Arabic source text

📘 তানাসুকুদ্দুরারি ফি তানাসুবিস সুওয়ার = আসরারু তারতিবিল কুরআন (আল-জালাল আস-সুয়ুতী - মৃত্যু 911 হিজরী)

📘 تناسق الدرر في تناسب السور = أسرار ترتيب القرآن (الجلال السيوطي - ت 911 هـ)

📘 তানাসুকুদ্দুরারি ফি তানাসুবিস সুওয়ার = আসরারু তারতিবিল কুরআন (আল-জালাল আস-সুয়ুতী - মৃত্যু 911 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
يعزل القرآن عن القدرة البشرية عزلًا كاملًا؛ بل أبقى من يستطيع السحر قادرًا على مثله، فقد زلزل بهذا الرأي عموم القدرة الإنسانية على مثله، وشهادة العدو بذلك شهادة بالإعجاز إذا راعينا جانب الكفر واللدد في الخصومة في وزن هذا القول بميزان علمي دقيق.
ومن أحسن ما قيل في تعليل إعجاز القرآن ما قاله ابن عطية في مقدمة تفسيره "1/ 278": "إن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، فإذا ترتبت اللفظة من القرآن عَلِمَ بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدًا من البشر لا يحيط بذلك، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله فصرفوا عن ذلك، والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط؛ ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولًا، ثم ينظر فيها فيغيِّر فيها، وهلم جرًّا، وكتاب الله لو نزعت منه لفظة، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد … وقامت الحجة على العالم بالعرب؛ إذ كانوا أرباب الفصاحة، ومظنة المعارضة".
لقد كان العرب أشد الناس أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، فكان من المحال أن يطيقوا ثلاثًا وعشرين سنة من التحدي ولا يعارضونه لو استطاعوا إلى ذلك السبيل.
ونقل السيوطي عن حازم في منهاج البلغاء ما يتم به كلام ابن عطية؛ إذ قال: وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارًا لا يوجد له فترة ولا يقدر عليه أحد من البشر، وكلام العرب ومَن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة من جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود، ثم

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 22)

تعرض الفترات الإنسانية، فينقطع طيب الكلام ورونقه، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه؛ بل توجد في تفاريق وأجزاء منه.
وأي عظمة تعدل عظمة العجز عن معارضة نظم القرآن وأسلوبه على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان وإلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها؛ حتى أصبح الكلام في هذا الموضوع في عصرنا ضربًا من صرف الناس عن عظمة التشريعات القرآنية، ولعبة لئيمة يمارسها الأعداء من جبابرة اللؤم والخداع.
وقد فطن المرحوم الأستاذ الدكتور محمد أحمد الغمراوي في الكتاب الأول من كتابه "الإسلام في عصر العلم" إلى دلالة نص من القرآن على عظمة القرآن وإعجازه الذي لن يزال ماضيًا في الأمم من وجهة نظر العلم؛ ذلك النص هو قول الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} 1، وقد لفت رحمه الله النظر إلى كلمات "الفطرة" و"الناس" و"لا تبديل لخلق الله"، فالفطرة هي السنن الإلهية الثابتة التي تقوم عليها الخلقة في أصلها، والناس لفظ شامل لمن عاش ومن سيعيش على ظهر الأرض من كل الشعوب والأمم، وعدم التبديل يدحض زيف العلماء التجريبيين الذين يحلو لهم مهاجمة الإسلام وغيره من الأديان بالتعارض مع العلم؛ وإنما التعارض وقع في تجاربهم لا في السنن الثابتة التي لما يصلوا إليها بعد، فظنوا القصور في أصل القوانين، بينما القصور ما زال في عقولهم وتجاربهم.
ويقول رحمه الله: "ومن أعجب عجائب تلك الآية الكريمة وصف الإسلام -دين القرآن- بأنه نفس الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهذا شيء فوق العقل البشري أن يتصوره فضلًا عن أن يسبق إليه في القديم--------------------------------------------
1 سورة الروم، الآية: 30.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 23)

