ومن أكبر المعجزات - بعد القرآن - التي أيد الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم؛ معجزة الإسراء والمعراج.
فأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن النبي صلى الله عليه وسلم عرج به في اليقظة بروحه وجسده إلى السماء، وذلك في ليلة الإسراء، وقد أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بنص القرآن.
قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (1) .
ثم عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء، حيث صعد حتى السماء السابعة، ثم فوق ذلك حيث شاء الله من العلى، عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى، وأكرمه الله بما شاء وأوحى إليه وكلمه، وشرع له خمس صلوات في اليوم والليلة، ودخل الجنة فاطلع عليها، واطلع على النار، ورأى الملائكة، ورأى جبريل على صورته الحقيقة التي خلقه الله عليها، وما كذب فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى، بل كان كل ما رآه بعيني رأسه حقاً، تعظيماً له وتشريفاً على سائر الأنبياء وإظهاراً لعلو مقامه صلى الله عليه وسلم فوق الجميع، ثم نزل--------------------------------------------
(1) سورة الإسراء، الآية: 1.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 146)
بيت المقدس وصلى إماماً بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ثم عاد إلى مكة قبل الفجر (1) .
قال الله تعالى: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى {12} وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى {13} عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى {14} عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى {15} إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى {16} مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى {17} لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (2) .
ومن معجزاته أيضاً؛ صلى الله عليه وآله سلم:
انشقاق القمر: آية عظيمة أعطاها الله لنبيه صلى الله عليه وسلم دليلاً على نبوته، وكان ذلك في مكة حينما طلب المشركون منه آية.
تكثير الطعام له، وقد وقع هذا منه صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة.
تكثير الماء ونبعه من بين أصابعه الشريفة، وتسبيح الطعام له وهو يؤكل، وقد وقع هذا الشيء كثيراً من الرسول صلى الله عليه وسلم.
إبراء المرضى، وشفاء بعض أصحابه على يديه صلى الله عليه وسلم دون دواء حسي.--------------------------------------------
(1) (() وقد ثبت في (الصحيحين) وغيرهما من كتب السنن والمسانيد؛ تفاصيل ما كان في تلك الليلة المباركة.
(2) سورة النجم، الآيات: 12 - 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 147)
أدب الحيوان معه، وإذعان الأشجار إليه، وتسليم الأحجار عليه؛ صلوات الله وسلامه عليه.
الانتقام العاجل من بعض من خانه وعانده صلى الله عليه وسلم.
إخباره ببعض الأمور الغيبية، وإخباره عن الأمور التي وقعت بعيداً عنه فور وقوعها، وإخباره عن أمور غيبية قبل حدوثها؛ فحدثت بعد ذلك كما أخبر به صلى الله عليه وسلم.
إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم عامة.
وحفظ الله تعالى له صلى الله عليه وسلم وكف الأعداء عنه.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قال: فقيل: نعم! قال: واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب. قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه، قال: فقيل له: مالك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لو دنا مني لاختطفته الملائكة؛ عضواً عضواً) (1) .--------------------------------------------
(1) (رواه مسلم) في (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم) باب: (إن الإنسان ليطغى) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 148)
(5)
الإيمان باليوم الآخر
أهل السنة والجماعة: يعتقدون ويؤمنون باليوم الآخر، ومعناه الاعتقاد الجازم والتصديق الكامل؛ بيوم القيامة، والإيمان بكل ما أخبر به الله تعالى في كتابه، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت، وحتى يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار.
لقد أكد الله سبحانه وتعالى ذكر اليوم الآخر في كتابه العزيز في مواضع كثيرة، وربط الإيمان به بالإيمان بالله.
قال تعالى: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} (1) .
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن وقت قيام الساعة علمه عند الله سبحانه وتعالى لا يعلمه أحد إلا الله، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} (2) .
وإذا كان الله قد أخفى وقت وقوع الساعة عن عباده فإنه تعالى--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية: 4.
(2) سورة لقمان، الآيات: 34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 149)
قد جعل لها أمارات وعلامات وأشراطاً؛ تدل على قرب وقوعها.
ويؤمنون بكل ما وقع وسيقع من أشراط الساعة الصغرى والكبرى التي هي أمارات على قيام الساعة؛ لأنها تدخل في الإيمان باليوم الآخر.
