وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله:
(أذهب إلى حديث ابن مسعود في الاستثناء في الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل الفعل، فقد جئنا بالقول، ونخشى أن نكون قد فرطنا في العمل؛ فيعجبني أن نستثني في الإيمان، نقول: أنا مؤمن إن شاء الله) (1) .
وقال الوليد بن مسلم: سمعت أبا عمرو - يعني الأوزاعي - ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز؛ لا ينكرون أن يقول: أنا مؤمن، ويأذنون في الاستثناء أن أقول: (أنا مؤمن إن شاء الله) (2) .
وقال الإمام يحيى بن سعيد القطان رحمه الله:
(ما أدركت أحداً من أصحابنا ولا بلغنا إلا على الاستثناء) (3) .
وعن جرير بن عبد الحميد قال: سمعت منصور بن المعتمر، والمغيرة بن مقسم، والأعمش، وليث بن أبي سليم، وعمارة بن القعقاع، وابن شبرمة، والعلاء بن المسيب، وإسماعيل بن أبي خالد، وعطاء بن السائب، وحمزة بن حبيب الزيات، ويزيد بن أبي زياد، وسفيان الثوري، وابن المبارك، ومن أدركت:--------------------------------------------
(1) (السنة) الإمام الخلال: 3، 600 (156) .
(2) (السنة) عبد الله بن الإمام أحمد: 1/347 (744) .
(3) (السنة) الخلال: 3/ 595 (1053) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 105)
(يستثنون في الإيمان، ويعيبون على من لا يستثني) (1) .
وقال الإمام البيهقي رحمه الله:
(وقد روينا هذا - يعني الاستثناء - عن جماعة من الصحابة والتابعين والسلف الصالح رضي الله عنهم أجمعين) (2) .
وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن الإيمان؟ فقال: (قول وعمل ونية) قيل له: فإذا قال الرجل: مؤمن أنت؟ قال: (هذه بدعة) قيل له: فما يرد عليه؟ قال: (يقول: مؤمن إن شاء الله؛ إلا أن يستثني في هذا الموضع) (3) .
وقال الإمام إبراهيم النخعي رحمه الله:
(سؤال الرجل الرجل: أمؤمن أنت؟ بدعة) (4) .
وقال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله:
(إذا سئل: أمؤمن أنت؟ إن شاء لم يجبه، أو يقول: سؤالك إياي بدعة، ولا أشك في إيماني، ولا يعنف من قال: إن--------------------------------------------
(1) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: 5/1050 (1785) .
(2) (شعب الإيمان) البيهقي: 1/ 212.
(3) (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) اللالكائي: 5/1057 (1798) .
(4) (الإبانة) ابن بطة: 2/880 (1212) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 106)
الإيمان ينقص، أو قال: مؤمن إن شاء الله، وليس يكره وليس بداخل في الشك) (1) .
وقال الإمام الآجري رحمه الله:
(من صفة أهل الحق ممن ذكرنا من أهل العلم: الاستثناء في الإيمان، لا على جهة الشك - نعوذ بالله من الشك في الإيمان - ولكن خوف التزكية لأنفسهم من الاستكمال للإيمان، لا يدري أهو ممن يستحق حقيقة الإيمان أم لا؟ …
هذا طريق الصحابة والتابعين بهم بإحسان، عندهم أن الاستثناء في الأعمال لا يكون في القول والتصديق في القلب، وإنما الاستثناء في الأعمال الموجبة لحقيقة الإيمان، والناس عندهم على الظاهر مؤمنون، به يتوارثون به، يتناكحون به، تجري أحكام ملة الإسلام، ولكن الاستثناء منهم على حسب ما بيناه لك، وبينه العلماء من قبلنا، روي في هذا سنن كثيرة، وآثار تدل على ما قلنا) (2) .--------------------------------------------
(1) (الإبانة) ابن بطة: 2/881 (1213) .
(2) (كتاب الشريعة) الآجري: 2/656 (باب ذكر الاستثناء من الإيمان من غير شك فيه) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 107)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(إن الإيمان المطلق؛ يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها؛ فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهو عنه؛ فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة؛ لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة؛ فشهادته لنفسه بالإيمان؛ كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر) (1) .
وقال: (والمأثور عن الصحابة، وأئمة التابعين، وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو المنسوب إلى أهل السنة: أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه) (2) .--------------------------------------------
(1) (مجموع الفتاوى) ج7، ص 446.
