Arabic source text

📘 শারহুল বুখারী লিস-সাফীরি = আল-মাজালিসুল ওয়াআজিয়্যাহ ফী শারহি আহাদীছি খাইরিল বারিয়্যাহ (শামসুদ্দিন আস-সাফীরী - মৃত্যু 956 হিজরী)

📘 شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية (شمس الدين السفيري - ت 956 هـ)

📘 শারহুল বুখারী লিস-সাফীরি = আল-মাজালিসুল ওয়াআজিয়্যাহ ফী শারহি আহাদীছি খাইরিল বারিয়্যাহ (শামসুদ্দিন আস-সাফীরী - মৃত্যু 956 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
ومنها: أنه يستحب للعالم أن يحرض الناس ويحثهم على العلم وفهمه.
ومنها: أنه يستحب للإنسان الحياء خصوصاً بحضرة الأكابر، ما لم يؤد إلى تفويت مصلحة، ولهذا تمنى عمر أن يكون ابنه لم يسكت.
ومنها: أن فيه دلالة على أنه ينبغي الأدب مع الأكابر والإخوان والأصحاب، والأدب هو ما يتولد من صفاء القلب وحضوره، ويقال: هو الخلق على بساط الصدق ومطالعة الحقائق بقطع العلائق، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله تعالى أدبني فأحسن تأديبي، وأثنى علي بحسن الأدب حتى قال: ?مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى? [الرحمن: 17] » (1) .
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي» (2) قيل معناه: أن كمال النعيم في حسن الخلق، وكمال الأدب في حسن الخلق.
وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعد خيراً جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه» (3) .
ومنها: أنه يستحب للصغير أن يوقر الكبير، ويستحب للولد أن يقدم أباه في القول على نفسه، وأن لا يتقدم عليه بما فهمه وإن ظن أنه الصواب توقيراً له وإجلالاً، فقد ورد في مسند ابن ماجة القزويني (4) عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جالس العلماء تعرف في السماء، ووقر كبير المسلمين تجاورني في الجنة، واعطف على الطفل الصغير تكن في شفاعتي يوم القيامة» .
وفي الحديث دليل على أن العالم الكبير قد يخفى عليه بعض المسائل، ويحصلها من هو دونه، لأن العلم مواهب الله، والله يؤتي الحكمة من يشاء، كما خفي على أبي بكر وعمر وغيرهما سؤال للنبي صلى الله عليه وسلم وفهمه عبد الله على صغر سنه.
وفيه دليل على جواز تجمير النخل كتتويب التين، ولا يعد ذلك من باب إضاعة المال.
ومثل هذا السؤال الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه يسمى لغزاً وتعمية، وقد صنف العلماء كتباً في ألغاز المسائل اقتدوا في ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد ذكر فقهاؤنا مسائل كثيرة--------------------------------------------
(1) أورده بنحوه ابن الجوزي في العلل (1/178، رقم 284) عن علي.
(2) أخرجه أحمد (6/68، رقم 24437) ، قال الهيثمي (10/173) : رجاله رجال الصحيح.
(3) أخرجه هناد في الزهد (1/290، رقم 506) ، وأبو نعيم في الحلية (2/264) عن أم سلمة.
(4) هاكذا بالأصل: مسند ابن ماجة القزويني، ويحتمل أن له مسنداً غير السنن وقف عليه المصنف، والحديث ليس في سننه والله أعلم.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٦)

من هذا الباب منها: أنهم قالوا: أي إنسان يجوز له مس المصحف وحمله وهو جنب، مع أن المحدث حدثاً أصغر لا يجوز له مسه ولا حمله، فضلاً عن الجنب قال الله تعالى ?لَا يَمَسُّهُ إِلَاّ المُطَهَّرُونَ? [الواقعة: 79] ؟ وبينوا ذلك وصورة بما إذا كان الإنسان جنباً ولم يتمكن من الطهارة، وعنده مصحفاً، وخاف عليه إن تركه في مكانه من غرق أو حرق أو نجاسة أو كافر يأخذه، فإنه يأخذه في هذه الحالة وجوباً للضرورة، بل قال النووي: «إذا أراد التخلي وخاف من وضع المصحف من يده أن يأخذه غاصب، فإنه يتغوط وهو معه» .
ومنها: أنهم قالوا: أي صلاة يجب أداؤها وإذا فاتت لا يجب قضاؤها بل لا يجوز مع أن الصلاة إذا فات وقتها وجب فعلها خارج الوقت وتكون قضاء؟ وصور وذلك بصلاة الجمعة فإنها إذا فاتت لا تقضى جمعة، وإنما تقضى ظهراً والظهر صلاة أخرى ليست بدلاً عن الجمعة.
ومنها: أنهم قالوا: أي يوم يجب فيه على المكلف أكثر من ألف صلاة من غير نذر، والكل أداء ليس فيها واحدة قضاء ولا منذورة؟ وبينوا ذلك وصوروه بوقت خروج الدجال فإنه يستمر أربعين يوماً يوم كسنه ويوم كشهر ويوم كجمعة، وسائر أيامه كهذه الأيام، فاليوم الذي كسنه لا يكفي خمس صلوت، بل كل وقت منه كقدر يومنا هذا يصلي فيه خمس صلوات، وهكذا إلى آخره.
ومنها: أي امرأة مات عنها زوجها وليست بحامل انقضت عدتها في نصف يوم، مع أن عدتها أربعة اشهر وعشرة أيام قال الله تعالى: ?وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً? [البقرة: 234] وبينوا ذلك وصوروه باليوم الذي كسنه عند خروج الدجال، فإنه من حين خروج الشمس إلى زوالها نصف نهار وهو مقدار ستة أشهر من هذه الأيام فتنقضي.
ومنها: أنهم قالوا: أي أذان يستحب لغير الصلاة، وأي إقامة تستحب لغير الصلاة؟ وصوروا ذلك بالمولود حال ولادته فإنه يستحب أن يؤذن في أذانه اليمين ويقام في أذنه اليسرى، وفي صورة أخرى وهي: ما إذا تمردت الجان كما قاله النووي في الأذكار.
ومنها: أنهم قالوا: أي شيء يستحب الإتيان به في القضاء دون الأداء؟ وصوروا ذلك بالجهر والإسرار فإذا فات الإنسان صلاة الظهر مثلاً فقضاها مثلاً ليلاً يستحب له أن يجهر في الركعتين الأولتين كصلاة العشاء، ولا يستحب الجهر فيها لو صلاها

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٧)

