الدنيا لم يشربها في الآخرة. ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة. ومن أكل في صحائف الذهب والفضة في الدنيا لم يأكل فيها في الآخرة قال عليه الصلاة والسلام: «إنه لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» (1) فمن استوفى طيباته ولذاته وأذهبها في هذه الدار حرمها الله عليه في الآخرة. هذا إذا مات من غير توبة فمن ترك اللذة المحرمة لله استوفاها يوم القيامة أكمل ما تكون. ومن استوفى هنا حرم هناك أو نقص كمالهم.
الخامسة عشر: زوجة الإنسان في الدنيا هي زوجته في الآخرة. فإن تزوجت بأزواج قيل: تخير بين الأزواج.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: إذا كانت المرأة ذات أزواج فهي لمن مات عنها من الأزواج آخراً. وعلى هذا جماعة من العلماء. فلهذا حرم الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم بعده على أمته حتى لا يكن مع غيره يوم القيامة.
قال حذيفة لامرأته: «إذا سرك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تتزوجي من بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها» (2) .
ولما مات أبو الدرداء خطب زوجته معاوية فأبت وقالت سمعت أبا الدرداء رضي الله عنه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المرأة لآخر أزواجها في الآخرة» وقال: «إن أردت أن تكوني زوجتي في الآخرة فلا تتزوجي من بعدي» (3) .
قال في نزهة المجالس: مات رجل من بني إسرائيل وخلف امرأة وثلاث بنات. فلما انقضت عدتها تزوجت. فلما كان قبل الدخول بليلة رأت زوجها الأول مهموماً في المنام فسألته وقالت له: كيف حالك؟ قال: ما أسرع ما نسيتيني. قالت: ما نسيتك؟ فقال: لو لم يقع النسيان لما تزوجت بفلان. فلما أصبحت أخبرت نبي ذلك الزمان بما رأته وقالت: يا نبي الله أسأل فلاناً أن يطلقني فسأله فطلقها. فأوحى الله إليه قل للمرأة:--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (5/2133. رقم 5310) . ومسلم في صحيحه (3/1638. رقم 2067) . وأبو داود في سننه (3/337. رقم 3723) . والترمذي في سننه (4/299. رقم 1878) وقال: حسن صحيح. والنسائي في سننه (8/198. رقم 5301) . وابن ماجه في سننه (2/1130. رقم 3414) عن حذيفة.
(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (7/69. رقم 13199) .
(3) أخرجه الطبراني في الأوسط (3/275. رقم 3130) . وفي الشاميين (2/359. رقم 1496) . وقال الهيثمي (4/270) : فيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٦)
لما عاملت زوجها بالوفاء غفرنا ما كان بينه وبينها من الجفاء وأعطيناها بكل شعره على بدنها جارية تخدمها ونجمع بينها وبين زوجها في الجنة.
وقيل: إنها تكون لأحسن الزوجين خلقاً. فسألت أم حبيبة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم: المرأة يكون لها زوجان في الدنيا ثم يموتون فيجتمعون في الجنة لأيهما تكون الأول أو للآخر؟ قال: «هي لأحسنهما خلقاً كان معها. يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة» (1) .
السابعة عشر: قال أبو هريرة رضي الله عنه يتزوج أحدكم بفلانة بنت فلان بالمال الكثير. ويتزوج بالحور العين باللقمة والتمرة والكسرة.
قال مالك بن دينار: كان لي أجزاء أقراؤها كل ليلة. وإذا أنا في المنام بجارية ذات حسن وجمال وبيدها رقعة فقالت لي: أتحسن القراءة؟ فقلت: نعم فدفعت إلى الرقعة فإذا فيها مكتوب هذه الأبيات:
لهاك النوم عن طلب الأماني … وعن تلك الأوانس في الجنان
تعيش مخلداً لا موت فيها … وتلهو في الخيام مع الحسان
تنبه من منامك إن خيراً … من النوم التهجد بالقرآن
الثامنة عشر: في الحديث دلالة على التحذير من كيد النساء وفتنتهن. وقد دل الكتاب والسنة على ذلك وعلى أن فيهن صالحات قال الله تعالى: ?وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ ? [الفتح: 25] .
وقال تعالى: ?إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ … ? [الأحزاب: 35] إلى آخر الآية.
وسبب نزول هذه: أن النساء قلن يا رسول الله قد ذكر الله الرجال دون النساء فما فيهن من خير فأنزلها الله عز وجل. فقرن الله تعالى ذكر النساء الصالحات بالرجال الصالحين.
وللنساء أحوال وزهد وخير وصلاح كما في الرجال. وفي النساء من لها الأوراد--------------------------------------------
(1) أخرجه عبد بن حميد في مسنده (1/365. رقم 1212) . والطبراني في الكبير (23/222. رقم 411) .
قال الهيثمي (8/24) : فيه عبيد بن إسحاق وهو متروك وقد رضيه أبو حاتم وهو أسوأ أهل الإسناد حالاً.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٧)
والسياحات والكشوفات وغير ذلك من الخصوصيات. التي خصهن الله تعالى بها. ولكن الصالحات قليلٌ بالنسبة إلى غيرهن فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المرأة الصالحة في النساء إلا كمثل الغراب الأعصم» (1) أي: الأبيض.
مضى في الصدر الأول من النساء الصالحات كثير مثل رابعة العدوية من فضائلها: أنها كانت تصلي الليل كله فإذا قرب طلوع الفجر هجعت في محرابها هجعة خفيفة حتى يطلع الفجر ثم تقوم وهي فزعة تقول: «يا نفس كم تنامين يوشك أن تنامين نومة لا تقومين إلا يوم النشور» فكان هذا دأبها حتى ماتت (2) .
من كراماتها: أنها نامت فجاء اللص فأخذ ثيابها ثم أراد الخروج فلم يجد الباب فهتف هاتف إن كان المحب نائماً فالمحبوب يقظان. ضع الثياب وأخرج من الباب.
ولقلة الصالحات فيهن وكثرة ضررهن وشؤمهن ذمهن الله ورسوله. وحذر الرجال منهن قال الله تعالى في كتابه العزيز في حقهن: ?إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ? [يوسف: 28] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها. فينظر كيف تعملون. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» (3) .
وقال عمر: «إلتجئوا إلى الله من شرار النساء واحذروا خيارهن» .
وفي وصية لقمان لابنه: «اتق المرأة السوء فإنها تشيبك قبل الشيب. واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير. وكن من خيارهن على حذر» (4) .--------------------------------------------
(1) أخرجه الطبراني في الكبير (8/201. رقم 7817) عن أبي أمامة.