علامات الساعة الصغرى:
وهي التي تتقدم الساعة بأزمان متفاوتة، وتكون من النوع المعتاد وقد يظهر بعضها مصاحباً للأشراط الكبرى، وعلامات أشراط الساعة الصغرى كثيرة جداً؛ نذكر شيئاً مما صح منها:
فمن ذلك بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وختم النبوة والرسالة به، وموته صلى الله عليه وسلم وفتح بيت المقدس، وظهور الفتن، واتباع سنن الأمم الماضية من اليهود والنصارى، وخروج الدجالين، وأدعياء النبوة.
ووضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفض سنته، وكثرة الكذب، وعدم التثبت في نقل الأخبار، ورفع العلم والتماس العلم عند الأصاغر، وظهور الجهل والفساد، وذهاب الصالحين، ونقض عرى الإسلام عروة عروة، وتداعي الأمم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثم غربة الإسلام وأهله.
وكثرة القتل، وتمني الموت من شدة البلاء، وغبطة أهل القبور
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 150)
وتمني الرجل أن يكون مكان الميت من شدة البلاء، وكثرة موت الفجأة والموت في الزلازل والأمراض، وقلة عدد الرجال، وكثرة النساء، وظهورهن كاسيات عاريات، وتفشي الزنا في الطرقات، وظهور أعوان الظلمة الذين يجلدون الناس.
وظهور المعازف، والخمر، والزنا، والربا، والحرير، واستحلالها، وظهور الخسف والمسخ والقذف.
وتضييع الأمانة، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وزعامة الأراذل من الناس، وارتفاع أسافلهم على خيارهم، وولادة الأمة ربتها، والتطاول في البنيان، وتباهي الناس في زخرفة المساجد، وتغير الزمان؛ حتى تعبد الأوثان، ويظهر الشرك في الأمة.
والسلام على المعارف فقط، وكثرة التجارة، وتقارب الأسواق ووجود المال الكثير في أيدي الناس مع عدم الشكر، وكثرة الشح، وكثرة شهادة الزور، وكتمان شهادة الحق، وظهور الفحش، والتخاصم والتباغض والتشاحن، وقطيعة الرحم، وسوء الجوار.
وتقارب الزمان وقلة البركة في الأوقات، وانتفاخ الأهلة، وحدوث الفتن كقطع الليل المظلم، ووقوع التناكر بين الناس، والتهاون بالسنن التي رغب فيها الإسلام، وتشبه الشيوخ بالشباب.
وكلام السباع والجمادات للإنس، وحسر ماء الفرات عن جبل من ذهب، وصدق رؤيا المؤمن.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 151)
وما يقع من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تنفي الخبث، فلا يبقى فيها إلا الأتقياء الصالحون، وعودة جزيرة العرب مروجاً وأنهاراً، وخروج رجل من قحطان يدين له الناس.
وكثرة الروم وقتالهم للمسلمين، وقتال المسلمين لليهود حتى يقول الحجر والشجر: (يا مسلم هذا يهودي؛ فتعال فاقتله) (1) .
وفتح روما كما فتحت القسطنطينية.. إلى غير ذلك من علامة الساعة الصغرى الثابتة في الأحاديث الصحيحة.
علامات الساعة الكبرى:
وهي التي تدل على قرب قيام الساعة؛ فإذا ظهرت كانت الساعة على إثرها، وأهل السنة والجماعة؛ يؤمنون بها كما جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم ومنها:
ظهور المهدي: وهو محمد بن عبد الله من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ويخرج من قبل المشرق يملك سبع سنين، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا، تنعم الأمة في عهده نعمة لم تنعمها قط، تخرج الأرض نباتها، وتمطر السماء قطرها، ويعطي المال بغير عدد.--------------------------------------------
(1) (رواه البخاري) في (كتاب الجهاد) باب: (قتال اليهود) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 152)
وخروج المسيح الدجال (1) ونزول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق الشام، وينزل حاكماً بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم عاملاً بها، وأنه يقتل الدجال، ويحكم في الأرض بالإسلام، ويكون نزوله على الطائفة المنصورة التي تقاتل على الحق، وتكون مجتمعة لقتال الدجال؛ فينزل وقت إقامة الصلاة يصلي خلف أمير تلك الطائفة.
وخروج يأجوج ومأجوج، والخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وخروج الدخان، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض وتكليمها للناس، والنار التي تسوق الناس إلى أرض المحشر.