(2) (مجموع الفتاوى) ج7، ص 505.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 108)
الاستثناء في الإسلام
أي: قول الإنسان (أنا مسلم إن شاء الله) .
فجمهور أهل السنة والجماعة؛ لا يرون الاستثناء في الإسلام كما يرونه في الإيمان؛ لأن الإسلام غير الإيمان كما علمنا سابقاً.
فالإيمان درجات، والناس فيه طبقات: منهم المحسن، ومنهم المؤمن، ومنهم المسلم؛ فالإسلام هو أقل هذه الدرجات، وليس وراءه إلا الكفر؛ فمن لم يكن مسلماً كان كافراً، وأما من لم يكن مؤمناً فقد يكون مسلماً، لأن من نطق بالشهادتين أصبح مسلماً، وتميز عن غيره من الكفار، فتجري عليه أحكام الإسلام.
فقد دلت النصوص الشرعية على جواز القول: (أنا مسلم) بدون استثناء؛ كما في قول الله تعالى:
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (1) .
وقوله: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا--------------------------------------------
(1) سورة فصلت، الآية: 33.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن هذه الآية:
(وهذه الآية مما احتج بها أحمد بن حنبل وغيره على أنه يستثنى في الإيمان دون الإسلام، وأن أصحاب الكبائر يخرجون من الإيمان إلى الإسلام. قال الميموني: سألت أحمد بن حنبل عن رأيه في أنا مؤمن إن شاء الله؟ فقال: أقول: مؤمن إن شاء الله، وأقول: مسلم ولا أستثني. قال: قلت لأحمد: تفرق بين الإسلام والإيمان؟ فقال لي: نعم. فقلت له: بأي شيء تحتج؟ قال لي: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} (2) (3) .--------------------------------------------
(1) سورة الحجرات، الآية: 14.
(2) (مجموع الفتاوى) ج 7، ص 253.
(3) (() تنبيه لمسألة: (هل الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟) تفرعت هذه المسألة من مسألة خلق القرآن التي ابتدعها أهل البدع والأهواء. وأهل السنة والجماعة: اتفقوا على أن القرآن كلام الله تعالى؛ منزل غير مخلوق، والله - سبحانه - لم يزل متكلماً إذا شاء، وكلامه لا نهاية له؛ وهم بهذا أثبتوا ما أثبته الكتاب والسنة، ومن اتبع الوحيين فقد أصاب؛ فعليها إن كان المراد من الإيمان شيئاً من صفات الله تعالى وكلامه، كقول (لا إله إلا الله) فهو غير مخلوق. وإن كان المراد منه شيئاً من أفعال العباد وصفاتهم؛ فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة. للبسط في هذا الموضوع انظر: (مجموع الفتاوى) لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ ج 6، ص 313، وما بعدها. ج 7، ص 652، ج 8، ص 422. فقد فصَّل فيه كعادته، رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين خيراً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
أركان الإيمان عند أهل السنة والجماعة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
أركان الإيمان
إن معتقد أهل السنة والجماعة في أصول الإيمان؛ يتلخص في التصديق بأركانه الستة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام لما جاء يسأله عن الإيمان؛ فقال صلى الله عليه وسلم:
(أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره) (1) .
فالإيمان يقوم على هذه الأركان الستة؛ إذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمناً البتة؛ لأنه فقد ركناً من أركان الإيمان؛ فالإيمان لا يقوم إلا على أركانه تامة، كما لا يقوم البنيان إلا على أركانه مكتملة.
لذا لا يتم الإيمان إلا بأركانه الستة جميعاً على الوجه الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة، ومن جحد شيئاً منها فليس بمؤمن، وإن ادعى الإيمان، وقام ببعض أركان الإسلام.--------------------------------------------
(1) (رواه البخاري) في (كتاب الإيمان) باب: (سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة) . و (رواه مسلم) في (كتاب الجنائز) باب: (بيان الإيمان والإٍسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
(1)
الإيمان بالله
الإيمان بالله سبحانه وتعالى: هو التصديق الجازم بوجود الله وربوبيته - جل وعلا - واتصافه بكل صفات الكمال، ونعوت الجلال، واستحقاقه وحده العبادة، واطمئنان القلب بذلك اطمئناناً تُرى آثاره في سلوك الإنسان، والتزامه بأوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، وهو أساس العقيدة الإسلامية ولبها؛ فهو الأصل، وكل أركان العقيدة مضافة إليه، وتابعة له.