قال الهيثمي (4/273) : فيه مطرح بن يزيد. وهو مجمع على ضعفه.
(2) أورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (8/242) .
(3) جزء من حديث طويل أخرجه الترمذي في سننه (4/483. رقم 2191) وقال: حسن صحيح. والطيالسي في مسنده (ص: 286. رقم 2156) . وأحمد (3/19. رقم 11159) . وعبد بن حميد في مسنده (1/273. رقم 864) . وأبو يعلى في مسنده (2/352. رقم 1101) . والحاكم في المستدرك (4/551. رقم 8543) . والبيهقي في شعب الإيمان (6/309. رقم 8289) عن أبي سعيد.
(4) أورده العزالي في إحياء علوم الدين (2/44) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٨)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» (1) .
وقال الحسن رحمه الله: «والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا أكبه الله في النار» (2) .
ومن كلام علي رضي الله عنه: «أيها الناس لا تطيعوا النساء على حال. ولا تأمنوهن على مال. فإنهن أفسدن الممالك. وعصين المالك. وجدناهن لا دين لهن في خلواتهن. ولا ورع لهن شهواتهن الجنة. واللذة بهن يسيره. والحيرة بهن كثيرة. فأما صوالحهن ففاجرات. وأما طوالحهن فعاهرت. وأما المعصومات منهن لمعدومات. فيهن ثلاث خصال من اليهود يتظلمن وهن ظالمات. ويحلفن وهن كاذبات. ويتمنعن وهن راغبات فاستعيذوا بالله من شرارهن وكونوا على حذر من خيارهن» (3) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هلك الرجال حين أطاعوا النساء» (4) .
وقال عمر رضي الله عنه: «خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة» (5) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تعس عبد الزوجة» (6) .
قال الغزالي رحمه الله: فإنما ذلك لأنه إذا أطاعها في هواها فهو عبدها وقد تعس. فإن الله ملكه المرأة فملكها نفسه. فإذا ملكها نفسه فقد عكس الأمر وأطاع الشيطان كما قال تعالى: ?وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ? [النساء: 114] إذ حق الرجل أن يكون متبوعاً لا تابعاً (7) .
قال الغزالي: وكان نساء العرب العرباء يعلمن بناتهن اختبار الأزواج. كانت المرأة تقول لابنتها: اختبري زوجك قبل الإقدام والجرأة عليه. انزعي زج رمحه. فإن سكت لذلك فقطعي اللحم على ترسه. فإن سكت فكسري العظام بسيفه. فإن صبر فاجعلي--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (6/2600. رقم 6686) . والترمذي في سننه (4/527. رقم 2262) . وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي في سننه (8/227. رقم 5388) . وأحمد (5/51. رقم 20536) عن أبي بكرة.
(2) أخرجه أحمد في الزهد (1/280) . وأبو نعيم في الحلية (6/198) .
(3) انظر: كشف الخفاء (2/81) .
(4) أورده الذهبي في الكبائر (1/134) .
(5) أخرجه البغوي في الجعديات (1/436. رقم 2971) .
(6) أورده العجلوني في كشف الخفاء (2/5) . والذهبي في إحياء علوم الدين (2/44) .
(7) انظر: إحياء علوم الدين (2/44) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٣٩)
الأكاف على ظهره وامتطيه فإذا هو حمارك (1) .
وحكي عن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه قال: كان في بني إسرائيل رجل صالح وله امرأة جميلة فرآها شاب فعشقته وصنعت له مفتاحاً يدخل عليها متى شاء. فقال زوجها لها في بعض الأيام: قد انكرت حالك فلا بد أن تحلفي لي على عدم الخيانة. قالت: نعم. فلما خرج من عندها ودخل الشاب فأخبرته بذلك. فقال: كيف الخلاص؟ فقالت: إلبس ثياب المكاري وخذ حماراً وقف على باب المدينة. فلما جاء زوجها وطلب يمينها على جبل معظم عندهم يحلفون عنده. فخرجت معه فلما وصلت إلى باب المدينة ورأت المكاري قالت: لابد من ركوبي. فأركبها فلما صعدوا الجبل ألقت نفسها عن الحمار فانكشف شيء من بدنها فرأها زوجها والمكاري. ثم حلفت وقالت: والله ما رأني غيرك إلا هذا المكاري. ولبست عليه فظن أنها تريد أن رأها حين ألقت نفسها عن الحمار. فاضطرب الجبل من تحتهم اضطراباً شديداً فذلك قوله تعالى: ?وَإِن كان مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ? [إبراهيم: 64] .
وشتان ما بين هذه المرأة وبين ما حكي أن رجلاً فاسقاً دخل على امرأة عفيفة. وكان له مدة يتطلبها. فلما دخل عندها قال لها: امضي أغلقي أبواب الدار جميعاً وأحكمي إغلاقها. فمضت المرأة ثم عادت وقالت قد أغلقت سائر الأبواب وأوثقت إغلاقها سوى باب واحد. فإني عجزت عن إغلاقه. فقال: أي باب؟ فقالت: الباب الذي بيننا وبين الخالق جلت عظمته. ما قدرت عليه ولا استطيع أن أغلقه وهو مفتوح بحاله. فوقع في نفس الرجل من هذا الكلام الهيبة وتاب وأخلص التوبة وأقلع عن ذنبه وعاد إلى طاعة ربه.