والحديث، والإنسانية كلها إلى الآن لا تعقل حتى إمكان تحقيقه، فلا فلاسفتها ولا مشرعوها يحدثون أنفسهم بالوصول يومًا إلى نظام ينطبق على الفطرة من جميع وجوهها، والمسلمون في شغل بما ينبذ إليهم الغرب من الآراء والمذاهب، غافلين عن الكنز الذي بين أيديهم، والنور الذي فوق أبصارهم، والنعمة الكبرى التى مَنَّ الله عليهم بها في الإسلام.
وحسب القرآن من العظمة أنه المعجزة الباقية على مدى الدهر؛ حيث اندثرت معجزات الرسل السابقين جميعًا بعد أداء وظيفتها في إقامة الدليل على صدق أولئك الرسل. وحسبه كذلك من العظمة أنه يتصل بالحياة ما بقيت الحياة، فبه حياة القلوب بالإيمان، وبه حياة الإيمان بالجهاد، وبه قيام الجهاد بمنهجه الأمثل في تربية إنسان الحضارة الأمثل، وبهذا الإنسان الموصول بالقرآن تنبض الحياة بالعدل، وبه يدبر الظلم والإلحاد، وما كانت معجزات الرسل السابقين كذلك؛ فقد كانت كلها إما متصلة بحياة جسد، أو متحدية وهم السحر، أو حجة على قوم بعينهم مردوا على الكفر فهلكوا بعدها بوسيلة تدمير غيبية، وما كذلك معجزة القرآن التى بقيت لتحقق مزيدًا من الاتساع في قاعدة الإيمان على مدى الزمان.
وَحْدَةُ الموضوع في القرآن:
لا أريد أن أطيل القول في موضوع تلاحم آيات القرآن من الوجهة التي طرقها الإمام السيوطي، وطرقها في عصره الإمام برهان الدين البقاعي في كتابه "نظم الدرر في تناسب الآي والسور" وهو موسوعة جيدة جدًّا في ستة مجلدات مخطوطة -كبار- وطرقها حديثًا المرحوم الأستاذ سيد قطب في كتابه "في ظلال القرآن"؛ وإنما أريد أن أحدد القول في وحدة موضوع القرآن من حيث هو قوانين فطرية تتدرج إلى قانون واحد فطري من وجهة الاجتماع البشري، لا يمكن بأي حال أن يتبدل ولا يتغير؛ بل إنه يحكم التصرفات البشرية في كل مكان،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 24)

ويخضعها لسنته وتجاربه المنظورة وغير المنظورة في ثنايا القرآن والتي تتنافر مع أهواء الناس، وتتفق تمامًا مع الوعي العقلي الموصول بوعي البصيرة والروح؛ أي: الوعي العقلي المنفصل عن الهوى.
أقول: إن القانون الرئيسي الذي تدور حوله مواضيع القرآن الفرعية هو: أن الإنسان عبد فقير مأمور محبوس في مملكة عدوه، والله معبود غني مانح للحرية من سجن الدنيا إلى حقيقة الحرية في جواره الأعلى، ولا تجد تشريعًا في القرآن وفي أي باب من أبواب الفقه الإسلامي إلا وهو متصل بهذا القانون الرئيسي؛ بحيث تتضافر التشريعات كلها لتحقيق هذا الأصل وتحويله إلى عقيدة شاملة هي "لا إله إلا الله محمد رسول الله".
ولقد جاء القرآن الكريم بهذا الأصل الفطري مؤيِّدًا بنصوصه فروعه الأربعة: فنحن نراه يؤكد عبودية الإنسان وغيره من الكائنات في نصوص أشملها قوله تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا} 1، ويؤكد فقر العباد بقوله: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ} 2، وأكد أن الإنسان خاضع للأمر وليس بآمر ولا حاكم بقوله: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} 3، {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} 4 إلى آخر ما ورد في القرآن من الأوامر الموجَّهة إلى الإنسان على وجه الإلزام، وأكد حبس الإنسان في مملكة عدوه بقوله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} 5، فبين أن الدنيا للذين لا نصيب لهم في الآخرة، وهم أعداؤنا، وأريد هذا المعنى الذي يكون شطرًا كبيرًا في العقيدة بقوله:--------------------------------------------
1 سورة مريم، الآية: 93.
2 سورة محمد، الآية: 38.
3 سورة آل عمران، الآية: 128.
4 سورة الإنسان، الآية: 30.
5 سورة الشورى، الآية: 20.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 25)

{وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} 1.
وآيات الله في النفس إذا تأملها الإنسان مجردًا عن الكتب والرسالات السماوية تبينت له تلك القوانين الفطرية، وتأكد له أن القرآن لم ينزل إلا بهذه الفطرة التي هي الخلقة الإلهية بقوانينها العلمية الثابتة التي يواجهها إنسان العصر فاغرًا فاه من الدهشة متصورًا أنه على ضد في هذه الحياة؛ لكثرة ما اعتراه من النسيان، وصلابة ما غلف قلبه من رين الغفلة؛ حتى ظن الباطل حقًّا والحق باطلًا إلا من عصم الله، وقليل ما هم.
فالإجماع قد انعقد في جميع الأفهام على أن العبد: اسم خاص للمملوك من جنس العقلاء، والمملوك: اسم لعاقل قهره غيره فاستولى عليه استيلاء السيد على العبد، سواء أكان القاهر له إنسانًا مثله، أو شهوة من شهواته، أم طاغوتًا من الطواغيت، أم شيطانًا من الشياطين، أم هو قوة خفية لا يستطيع أن يميزها، ولا يتبين لها وجهًا ولا جهة، قاهرة عليا فوق كل القوى.
وتَأَمُّلُ الإنسان في نفسه دون تقيد بكتاب ولا رسول يؤكد له في أصل الفطرة أنه عاقل مقهور بالتكوين والإنشاء من العدم، وإذا كان مقهورًا بأصل الفطرة على هذه الصورة فقد انعدمت في فطرته المشيئة؛ لأن المشيئة عبارة عن نهاية الملكية، والإنسان قد فطر على ضدها من المملوكية التي أوضحناها، والدليل على فقدان الإنسان للمشيئة من واقع سلوكه أنه يشاء الكثير من الخير، ولا يصيب إلا المقدور له، والمقسوم منذ الأزل السحيق.--------------------------------------------
1 سورة الزخرف، الآيات: 33-35.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 26)