أداء، وإذا فات الإنسان صلاة العشاء مثلاً فقضاها نهاراً يستحب الإسرار فيها، ولا يستحب الإسرار فيها لو صلاها أداء.
ومنها: أنهم قالوا: أي ثوب متنجس صلى فيه صحت صلاته، وإن صلى عليه أو حمله في كمه ونحوه لا تصح صلاته؟ وصوروا ذلك بالثوب الذي أصابته نجاسة معفو عنها كدم البراغيث ونحوها.
فائدة: ينبغي لمن سمع مسألة أو لغزاً وكان ظاهره قبيحاً أن لا ينكره أولاً، بل يتفكر فيه ويتأمله، فإن لم يعرفه يفحص عنه من قائله أو غيره، فإن من اعتمد على ظواهر الألفاظ غير متأمل فيها يوقع الخلق في جهل عظيم، ويقع هو في إثم كبير، وربما يقضي السامع على القائل بالكفر، ويقول فلان تكلم بكلام كفري، فيقع في الخطأ العظيم، فقد حكى العلامة التاج السبكي أن شخص أحب الاجتماع بالمأمون أمير المؤمنين فلم يمكنه التوصل إليه، فاحتال بحيلة وهي أنه قام في ملأ من الناس وقال: أيها الناس قفوا واسمعوا ما أقول لكم، ولست بفقير أطلب منكم شيئاً، ثم قال: اعلموا أن عندي ما ليس عند الله، ولي ما ليس لله، ومعي ما لم يخلق الله، وإني أحب الفتنة، وأكره الحق، وأقول إن اليهود قالت حقاً، وإن النصارى قالت حقاً، ومعي زرع ينبت بغير بذر، وسراج يضيء بغير نار، وأنا أحمد النبي، وأنا ربكم أرفعكم وأضعكم، فقاموا إليه وكادوا يأتون على نفسه وقالوا: لا كفر فوق هذا وصاروا به إلى المأمون، فلما مثل بين يديه وأعاد القول على أمير المؤمنين ثم أخذ يبينه فقال: أما قولي: لي ما ليس لله فإن لي صاحبه وولد وليس لله صاحبه ولا ولد تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وأما قولي: عندي ما ليس عند الله فعندي الجور والظلم والله تعالى منزه عنهما، وأما قولي: معي ما لم يخلق الله فمعي القرآن، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأما قولي: إني أحب الفتنة فالمراد بها المال والولد وهما محبوبان مع أنهما فتنة كما نطق به القرآن، وأما قولي: أكره الحق فالمراد بالحق الموت فإنه حق مكروه، وأما قولي: وأقول أن اليهود قالت حقاً والنصاري قالت حقاً، فالحق الذي قالته اليهود والنصاري ما أشار إليه الله إليه بقوله: ?وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيءٍ? [البقرة: 113] وأما قولي: ومعي زرع ينبت بغير بذر فهو شعر الرأس، وأما
قولي: ومعي سراج يضيء بغير نار فهما العينان، وأما قولي: أنا أحمد النبي والنبي منصوب على المفعولية بأحمد، وأحمد فعل والمعنى أنا أحمد النبي أي: أشكر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأما قولي: أنا ربكم أرفعكم وأضعكم فالمعنى: أنا صاحبكم فإن رب بمعنى

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٨)

صاحب أرفع الكم وأضعه، فاستحسن المأمون ذلك وأصغي إلى كلامه وقضى حاجته.
وفي الحديث دلالة على بركة النخلة وما تثمره، ولفضل النخلة وبركتها شبه الله كلمة التوحيد بها في القرآن العظيم حيث قال سبحانه وتعالى: ?أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصلها ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ? [إبراهيم: 24] قال المفسرون الكلمة الطيبة هي لا إله إلا الله، والشجرة الطيبة هي النخلة فإنها طيبة الثمرة، أصلها ثابت في الأرض وفرعها إلى أعلاها في السماء، كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق، فإذا تكلم بها عرجت فلا تحجب حتى تنتهي إلى الله.
وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قال العبد لا إله إلا الله يصعد بها الملك إلى السماء، فيستقبله في السماء ملك آخر فيقول من أين؟ فيقول: وأنت إلى أين؟ فيقول: أنا صاعد بشهادة فلان إلى الله تعالى، فيقول: وأنا نازل إليه من عند الله ومعي براءة من النار» .
وقد ذكر الفخر الرازي في كتابه أسرار التنزيل وجه تشابه كلمة التوحيد بالنخلة من وجوه ستة:
الأول: شجرة النخلة لا تنبت في جميع البلدان، كذلك التوحيد لا يجري على كل لسان.
الثاني: أن شجرة النخلة أطول الأشجار، وكذلك كلمة التوحيد أعلى الكلمات.
الثالث: أن الشجرة ثابتة في الأرض وفرعها في السماء، كذلك هذه الكلمة الطيبة ثابتة في القلب وهو المعرفة، وفرعها ثابت في السماء ?إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ? [فاطر: 10] .
الرابع: أن شجرة النخلة تحمل كل سنة مرتين كذلك الإيمان يحمل في الدنيا مرة ويثاب لأجل إيمانه أهلية الشهادة والولاية والأمانة، ومرة أخرى في الآخرة وهي الجنة الباقية والنعمة الدائمة.
الخامس: أن النخلة وإن حصل في وسط ثمرتها نواة لا خير فيها ولا منفعة، فإن قيمة تلك الثمرة لا تنقص بسبب تلك النواة، وكذا كلمة التوحيد وإن كان يحصل معها شيء من المعاصي لا تنقص بسبب ذلك، قال تعالى: ?قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً?
[الزمر: 53] .

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ٩٩)