حكى الغزالي في كتابه نصيحة الملوك: أن ملكاً كان يقال له: «خسرير» وكان يحب أكل السمك كان يوماً جالساً في المنطرة وامرأته «شيرين» عنده. فجاء الصياد ومعه سمكة كبيرة فأهداها إلى «خسرير» ووضعها بين يديه فأعجبته. فأمر له بأربعة ألاف درهم. فقالت شيرين: بئس ما فعلت. قال: ولما؟ قالت: لأنك إذا أعطيت بعد هذا لأحد من حشمك هذا القدر احتقره وقال: أعطاني عطية الصياد. وإن أعطيته أقل منه قال: أعطاني أقل مما أعطى الصياد. فقال خسرير: لقد صدقت ولكن يقبح بالملوك أن يرجعوا في هباتهم وقد فات هذا. قالت شيرين: أنا أدبر هذه الحالة. فقال:--------------------------------------------
(1) انظر: إحياء علوم الدين (2/45) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٠)
كيف ذلك؟ فقالت: تدعو الصياد وتقول له هذه السمكة أذكر أم أنثى. فإن قال ذكر فقل: إنما أردنا أنثى. وإن قال هذه السمكة أنثى فقل: إنما أردنا ذكراً. فأقبل الصياد فقالت له ذلك. فقبل الصياد الأرض وقال: هذه السمكة خنثى لا ذكر ولا أنثى. فضحك خسرير من كلامه وأمر له بأربعة آلاف درهم أخرى. فمضى الصياد إلى الخازن فقبض منه ثمانية آلاف درهم. ووضعها في جراب كان معه. وحملها على عنقه وهم بالخروج فوقع منه درهم واحد. فوضع الصياد الجراب عن كاهله. وانحنى إلي الدرهم وأخذه. والملك وشيرين ينظران إليه فقالت شيرين: أيها الملك أرأيت إلي خسة هذا الرجل وسفالته سقط منه درهم واحد فألقى عن ظهره ثمانية آلاف. وانحنى عليه فأخذه ولم يسهل عليه أن يتركه ليأخذه بعض الغلمان. فغضب خسرير من ذلك وقال: صدقت يا شيرين ثم أمر بإعادة الرجل وقال له: يا ساقط الهمة لست بإنسان وضعت مثل هذا المال عن عنقك لأجل درهم واحد. وأسفت أن تتركه في مكانه. فقبل الصياد الأرض وقال: أطال الله بقاء الملك إنني لم أرفع ذلك الدرهم لخطره عنده. وإنما رفعته من الأرض لأن على أحد وجهيه صورة الملك. وعلى الوجه الآخر اسمه فخشيت أن يضع أحد قدمه فأكون أنا المأخوذ بالذنب. فعجب خسرير من كلامه واستحسن ما ذكره فأمر بأربعة آلاف أخرى. فعاد الصياد من عند
الخازن بإثنا عشر ألف درهم. فأمر خسرير مناديا ينادي: لا يتدبرن أحد برأي النساء. فإنه إن تدبر برأيهن. وأتمر بأمرهن خسر درهمه درهمين.
* * *
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤١)
المجلس السادس والعشرون
في الكلام على شيء من ترجمة أبي ذر وفي الكلام على قوله صلى الله عليه وسلم له:
«إنك أمر فيك جاهلية»
قَالَ البُخَارِي:
باب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ
وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَاّ بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «إنك امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ» . وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ?إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ? [النساء: 48]
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ، قَالَ لَقِيتُ أبا ذَرٍّ بِالرَّبَذَة ِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلاً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «يَا أبا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إنك امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إخوانكم خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كان أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ» (1) .--------------------------------------------
(1) للحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث فوائد عظيمة منها:
قوله: «وعليه حلة وعلى غلامه حلة» هكذا رواه أكثر أصحاب شعبة عنه، لكن في رواية الإسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة «أتيت أبا ذر، فإذا حلة عليه منها ثوب وعلى عبده منها ثوب» وهذا يوافق ما في اللغة أن الحلة ثوبان من جنس واحد، ويؤيده ما في رواية الأعمش عن المعرور عند المؤلف في الأدب بلفظ: «رأيت عليه بردا وعلى غلامه بردا فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت حلة» وفى رواية مسلم «فقلنا: يا أبا ذر، لو جمعت بينهما كانت حلة» ولأبي داود «فقال القوم: يا أبا ذر، لو أخذت الذي على غلامك فجعلته مع الذي عليك لكانت حلة» فهذا موافق لقول أهل اللغة، لأنه ذكر أن الثوبين يصيران بالجمع بينهما حلة، ولو كان كما في الأصل على كل واحد منهما حلة لكان إذا جمعهما يصير عليه حلتان، ويمكن الجمع بين الروايتين بأنه كان عليه برد جيد تحته ثوب خلق من جنسه وعلى غلامه كذلك، وكأنه قيل له: لو أخذت البرد الجيد فأضفته إلى البرد الجيد الذي عليك وأعطيت الغلام البرد الخلق بدله لكانت حلة جيدة، فتلتئم بذلك الروايتان، ويحمل قوله في حديث الأعمش «لكانت حلة» أي: كاملة الجودة، فالتنكير فيه للتعظيم. والله أعلم.
وقد نقل بعض أهل اللغة أن الحلة لا تكون إلا ثوبين جديدين يحلهما من طيهما، فأفاد أصل تسمية لحلة. وغلام أبي ذر المذكور لم يسم، ويحتمل أن يكون أبا مراوح مولى أبي ذر، وحديثه عنه في الصحيحين. وذكر مسلم في الكنى أن اسمه سعد.
قوله: «فسألته» أي: عن السبب في إلباسه غلامه نظير لبسه، لأنه على خلاف المألوف، فأجابه بحكاية القصة التي كانت سبباً لذلك.
قوله: «ساببت» في رواية الإسماعيلي «شاتمت» وفي الأدب للمؤلف «كان بيني وبين رجل كلام» وزاد مسلم «من إخواني» وقيل: إن الرجل المذكور هو بلال المؤذن مولى أبي بكر، وروى ذلك الوليد بن مسلم منقطعاً.
ومعنى «ساببت» : وقع بينى وبينه سباب بالتخفيف، وهو من السب بالتشديد وأصله القطع. وقيل: مأخوذ من السبة وهي حلقة الدبر، سمي الفاحش من القول بالفاحش من الجسد، فعلى الأول المراد قطع المسبوب، وعلى الثاني المراد كشف عورته لأن من شأن الساب إبداء عورة المسبوب.
قوله: «فعيرته بأمه» أي: نسبته إلى العار، زاد في الأدب «وكانت أمه أعجمية فنلت منها» وفي رواية «قلت له: يا ابن السوداء» والأعجمي: من لا يفصح باللسان العربي سواء كان عربياً أو عجمياً، والفاء في «فعيرته» قيل: هي تفسيرية كأنه بين أن التعيير هو السب، والظاهر أنه وقع بينهما سباب وزاد عليه التعيير فتكون عاطفة، ويدل عليه رواية مسلم قال: «أعيرته بأمه؟ فقلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه. قال: إنك امرؤ فيك جاهلية» أي: خصلة من خصال الجاهلية. ويظهر لي أن ذلك كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده، فلهذا قال كما عند المؤلف في الأدب «قلت: على ساعتي هذه من كبر السن؟ قال: نعم» كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنه، فبين له كون هذه الخصلة مذمومة شرعا، وكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره أخذاً بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط المواساة لا المساواة.