وإذا تحققت العبودية في فطرة الإنسان، وتحقق عدم أهليته للملكية كان فقيرًا بفطرته، والفقر يقتضي الحجر وعدم التصرف إلا بإذن وسلطان من المالك الحق.
وإذا كان الإنسان في أصل الفطرة على ما وصفنا من العبودية والفقر يعيش على تلك البسيطة الهائلة من الأرض، ولا يستطيع النفوذ من أقطارها، كان مقامه عليها على تلك الصورة بحكم الحبس للمحنة والابتلاء، ولا يتصورها مملكة إلا من عجز عن إدراك الفطرة، واتخذ إلهه هواه، وادَّعى الحرية، وعلا في الأرض على الملوك على مدرجة الضلال.
والبلاء الذي يمتحن به الإنسان هو اختلاف بني جنسه حول تلك الحقائق الفطرية اختلافًا هائلًا، ومن وجهات مختلفة، فاختلف الناس حول الإذعان لتلك الحقائق، أو ادعاء ضدها من الحرية والغنى والحاكمية والسيادة، ثم اختلفوا حول الحق حينما اتفق بعضهم على أن عبودية الإنسان جبلة فطرية في أصل خلقته، ثم اختلقوا طرائق وشواكل حول الغيبيات كلها، لا سيما البعث الذي شكل الخلاف حوله مذهبًا دهريًّا على حكمة الفطرة من أولها إلى آخرها، فكان بعث الرسل وإنزال الكتب ضرورة لا محيص عنها؛ لإقامة الحجة، وهداية الناس، وحمايتهم من عواقب الخلاف حول الفطرة، وإن كان الخلاف في أصله هو الآخر فطرة وسنة من سنن الله في الخلق {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} 1، فإن الكتب والرسالات كانت لقمع الجنوح النفسي تحت تأثير الخلاف إلى فوضى مدمرة لا تبقي ولا تذر.
كان من أمهات المسائل التى عُنِيَ القرآن بفصل القول فيها: مسألة العبودية لله، ومسألة البعث للجزاء والكشف عن الحقيقة العظمى التي--------------------------------------------
1 سورة هود، الآيتان: 118، 119.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

اختلف حولها الإنسان في عالم الجسد المادي بما له من مقتضيات الخلاف واللدد في الخصومة، وتلك الحقيقة العظمى هي الوجود الإلهي، وإذعان كل الكائنات لسلطانه طوعًا أو كرهًا؛ ولذلك ارتبط إثبات البعث بإثبات الوجود الإلهي، وإثبات الدلائل على شمول علمه وقدرته، وارتبط كل ذلك بأصل الفطرة على الوجه الذي بيناه في هذه العجالة، وكان من تلك المسائل شطر كبير من القرآن، تبعًا لجهل أكثر الناس بها، ونسيان فطرتهم وهم يحاولون علمها، وتشددهم في إنكارها أو الغفلة عنها {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ، إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} 1.
فلما كان الخلاف مركوزًا في الفطرة، لم تكن هناك سبيل إلى إدراك حقيقة البعث المؤكد للحقيقة الإلهية العظمى إلا حين يرتفع الخلاف بنقل الحياة إلى صورة أخرى ذات فطرة لا خلاف فيها، فيتحقق وجود حالة من الحياة مغايرة لتلك الحياة التي يحياها الإنسان في الدنيا ينكشف فيها الغطاء، ويحد البصر، فيرى ما لم يكن يراه من قبل {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ} 2، فلا خلاف ولا تطاحن حول الحقائق.
ويطول بنا القول لو ذهبنا نستقصي منهج القرآن في إثبات هذا الشطر من فطرة الإنسان؛ ولكننا نشير إلى قسم آخر من أقسام تلك الفطرة؛ هو الحرية الإنسانية التي ترتبط هي الأخرى بموضوع البعث ارتباطًا وثيقًا؛ بحيث تشكل معه ومع العبودية والفقر إلى الله موضوعًا واحدًا، يتصل بموضوعات أخرى فرعية هي مقومات أو شواهد على صدق تلك الفطرة الإلهية الحكيمة، وتستغرق شطرًا كبيرًا من القرآن.--------------------------------------------
1 سورة النحل، الآيات: 38-40.
2 سورة الحجر، الآية: 47.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