السادس: أن النخلة أسفلها الذي يقرب من الناس كله شوك، والثمرة والمنفعة في أعلاها، كذا كلمة التوحيد أولها تكاليف شاقة هي كالشوكة، وأعلاها الثمرة الحلوة اللذيذة وهي المعرفة والمحبة.
لطيفة: كتب ملك الروم إلى سيدنا عمر رضي الله عنه أخبرني رسلي أن ببلدكم شجرة يخرج ورقها كأذان الحمير، ثم ينشق عنها ثمر أحسن من اللؤلؤ ثم يخضر حتى يكون كالزمرد، ثم يحمر ويصفر فيكون كشذور الذهب وقطع الياقوت، ثم ينيع فيكون كأطيب الفالوذج، ثم يبين فيكون قوتاً للمقيم وزاداً للمسافر، فإن صدقوا فهذه من شجر الجنة، فكتب إليه عمر: نعم، وهي التي ولد تحتها عيسى فلا تدع مع الله إلهاً آخر.
لطيفة أخرى غريبة: ذكر بعض العلماء في مصنف له عن أبي دجانة الصحابي رضي الله عنه أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المسجد سريعاً ولم يحضر الدعاء - وقد قال العارف بالله الرباني سيدي عبد القادر الكيلاني في كتابه الغنية: إن العبد إذا انصرف من المسجد ولم يحضر الدعاء تقول الملائكة: انظروا إلى هذا الذي قد استغنى عن الله - فأعلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما كان يفعله أبو دجانة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا دجانة مالك تخرج سريعاً ولا تحضر الدعاء» فقال: يا رسول الله لي جار منافق، وفي داره نخلة وأغصانها على داري، فإذا هب الهواء في الليل سقط رطبها في دارنا فأسبق أولادي قبل أن يستيقظوا وأجمع الثمر وأرده إليه، فطلب النبي صلى الله عليه وسلم صاحب النخلة وقال له: «بعني نخلتك بعشر نخلات في الجنة، عروقها من الزبرجد الأخضر، وساقها من الذهب الأحمر، وأغصانها من اللؤلؤ الأبيض» فقال: لا أبيع حاضراً بغائب فقال أبو بكر رضي الله عنه: قد اشتريتها منه بعشر نخلات في موضع كذا، ففرح المنافق ثم أعطي التي في داره لأبي دجانة بنخلات أبي بكر رضي الله عنه ثم جاء إلى داره وأخبر زوجته بأنه باع النخلة لأبي بكر بعشر نخلات في مكان كذا، وقال: النخلة في دارنا فكلما غفل أبو دجانة أكلنا منها ولا ندع له إلا الشيء القليل، فلما نام المنافق تلك الليلة وأصبح رأى النخلة قد تحولت من دارة إلى دار أبي دجانة (1)
رضي الله عنه بقدرة الله تعالى.
فهذا وأمثاله من الأشياء الدالة على نبوته قال بعضهم: وإذا تأملت معجزاته وباهر آياته وكراماته وجدتها شاملة للعلوي والسفلي والصامت والناطق والساكن والمتحرك والمائع والجامد والسابق واللاحق والحاضر والباطن والظاهر والعاجل والآجل إلى غير--------------------------------------------
(1) أبو دجانة هو: سماك بن خرشة الخزرجي البياضي الأنصاري، المعروف بأبي دجانة: صحابي، كان شجاعا بطلاً، له آثاراً جميلة في الإسلام. شهد بدراً، وثبت يوم أحد، وأصيب بجراحات كثيرة، واستشهد باليمامة سنة: 1هـ، وكانت له مشية عجيبة في الخيلاء، يضرب بها المثل، نظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم في معركة، وهو يتبختر بين الصفين، فقال: هذه مشية يبغضها الله إلا في هذا المكان، وكان يقال له: ذو المشهرة، وهي درع يلبسها في الحرب، وذو السيفين لقتاله يوم أحد بسيفه وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل في نسبه: سماك بن أوس ابن خرشة.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠٠)

ذلك مما لو ذكر لطال كتسليم الحجر والشجر عليه، وشهادتهما له بالرسالة بين يديه، ومخاطبتهما بالسيادة وحنين الجذع إليه، إلى غير ذلك من الخوارق للعاده.
فمن معجزاته: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبي الجهل (1) فقال: إن كنت صادقاً فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه عليه الصلاة والسلام فانقلع من مكانه وسبح حتى صار بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد له بالرسالة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكفيك هذا؟» فقال: حتى يرجع إلى مكانه (2) .
ومن معجزاته صلوات الله وسلامه عليه: أن الأشجار نطقت له وسعت إليه كما صحت بذلك الأخبار ونقله عنه صلى الله عليه وسلم الثقات الأخيار، وقد أشار إلى ذلك صاحب البردة بقوله:
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة … تمشي إليه على ساق بلا قدم
كأنما سطرت سطراً لما كتبت … فروعها من بديع الخط بالقلم
وذكر صاحب الشفا وغيره: أن أعرابياً سأل النبي صلى الله عليه وسلم آية -أي: معجزة- دالة على نبوته فقال له: «قل لتلك الشجرة: إن رسول الله يدعوك» فمالت عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها وقطعت عروقها، ثم جاءت تجر عروقها حتى وقفت بين يديه، فقالت: السلام عليك يا رسول الله، قال الأعرابي: فمرها أن ترجع إلى منبتها، فأمرها فرجعت ودست عروقها في منبتها (3) .
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فدنا منه أعرابي فقال: «يا أعرابي أين تريد؟» قال: أهلي، قال: «هل لك إلى خير» قال: وما قال هو؟ قال: «تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله» قال: ومن يشهد لك على ما تقول؟ قال: «هذه الشجرة السمرة وهي في شاطئ الوادي، فأدعها فإنها تجيبك» قال: فدعاها فأقبلت تشق الأرض حتى قامت بين يديه صلى الله عليه وسلم فاستشهدها ثلاثاً أي: قال لها: «من أنا؟» فقالت: رسول الله ثلاث مرات،--------------------------------------------
(1) هاكذا بالأصل بأل التعريف والمشهور بدونها، ويبدو أن المصنف اعتمد على أنه عرف بكنيته هذه.
(2) انظر: السيرة الحلبية (2/765) .
(3) أخرجه البزار عن بريدة كما في مجمع الزوائد (9/10) ، قال الهيثمي: فيه صالح بن حيان وهو ضعيف.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠١)

ثم عادت إلى مكانها (1) .
ولله در من قال:
نبي له الأشجار جاءت مطيعة … نبي عليه سلم الحجر الصلد
نبي هدي حتى الجماد يحبه … نبي كريم ما لدعوته رد
له الفضل والإفضال والبر والتقى … له العدل والإحسان والجود والمجد
صح وثبت أن جذع النخل حن لفراقه صلى الله عليه وسلم فقد قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: كان مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسقوفاً بجذوع نخل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب إلى جذع منها ويضع يده عليه قبل أن يصنع المنبر، فلما صنع له المنبر في السنة الثانية أو الثامنة من الهجرة فارق الجذع، قال جابر: سمعنا لذلك الجذع صوتاً كصوت العشار (2) وهي: الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر، فلما حن الجذع لفراقه دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه يخرق الأرض فقال له: «إن شئت أردك إلى الحائط أي: البستان الذي كنت فيه، ينبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمر، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك» ثم أصغى له ليسمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله، فأكون في مكان لا أبلى فيه فسمعه من يليه، فقال صلى الله عليه وسلم: «قد فعلت» ثم قال: «اختار دار البقاء على دار الفناء» ثم أمره فعاد إلى مكانه (3) .--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن حبان في صحيحه (14/434، رقم 6505) ، والدارمي في سننه (1/22، رقم 16) ، وأبو يعلي في مسنده (10/34، رقم 5662) ، والطبراني (12/431، رقم 13582) .
قال الهيثمي (8/292) : رجاله رجال الصحيح.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (3/1314، رقم 3392) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/195، رقم 5487) عن جابر.
(3) حديث حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورد من حديث عدد من الصحابة منهم: جابر وأبي بن كعب وأنس بن مالك وابن عباس.
فأخرجه البخاري في صحيحه (3/1314، رقم 3391) ، وأحمد في مسنده (3/ 300، رقم 1424) ، وابن أبي شيبة في المصنف (6/319، رقم 31748) عن جابر.
وأخرجه ابن ماجه في سننه (1/454، رقم 1414) ، والدارمي في سننه (1/30، رقم 36) ، وأحمد في مسنده (5/137، رقم 21285) ، والضياء في المختارة (3/393، رقم 1192) ، والشافعي في المسند (1/65) عن أبي بن كعب.
وأخرجه الضياء في المختارة (4/357، رقم 1520) ، والدارمي في سننه (1/32، رقم 41) عن أنس بن مالك.
وأخرجه أحمد في مسنده (1/266، رقم 2400) ، والدارمي في سننه (1/31، رقم 39) ، وابن أبي شيبة في المصنف (6/319، رقم 31746) ، والحارث بن أبي أسامة كما في بغية الباحث (1/305، رقم 200) عن ابن عباس.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠٢)