وفي السياق دلالة على جواز تعدية «عيرته» بالباء، وقد أنكره ابن قتيبة وتبعه بعضهم، وأثبت آخرون أنها لغة. وقد جاء في سبب إلباس أبى ذر غلامه مثل لبسه أثر مرفوع أصرح من هذا وأخص، أخرجه الطبراني من طريق أبي غالب عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا ذر عبداً فقال: «أطعمه مما تأكل، وألبسه مما تلبس» وكان لأبي ذر ثوب فشقه نصفين، فأعطى الغلام نصفه، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: قلت يا رسول الله: «أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون» قال: نعم. انظر فتح الباري (1/86 – 87) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٢)
«أبو ذر» هذا هو الصحابي الكبير أبو ذر ويقال فيه: أبو الذر أيضاً، واسمه جندب بضم الجيم وضم الدال، «ويجوز» فتح الدال، «ابن جنادة» بضم الجيم وبالنون «ابن سفيان الغفاري» .
«وغفار» بكسر الغين المعجمة قبيلة من كنانة، أسلم قديماً كان رابع أربعة في الإسلام، وخامس خمسة، أسلم بمكة ثم رجع إلى بلاده بأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام بها
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٣)
حتى مضت غزوة بدر والخندق، قدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه إلى أن توفى صلى الله عليه وسلم وكان رضي الله عنه في أيام الجاهلية يعبد صنماً وكان لا يفارقه في حضر ولا سفر، فخرج به يوماً إلى السفر فوضعه في مكان ووضع عنده حوائجه وأمتعته، وقال: أيها الصنم احفظ حوائجي حتى أعود، ثم ذهب لحاجة، فلما ذهب جاء الثعلب وبال عليه، فلما رجع أبو ذر وجده مبلولاً فقال: السماء لم تمطر فمن أين هذا البلل؟ ثم نظر في الأرض فوجد أثر الثعلب، فعلم أنه بول الثعلب فمقته ورمق بطرفه نحو السماء وأنشد يقول رضي الله عنه:
أرب يبول الثعلبان برأسه … لقد ذل من بالت عليه الثعالب
برئت من الأصنام في الأرض كلها … وآمنت بالله الذي هو غالب
وترك عبادة الأصنام وكان ذلك قبل بعثه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الجماعة الذين آمنوا قبل البعثة وتركوا عبادة الأصنام.
قال البغوي (1) في تفسيره: الذين آمنوا قبل البعثة حبيب النجار، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ذر، وسلمان الفارسي ووفد النجاشي (2) .
وزاد ابن الجوزي في كتابة التلقيح جماعة أخرين آمنوا قبل البعثة.
وفي ذكر «حبيب النجار» مع الجماعة الذين آمنوا قبل البعثة إشارة إلى أنه كان عبداً صالحاً، ولم يكن نبياً.
وهذه المسألة وقع فيها خلاف فالذي ذهب إليه أكثر أهل التفسير كما قاله ابن الأثير في الكامل: أنه كان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً.
والذي ذهب إليه أكثر أهل السير: أنه كان نبياً. وقيل: كان نبياً مرسلاً إلى أصحاب الرس.
وأبو ذر زاهد هذه الأمة، شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بعيسى بن مريم، وأفاد بعضهم بأنه إنما كني بأبي ذر لأنه رضي الله عنه كان عنده خبز، فطلع عليه الذر فوزنه والذي عليه فلم يزد شيئاً فقال: انظروا إلى هذا الذر لم يظهر له أثر في ميزان الدنيا، ولم يرجح بسبه الميزان، وميزان الآخرة مع عظمه يطيش ويرجح بذرة واحدة فكني بأبي ذر.
و «الذر» هو النمل الأحمر الصغير واحده «ذرة» .
قال النووي: ويحل قتله دون النمل الأسود.--------------------------------------------
(1) هو: الحسين بن مسعود البغوي، أحد أئمة الحديث والتفسير، ومن كبار علماء الشافعية، ولد سنة: 436هـ من مؤلفاته: شرح السنة، ومعالم التنزيل في تفسير القرآن، وكانت وفاته سنة: 516هـ.
انظر: طبقات الشافعية (4/48) ، وتذكرة الحفاظ (4/52) ، وطبقات المفسرين للداودي (ص 58) ، والنجوم الزاهرة لابن تغري (5/124) .
(2) انظر تفسير البغوي (1/79) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٤)
روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مائتا حديث وإحدى وثمانون حديثاً، ذكر البخاري منها أربعة عشر.
وكان مذهب أبي ذر: أنه يحرم على الإنسان ما زاد عن حاجته.
وصفته: أنه كان طوالاً أبيض الرأس واللحية، سيره عثمان إلى الربذة، وتوفي بها في سنة ثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود، وعاد إلى المدينة فأقام عشرة أيام ثم توفى.
و «الربذة» موضع قريب من المدينة منزل من منازل العراق.
عن المعرور قال: «لقيت أبا ذر بالربذة وعليه حلة وعلى غلامه حلة» .
و «الحلة» إزار ورداء ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين أي: على غلامه مثل ما عليه، واسم غلام أبي ذر: «أبو مرواح» كما قاله ابن حجر.
قال المعرور: «فسألته عن ذلك» عن سبب مساواته غلامه في اللبس، وقلت له: ما السبب في أن على غلامك حلة كما عليك حلة؟ وإنما سأله عن ذلك لأن عادة العرب وغيرهم أن يكون ثياب المملوك دون ثياب سيده، وقال أبو ذر للمعرور في جواب السؤال: «إني ساببت رجلاً» أي سببت عبداً «فعيرته بأمه فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا ذر أعيرته بأمه» الاستفهام فيه للإنكار التوبيخي «إنك امرؤ فيك جاهلية» .
وأصل هذه القصة أن أبا ذر كان بينه وبين بلال بن حمامة (1) كلام وخصومة، وكانت أم بلال سوداء نوبية، فعير أبو ذر بلال بسواد أمه، وقال: يا ابن السوداء. فانطلق بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ما وقع من أبي ذر فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: «شتمت بلال وعيرته بسواد أمه؟» قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك امرؤ فيك جاهلية» أي: إنك في تعيير أمه على خلق من أخلاق الجاهلية، ولست جاهلياً محضاً.
وروي أنه قال: «ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء» .
وروي أيضاً أنه قال له: «ارفع رأسك ما أنت أفضل ممن ترى من الأحمر والأسود إلا أن تفضل في دين» فألقى أبو ذر نفسه على الأرض، ثم وضع خده على التراب وقال: «والله لا أرفع خدي منها حتى يطأ بلال خدي بقدمه» فوطئ خده بقدمه منه.
