من ريقها عذباً
وروي: «لو أن يداً من الحور العين دليت من السماء لأضاءت لها الأرض كما تضيئ الشمس لأهل الدنيا» (3) هذه اليد فكيف بالوجه مع بياضه وحسنه وجماله.
العاشرة: قالوا: إن الحور العين يعلمن بأزواجهن في الدنيا. فلا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه قاتلك الله. فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا.
وورد أنهن يدعون لأزواجهن يقلن: «اللهم أعنه على دينك. وأقبل بقلبه على طاعتك. وبلغه بعزتك يا أرحم الراحمين» (4) .
الحادي عشر: إذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة الموت هل تموت الحور من نفخه كما يموت غيرهن؟
ذهب أبو حنيفة وطائفة إلى أنهن لا يمتن وأنهن مما استثني الله تعالى بقوله: ?فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأَرْضِ إِلَاّ مَن شَاءَ اللَّهُ? [الزمر: 68] .
قال المفسرون: دخل تحت قوله: ?إِلَاّ مَن شَاءَ اللَّهُ? الحور والولدان وغيرهما. ويقوي هذا ما ورد في الحديث: «أنهن يقلن نحن الخالدات فلا نبيد» (5) .
الثاني عشر: الذين ذكرهم الله في كتابه بقوله: ?يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَلْدَانٌ--------------------------------------------
(1) أورده القرطبي في تفسيره (17/206) . والمناوي في فيض القدير (3/449) وعزاه لابن الملقن في شرح البخاري.
(2) أورده ابن القيم في حادي الأرواح (1/162) وعزاه لأبي نعيم.
(3) أورده المنذري في الترغيب والترهيب (4/299) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنا جلوسا مع كعب يوماً فقال … الحديث. وقال المنذري: رواه ابن أبي الدنيا وفي إسناده عبيد الله بن زحر.
(4) أورده المنذري في الترغيب والترهيب (4/299) وقال: رواه ابن أبي الدنيا مرسلاً عن عكرمة.
(5) أخرجه الترمذي في سننه (4/696. رقم 2564) وقال: غريب. وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند (1/156. رقم 1342) عن علي رضي الله عنه.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٤)
ممُّخَلَّدُونَ? [الواقعة 17] هل هم أولاد المسلمين الذين يموتون ولا حسنة لهم ولا سيئة يكونون خدماً لأهل الجنة. لأن الجنة لا ولادة فيها. وكذلك قيل في أطفال المشركين: إن الله يجعلهم خدم أهل الجنة.
قال ابن القيم: والأشبه أن هؤلاء ولدان خلوقون من الجنة كالحور العين خدماً لهم وغلماناً قال تعالى: ?وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ? [الطور: 24] وهؤلاء غير أولادهم. فإن من تمام كرامة الله أن يجعل أبناءهم مخدومون معهم ولا يجعلهم غلمانهم (1) .
الثالثة عشر: هل النساء في الجنة أكثر أم الرجال وكذلك في النار؟
مقتضى الحديث الذي ذكره البخاري وهو قوله: «أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء» أي: أن النساء في النار أكثر. واختلفت الرويات في هذه المسألة ففي بعض الروايات ما يدل على أن النساء في الجنة أكثر وفي بعضها ما يدل على أن الرجال في الجنة أكثر. وجمع العلماء بين الروايات وقالوا: إن النساء في الجنة أكثر بالحور العين وأما نساء الدنيا فهن في الجنة أقل من الرجال وفي النار أكثر.
قال القرطبي: محل كون نساء الدنيا في الجنة أقل يحتمل أن يكون في وقت كون النساء في النار. أما بعد خروجهن بالشفاعة ورحمة الله حتى لا يبقى فيها أحد ممن مات على التوحيد فالنساء في الجنة أكثر والله اعلم.
وهذا جمع حسن ومحصلة: أن النساء في الجنة أقل من الرجال. وفي النار أكثر منهم حالة الدخول. وأما بعد الشفاعة فهم في الجنة أكثر.
الرابعة عشر: إذا وطئ الإنسان في الجنة ثم قام عنها رجعت مطهرة بكر كما ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكاراً» (2) ولا ينزل منه ولا منها المني. لا يملها ولا تمله ولا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء. ولا يلحق أهل الجنة بالجماع جنابة فيحتاجون إلى التطهير. لا تكليف في الجنة ولا ضعف. ولا إنحال قوة بل وطئهم وطئ التلذذ لا آفة فيه بوجه من الوجوه. وأكمل الناس لذة في الجماع في الجنة أصونهم لنفسه في هذه الدار من الحرام. فمن زنا في الدنيا فقد كمال لذة الجماع في الآخرة إن مات من غير توبة. ونظير هذا من شرب الخمر في--------------------------------------------
(1) انظر: حادي الأرواح (1/148) .
(2) أخرجه الطبراني في الصغير (1/160. رقم 249) . قال الهيثمي (10/417) : فيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو كذاب. وأبو الشيخ في العظمة (3/1081. رقم 583) عن أبي سعيد.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٥)