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون بكل ما يكون من أمور الغيب بعد الموت، مما أخبر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من سكرات الموت، وحضور ملائكة الموت، وفرح المؤمن بلقاء ربه، وحضور الشيطان عند الموت، وعدم قبول إيمان--------------------------------------------
(1) (() وفتنة المسيح الدجال من أعظم الفتن؛ لأن الدجال هو منبع الكفر والضلال والفتن، ومن أجل ذلك فقد حذر منه الأنبياء أقوامهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من فتنة الدجال دبر كل صلاة، وحذر منه أمته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 153)
الكافر عند الموت، وعالم البرزخ، ونعيم القبر وعذابه وفتنته للروح والجسد، وسؤال الملكين وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وأن أرواح أهل السعادة منعمة، وأرواح أهل الشقاوة معذبة.
ويؤمنون بيوم القيامة الكبرى الذي يحيي الله فيه الموتى، ويبعث العباد من قبورهم، ثم يحاسبهم.
ويؤمنون بالنفخ في الصور، وهي نفختان، وقيل: ثلاث نفخات: الأولى: نفخة الفزع.
الثانية: نفخة الصعق التي يتغير بها العالم المشاهد، ويختل نظامه، وفيها الفناء والصعق، وفيها هلاك من قضى الله إهلاكه.
الثالثة: نفخة البعث، والنشور، والقيام لرب العالمين.
ويؤمنون بالبعث والنشور، وأن الله يبعث من في القبور؛ فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا، تدنو منهم الشمس؛ فيعرقون على قدر أعمالهم، ومنهم من يلجمه العرق، وأول من يبعث وتنشق عنه الأرض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي ذلك اليوم العظيم يخرج الناس من الأجداث كأنهم جراد منتشر، مسرعين مهطعين إلى الداعي، وقد خفتت كل حركة، وخيم الصمت الرهيب، حيث تنشر صحف الأعمال؛
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 154)
فيكشف المخبوء، ويظهر المستور، ويفتضح المكنون في الصدور، ويكلم الله عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم ترجمان، ويدعى الناس بأسمائهم وأسماء آبائهم.
ويؤمنون بالميزان الذي له كفتان توزن به أعمال العباد.
ويؤمنون بما يكون من نشر الدواوين، وهي صحائف الأعمال، فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره.
والصراط منصوب على متن جهنم، يتجاوزه الأبرار، ويزل عنه الفجار (1) .
والجنة والنار مخلوقتان، وموجودتان الآن، لا تفنيان أبداً، وقد خلقهما الله تعالى قبل الخلق، والجنة دار المؤمنين الموحدين والمتقين، والنار دار المذنبين، والكافرين من المشركين، واليهود، والنصارى، والمنافقين، والملحدين، والوثنيين.--------------------------------------------
(1) (() (الصراط) : هو الجسر الممدود على ظهر جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة. ويمرون الناس على الصراط بقدر أعمالهم؛ فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنه من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف ويلقى في جهنم؛ كل بحسب عمله، حتى يطهر من ذنوبه وآثامه، ومن اجتاز الصراط تهيأ لدخول الجنة؛ فإذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار؛ فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 155)
ويؤمنون بأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أولى الأمم محاسبة يوم القيامة، وأولى الأمم في دخول الجنة، وهم نصف أهل الجنة، ويدخل الجنة منهم سبعون ألفاً بغير حساب.
ويؤمنون بعدم خلود الموحدين في النار، وهم الذين دخلوا النار بمعاص ارتكبوها غير الإشراك بالله تعالى؛ لأن المشركين خالدون في النار لا يخرجون منها أبدا، والعياذ بالله.
ويؤمنون بحوض نبينا صلى الله عليه وسلم في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وريحه أطيب من المسك، وآنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، من شرب منه لا يظمأ أبدا، ويحرم ذلك على من ابتدع في الدين.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منها فلا يظمأ أبدا) (1) .
وقال: (إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب ومن شرب لم يظمأ أبداً. ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم) .
وفي رواية:--------------------------------------------
(1) (رواه البخاري) في (كتاب الرقاق) باب: (في الحوض) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 156)
(فأقول: إنهم مني؛ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي) (1) .
والشفاعة والمقام المحمود لنبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وشفاعته لأهل الموقف لفصل القضاء بينهم هي المقام المحمود، وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم أول داخل فيها، وشفاعته لعمه أبي طالب أن يخفف عنه من العذاب.
وهذه الشفاعات الثلاث خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وليست لأحد غيره.