قال ابن حجر: ويظهر لي أن ذلك وقع من أبي ذر قبل أن يعرف تحريم السب--------------------------------------------
(1) وهو بلال بن رباح سماه المصنف باسم أمه فإن أمه كان اسمها «حمامة» وهو مولى أبو بكر الصديق. انظر: صفة الصفوة (1/434) ، ومسائل الإمام أحمد (ص 91) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٥)
فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده فلهذا لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنك امرؤ فيك جاهلية» على ساعتي هذه من كبر السن قال: «نعم» كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه مع كبر سنه، فكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيره أخذاً بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي المواساة لا المساواة.
ثم قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «إخوانكم خولكم» (1) قيل: هو من باب القلب المورث لملاحه الكلام الشاعر:
نُمَّ وإِنْ لَمْ أَنَمْ كَرَاي كَرَاكا … شاهدي الدمع إِنَّ ذاك كَذَاكا (2)
والأصل في حديث: «إخوانكم خولكم» أي: عبيدوكم وإماؤكم إخوانكم أي: في الإسلام، وإنما قيل لهم: «خول» لأنهم يتخولون الأمر أي: يصلحونها.
«جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتوهم فأعينوهم»
في الحديث دلالة على تحريم سب العبيد وتعييرهم بأبائهم، وفيه حث على الإحسان إليهم وإلى كل من يوافقهم في المعنى، ممن جعله الله تعالى تحت يد ابن آدم كالأجير والخادم، فلا يجوز لأحد أن يعير خادمه سواء أكان رقيقاً أو غيره ولا أجير بشيء من المكروه، يعرفه في أصوله وخاصة نفسه، إذ لا فضل لأحد على غيره إلا بالإسلام والتقى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقى» (3)
وقال الله تعالى: ?إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ? [الحجرات: 13] .
وهذه الآية نزلت في حق بلال فإنه يوم فتح مكة رقى على ظهر الكعبة وأذن فقال بعض أهل مكة هذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة، فأنزل الله الآية (4) .--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري (5/2248، رقم 5703) .
(2) البيت للشيخ أبي علي، وهو من بحر الخفيف، قاله شيخ البلاغين عبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز (ص 281) وقال: ينبغي أن يكون «كراي» خبراً مقدماً، ويكون الأصل «كراك كراي» أي: نم وإن لم أنم فنومك نومي، كما تقول: قم وإن جلست فقيامك قيامي.
(3) أخرجه البيهقي فى شعب الإيمان (4/289، رقم 5137) عن جابر.
(4) أورده السيوطي في الدر المنثور (7/578) وقال: أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن أبي مليكة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٦)
وقد قدمنا في أول الكلام على صحيح البخاري أن السودان من أولاد حام بن نوح، وذكرنا أن سبب مجيئهم سودان مع أن أباهم حاماً كان أبيض هو: أن نوحاً أمر أن لا يقرب ذكر أنثى ما دام في السفينة، فواقع حام امرأته في السفينة، وخالف أباه فدعى الله نوح أن تُغير نطفته وغيرها الله تعالى، ورزقه ولداً أسود وجاءت جميع أولاده سودان.
في الحديث دلالة كما قاله النووي على أن الدوآب ينبغي أن يحسن إليها.
وفيه دلالة على تحريم ترفع الإنسان على المسلم، وإن كان عبداً.
وفيه دلالة على إطلاق الأخ على الرقيق.
وقد ذكر العلماء مسائل متعلقة بالرقيق، ومسائل متعلقة بالدآبة:
أما المتعلق بالرقيق، فمما قالوا: لا يجوز للسيد أن يكلف رقيقه من العمل إلا ما يطيق الدوام عليه، فلا يجوز أن يكلفه عملاً يقدر عليه يومين أو يوماً ثم يعجز عنه فإذا استعمله نهاراً أراحه ليلاً، وكذا بالعكس، ويريحه في الصيف في وقت القيلولة، ويستعمله في الشتاء بالنهار مع طرف الليل، ويتبع في جميع ذلك العادة الغالبة، ويجب على العبد بذل المجهود، وترك الكسل.
ومنها: أنه يجب على السيد نفقته وكسوته ولو كان صغيراً أو أعمى أو مرهوناً أو مستأجراً.
وفي الحديث: «كفى بالمرء إثماً أن يحبس عن من يملك قوته» (1) .
فإن كان العبد كسوباً فكسبه لسيده، فإن شاء أخذه وأنفق عليه من ماله، وإن شاء أنفق عليه من كسبه فإن لم يكف كسبه بالنفقة فالباقي على السيد، وإن زاد فالزيادة للسيد، ولا يجوز الاقتصار بالكسوة على ستر العورة، وإن كان لا يتأذى بحر ولا برد، ولو تنعم السيد في الطعام والكسوة استحب له أن يدفع للعبد مثله، كما كان أبو ذر بعد قصته مع بلال يساوي عبده في ذلك، ولا يجب عليه ذلك، وإذا كان للإنسان عبيد يستحب له أن يسوي بينهم في الطعام والكسوة، ويكره له أن يفضل النفيس على الخسيس، بخلاف ما إذا كان له جوار فيستحب له أن يفضل ذات الجمال والرفاهية على غيرها.
ومنها: إذا تولى رقيقه معالجة طعامه وحمله وجاء به إليه، فيبنغي له أن يجلسه على--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (2/692، رقم 996) عن عبد الله بن عمرو.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٧)
الطعام، فإن ذلك أقرب إلى التواضع ومكارم الأخلاق، وكان سيد الأولين والآخرين يأكل مع الخادم صلى الله عليه وسلم فإن لم يفعل السيد أو قال له السيد: اجلس معنا فامتنع فينبغي أن يدفع له لقمة أو لقمتين.
ومنها: أنه يجوز للسيد المخارجه على العبد وهو أن يضرب عليه خراجاً معلوماً يؤديه إليه كل يوم أو أسبوع من كسبه إذا رضي السيد والعبد بذلك.
ومنها: إذا امتنع السيد من الإنفاق على مملوكه باع الحاكم شيئاً من ماله وأنفق منه على العبد فإن لم يجد الحاكم له مالاً أمره بأن يبيعه أو يؤجره أو يعتقه، فإن لم يفعل ذلك باعه الحاكم أو أجره فإن لم يقبله أحد أنفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن فيه مال فهو ومن محاويج المسلمين فعليهم القيام بكفايته.
وأما المتعلقة بالدآبة فمنها: أنهم قالوا إذا ملك دآبة فعليه علفها وسقيها، ويقوم مقام العلف والسقي تخليتها لترعى وترد الماء، إن كان ما ترعى وتكتفي به بخصب الأرض ونحوه، ولم يكن مانع ثلج وغيره.