فكان الحسن رضي الله عنه إذا حدث بها بكى وقال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقاً إلى مكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.
وجاء في رواية أنه أمر بدفنه تحت منبره ليصلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده رحمة الله عليه، ونظم ذلك بعضهم فقال:
وحن الجذع شوقاً ورقةً … ورجع صوتاً كالعشار مرددا
فبادره ضماً فقر لوقته … لكل امرئ من دهره ما تعودا
وأنشد بعضهم أيضاً:
الجذع حن إلى النبي المصطفى … بالله أقسم إنه معذور
قد كان حال القرب من أنواره … في نعمة إقبالها مأثور
فغدا الفرقة بدره متصدعاً … يبدي الأنين وقلبه مكسور
من ذا الذي يقوى على هجران من … بين البرية فضله مشهور
وخرج صلى الله عليه وسلم إلى نواحي مكة في بعض الأيام فما استقبله شجر ولا حجر إلا شافهه بالسلام، ولما أتى جبريل بالرسالة المعظمة إليه جعل لا يمر بحجر لا شجر إلا سلم عليه، وأمنت الأبواب والجدران على دعائه، وكان كل من الحجر والشجر يسجدان له إذا مر بإزائه (1) .--------------------------------------------
(1) حديث تسليم الحجر والشجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورد من حديث عدد من الصحابة منهم: علي وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة وعائشة رضي الله عنهم:
فأخرجه الترمذي في سننه (5/ 593، رقم 3626) ، وقال: غريب. والدارمي في سننه (1/25، رقم 21) ، والحاكم في المستدرك (2/677، رقم 4238) ، والضياء في المختارة (2/134، رقم 502) عن علي بن أبي طالب.
وأخرجه الدارمي في سننه (1/45، رقم 66) عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه مسلم في صحيحه (4/1782، رقم 2277) ، والترمذي في سننه (5/592، رقم 3624) ، وأحمد في مسنده (5/89، رقم 20860) ، والطبراني في الأوسط (2/291، رقم 2012) عن جابر بن سمرة.
وأخرجه الطيالسي في مسنده (ص: 215، رقم 1539) ، والبزار (كما في مجمع الزوائد 8/260) بإسناد ضعيف لضعف شيخه عبد الله بن شبيب، على ما ذكره الهيثمي. كلاهما عن عائشة.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠٣)

وحنين الجذع إليه، وتسليم الحجر عليه لم يثبت لواحد من الأنبياء إلا له صلى الله عليه وسلم فهو من خصائصه الحقيقية.
ومن معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم الباهرة، كما قاله الشيخ عبيد وغيره: أنه صلى الله عليه وسلم لما بني المسجد بالمدينة قال لأبي بكر احتاج إلى جذوع نخل لأجل سقف المسجد، فقال له أبو بكر رضي الله عنه لي بمكة بيت فيه جذوع نخل تصلح، فدعاها النبي صلى الله عليه وسلم فخلق الله تعالى لها أجنحة فطارت وجاءت إليه فسقف بها المسجد.
ومن المعجزات الباهرة أيضاً: أنه صلى الله عليه وسلم غرس غصناً من النخلة في سنام البعير بحضرة جماعة من كفار قريش، فأخضر في الحال، وصار نخلة عظيمة ذات أغصان وثمار، ثم تناول الحاضرون من ثمارها، فمن علم الله أنه يؤمن كانت الثمرة حلوة في فمه، ومن علم أنه لا يؤمن عاد حجراً في فمه.
قال بعض العلماء الحنفية: وفي قوله صلى الله عليه وسلم: إنها أي: النخلة مثل المسلم أشار إلى أن تشبيه الشيء بالشيء لا يلزم أن يكون نظيره من جميع وجوهه، فإن المؤمن لا يماثله شيء من الجمادات ولا يعادله، بل ولا من الحيوانات.
فائدة: جاء في حديث آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه المؤمن بالنحلة بالنون المعجمة والحاء المهملة، فقد قال البيهقي في شعب الإيمان عن مجاهد قال: صاحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث: «إن مثل المؤمن كمثل النحلة (1)
إن صاحبته نفعك، وإن شاورته نفعك، وإن جالسته نفعك، وكل شأنه--------------------------------------------
(1) قال العسكري في تصحيفات المحدثين (1/393) : ومما يحتاج إلى ضبط وتقييد حديثان روي في أحدهما: «مثل المؤمن مثل النخلة» بالخاء المعجمة، وروي في الحديث الآخر: «مثل المؤمن مثل النحلة» وجميعا صحيح.
فأما بالخاء المعجمة فحدثنا أبو جعفر بن زهير حدثنا يوسف بن موسى القطان حدثنا جرير عن ليث عن محمد بن طارق عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة فما سمعته يحدث عن نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث: «مثل المؤمن كالنخلة إن جالسته نفعك وإن شاورته نفعك وإن صاحبته نفعك وإن شاركته نفعك وكل شيء من شأنه منافع» الخاء في هذا الحديث معجمة لا يجوز غيرها.
فأما النحلة معجمة فحدثنا به ابن أخي أبي زرعة حدثنا محمد بن عيسى بن حيان المدائني حدثنا سلام بن سليمان الثقفي حدثنا شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن مثل النحلة تأكل طيباً وتضع طيباً» وهذا المعجمة لا يجوز غيرها.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠٤)