لا حرية مطلقة للإنسان في هذه الدنيا، هكذا تنطق شواهد الفطرة التي جبل الله عليها الإنسان، وقامت عليها الشواهد في شريعته مما يمارسه نفس ذلك الإنسان الذي يدَّعي لنفسه الحرية والسيادة والغنى وهمًا وسرابًا لا حقيقة له في الذات ولا في الصفات، كما قرر القرآن.
والنموذج الواضح الذي يمكن الوصول من خلاله إلى هذه النتيجة الفطرية هو الغنى الذي ساد الناس بزعمه من جبابرة المال وملوك الأرض، حتى ملك العبيد، وخضعت له الرقاب، وجمع الجنود، واستولى على الأرض، فما له من منازع في أمر، ولا معقب في رأي، مطاع على عزة وامتناع في أنظار العامة من غير المستبصرين الباحثين عن الحقيقة في أصل الفطرة.
ويقول الإمام أبو زيد الدبوسي ردًّا على تلك الدعوى العريضة: إن هذا المدعِي للحرية والملك ما استقر سلطانه، وعلا مكانه بفطرته؛ وإنما بجنوده، وبأس عبيده، لا يستغني عنهم ساعة لاستدامة ما هو فيه، فهو يطلبهم بهواهم، وينيلهم مناهم، صدقًا برغبته فيهم، والناس يطيعونه رياء لخوفهم منه، أو طمعًا فيما في يده، وهو يطيع هوى من دونه، وهم يطيعون من فوقهم، وطاعته لهوى الناس ضرورية، وطاعة الناس له ليست ضرورية؛ لبقاء منزلتهم في أنهم عبيد فقراء مأمورون بلا وال، غير أن طاعة الناس له بأجسامهم، وطاعته لأهوائهم بقلبه فاستترت وما ظهرت إلا لأهل البصائر.
ويمضي الإمام الدبوسي في بيان العجيب إلى أن يقول مخاطبًا هذا النوع ممن يدعون الحرية والغنى:
فعميت وجلست على سرير العبودية للعبيد، وكان ائتمارك للجنود، وأحاطت بقلبك المكاره والآفات، وظننت أنك ملك، هيهات. ما أنت إلا مأمور حشمك، والرعية مأمور ملكهم، غير أن النفس لبست عليك مقام الائتمار بمسارعتك إلى الفعل قبل الأمر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

ويمضي الإمام الدبوسي في بيانه العجيب إلى أن يقول مخاطبًا هذا النوع من الناس فيقول:
إن تصرفك في أموالك كلها متردد بين جائز مأمور به، وفاسد منهي عنه، وما هكذا علامة الملك والقهر؛ لكنه علامة الإذن على الفقر، غير أن الله تعالى خلقك للابتلاء مدة بقائك، وقرن بقاءك بغذائك، وخلق مما في الأرض منفعة لك إلى وقت انقضائك، فقسم لكل عبد نصيبًا مفرزًا؛ كي لا يتغالبوا فيتفانوا وجعل عليهم من أصلحهم قيمًا وهو السلطان، فهم يتمتعون بالأنصباء من يد القيم من أحوال طفولتهم وصغرهم، فإذا عقلوا سلمت إليهم الأنصباء لحق الإذن في التجارة دون إثبات الملك، فإذا بلغوا وكملت الحالة، ضربت عليهم الضرائب للمولى، وخوطبوا بأدائها مدة الحياة ليعتقوا إذا أدوا، وسلمت إليهم للحال الأنصباء لحق الإذن تسليم يد؛ ليتصور الأداء بحكم تباين الأيدي، وإن لم يكن في الحقيقة ملكًا للمؤدي، حتى لم يملكوا من أموالهم إلا بمقدار ما فك الله الحجر عنهم بالعقد.
وهنا يتصل هذا الموضوع بموضوع الرق في القرآن والشريعة بعدما انحسم القول في مشكلة الملك والحرية، والنصوص القرآنية المتعارضة في الظاهر، من حيث يثبت الملك في بعض النصوص للإنسان، ويرجع الملك كله لله وينتفي عن الإنسان في النصوص الأخرى، ثم يتصل الموضوع الواحد للقرآن بالتشريعات المالية وفروعها تحقيقًا للملك الإلهي والقدر المتاح للعباد بالتصرف، ثم بموضوع البقاء الإنساني بالتكاثر بعدما بقي المال، وما يتبع ذلك من أبواب التشريع، ثم بموضوع المجتمعات الإنسانية وحضاراتها التي لا تزدهر إلا تحت الأمر الإلهي، ولا تندثر إلا تحت التمرد على تلك الأوامر، وبموضوع القصص القرآني وتوجيه النظر نحوه في حركة التاريخ تحقيقًا لهذا الأصل الفطري الذي تدرج حتى وصل إلى قاعدة أوسع يحتمل فيها النسيان؛ ولهذا شرعت العبادات والذكر لدوام التذكر.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