ومنها: يحرم تكليف الدآبة من ثقيل الحمل وإدامة السير أو نحو ذلك فإذا كانت الدآبة لها طاقة وقدرة على أن تحمل خمسين رطل فحملها ستين مثلاً، أو على أن تمشي سبع فراسخ متوالية فإن ذلك حرام، لأنه تكليف نفس بما لا تطيقه.
لطيفة: قال أبو سليمان الخواص رضي الله عنه ركبت حماراً في بعض الأيام فجعل يطاطئ رأسه من الذباب فضربته على رأسه، فرفع رأسه وقال: هكذا تضرب على رأسك.
ومنها: لا يجوز حلب لبن الدآبة بحيث يضر ولدها وإنما يحلب ما فضل عن ري ولدها، والمراد بالري ما يقيمه حتى لا يموت، ويكره ترك الحلب إذا لم يكن فيه إضرار بها تضييع للمال، ويستحب أن يقص الحالب أظفاره لئلا يؤذيها.
ومنها: ينبغي أن يبقي للنحل شيئاً من العسل، فإن كان أخذه للعسل في الشتاء وزمن تعذر خروج النحل ترك لها أكثر، وإن قام شيء مقام العسل لغذائها لم يتعين إبقاء العسل.
ومنها: دود القز عيشه بورق التوت فعلى مالكه تحصيله له لئلا يهلك من غير فائدة، وهذا كله من باب الشفقة والرحمة على خلق الله، وقد جاءت أخبار كثيرة في هذا المعنى.
وروينا في سنن النسائي عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٨)
الذي مات فيه: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم» (1) .
وروينا في الغريب للترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه نشر الله عليه كنفه وأدخله الجنة: رفق بالضعيف، وشفقة على الوالدين، والإحسان للمملوك» (2) .
وروينا في سنن النسائي عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهب علياً غلاماً فقال: «لا تضربه فإني نهيت عن ضرب المصلين، وقد رأيته يصلي» (3) .
وروينا في سنن أبي داود عن ابن عمر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كم تعفو عن الخادم؟ فصمت ثم أعاد عليه الثانية والثالثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعف عنه في كل يوم سبعين مرة» (4) .
وروينا في سنن أبي داود أيضاً عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لائمكم من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تلبسون، ومن لم يلائمكم منهم فبيعوه ولا تعذبوا خلق الله» (5) .
وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قذف مملوكه وهو برئ جلد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قاله» (6) .--------------------------------------------
(1) أخرجه النسائي في الكبرى (4/259، رقم 7100) . وأخرجه أيضاً: أحمد في مسنده (6/290، رقم 26526) ، وابن ماجه في سننه (1/519، رقم 1625) ، قال البوصيرى (2/56) : صحيح على شرط الشيخين. والطبراني في الكبير (23/306، رقم 90) ، وأبو يعلى في مسنده (12/365، رقم 6936) .
(2) أخرجه الترمذي في سننه (4/656، رقم 2494) وقال: حسن غريب.
(3) أخرجه أحمد في مسنده (5/258، رقم 22281) ، والطبراني في الكبير (8/275، رقم 8057) ، قال الهيثمي (4/238) : مدار الحديث على أبي غالب وهو ثقة وقد ضعف.
(4) أخرجه أبو داود (4/341، رقم 5164) . وأخرجه أيضاً: الترمذي في مسنده (4/336، رقم 1949) وقال: حسن غريب. والبيهقي في السنن الكبرى (8/10، رقم 15577) .
(5) أخرجه أبو داود في سننه (4/340، رقم 5157) . وأخرجه أيضاً: أحمد في مسنده (5/168، رقم 21521) ، والبزار في سننه (9/357، رقم 3923) ، والبيهقي في سننه الكبرى (8/7، رقم 15556) .
(6) أخرجه البخاري في صحيحه (6/2515، رقم 6466) ، ومسلم في صحيحه (3/1282، رقم 1660) . وأخرجه أيضاً: أبو داود في سننه (4/341، رقم 5165) ، والترمذي في سننه (4/335، رقم 1947) وقال: حسن صحيح. جميعاً عن أبي هريرة.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٤٩)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يرحم» (1) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله» (2) .
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تنزع الرحمة إلا من قلب شقي» (3) .
قال صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (4) .
فندب صلى الله عليه وسلم إلى الرحمة والعطف على جميع الخلق من جميع الحيوانات، على اختلاف أنواعها في غير حديث، وأشرفها الآدمي، وإذا كان كافر فكن رحيماً لنفسك ولغيرك، ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك، فأقرب الناس من رحمة الله أرحمهم بخلقه، فمن كثرت منه الشفقة على خلقه والرحمة على عباده رحمه الله برحمته، وأدخله دار كرامته، ووقاه عذاب قبره، وهول موقفه،--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (5/2239، رقم 5667) ، ومسلم في صحيحه (4/1809، رقم 2319) ، وأحمد في صحيحه (4/366، رقم 19282) ، والطبراني في صحيحه (2/333، رقم 2388) عن جرير.
وأخرجه البخاري في صحيحه (5/2235، رقم 5651) ، ومسلم في صحيحه (4/1808 رقم 2318) ، وأبو داود في سننه (4/355، رقم 5218) ، وأحمد في مسنده (2/228، رقم 7121) ، وابن حبان في صحيحه (15/431، رقم 6975) عن أبي هريرة.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (6/2686، رقم 6941) ، ومسلم في صحيحه (4/1809، رقم 2319) ، والترمذي في سننه (4/323، رقم 1922) وقال: حسن صحيح. جميعاً عن جرير.
وأخرجه الترمذي في سننه (4/591، رقم 2381) وقال: حسن صحيح. وأحمد في مسنده (3/40، رقم 11380) عن أبي سعيد.
(3) أخرجه أبو داود في سننه (4/286، رقم 4942) ، والترمذي في سننه (4/323، رقم 1923) وقال: حسن. وابن حبان في صحيحه (2/213، رقم 466) ، والحاكم في المستدرك (4/277، رقم 7632) وقال: صحيح الإسناد. والبيهقي في السنن الكبرى (8/161، رقم 16420) عن أبي هريرة.