منافع» (1) وكذاك النحلة كل شأنها منافع.
قال ابن الأثير: وجه المشابهة بين المؤمن والنحلة حذق النحلة وفطنته وقلة أذاه وقنوعه وسعيه في الليل وتنزهه عن الأقذار وطيب أكله، وأنه لا يأكل من كسب غيره، ونحوله وطاعته لأميره، وإن للنحل آفات تقطعه عن عمله منها: الظلمة والغيم والريح والدخان والماء والنار، وكذلك للمؤمن آفات تقطعه عن عمله: ظلمة الغفلة، وغيم الشك، وريح الفتنة، ودخان الحرام، وماء الخمر، ونار الهوى.
خاتمة لطيفة: قال في كتاب نديم الكرماء: حكي أن الجنيد قدس الله سره دخل في بعض أعوامه مكة فنزل عند امرأة عجوز من الصالحات، كان يعرفها فجلست العجوز تتوضأ فوجدت نوى تمر فأخذت واحدة فغرستها في الأرض، وصبت عليها من الماء الذي كأنت تتوضأ به، فقالت بناتها وهن يضحكن: يا أمي أتأملين أن تعيشي حتى تأكلي من هذه النواة رطباً، قال: فرفعت المرأة طرفها إلى السماء ثم قالت: اللهم أنت القادر الذي تقول للشيء كن فيكون، فأطعمني من هذه النخلة قبل موتي، قال الجنيد: أمين، ثم قام الجنيد والعجوز يصليان العصر، ثم جلسا وإن النخلة قد أخرجت الخوص، ثم الجريد، ثم الخشب، ثم أثمرت، فوالله ما برحنا حتى أكلنا من ثمرها.
ولقد أحسن من قال:
جل الذي أحكامه في البلاد … تجري بما فيه صلاح العباد
يميت من شاء ويحيي وإن … قال للشيء كن فيكون ما أراد
* * *--------------------------------------------
(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (6/504، رقم 9072) .

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠٥)

‌‌المجلس الحادي الثلاثون
في ذكر خواتم النبي صلى الله عليه وسلم وذكر أحكام خاتم الذهب والفضة وغيرهما
وذكر خاتم سليمان وقصته
وذكر شيء من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وشيء من فضائله المتعلقة بذلك
فالحمد لله العادل في حكمه وللعباد راحم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفاتح الخاتم، وعلى آله وأصحابه ذوي المناقب والمكارم.
قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَتَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كِتَابًا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَاّ مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ. فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ: مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنَسٌ (1) .
استشكل العلماء قول أنس: «كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً» وقالوا: من خصائصه كان يحرم عليه الكتابة والقراءة في الكتاب، ولهذا يقال له: النبي الأمي، وهو الذي لا يحسن الكتابة ولا يعرفها.
وأجابوا عن الاستشكال بأجوبة:--------------------------------------------
(1) للحافظ ابن حجر عند شرحه لهذا الحديث فوائد عظيمة منها:
قوله: «كتب أو أراد أن يكتب» : شك من الراوي، ونسبة الكتابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مجازية، أي: كتب الكاتب بأمره.
قوله: «لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً» : يعرف من هذا فائدة إيراده هذا الحديث في هذا الباب لينبه على أن شرط العمل بالمكاتبة أن يكون الكتاب مختوماً ليحصل الأمن من توهم تغييره، لكن قد يستغنى عن ختمه إذا كان الحامل عدلاً مؤتمناً.
قوله: «فقلت» القائل هو شعبة.
فائدة: لم يذكر المصنف من أقسام التحمل الإجازة المجردة عن المناولة أو المكاتبة، ولا الوجادة ولا الوصية ولا الإعلام المجردات عن الإجازة، وكأنه لا يرى بشيء منها. وقد ادعى ابن منده أن كل ما يقول البخاري فيه: قال لي فهى إجازة، وهي دعوى مردودة بدليل أني استقريت كثيرا من المواضع التي يقول فيها الجامع قال لي فوجدته في غير الجامع يقول فيها حدثنا، والبخاري لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث، فدل على أنها عنده من المسموع، لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠٦)

أحدها: أن معنى «كتب» أي أمر غيره بالكتابة، فنسب الفعل إليه على سبيل المجاز.
الثاني: أن الله أوحى إليه أن يكتب.
الثالث: أن الكتابة وإن لم يكن يحسنها صدرت منه حقيقة في بعض الأوقات، فيكون ذلك من قبيل معجزاته الخارقة للعادة، وقد عدوا من معجزاته أنه كان ينظر إلى المكتوب ويعرفه فتنطق له الحروف وتبين له المعنى المراد.
وكما كان صلى الله عليه وسلم تحرم عليه الكتابة كان يحرم عليه أخذ الزكاة والصدقة والكفارة والمنذورات، ونزع لامته إذا لبسها حتى يقاتل، أو يحكم الله بينه وبين عدوه بما شاء، وكان يحرم عليه قول الشعر وروايته.
قال تعالى: ?وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ? [يس: 69] .
واختلف العلماء كما قاله البغوي في النبي صلى الله عليه وسلم هل كان يحسن الخط ولا يكتب الشعر ولا يقوله أم لا يحسنها؟
فقيل: كان يحسنهما ولا يفعلهما، والأصح: أنه كان لا يحسنهما ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه، ومما يدل على أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يحسن الشعر أنه ذكر يوماً قول طرفه بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً … ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فقدم فيه وأخر وقال:
يأتيك من لم تزود بالأخبار
فقال له أبو بكر: يا رسول الله لم يقل هكذا، وإنما قال:
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
فقال صلى الله عليه وسلم: «كلاهما سواء» . فقال: أشهد أنك لست بشاعر ولا تحسنه. قاله ابن الملقن في باب هل تنبش قبور الجاهلية في كتاب الصلاة.
فإن قيل: إذا كان قول الشعر حراماً عليه صلى الله عليه وسلم فكيف نقل عنه أنه قال:
أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب
وقال:
هل أنت إلا أصبع دميت … وفي سبيل الله ما لقيت
وأجابوا عن ذلك بأجوبة:

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠٧)