وشفاعته صلى الله عليه وسلم لرفع درجات بعض أمته ممن يدخلون الجنة إلى درجات عليا، وشفاعته صلى الله عليه وسلم لطائفة من أمته يدخلون الجنة بغير حساب.
وشفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها.
وشفاعته صلى الله عليه وسلم في إخراج عصاة الموحدين من النار؛ فيشفع لهم صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة.
وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة، والنبيون، والشهداء،--------------------------------------------
(1) (رواه البخاري) في (كتاب الرقاق) باب: (في الحوض) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 157)
والصديقون، والصالحون، والمؤمنون (1) . ثم يخرج الله تبارك وتعالى من النار أقواماً بغير شفاعة؛ بل بفضله ورحمته.
فأما الكفار؛ فلا شفاعة لهم، لقوله تعالى:
{فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} (2) .
وعمل المؤمن يوم القيامة يشفع له أيضاً، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة) (3) .
والموت يؤتى به يوم القيامة؛ فيذبح كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:
(إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، أتي بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار؛ ثم يذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة! لا موت. ويا أهل النار! لا موت؛ فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم) (4) .--------------------------------------------
(1) (() ويشترط لهذه الشفاعة شرطان: الأول: إذن الله تعالى في الشفاعة، لقوله: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَاّ بِإِذْنِهِ} [البقرة:255] . الثاني: رضا الله تعالى عن الشافع والمشفوع له، لقوله: {وَلا يَشْفَعُونَ إِلَاّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] .
(2) سورة المدثر، الآية: 48.
(3) انظر (صحيح الجامع الصغير) للألباني برقم: (3882) .
(4) (رواه مسلم) في (كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها) باب: (النار يدخلها الجبارون) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 158)
(6)
الإيمان بالقدر
أهل السنة والجماعة: يعتقدون اعتقاداً جازماً أن كل خير وشر يكون بقضاء الله وقدره، وأن الله فعال لما يريد؛ فكل شيء بإرادته، ولا يخرج عن مشيئته وتدبيره، وعلم كل ما كان وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وقدر المقادير للكائنات حسبما سبق به علمه واقتضته حكمته، وعلم أحوال عباده، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وغير ذلك من شؤونهم؛ فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته.
وملخص القول في القدر: هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم، مما هو كائن إلى الأبد.
قال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا} (1) .
وقال: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (2) .--------------------------------------------
(1) سورة الأحزاب، الآية: 38.
(2) سورة القمر، الآية: 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 159)
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه) (1) .
وأهل السنة يقولون: الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور، وتسمى: مراتب القدر، أو أركانه، وهذه الأمور هي المدخل لفهم مسألة القدر، ولا يتم الإيمان بالقدر إلا بتحقيق جميع أركانه؛ لأن بعضها مرتبط ببعض؛ فمن أقر بها جميعا اكتمل إيمانه بالقدر، ومن انتقص واحداً منها، أو أنكره؛ فقد اختل إيمانه بالقدر.
المرتبة الأولى: العلم:
الإيمان بأن الله تعالى عالم بكل ما كان، وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف يكون؛ جملة وتفصيلاً، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل خلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وحركاتهم وسكناتهم، وعلم الشقي منهم والسعيد، وذلك بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً، قال الله تبارك وتعالى:
{إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (2) .--------------------------------------------
(1) (رواه الترمذي) في (كتاب القدر) باب: (ما جاء أن الإيمان بالقدر خيره وشره) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج 2، ص 277.
(2) سورة التوبة، الآية: 115.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 160)
المرتبة الثانية: الكتابة:
وهي الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير المخلوقات في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه من شيء؛ فكل ما جرى وما يجري وكل كائن إلى يوم القيامة؛ فهو مكتوب عند الله تعالى في أم الكتاب، ويسمى: الذكر، والإمام، والكتاب المبين، قال الله تبارك وتعالى:
{وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (1) .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
(إن أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب القدر ما كان وما هو كائن إلى الأبد) (2) .
المرتبة الثالثة: الإرادة والمشيئة:
أي: أن كل ما يجري في هذا الكون فهو بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم--------------------------------------------
(1) سورة يس، الآية: 12.
(2) (رواه الترمذي) في (كتاب القدر) باب: (الرضا بالقضاء) وصححه الألباني في (صحيح سنن الترمذي) ج 2، ص 299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 161)
يسألون، وما وقع من ذلك؛ فإنه مطابق لعلمه السابق المكتوب في اللوح المحفوظ، فمشيئة الله نافذة، وقدرته شاملة، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يخرج عن إرادته شيء.