(4) أخرجه أبو داود في سننه (4/285، رقم 4941) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9/41، رقم 17683) ، والترمذي في سننه (4/323، رقم 1924) قال: حسن صحيح. والحاكم (4/175، رقم 7274) ، وأحمد في مسنده (2/160، رقم 6494) ، والبيهقي في شعب الإيمان (7/476، رقم 11048) عن ابن عمرو.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٠)
وأظله بظله إذ كل ذلك من رحمته، وقد أنشد كثير من العلماء في حديث: «الراحمون يرحمهم الله عز وجل إرحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» أبياتاً فمن أنشد فيه أبو القاسم بن عساكر فقال:
بادر إلى الخير يا ذا اللب مغتنماً … ولا تكن من قليل العرف محتشما
واشكر لمولاك ما أولاك من نعم … فالشكر يستوحب الإفضال والكرما
وارحم بقلبك خلق الله وأرعهم … فإنما يرحم الرحمن من رحما
ومما أنشد في ذلك الشهاب الحجازي حيث قال:
إن كنت لا ترحم المسكين إن عدما … ولا الفقير إذا يشكو لك العدما
فكيف ترجو من الرحمن رحمته … وإنما يرحم الرحمن من رحما
وأنشد فيه بعضهم فقال:
الراحمون لمن في الأرض يرحمهم … من في السماء فباعد عنك وسواسا
وقل أعوذ برب الناس منك إذ … لا يرحم الله من لا يرحم الناسا
فائدة: قال العلماء إذ ملك الإنسان جارية وولدها، فإن كان الولد غير مميز فإنه يحرم عليه أنه يفرق بينهما ببيع أو هبة أو قسمه، فإذا باع الأم وحدها ترك عنده الولد، أو باع الولد وحده وترك عنده الأم إثم بذلك وبطل البيع بالإجماع.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» (1) حسنة الترمذي، وصححه الحاكم.
أما إذا كان الولد مميزاً فيجوز التفرقة بينه وبين أمه بالبيع وغيره، لاستغناء المميز عن الحضانة والتعهد أشبه البالغ.
وحكم المجنون كحكم غير المميز عن الحضانة والتعهد، وكذا يحرم التفريق بين الولد وجدته عند فقد أمه، وبين الولد وأبيه عند عدم أمه، أما إذا كانت الأم موجودة فباعها سيدها مع ولدها وترك الأب عنده جاز، وباع الأب وترك الجارية مع ولدها--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي في سننه (4/134، رقم 1566) وقال: حسن غريب. والحاكم في المستدرك (2/63، رقم 2334) وقال: صحيح علي شرط مسلم. وأخرجه أيضاً: أحمد في مسنده (5/412، رقم 23546) ، والدارمي في سننه (2/299، رقم 2479) ، والدارقطني في سننه (3/67) ، والطبراني في الكبير (4/182، رقم 4080) ، والبيهقي في السنن الكبرى (9/126، رقم 18089) عن أبي أيوب.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥١)
جاز، ولا يجوز أن يباع الولد مع أبيه وتترك الأم لأن الشفقة للأم أشد، فالحكم للأم دون غيرها، فلو تصرف في أحدهما ببيع وهبة وقسمه بأن أعتق الأم دون الولد والولد دون الأم جاز ذلك، لعدم التفرق المزيل للمالك.
قيل: إن يعقوب إنما فرق بينه وبين ولده يوسف مدة لأنه فرق بين جارية وولدها فقد ذكر الثعلبي رضي الله عنه أن يعقوب رأى ملك الموت قد زاره فقال له: السلام عليك أيها الكظيم، فاقشعر جسده وارتعدت فرائصه، فرد عليه السلام، ثم قال له: من أنت ومن أدخلك هذا البيت وقد أغلقت على نفسي بابه، كيلا يدخل عليَّ أحد لأشكو بثي وحزني إلى الله، فقال له: يا نبي الله أنا الذي أيتم الأولاد، وأرمل الأزواج، قال: فأنت ملك الموت إذن، قال: نعم، قال له: يا ملك الموت أنشدك الله هل تقبض روح من تأكله السباع؟ قال: نعم، قال: فأخبرني عن الأرواح تقبضها مجموعة أو متفرقة؟ قال: أقبضها متفرقة روحاً روحاً، قال: فهل مر بك روح يوسف في الأرواح؟ قال: لا، قال: فجئتني زائراً أو داعياً؟ قال: يا نبي الله ما جئتك إلا مسلماً والله تعالى لا يميتك حتى يجمع بينك وبين يوسف، ولو كان في الصخرة التي عليها قرار الأرض، وما أذن الله في زياريك إلا لأبشرك وأجيبك عما تسألني، وإن شئت أعلمتك لما ابتليت بفقد ولدك، قال: فأعلمني، قال: يا إسرائيل هل تذكر الجارية الذي اشتريتها عام كذا في شهر كذا وفرقت بينها وبين أبويها؟ قال: نعم يا ملك الموت كان بالأمس، فقال له ملك الموت: فلذلك ابتليت بفقد الولد، وهل تعلم لما ابتليت بذهاب البصر؟ قال: لا، قال: أمرت يوماً بجذعة فذبحتها وشويتها في يوم كذا في شهر كذا، فمر تميم العابد العبد الصالح بك وهو صائم، ما أفطر منذ أسبوع فاشتم قثار الشواء فلم تطعمه، قال: فدعا عند ذلك يعقوب من كان بحضرته من العبيد والإماء فاعتقهم جميعاً، وأمر أن يذبح من أغنامه كل يوم كبشان ويفرق لحمها على الفقراء والمساكين فقبل الله ذلك منه وشكره وآتاه بالفرج (1) .
فائدة أخرى: يجوز التفريق بين البهيمة وولدها إذا استغنى الولد عن لبن الأم، أما إذا لم يستغن فإن فرق بالذبح بأن ذبح الولد وترك الأم جاز، وإن ذبح الأم وترك الولد لا يجوز كما قاله السبكي، وإن فرق ببيع ونحوه فإنه لا يجوز لعدم استغناء الولد عن لبن الأم.
* * *--------------------------------------------
(1) ذكره الثعلبي في كتابه قصص الأنبياء المسمى بالعرائس (ص: 80) من قول وهب بن منبه، وأمثال هذه الأخبار فيها من الغرابة ما لا نسلم به فالمقام مقام أنبياء والله أعلم.