الأول: أن هذا ليس بشعر لأنه صدر من النبي صلى الله عليه وسلم من غير قصد، والشعر هو الكلام الموزون المقفى بالقصد، وقد وقع في كلام الله من ذلك كثيراً قال تعالى: ?لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ? [البقرة: 92] .
الثاني: أن مشطور الرجز عند الأخفش وغيره ليس بشعر.
وقوله: «لأنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً» المعنى: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً إلى العجم وإلى الروم بلا ختم، فقيل له: يا رسول الله إنهم أي الأعاجم والأروام لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً، والحكمة في أنهم كانوا لا يقرؤون إلا الكتاب مختوماً خوفاً من كشف أسرارهم وأشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم، وفي هذا دلالة على أنه يسن للسلطان والقضاة والحكام ختم كتبهم، وقد صف الله كتاب سليمان الذي أرسله إلى بلقيس مع الهدهد بأنه كتاب كريم، وإنما وصفته بذلك لأنه كان مختوماً.
وقوله: «فاتخذ خاتماً» أي: لما قالوا له صلى الله عليه وسلم: إنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً أي: بخاتم، اتخذ له خاتماً من فضة نقشه «محمد رسول الله» وصار يختم به الكتب الذي يرسلها إلى الكفار، حتى يقرؤوا كتابه.
وفيه دلالة على جواز مكاتبة الكفار، وقد كاتب جماعة من ملوك الكفار من جملتهم كسرى ملك فارس.
وكسرى بفتح الكاف وفتحها والكسر أفصح فارسي معرب: لقبه، وأما اسمه فقيل: أنوشروان بن هرمز، والصحيح كما قاله ابن حجر في اسمه: ابرويز بن هرمز بن أنوشروان، قال: ووهم من قال: أنه أنوشروان (1) .
وملك كسرى الكافر سبعاً وأربعين سنة وسبعة أشهر، أرسل له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابه مع عبد الله بن حذافة يدعوه إلى الدخول في الإسلام، فلما دفع إليه عبد الله بن حذافة الكتاب وقرئ عليه أخذه ومزقه، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك دعا عليه وقال: «اللهم مزق ملكه» (2) أي: فرقه وشتته، فمزق الله ملكه كل ممزق، وسلط الله عليه ولده فمزق بطنه.
فقد نقل علماء التاريخ: أن كسرى كان له ولد يقال شيرويه، أراد قتل كسرى--------------------------------------------
(1) انظر فتح الباري (1/155) .
(2) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (1/259) .

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠٨)

لأجل الملك، فلما أيقن كسرى بالهلاك وكان مغلوباً فتح خزائنه فرأى خزانة الأدوية، فكتب على حق السم الدواء النافع للجماع، وكان ابنه مولعاً بذلك، فلما قتله فتح خزائنه فرأى خزانة الأدوية فتناول ذلك الحق منها فقرأه وفتحه وتناول منه شيئاً فأكله ومات من ذلك السم، ولم يقم لهم بعد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أمر نافذ، بل أدبر عنهم الأقبال، ومالت عنهم الدولة، وأقبلت عليهم النحوس، حتى انقرضوا.
وفي اتخاذه صلى الله عليه وسلم خاتماً من فضة دليل على جواز اتخاذ خاتم الفضة للرجال، وقد ذكر العلماء: أن التختم بخاتم الفضة جائز بالإجماع، بل لبسه سنة لهذا الحديث.
والأفضل عند إمامنا الشافعي وأكثر العلماء جعله في اليد اليمنى لأنها أشرف وأفضل، فهي أحق بالزينة والإكرام.
لكن نقل ابن العماد عن المتولي أنه قال: لبسه اليوم في اليسار أولى لأن لبسه في اليمين قد صار شعاراً للرافضة، قال: وهذا الذي ذكره يوافقه ما حكاه الرافعي عن أبي هريرة: أن تستطيح القبر لا يستحب في هذا الزمان، بل التسنيم أولى، لأن التسطيح صار شعاراً للرافضة، فالأولى بنا الآن مخالفتهم وصيانة للميت وأهله من الاتهام بالبدعة، قال: ومما يشهد للمتولي قوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفن في مواقف التهم» .
وقول علي رضي الله عنه: «إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره، وإن كان عندك اعتذاره، فرب سامع نكراً لا تستطيع أن تسمعه عذراً» ، ولأنه إذا تشبه بهم خاض الناس فيه فيكون سبباً في إيقاع الناس في الإثم.
وأكثر العلماء قالوا: الأفضل لبسه في اليمنى وإن صار شعار الرافضة، قالوا: لأنا لو تركنا ما ثبت من السنة لإطباق المبتدعة عليه لجرنا ذلك إلى ترك سنن كثيرة.
وعند الإمام مالك جعله في اليسار أفضل، لأنه كان آخر الأمرين منه صلى الله عليه وسلم كما قاله البغوي في شرح السنة وكرهه في اليمنى.
والسنة جعل فصه من باطن كفه لأنه أبعد من الإعجاب، وأصون للفص، ومحل التختم خنصر اليمنى واليسرى، لأنه أبعد من الامتهان فيما يتعاطى باليد، لكونه طرفاً، ولأنه لا يشغل اليد عما يتناوله من أشغالها بخلاف غير الخنصر.
وهل يجوز للرجل أن يلبس الخاتم في غير الخنصر من باقي أصابعه؟
قال الأذرعي: الصحيح التحريم للنهي عن التشبه بالنساء، لكن قال النووي في شرح مسلم: لا يحرم لكن يكره كراهة تنزيه.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١٠٩)

وروي النسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: «يا علي سل الله الهدى والسداد» قال علي: ونهاني عن الخاتم في هذه وهذه وأشار يعني بالسبابة والوسطي (1) .
ويجوز للرجل أن يتخذ خواتم يلبسها واحد بعد واحد.
وهل يجوز أن يلبس في وقت واحد أكثر من خاتم؟
قال المحب الطبري: لا يجوز.
قال الدرامي والخوارزمي: يجوز مع الكراهة.
واختلف العلماء في مقدار وزن الخاتم الذي يجوز لبسه للرجل من الفضة فقال ابن الرفعة والأذرعي: يجب نقصه عن المثقال لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «ولا تبلغه مثقالاً» .
وذهب الخوارزمي وغيره إلى أنه لا يتعين نقصه عن المثقال بل يجوز له أن يلبس خاتماً موافقاً لعرف الناس في لبسه، فإن جرى عرف الناس بلبس وزن دون مثقال تعين عليه ذلك، وإن جرى عرفهم بلبس خاتم فضة وزنه أكثر من مثقال جاز له أن يلبس خاتماً مقداره أكثر من مثقال، فالضابط في جوازه العرف.
بذلك أفتى كثيرين من المتأخرين من علمائنا الشافعية كالقاضي زكريا فهو المذهب.
وأما الحديث الذي قال فيه: «ولا تبلغه مثقالاً» فهو ضعيف كما قاله النووي، بل قال النسائي: منكر.
وأما المرأة فيجوز لها أن تلبس خاتم الفضة، بل ويجوز لها أن تلبس خواتم في أصابع من غير كراهة.
وفي الحديث دلالة على جواز نقش الخاتم ونقش اسم صاحبه عليه، وعلى جواز نقش اسم الله تعالى عليه من غير كراهة في ذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقش على خاتمه محمد رسول الله، واتخذ كثير من السلف من العلماء والأنبياء وغيرهم خواتم نقشوا عليها.
فقد نقل عن الإمام مالك أنه اتخذ خاتماً نقش عليه: «حسبي الله ونعم الوكيل» (2) .
وعن إمامنا الشافعي أنه اتخذ خاتماً ونقش عليه: «الله ثقتي محمد بن إدريس» .
وعن موسى بن عمران صلوات الله وسلامه عليه أنه اتخذ خاتماً ونقش عليه:--------------------------------------------
(1) أخرجه النسائي في سننه (8/177، رقم 5210) .
(2) أورده القرطبي في تفسيره (10/88) .