ولا يخلو موضوع من موضوعات التشريع من دليل واضح على تلك الفطرة الثابتة، وخير ما يمكن أن ندرك من خلاله موضوع الحرية الإنسانية هو موضوع الرق وما يتصل به من تشريعات؛ إذ إن الرق والعبودية لما كانا من فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها، وأن الملكية للإنسان في الدنيا ما هي إلا ابتلاء ينال الإنسان من خلالها ومن خلال الأوامر المتصلة بها حقيقة الحرية، فقد شرع الله من التشريعات السلوكية في هذا الصدد ما تتضح به تلك الفطرة لكل ذي عينين.
يملك الرجل أخاه ملك يمين بسبب مشروع هو أن يكون أو أحد أصوله ممن تمردوا على دعوة العبودية لله بالسلاح فأسروا في الحرب الدينية؛ ولكن رحمة الله اقتضت أن يشرع له وجه من وجوه الحرية هو "المكاتبة"، والكتابة باب واسع في الفقه الإسلامي، يشتري العبد حريته من سيده بمال معلوم، ولما كان العبد لا يملك، فقد ندب السيد إلى أن يأذن له في العمل بجزء من المال إحسانًا، ويتصرف العبد بقدر ما انفك عنه الحجر، كأنه مالك وليس إلا عبدًا، فإذا أدى عتق، وإذا عجز بقي عبدًا، ومن هذه القضية التي يمارسها الإنسان بأمر الله يمكن الفصل في قضية الحرية الكبرى على المستوى الغيبي، بعد دراستها على المستوى المشهود.
فالحرية الممنوحة من الله تعالى لعباده الذين أدوا ما وجب عليهم في دار الابتداء تشمل الذات في الدنيا والصفات في الآخرة جميعًا، ويشهد لذلك قوله تعالى عن هؤلاء الأحرار في دار النعيم: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} 1، فما يريده هؤلاء الأحرار يتحقق بمجرد المشيئة، وتحقق المراد بمجرد المشيئة وإن كان حقًّا لله فقد أكرم الله به عبده المطيع بتكوين ما يشاؤه.
فإذا كانت الحرية في الدنيا هي خلاص حق الحر في نفسه وماله، فما--------------------------------------------
1 سورة "ق"، الآية: 35.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

لأحد على الفائز بالجنة حق في شيء من أحواله، فيكون عبدًا في ذاته من حيث التكوين، عتيقًا في أفعاله من حيث الإنعام والتكريم. وهكذا يكون مثل ما في التشريع، وصلًا بين حياتين يدرك المستبصر من خلالهما كل أسرار الفطرة التى لم يخرج عنها القرآن في أي موضوع فرعي من مواضيعها، ومن هذه النافذة يمكن أن تتصل موضوعات القرآن في وَحْدَةٍ متماسكة لا خلل فيها.
وجانب آخر متلاحم مع هذا الأصل الفطرى الذي دار حديثنا حوله، ودارت حوله الكثير من آيات القرآن الكريم هو: العدل باعتباره الفطرة التي بنى الله تعالى عليه هذا الكون المنظور وغير المنظور، وردنا من خلال تلك الفطرة إلى موضوع المعبود الحق الذي تقوم على أساسه الحضارة القرآنية، والدعوة العالمية إلى الإسلام ونجاحها اليقين من حيث تعثرت خطى الدعاة في عصرنا الحاضر حينما أخلوا بتلك الفطرة.
وأصل هذا الجانب الرئيسي: أن الله -عزت قدرته- علق بقاء الأنفس بالمال، وعلق بقاء الجنس بازدواج الذكر والأنثى، فأنت ترى أن أسباب البقاء والتكاثر هي شهوات الطبيعة التي فطر الله الناس عليها؛ لتكون تلك الشهوات سائقة إلى أسباب البقاء، ثم أعلن سبحانه أنه ما خلقهم للاستغراق في تلك الشهوات؛ بل ليوحدوه ويعبدوه بأمره على خلاف الطبع؛ ولهذا نرى القرآن يدعو إلى العمران ويشرع النكاح، وينعى على من يحرم الطيبات من الرزق، وفي الوقت نفسه يمقت الترف والإغراق، ويدعو إلى إيثار الآخرة على الأولى، ويعلق ملك الآخرة بالتوحيد والهدى، في مقابلة تعليق الحاضرة على الشهوات والهوى، وهنا كان الابتلاء الذي لا ينجو الإنسان منه إلا بالعدل وإقامة الموازين الدقيقة في شئون المال والعلاقات الجنسية بين الرجال والنساء.
عدل الإنسان مع نفسه، فلا ينساق إلى الترف في الجسد والعقل، وعدل الإنسان في علاقته بربه، فلا تطغى عليها الدنيا بشهواتها،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