فالإيمان بالله تعالى يتضمن الإيمان بوحدانيته، واستحقاقه للعبادة؛ لأن وجوده - جل وعلا - لا شك فيه ولا ريب، وقد دل على وجوده سبحانه وتعالى:
الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.
ومن الإيمان بالله تعالى الإيمان بوحدانيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وذلك بالإقرار بأنواع التوحيد الثلاثة، واعتقادها، والعمل بها، وهذه الأنواع هي: (توحيد الربوبية، (توحيد الألوهية) ، (توحيد الأسماء والصفات) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
1- توحيد الربوبية (1) :
معناه الاعتقاد الجازم والإقرار التام؛ بأن الله تعالى وحده رب كل شيء ومليكه، لا شريك له، وهو الخالق وحده، وهو مدبر العالم والمتصرف فيه والقادر عليه، وأنه خالق العباد، ورازقهم، ومحييهم، ومميتهم، ولا معقب لحكمه، والإيمان بقضاء الله وقدره، وبوحدانيته في ذاته، وخلاصته (توحيد الله تعالى بأفعاله) .
وقد قامت الأدلة الشرعية على وجوب الإيمان بربوبية الله تعالى؛ كقوله {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (2) .
وقوله: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (3) .
وقوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (4) .
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (5) .
وهذا النوع من التوحيد أقر به كفار قريش، وأكثر أصحاب--------------------------------------------
(1) (() (الربوبية) : (نسبة لاسم الله جل وعلا: (الرب) ولها عدد معانٍ في اللغة منها: المربي، المالك، السيد، المدبر، الوالي، المنعم، المتمم، القيم. ولا يقال الرب - بالألف واللام - لغير الله تعالى إلا بالإضافة، فيقال: رب كذا..) انظر (لسان العرب) ج1، ص 399. و (تاج العروس) ج2، ص 4.
(2) سورة الفاتحة، الآية: 1.
(3) سورة الأعراف، الآية: 54.
(4) سورة البقرة، الآية: 29.
(5) سورة الذاريات، الآية: 58.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الملل والديانات؛ فكلهم يعتقدون أن خالق العالم هو الله وحده، قال الله تبارك وتعالى عنهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (1) .
وذلك لأن قلوب العباد مفطورة على الإقرار بربوبيته - جل وعلا - لذا؛ فلا يصبح معتقده موحدا؛ حتى يلتزم بالنوع الثاني من أنواع التوحيد، وهو:
2- توحيد الألوهية (2) :
هو إفراد الله تعالى بالعبادة، ويسمى توحيد العبادة، ومعناه الاعتقاد الجازم؛ بأن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق ولا إله غيره، وكل معبود سواه باطل، وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع والطاعة المطلقة، وأن لا يشرك به أحد كائنا من كان، ولا يصرف شيء من العبادة لغيره تعالى؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والدعاء، والاستعانة، والنذر، والذبح، والتوكل، والخوف--------------------------------------------
(1) سورة لقمان، الآية: 25.
(2) (() (الألوهية) : (مشتقة من كلمة (إله) بمعنى المعبود المطاع، أي: المألوه، وهو شامل لكل من يعبد: الإله الحق وهو الله تعالى، والآلهة الباطلة التي تعبد من دون الله، ولكن الإله الحق يجب أن يكون خالقاً قادراً رازقاً مدبراً، وعليه مقتدراً؛ فمن لم يكن كذلك فليس بإله، وإن عبد ظلماً، وسمي إلهاً) انظر (لسان العرب) ج1، ص 399.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 116)
والرجاء والحب، والإنابة، والخشية، والتذلل، وغيرها من أنواع العبادة الظاهرة والباطنة، وأن يعبد الله بالحب والخوف والرجاء جميعاً، وعبادته ببعضها دون بعض ضلال، قال الله تبارك وتعالى:
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (1) .
وقال: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (2) .
وتوحيد الألوهية هو ما دعا إليه جميع الرسل، وإنكاره هو الذي أورد الأمم السابقة موارد الهلاك.
وهو أول الدين وآخره وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، ولأجله أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وسلت سيوف الجهاد، وفرق بين المؤمنين والكافرين، وبين أهل الجنة وأهل النار.
وهو معنى قوله تعالى: {لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ} .
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} (3) .--------------------------------------------
(1) سورة الفاتحة، الآية: 5.