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١٠)

«لكل أجل كتاب» .
وقوله في الحديث في خاتم النبي صلى الله عليه وسلم نقشه: «محمد رسول الله» لم يبين في هذا الحديث كيفية كتابتها، ولا هل كانت سطراً واحداً أو أكثر، لكن بين في حديث آخر أنها كانت ثلاثة أسطر «محمد» سطر و «رسول» سطر و «الله» سطر، وقد صرح بذلك العراقي في ألفيته:
محمد سطر ورسول سطر … والله سطر ليس فيه كبر
«محمد» منقوش أسفل السطر، و «رسول» في الوسط، و «الله» فوق السطرين قاله الأسنوي.
قال الحافظ البرهان الحلبي: الذي يظهر أن كتابة هذه الأسطر الثلاثة كانت مقلوبة حتى إذا ختم بها، ختم على استواء كما في خواتم الحكام اليوم والكبار والتجار والله أعلم، ولو كانت غير مقلوبة بل مستوية لختمت مقلوباً، ويتفق أنهم أعاجم والكتابة إليهم مقلوبة في الختم فيعسر عليهم ذلك جداً والله أعلم.
وقال: ولم أر أحداً ذكر هذه.
فائدة: قال بعض العلماء: لا يجوز للإنسان أن ينقش على خاتمه «محمد رسول الله» للنهي عن ذلك لما فيه من خوف حصول المفسدة والخلل، قال: وهذا من خصائصه.
فائدة أخرى: الخاتم الذي نقش عليه النبي صلى الله عليه وسلم: «محمد رسول الله» وكان يختم به الكتب انتقل بعد وفاته إلى سيدنا أبي بكر، فكان في يده إلى أن مات، ثم انتقل إلى عمر بن الخطاب فكان في يده إلى أن مات، ثم انتقل إلى سيدنا عثمان بن عفان فكان في يده حتى وقع في بئر أريس (1) .
فائدة أخرى: قال البرهان الحلبي وغيره: كان للنبي صلى الله عليه وسلم من الخواتم خمسة:
الأول: خاتم من ذهب اتخذه قبل النهي عن خاتم الذهب للرجل، فتبعه الناس في لبسه فلما رآهم اتبعوه فرماه وحرمه على الذكور، لما فيه من الفتنة وزيادة المؤنة.
الثاني: خاتم من فضة فصه منه.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (5/2202، رقم 5528) ، ومسلم في صحيحه (3/1656، رقم 2091) ، وأبو داود في سننه (4/88، رقم 4218) عن ابن عمر.
وأخرجه أبو داود في سننه (4/88، رقم 4215) عن أنس.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١١)

الثالث: خاتم من فضة فصه من جزع.
الرابع: خاتم من فضة فصه من عقيق، فإنه ورد في صحيح مسلم (1) أنه كان بفص حبشي، واختلف في المراد بالحبشي في الحديث فقيل: كان من جذع، وقيل: كان من عقيق.
الخامس: من حديد ملوي عليه فضة.
قال العلماء: خاتم الذهب حرام على الرجال حلال على النساء، وكما يحرم خاتم الذهب على الرجال يحرم اتخاذ سنه من ذهب، وهو الشعب الذي يستمسك بها الفص، دون النساء.
وأما خاتم الحديد والنحاس والرصاص فالأصح كما قاله النووي أنه لا يكره لبسها، وأما لبس خاتم العقيق فإنه جائز، وكذا الياقوت للرجال والنساء، بل قيل: إن العقيق يذهب الغم، والياقوت ينفي الفقر.
قال ابن العماد في شرح سيرته: وقد روي ابن غانم في كتابه الفائق في اللفظ الرائق: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «تختموا بالعقيق فإنه مبارك، تختموا بخواتم العقيق فإنه لا يصيب أحدكم غم ما دام ذلك عليه، تختموا بالياقوت فإنه ينفي الفقر» (2) .
قال الدميري: روى ابن عدي في ترجمة أحمد بن عبد الله بن حكيم أبو عبد الرحمن الفرياناني المروزي (3) عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اتخذ خاتماً فصه من ياقوت نفي عنه الفقر» (4) .
وقال ابن الأثير: يريد أنه إذا ذهب ماله باع خاتمه فوجد به غنى، قال: والأشبه إن صح الحديث أن يكون لخاصية فيه، كما أن النار لا تؤثر فيه ولا تغيره، وأن من تختم به أمن من الطاعون، وتيسرت له أمور المعاش، ويقوي قلبه، وتهابه الناس، ويسهل عليه--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (3/1658، رقم 2094) . وأخرجه أيضا: ابن ماجه في سننه (2/1202، رقم 3646) عن أنس.
(2) أخرجه العقيلي في الضعفاء (4/448، ترجمة 2076 يعقوب بن الوليد المديني) ، والخطيب (11/251) ، وابن عساكر في تاريخ دمشق (13/318) عن عائشة.
(3) وقع في الأصل: روى ابن عدي في ترجمة أحمد بن حنبل عن أنس ثم ذكر الحديث، ولعل الصواب ما أثبتناه من الكامل لابن عدي.
(4) أخرجه ابن عدي في الكامل (1/172، ترجمة 9 أحمد بن عبد الله بن حكيم أبو عبد الرحمن الفرياناني المروزي) وقال ابن عدي: هذا الحديث باطل بهذا الإسناد.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١٢)