ولا تطغى العبادة على العمران، وعدل الإنسان في علاقته مع غيره من بني جنسه؛ إبقاء على الأخوة الضرورية لنجاح الأمة في شريعة الجهاد في سبيل الله، وقد أفاض القرآن في هذه المواضيع وربطها بما أشرنا إليه من مواضيع في شطر كبير جدًّا من آياته.
وغاية العدل: أن يصل الإنسان إلى أن كل سلطان عليه غير سلطان الله فهو شرك وضلال، وكل عبودية لسواه ذل، وعلى الإنسان أن يوفق بين ارتباط مصالحه الدنيوية بغيره من الناس وبين العبودية لله، فلا يمنح الإنسان أكثر من حقه في أنه عبد مسخر للعمل وتبادل المنافع مع غيره، ولا يتحدث عن الخالق الأعلى حديثه عن العبيد، ولا يخلط بين الفاني ومانح الحياة.
وعلى هذا النهج تخلص عقيدة المؤمن من الشرك الخفي والجلي، وعلى العكس إذا اختلت موازين العدل بين الإنسان ونفسه، فمال إلى الشهوات؛ فإنه حينئذ يصبح إنسانًا مختلًّا في توازنه بين مطالب الروح ومطالب الجسد، ويضعف أو ينعدم شعوره بسلطان الله وقهره ما دام مقهورًا للشهرة، مدفوعًا بسلطان المال، ومن هذا تكون الفوضى، ويتحطم بناء المجتمع باختلال نظام الأسرة.
فالإنسان لا يصبح سويًّا صالحًا لممارسة شعائر الإيمان الحق كما يريده الله تعالى إلا إذا عدل بين مطالب جسده، ومطالب عقله، ومطالب روحه:
فمطالب الجسد: إبقاؤه حيًّا متكاثرًا دون سرف ولا تقتير.
ومطالب العقل: النظر في العلوم والمعارف التى تؤدِّي إلى رقي الإنسان وتساميه عن وحل الانحراف.
ومطالب الروح: وصلها عن طريق العبودية والعبادة بمصدر الوجود الحق، وإسناد التوفيق إليه، والبراءة من الحول والقوة، والفرار إليه في كل المهمات.
وظلم الإنسان لنفسه في جانب من الجوانب الثلاثة ينتهي به إلى مرتبة

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)

الأنعام حينما يعبد هواه، وإلى الشرك حينما يصبح الظلم عظيمًا بالغفلة عن الله، وعن مراقبته، ومراقبة إنعامه، ونسبة شيء من ذلك إلى العبيد باللسان أو بالوجدان أو بالعمل.
ولقد بث الله تعالى تعاليمه للمؤمنين -وحدة الموضوع القرآني- عن طريق العدل في المطالب البشرية الفطرية في مواضع كثيرة من أظهرها أوائل سورة الروم.
فقد افتتحها الله تعالى بتذكير المؤمنين بأن النصر من عند الله ولكنهم لا يعلمون؛ لأنهم يغفلون عن مطالب الروح فلا يعلمون إلا ظاهرًا من الدنيا، ثم أرشد إلى منهاج الوفاء بمطالب العقل والروح، ووجه الأنظار إلى التفكر في أنفسهم وفي خلق السماوات والأرض بالحق لعاقبة الجزاء، وإلى دراسة تواريخ الأقدمين من جبابرة الكفر، وكيف انتهى بهم الحال إلى ذل مقيم، ثم وجه الأنظار إلى استمرار خط الحياة بعد الموت، وبسط القول في الثواب والعقاب، وأمدهم بمادة التفكر الموصلة إلى حقيقة الإيمان والتوحيد، وكيف أن الملك الحق يفعل ما يريد.
ثم انتهى القول الكريم إلى مخاطبة الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيهه نحو عناصر الفطرة في هذا البيان الحكيم، فقال تعالى قولًا فصلًا فيه كل العلم لأهل البصائر والذكرى.
{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ، مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} 1.
وهذا هو الموضوع الواحد الذي شرحه القرآن، وعرضه على مختلف--------------------------------------------
1 سورة الروم، الآيات: 30-32.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)

المناهج حتى يستحق وصف الله تعالى له بأنه كتاب البشرية كلها، جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة في كل العصور والأجيال.
فسبحان الله الذي أقام بالعدل والقسط والميزان هذا الكون الهائل، وأنطق بالعدل حركات الكواكب، ودرجات الحرارة والبرودة، وموج المحيط، وهدير السحاب، وسوق الماء، واضطرب الأرض بالنبات، وكل سر لله في خلقه منظور ومحسوس ومغيب عن مدارك الإنسان، وربط بين العدل والفطرة، وربط بين الفطرة والقرآن، وأنزله كتابًا واحد الموضوع، كتاب الهدى والتوحيد والفطرة.
عبد القادر أحمد عطا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