قال تعالى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَاّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (1) .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد؛ يصرفه حيث يشاء) (2) .
المرتبة الرابعة: الخلق:
وهي الإيمان أن الله خالق كل شيء، لا خالق غيره ولا رب سواه، وأن كل ما سواه مخلوق؛ فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، قال الله تبارك وتعالى:
{وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} (3) .
فهو سبحانه وتعالى خالق العباد وأفعالهم، وأن كل ما يجري من خير وشر، وكفر وإيمان، وطاعة ومعصية شاءه الله، وقدره، وخلقه، قال الله تعالى:
{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَاّ بِإِذْنِ الله} (4) .--------------------------------------------
(1) سورة التكوير، الآية: 29.
(2) (رواه مسلم) في (كتاب القدر) باب: (تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء) .
(3) سورة الفرقان، الآية: 2.
(4) سورة يونس، الآية: 100.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 162)
وقال: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَاّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} (1) .
وأن الله تعالى الخالق المتفرد بالخلق والإيجاد؛ فهو خالق كل شيء بلا استثناء، لا خالق غيره ولا رب سواه، قال تعالى:
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (2) .
وأن الله يحب الطاعة ويكره المعصية، ويهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله، قال الله تعالى:
{إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} (3) .
ولا حجة لمن أضله ولا عذر له؛ لأن الله قد أرسل الرسل لقطع الحجة، وأضاف عمل العبد إليه، وجعله كسبا له، ولم يكلفه إلا بما يستطيع، قال الله تبارك وتعالى:
{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ} (4) .
وقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} (5) .
وقال: {لِئَلَاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} (6) .--------------------------------------------
(1) سورة التوبة، الآية: 51.
(2) سورة الزمر، الآية: 62.
(3) سورة الزمر، الآية: 7.
(4) سورة غافر، الآية: 17.
(5) سورة الإنسان، الآية: 3.
(6) سورة النساء، الآية: 165.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 163)
وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا} (1) .
ولكن لا ينسب الشر إلى الله لكمال رحمته؛ لأنه أمر بالخير ونهى عن الشر، وإنما يكون الشر في مقتضياته وبحكمته.
قال تعالى: {مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} (2) .
والله سبحانه وتعالى منزه عن الظلم، ومتصف بالعدل؛ فلا يظلم أحداً مثقال ذرة، وكل أفعاله عدل ورحمة.
قال الله تعالى: {وَمَا أَنَا بِظَلَاّمٍ لِّلْعَبِيدِ} (3) .
وقال: {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (4) .
وقال: {إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} (5) .
والله تعالى لا يسأل عما يفعل وعما يشاء لقوله تعالى:
{لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} (6) .
فالله تعالى خلق الإنسان وأفعاله، وجعل له إرادة، وقدرة، واختياراً، ومشيئة، وهبها الله له لتكون أفعاله منه حقيقة لا مجازا،--------------------------------------------
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) سورة النساء، الآية: 79.
(3) سورة ق، الآية: 29.
(4) سورة الكهف، الآية: 49.
(5) سورة النساء، الآية: 40.
(6) سورة الأنبياء، الآية: 23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 164)
ثم جعل له عقلاً يميز به بين الخير والشر، ولم يحاسبه إلا على أعماله التي هي بإرادته واختياره؛ فالإنسان غير مجبر بل له مشيئة واختيار؛ فهو يختار أفعاله وعقائده؛ إلا أنه تابع في مشيئته لمشيئة الله، وكل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، وهم الفاعلون لها؛ فهي من الله خلقاً وإيجاداً وتقديراً، ومن العبد فعلاً وكسبا، قال تعالى: {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ {28} وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَاّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (1) .
ولقد رد الله تعالى على المشركين حين احتجوا بالقدر، وقالوا: {لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ} (2) .
فرد الله عليهم كذبهم، بقوله: {قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلَاّ تَخْرُصُونَ} (3) .
وأهل السنة والجماعة:
يعتقدون أن القدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب ولا نبي مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ضلالة؛ لأن الله تعالى طوى علم القدر عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، قال تعالى:--------------------------------------------
(1) سورة التكوير، الآيتان: 28 - 29.
(2) سورة الأنعام، الآية: 148.
(3) المرجع السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 165)