قضاء الحوائج.
قيل: إن الحجر الأسود أصله من ياقوت الجنة، ففي الكامل لابن عدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحجر الأسود من ياقوت الجنة، فمسحه المشركون فأسود من مسحهم» (1) .
وفي كتاب الخصائص لأبي الربيع سليمان بن سبع السبتي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى علياً فصاً من ياقوت، وأمره أن ينقش عليه لا إله إلا الله ففعل، وأتى به للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألم آمرك أن تنقش عليه لا إله إلا الله فلم زدت محمد رسول الله؟» فقال: والذي بعثك بالحق ما فعلت إلا ما أمرتني به، فهبط جبريل عليه السلام وقال: «إن الله يقول لك: أنت أحببتنا فكتبت، ونحن أحببناك فكتبنا اسمك» .
وإنما نقش صلى الله عليه وسلم على خاتمه اسم «محمد» دون «أحمد» وغيره من باقي أسمائه لأنه أشهر أسمائه صلى الله عليه وسلم.
فائدة: للنبي صلى الله عليه وسلم أسامي كثيرة نقل ابن العربي في شرح الترمذي عن بعض الصوفية أنه قال: إن لله تعالى ألف اسم ولرسوله ألف اسم، ولكن أشهرها «محمد» فلهذا نقشه على خاتمه دون باقي أسمائه لأنه أشهر.
وقد تكرر هذا الاسم في القرآن في مواضع قال تعالى: ?مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ? [الأحزاب: 40] .
وقال: ?مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ? [الفتح: 29] .
وقال: ?وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَاّ رَسُولٌ? [آل عمران: 144] .
وكان عمه أبو طالب يقول:
أغر عليه للنبوة خاتم … من الله من نور يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه … إذا قال المؤذن في الخمس أشهد
وشق له من اسمه ليجله … فذو العرش محمود وهذا محمد
قال البخاري في تاريخه الصغير: و «محمد» علم منقول من صفة الحمد، وهو بمعنى محمود، وفيه معنى المبالغة، سمي صلى الله عليه وسلم «محمداً» لأنه محمود عند الله وعند ملائكته، ومحمود عند إخوانه من المرسلين، ومحمود عند أهل الأرض كلهم وإن كفر به بعضهم،--------------------------------------------
(1) أخرجه ابن عدي في الكامل (3/387 ترجمة 814 سعيد بن ميسرة البكري) عن أنس.

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١٣)

فإن ما فيه من صفات الكمال محمودة عند كل عاقل، وكان كفار قريش يقلبون اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعلون مكان محمداً مذمماً.
فقد جاء في هذا الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً، وأنا محمد» (1) .
وكانت العوراء زوجة أبي لهب تقول: مذمماً قلينا، ودينه أبينا، وأمره عصينا.
وسماه «محمداً» جده عبد المطلب فقد نقل بعض العلماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ولدته أمه قيل لجده عبد المطلب: ما سميت ولدك؟ قال: محمد. فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من أبائك وقومك؟ قال: لأني أرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم (2) .
وسبب تسميته بمحمد أنه رأي في المنام كان سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء، وطرف في المشرق، وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون، فقصها عبد المطلب على المعبرين فعبروها له بمولود يتبعه أهل المشرق والمغرب، ويحمده أهل السماوات والأرض فلذلك سماه محمداً (3) .
وقالت أمة لجده عبد المطلب لما حملت به صلى الله عليه وسلم: سمعت قائلاً يقول: «إنك قد حملت سيد هذه الأمة، فإذا وضعتيه فسميه محمداً، فسماه محمداً (4) .
فائدة أخرى: قال القاضي عياض حمى الله هذين الإسمين يعني «محمد وأحمد» من أن يتسمى بهما أحد قبل زمانه.
أما اسمه «أحمد» الذي ذكره الله في كتابه، وبشر به عيسى بن مريم، فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره، ولا يدعى به مدعواً قبله، حتى لا يدخل اللبس ولا الشك فيه على ضعيف القلب.
وأما اسمه «محمد» فلم يتسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلا حين شاع قبيل--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (3/1299، رقم 3340) ، والنسائي في سننه (6/159، رقم 3438) ، والحميدي في مسنده (2/481 رقم 1136) ، وأحمد في مسنده (2/369، رقم 8811) ، والبيهقي في السنن الكبرى (8/252، رقم 16920) .
(2) انظر: الروض الأنف (1/280) .
(3) انظر: الروض الأنف (1/280) .
(4) انظر: الروض الأنف (1/280) .

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١٤)

مولده أن نبيناً يبعث اسمه محمد، فسمى قوم قليل من العرب أسماء أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يضع رسالته.
وعدد من سمي من العرب محمداً قرب ولادته صلى الله عليه وسلم قال السهيلي: ثلاثة، وقال القاضي عياض: ستة، وأوصلهم شيخ الإسلام ابن حجر إلى خمسة عشر.
فائدة أخرى: ذكر حسين بن محمد الدمغاني في كتاب «سوق العروس وأنس النفوس» نقلاً عن كعب الأحبار أنه قال: اسم النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل الجنة عبد الكريم، وعند أهل النار عبد الحميد، وعند سائر الملائكة عبد المجيد، وعند الأنبياء عبد الوهاب، وعند الشياطين عبد القهار، وعند الجن عبد الرحيم، وفي الجبال عبد الخالق، وفي البحر عبد المهيمن، وعند الحيتان عبد القدوس، وعند الهوام عبد الغياث، وعند الوحوش عبد الرزاق، وعند السباع عبد السلام، وعند البهائم عبد المؤمن، وعند الطيور عبد الغفار، وفي التوراة مؤذ مؤذ، وفي الإنجيل طاب طاب، وفي الصحف عاقب، وفي الزبور فاروق، وعند الله طه وياسين، وعند المؤمنين محمد.
وقد رتب بعض العلماء أسماؤه الشريفة على حروف المعجم فذكر مما جاء أوله الهمزة: «أحمد، الأبضحي، أتقى الناس، أجود الناس، أحسن الناس، الأزهر النير المشرق الوجه، الأخشى، أرجح الناس عقلاً، أرحم الناس بالعيال، أشجع الناس، أطيب الناس ريحاً، الأعلم بالله، أكثر الناس تبعاً، أكرم الناس، أكرم ولد آدم، إمام الخير، إمام الرسل، إمام المتقين، إمام النبيين، الأمي، الأمين، أول شافع، أول المسلمين، أول مشفع، الأول، الآخر» .
ومما جاء في أوله الباء: «البر، البشير، البصير، البليغ، البرهان، بشرى عيسى» .
ومما جاء في أوله التاء: «التقي، التالي، التهامي، التذكرة» .
ومما جاء في أوله الثاء: «ثاني اثنين» .
ومما جاء في أوله الجيم: «الجواد، الجامع» .
ومما جاء في أوله الحاء: «الحافظ، الحاشر، الحاكم بما أمر الله به، الحامد، حامل لواء الحمد، الحبيب، حبيب الرحمن، حبيب الله، الحجازي، الحجة البالغة، حجة الله على الخلائق، الحرمي، الحريص على الإيمان، الحفيظ، الحق، الحكيم، الحليم، الحمد» .
ومما جاء على الخاء: «الخبير، خاتم النبيين، خاتم المرسلين، الخاشع، الخاضع، الخالص، خطيب الأنبياء، خطيب الأمم، الخليل، خليل الرحمن، خير الأنبياء، خير البرية، خير خلق الله، خير العالمين طراً، خير الناس، خير هذه الأمة، خيرة الله» .

(খণ্ড: ٢) (পৃষ্ঠা: ١١٥)