‌‌ترجمة الإمام السيوطي 1:
"849-911هـ/1445-1505م":
نادرة زمانه، وفريد عصره وأوانه، إمام الشيوخ، وعمدة أهل التحقيق والرسوخ، قطب الشارحين، وتاج المدققين، حامل لواء الفصاحة وحُلة البلاغة.
جلال الدين، أبو الفضل، عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، الحافظ المحدث، اللغوي الأصولي الفقيه المفسر، ولد سنة 849هـ، شب يتيمًا فحفظ القرآن، وطلب العلم، فألح في طلبه، وأغرم منذ نعومة أظافره بالجلوس للشيوخ والعلماء، ولما بلغ سن الأربعين اعتزل الناس وخلا بنفسه في روضة المقياس بالقاهرة على نيل مصر، وانهمك في التأليف والتصنيف، له كتب كثيرة؛ منها:
1- جمع الجوامع.
2- الجامع الصغير.
3- تاريخ الخلفاء.
4- تنوير الحوالك.
5- الحاوي.
6- حسن المحاضرة.
7- تدريب الراوي.
8- الإتقان في علوم القرآن.
9- طبقات الحفاظ.
10- طبقات المفسرين.
توفي بروضة المقياس، ودفن بالقاهرة في حوش قوصون خارج باب القرافة المعروف الآن ببوابة السيدة عائشة سنة 911هـ.--------------------------------------------
1 انظر: الضوء اللامع "4/ 65"، والأعلام "3/ 301".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

بسم الله الرحمن الرحيم
‌‌مقدمة المؤلف:
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم:
[قال الشيخ الإمام العالم، العامل، الحجة، البحر الفهَّامة، رحلة الطالبين، عمدة المفتين، لسان المتكلمين، محيي السنة في العالمين، أبو الفضل جلال الدين عبد الرحمن بن الشيخ العلامة كمال الدين، السيوطي، الشافعي، فسح الله تعالى في مدته، ونفعنا والمسلمين ببركته، وجعلنا وإياه من حزب محمد وعترته] 1:
الحمد لله الذي أنزل كتابه المجيد على أحسن أسلوب، وبهر بحسن أساليبه وبلاغة تركيبه القلوب، نزله آيات بينات، وفصله سورًا وآيات، ورتبه بحكمته البالغة أحسن ترتيب، ونظمه أعظم نظام بأفصح لفظ وأبلغ تركيب، صلى الله على مَن أُنزل إليه لينذر به وذكرى، ونزله على قلبه الشريف، فنفى عنه الحرج، وشرح له صدرًا، وعلى آله وصحبه مُهَاجِرة ونصرًا.. وبعد:
فإن الله سبحانه مَنَّ عليَّ بالنظر في مواقع نجومه، وفتح لي أبواب التطرق2 إلى استخراج ما أودع فيه من علومه، فلا أزال أسرِّح النظر في بساتينه من نوع إلى نوع، وأَسْتَسنح3 الخاطر في ميادينه فيبلغ--------------------------------------------
1 ما بين المعقوفتين إضافة من "ظ".
2 في المطبوعة: "النظر فيه"، والمثبت من "ظ"، وتطرَّق إليه: ابتغى إليه طريقًا وتوسَّل.
3 أستسنح خاطري: أستفحصه؛ أى: أتأمل به متفحصًا.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

الغرض ويرجع وهو يقول: لاروع، فتقت1 عن أنواع علومه ولقبتها، وأودعت ما أوعيت منها في دواوين وأعيتها، ونقبت2 عن معادن معانيه وأبرزتها، وأوقدت عليها نار القريحة وميزتها، وألفت في ذلك جامعًا ومفردًا، ومطنبًا ومقصدًا3، ومن خلق لشيء فإلى تيسره، ومن أحب شيئًا أكثر من ذكره.
وإن مما ألفت في تعلقات القرآن كتاب "أسرار التنزيل"4 الباحث عن أساليبه، المبرز أعاجيبه، المبين لفصاحة ألفاظه وبلاغة تراكيبه، الكاشف عن وجه إعجازه، الداخل إلى حقيقته من مجازه، المطلع على أفانينه، المبدع في تقرير حججه وبراهينه، فإنه اشتمل على بضعة عشر نوعًا:
الأول: بيان مناسبات ترتيب سوره، وحكمة وضع كل سورة منها.
الثاني: بيان أن كل سورة شارحة لما أُجْمِلَ في السورة التي قبلها.
الثالث: وجه اعتلاق فاتحة الكتاب بخاتمة التي قبلها.
الرابع: مناسبة مطلع السورة للمقصد الذى سيقت له، وذلك براعة الاستهلال.
الخامس: مناسبة أوائل السور لأواخرها.
السادس: مناسبات ترتيب آياته، واعتلاق بعضها ببعض، وارتباطها وتلاحمها وتناسقها.
السابع: بيان أساليبه في البلاغة، وتنويع خطاباته وسياقاته.
الثامن: بيان ما اشتمل عليه من المحسنات البديعية على كثرتها،--------------------------------------------
1 فتقت عن كذا: شققت عنه وكشفت عن سره. م. وفي "ظ": "فنقبت".
2 في "ظ": "وبقرت" وكلاهما سائغ. والبقَّار: الحفار.
3 مطنبًا من الإطناب؛ وهو التطويل، ومقصدًا من القصد؛ وهو الاختصار.
4 أو قطف الأزهار في كشف الأسرار، وذكره المؤلف في حسن المحاضرة "1/ 339"، وتوجد منه نسخة خطية في برلين "6/ 723" دليل مخطوطات السيوطي "30".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