(2) سورة المؤمنون، الآية: 117.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 25.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
ومن كان رباً خالقاً، رازقاً، مالكاً، متصرفاً، محيياً، مميتاً، موصوفاً بكل صفات الكمال، ومنزهاً من كل نقص، بيده كل شيء؛ وجب أن يكون إلهاً واحداً لا شريك له، ولا تصرف العبادة إلا له سبحانه، قال تعالى:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} (1) .
فتوحيد الربوبية متضمن توحيد الألوهية؛ لأن المشركين لم يعبدوا إلهاً واحداً، وإنما عبدوا آلهة متعددة، وزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وهم مع ذلك معترفون بأنها لا تضر ولا تنفع؛ لذلك لم يجعلهم الله سبحانه وتعالى مؤمنين رغم اعترافهم بتوحيد الربوبية؛ بل جعلهم في عداد الكافرين بإشراكهم غيره في العبادة.
ومن هنا يختلف معتقد أهل السنة والجماعة عن غيرهم في توحيد الألوهية؛ فهم لا يعنون كما يعني البعض أن معناها: أنه لا خالق ولا رازق إلا الله فحسب؛ بل إن توحيد الألوهية عندهم لا يتحقق إلا بوجود أصلين:
الأول: أن تصرف جميع أنواع العبادة له - سبحانه - دون--------------------------------------------
(1) سورة الذاريات، الآية: 56.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
ما سواه، ولا يعطى المخلوق شيئاً من حقوق الخالق وخصائصه.
أي: لا يعبد إلا الله تعالى، ولا يصلي لغير الله، ولا يسجد لغير الله، ولا ينذر ولا يذبح لغير الله، ولا يتوكل على غير الله، ولا يستعان إلا به، ولا يدعى غيره تعالى، إلى غير ذلك من الأمور التي هي من خصائص الله تعالى، والتي لا يقدر عليها إلا الله.
وإن توحيد الألوهية يقتضي إفراد الله تعالى وحده بالعبادة.
والعبادة: تكون بقول القلب واللسان، وبعمل القلب والجوارح، قال تعالى:
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ {162} لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (1) .
وقال: {أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (2) .
الثاني: أن تكون العبادة موافقة لما أمر الله تعالى به، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
فتوحيد الله - سبحانه - بالعبادة والخضوع والطاعة والمحبة: هو تحقيق شهادة أن {لا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ} .--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام، الآيتان: 162- 163.
(2) سورة الزمر، الآية: 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم والإذعان لما أمر به، ونهى عنه، والانقياد المطلق له صلى الله عليه وسلم: هو تحقيق أن {مُّحَمَّدٌاً رَّسُولُ اللَّهِ} .
فمنهج أهل السنة والجماعة:
أنهم يعبدون الله تعالى ولا يشركون به شيئاً؛ فلا يسألون إلا الله، ولا يستعينون إلا بالله، ولا يستغيثون إلا به سبحانه، ولا يتوكلون إلا عليه جل وعلا، ولا يخافون إلا منه، ويتقربون إلى الله تعالى بطاعته، وعبادته، وبصالح الأعمال، قال تعالى:
{وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} (1) .
3- توحيد الأسماء والصفات:
معناه الاعتقاد الجازم بأن الله عز وجل له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو متصف بجميع صفات الكمال، ومنزه عن جميع صفات النقص، متفرد بذلك عن جميع الكائنات.
وأهل السنة والجماعة:
يعرفون ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يحرفون--------------------------------------------
(1) سورة النساء، الآية: 36.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون (1)
في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبت لنفسه من غير تمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، وقاعدتهم في كل ذلك قوله تبارك وتعالى:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} (2) .
وقوله: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} (3) .
وأهل السنة والجماعة:
لا يحددون كيفية صفات الله تعالى؛ لأنه - جل وعلا - لم يخبر عن الكيفية، ولأنه لا أحد أعلم من الله - سبحانه - بنفسه.
قال تعالى: {قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ} (4) .--------------------------------------------
(1) (() (الإلحاد) : هو الميل عن الحق والانحراف عنه؛ ويدخل فيه (التعطيل، والتحريف والتكييف، والتمثيل) .
التعطيل: عدم إثبات الصفات، أو إثبات بعضها ونفي الباقي.
التحريف: تغيير النص لفظاً أو معنى، وصرفه عن معناه الظاهر إلى معنى لا يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح؛ فكل تحريف تعطيل، وليس كل تعطيل تحريفا.
التكييف: بيان الهيئة التي تكون عليها الصفات.
التمثيل: إثبات المثل للشيء؛ مشابهاً له من كل الوجوه.
(2) سورة الشورى، الآية: 11.