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٢)
المجلس السابع والعشرون
في الكلام على باب علامات المنافق وما في حديثه من الفوائد
وفيه شيء من ترجمة سفيان الثوري
قَالَ البُخَارِي:
بَابُ عَلَامَاتِ المنَافِقِ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (1) .--------------------------------------------
(1) شرح السفيري حديثين من هذا الباب هذا الحديث والذي يليه، قال الحافظ ابن حجر: قوله: «آية المنافق ثلاث» الآية: العلامة، وإفراد الآية إما على إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، والأول أليق بصنيع المؤلف، ولهذا ترجم بالجمع وعقب بالمتن الشاهد لذلك. وقد رواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ: «علامات المنافق» فإن قيل: ظاهره الحصر في الثلاث فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ «أربع من كن فيه … الحديث» ؟ أجاب القرطبي: باحتمال أنه استجد له صلى الله عليه وسلم من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده. وأقول: ليس بين الحديثين تعارض، لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامة على النفاق، لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق، والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق. على أن في رواية مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: «من علامة المنافق ثلاث» وكذا أخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري، وإذا حمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت، وببعضها في وقت آخر. وقال القرطبي أيضاً والنووي: حصل من مجموع الروايتين خمس خصال، لأنهما تواردتا على الكذب في الحديث والخيانة في الأمانة، وزاد الأول الخلف في الوعد والثاني الغدر في المعاهدة، والفجور في الخصومة. قلت: وفي رواية مسلم الثاني بدل الغدر في المعاهدة الخلف في الوعد كما في الأول، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه لأن معناهما قد يتحد، وعلى هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة.
والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده. وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث.
ووجه الاقتصار على هذه العلامات الثلاث أنها منبهة على ما عداها، إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية. فنبه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النية بالخلف. لأن خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارناً للوعد، أما لو كان عازماً ثم عرض له مانع أو بدا له رأى فهذا لم توجد منه صورة النفاق، قاله الغزالي في الإحياء. وفي الطبراني في حديث طويل ما يشهد له، ففيه من حديث سلمان «إذا وعد وهو يحدث نفسه أنه يخلف» وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به ليس فيهم من أجمع على تركه، وهو عند أبي داود والترمذي من حديث زيد بن أرقم مختصر بلفظ: «إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي له فلم يف فلا إثم عليه» .
قوله: «إذا وعد» قال صاحب المحكم: يقال وعدته خيراً، ووعدته شراً. فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وعدته، وفي الشر: أوعدته. وحكى ابن الأعرابي في نوادره: أوعدته خيراً بالهمزة. فالمراد بالوعد في الحديث الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه. وقد يجب ما لم يترتب على ترك إنفاذه مفسدة. وأما الكذب في الحديث فحكى ابن التين عن مالك أنه سئل عمن جرب عليه كذب فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله حدث عن عيش له سلف فبالغ في وصفه، فهذا لا يضر، وإنما يضر من حدث عن الأشياء بخلاف ما هي عليه قاصداً الكذب. انتهى.
قال النووي: هذا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلاً من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره. قال: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح والذي قاله المحققون: إن معناه أن هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلق بأخلاقهم. قلت: ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية على المجاز، أي: صاحب هذه الخصال كالمنافق، وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر. وقد قيل في الجواب عنه: إن المراد بالنفاق نفاق العمل كما قدمناه. وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له بقول عمر لحذيفة: هل تعلم في شيئاً من النفاق؟ فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر، وإنما أراد نفاق العمل. ويؤيده وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله: «كان منافقا خالصاً» . وقيل: المراد بإطلاق النفاق الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال وإن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي. وذكر أيضاً أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنا. قال: ويدل عليه التعبير بإذا، فإنها تدل على تكرر الفعل. كذا قال. والأولى ما قاله الكرماني: إن حذف المفعول من «حدث» يدل على العموم، أي: إذا حدث في كل شيء كذب فيه. أو يصير قاصراً، أي: إذا وجد ماهية التحديث كذب. وقيل: هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال، وتهاون بها، واستخف بأمرها، فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالباً. وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد فقال: إنه ورد في حق شخص معين أو في حق المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شيء منها لتعين المصير إليه. وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي. والله أعلم. انظر فتح الباري (1/89 – 91) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٣)
وَقَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقاً خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٤)
يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (1) .
قوله: «حدثنا قبيصه بن عقبة قال: حدثنا سفيان» هذا هو الإمام الكبير العالم الرباني أحد أصحاب المذاهب الستة المتبوعة، القائم بالحق غير خائف في الله لومة لائم سفيان بن سعيد الثوري منسوب إلى جده بثور الكوفي إمام أهل الكوفة، وهو تابعي التابعين ومناقبه جمة.
قال عبد الله بن المبارك: كتبت عن ألف ومائه شيخ ما كتبت عن أفضل منه (2) .
وكان ابن المبارك يتسابق على سفيان ويقول: لما لم أطرح نفسي بين يدي سفيان ما أصنع بفلان وفلان (3) .
وكان مولده سنة سبع وتسعين، ومن فضائله أنه قال ما استودعت فهمي شيئاً فخانني.
ومن كراماته: أن أبا جعفر المنصور بلغه أن سفيان كان يتكلم فيه بسبب ظلم الناس فكان يتطلبه، فلما حج المنصور بعث الخشابين قدامه إلى مكة، وكان سفيان في مكة فقال المنصور: إذا رأيتم سفيان فاصلبوه، فوصلوا مكة ونصبوا الخشبة، ونودي سفيان فإذا رأسه في حجر الفضيل بن عياض، ورجله في حجر ابن عينيه فقالوا: يا سفيان لا تشمت بنا الأعداء، فقام وذهب وأخذ بأستار الكعبة وقال:--------------------------------------------
(1) قال الحافظ ابن حجر: قال الشيخ محيي الدين: إنما أوردها البخاري على طريق المتابعة لا الأصالة. وتعقبه الكرماني بأنها مخالفة في اللفظ والمعنى من عدة جهات، فكيف تكون متابعة؟ وجوابه: أن المراد بالمتابعة هنا كون الحديث مخرجا في صحيح مسلم وغيره من طرق أخرى عن الثوري، وعند المؤلف من طرق أخرى عن الأعمش، منها رواية شعبة المشار إليها، وهذا هو السر في ذكرها هنا. وكأنه فهم أن المراد بالمتابعة حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وليس كذلك إذ لو أراده لسماه شاهدا.
وأما دعواه أن بينهما مخالفة في المعنى فليس بمسلم، لما قررناه آنفاً. وغايته أن يكون في أحدهما زيادة وهى مقبولة لأنها من ثقة متقن. والله أعلم.
فائدة: رجال الإسناد الثاني كلهم كوفيون، إلا الصحابي وقد دخل الكوفة أيضاً. والله أعلم. انظر فتح الباري (1/91) .
(2) أورده ابن القيسراني في تذكرة الحفاظ (1/204) ، والذهبي في سير أعلام النبلاء (7/237) .
(3) أورده الخطيب في تاريخ بغداد (9/156) .
(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٥٥)