كالاستعارة، والكناية، والتعريض، والالتفات، والتورية، والاستخدام واللف والنشر، والطباق، والمقابلة، وغير ذلك، والمجاز بأنواعه، وأنواع الإيجاز والإطناب.
التاسع: بيان فواصل الآي، ومناسبتها للآي التي ختمت بها.
العاشر: مناسبة أسماء السور لها.
[الحادي عشر: الألفاظ التى ظاهرها الترادف وبينهما فرق دقيق] 1.
الثاني عشر: بيان وجه اختيار مرادفاته ولِمَ عُبِّرَ به2 دون سائر المرادفات3.
الثالث عشر: بيان القراءات المختلفة، مشهورها، وشاذها، وما تضمنته من المعاني والعلوم، فإن ذلك من جملة وجوه إعجازه.
الرابع عشر: بيان وجه تفاوت الآيات المتشابهات في القصص وغيرها؛ بالزيادة والنقص، والتقديم والتأخير، وإبدال لفظة مكان أخرى، ونحو ذلك.
وقد أردت أن أفرد جزءًا لطيفًا في نوع خاص من هذه الأنواع؛ هو مناسبات ترتيب السور؛ ليكون عجالة لمريده، وبغية لمستفيده، وأكثره من نتاج فكري، وولاد نظري؛ لقلة من تكلم في ذلك، أو خاض في هذه المسالك، وما كان فيه لغيري صرحت بعزوه إليه، ولا أذكر منه إلا ما استُحْسِن، ولا انتقاد عليه، وقد كنت أولًا سميته--------------------------------------------
1 ما بين المعقوفتين إضافة من "ظ".
2 ما بين المعقوفتين إضافة من "ظ".
3 في "ظ": "مرادفاته".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

"نتائج الفكر في تناسب السور" لكونه من مستنتجات1 فكري كما أشرت إليه، ثم عدلت وسميته "تناسق الدرر في تناسب السور"؛ لأنه أنسب بالمسمَّى، وأزيد بالجناس.
وبالله تعالى التوفيق، وإياه أسأل حلاوة التحقيق، بِمَنِّهِ ويُمْنِهِ.--------------------------------------------
1 في "ظ": "مستفتحات".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

‌‌مقدمة في تريتب السور
‌‌مدخل

مقدمة في ترتيب السور:
اختلف العلماء في ترتيب السور، هل هو بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم أو باجتهاد من الصحابة؟ بعد الإجماع على أن ترتيب الآيات توقيفي، والقطع بذلك.
فذهب جماعة إلى الثاني؛ منهم: مالك، والقاضي أبو بكر1 في أحد قوليه، وجزم به ابن فارس2.
ومما استدل به لذلك: اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي، كان أوله: "اقرأ" ثم البواقي على ترتيب نزول المكي، ثم المدني، ثم كان أول مصحف ابن مسعود "البقرة" ثم "النساء" ثم "آل عمران" على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبي بن كعب وغيره، على ما بينته في الإتقان3.
وفي المصاحف لابن أشتة بسنده عن عثمان أنه أمرهم أن يتابعوا الطُّوَل4.--------------------------------------------
1 هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المتكلم المشهور، صاحب كتاب إعجاز القرآن والتقريب وغيره، توفي سنة 403هـ. وفيات الأعيان لابن خلكان "1/ 481"، وشذرات الذهب "2/ 57". انظر قول الباقلاني في الانتصار للقرآن "1/ 168" وما بعدها.
2 هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن حبيب الرازي اللغوي، وهو من أكابر أئمة اللغة في وقته، محتجًّا به في جميع الجهات غير منازع، وكان يناظر في الفقه، توفي سنة 395هـ، ترجمته في إنباه الرواة "1/ 94"، ويتيمة الدهر "3/ 400"، وتلخيص ابن مكتوم "15"، وكلام ابن فارس هذا في "المسائل الخمس" ذكره الزركشي في البرهان "1/ 237".
3 انظر هذا الاختلاف في المصاحف في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي "1/ 51"، والإتقان: "1/ 216"وفيه أن ابن فارس يجزم بترتيب الطول والمئين والمفصل بالتوقيف، أما وضع كل مجموعة تلو الأخرى فمن الصحابة.
4 انظر: الإتقان "1/ 216" من طريق إسماعيل بن عياش إلى أبي محمد القرشي، وإسماعيل فيه كلام "الضعفاء، من اسمه إسماعيل"، وابن أشتة هو محمد بن عبد الله بن أشتة أحد العلماء بالعربية والقراءات، ألف في المصاحف وشواذ القراءات، توفي سنة 306هـ "طبقات القراء 2/ 184"، وانظر المصاحف لابن أبي داود "34 و53" وما بعدها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)