(3) سورة الأعراف، الآية: 180.
(4) سورة البقرة، الآية: 140.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
وقال تعالى: {فَلَا تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1) .
ولا أحد أعلم بالله بعد الله، من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله في حقه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى {3} إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} (2) .
وأهل السنة والجماعة:
يؤمنون أن الله سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، كما قال سبحانه: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (3) .
وكما أن ذاته سبحانه وتعالى لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات؛ لأنه - سبحانه - لا سمي له، ولا كفء له ولا ند له، ولا يقاس بخلقه؛ فيثبتون لله ما أثبته لنفسه إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل؛ فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون، وإذا نزهوه لا يعطلون الصفات التي وصف نفسه بها.--------------------------------------------
(1) سورة النحل، الآية: 74.
(2) سورة النجم، الآيتان: 3- 4.
(3) سورة الحديد، الآية: 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
ويؤمنون أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء، وخالق كل شيء، ورازق كل حي، قال تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} (1) .
وقال: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} (2) .
ويؤمنون بأن الله تعالى استوى (3) على العرش فوق سبع سموات، كما يؤمنون بعلو الله عن خلقه وأنه بائن من خلقه، أحاط بكل شيء علماً، كما أخبر عن نفسه في كتابه العزيز في سبع آيات كريمات؛ بلا تكييف (4) .
قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (5) .--------------------------------------------
(1) سورة الملك، الآية: 14.
(2) سورة الذاريات، الآية: 58.
(3) (() الاستواء على العرش والعلو؛ صفتان نثبتهما لله تعالى إثباتاً يليق بجلاله، وتفسير كلمة (استوى) عند السلف: (استقر، علا، ارتفع، صعد) والسلف يفسرونها بهذه الكلمات لا يتجاوزونها ولا يزيدون عليها، ولم يرد في تفسير السلف تفسيرها بمعنى: (استولى، ولا ملك، ولا قهر) .
والكيف مجهول؛ لا يعلمه إلا الله.
والإيمان به واجب؛ لثبوت الأدلة.
والسؤال عنه بدعة؛ لأن كيفية الاستواء لا يعلمها إلى الله، ولأن الصحابة أيضاً لم يسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الكيفية.
(4) (() وهي على الترتيب: سورة الأعراف، الآية:54. وسورة يونس، الآية:3. وسورة الرعد، الآية:2. وسورة طه، الآية: 5. وسورة الفرقان، الآية: 59. وسورة السجدة، الآية: 4.وسورة الحديد، الآية: 4.
(5) سورة طه، الآية: 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
وقال: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} (1) .
وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ {16} أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} (2) .
وقال: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (3) .
وقال: {يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ} (4) .
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟) (5) (6) .
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بأن الكرسي والعرش حق لا ريب فيه، قال الله تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (7) .--------------------------------------------
(1) سورة الحديد، الآية: 4.
(2) سورة الملك، الآيتان: 16- 17.
(3) سورة فاطر، الآية: 10.
(4) سورة النحل، الآية: 5.
(5) (رواه البخاري) في (كتاب المغازي) باب: (بعثة علي بن أبي طالب إلى اليمن) .
(6) (() قال الإمام الحافظ إسحاق بن راهويه رحمه الله عن الآيات الاستواء: (إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة) . رواه الإمام الذهبي - بسند صحيح - في (العلو للعلي الغفار) .
(7) سورة البقرة، الآية: 255.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
والعرش لا يقدر قدره إلا الله، والكرسي في العرش كحلقة ملقاة في فلاة وسع السموات والأرض، والله مستغن عن العرش والكرسي، وهو - سبحانه - منزه عن أن يحتاج إلى العرش، وما دونه، فشأن الله تبارك وتعالى أعظم من ذلك؛ بل العرش والكرسي محمولان بقدرته وسلطانه.
وأن الله تعالى خلق آدم عليه السلام بيديه، وأن كلتا يديه يمين، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، كما وصف نفسه سبحانه، فقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} (1) .
وقال: {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (2) .
وأهل السنة والجماعة:
يثبتون لله سمعاً، وبصراً، وعلماً، وقدرة، وقوة، وعزاً، وكلاماً، وحياةً، ومعيةً، ومحبةً، ورحمةً، وغضباً، ورضاً، وقدماً، وساقاً، ويداً، وغيرها من الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بكيفية يعلمها الله--------------------------------------------
(1) سورة المائدة، الآية: 64.
(2) سورة ص، الآية: 75.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)