6- أن يكون أحدهما من الخلفاء الأربعة دون الآخر.
7- أن يكون أحدهما صاحب الواقعة لأنه أعرف بالقصة.
8- أن يكون أحدهما مباشرًا لما رواه دون الآخر.
9- أن يكون أحدهما كثير المخالطة للنبي صلى الله عليه وسلم دون الآخر لأن كثرة الاختلاط تقتضي زيادة في الاطلاع.
10- أن يكون أحدهما قد ثبتت عدالته بالتزكية والآخر بمجرد الظاهر.
11- أن يكون المزكون لأحدهما أكثر من المزكين للآخر.
12- ترجح رواية من يوافق الحفاظ على رواية من ينفرد عنهم في كثير من رواياته.
13- ترجح رواية من دام حفظه وعقله ولم يختلط على من اختلط في آخر عمره ولم يعرف هل روى الخبر حال سلامته أو حال اختلاطه.
14- تقدم رواية من كان أشهر بالعدالة والثقة من الآخر لأن ذلك يمنع عن الكذب.
15- تقدم رواية من تأخر إسلامه على من تقدم إسلامه لاحتمال أن يكون ما رواه من تقدم إسلامه منسوخًا.
16- تقدم رواية من ذكر سبب الحديث على من لم يذكر سببه.
17- تقدم الأحاديث التي في الصحيحين على الأحاديث الخارجة عنهما.
18- تقدم رواية من لم ينكر عليه على رواية من أنكر عليه فإن وقع التعارض في بعض هذه المرجحات فعلى المجتهد أن يرجح بين ما تعارض منها.
2- وجوه الترجيح باعتبار المتن:
الأول- يقدم الخاص على العام.
الثاني- تقدم الحقيقة على المجاز إذا لم يغلب المجاز.
الثالث- يقدم ما كان حقيقة شرعية أو عرفية على ما كان حقيقة لغوية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
الرابع- يقدم ما كان مستغنيًا عن الإضمار في دلالته على ما هو مفتقر إليه.
الخامس- يقدم الدال على المراد من وجهين على ما كان دالًّا عليه من وجه واحد.
السادس- يقدم ما كان فيه الإيماء إلى علة الحكم على ما لم يكن كذلك لأن دلالة المعلل أوضح من دلالة غير المعلل.
السابع- يقدم المقيد على المطلق.
3- وجوه الترجيح باعتبار المدلول:
الأول- يقدم ما كان مقررًا لحكم الأصل والبراءة على ما كان ناقلًا.
الثاني- أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط فإنه أرجح.
الثالث- يقدم المثبت على المنفي لأن مع المثبت زيادة علم.
الرابع- يقدم ما كان حكمه أخف على ما كان حكمه أغلط.
4- وجوه الترجيح باعتبار أمور خارجة:
الأول- يقدم ما عضده دليل آخر على ما لم يعضده دليل آخر.
الثاني- أن يكون أحدهما قولًا والآخر فعلًا فيقدم القول لأن له صيغة والفعل لا صيغة له.
الثالث- يقدم ما كان فيه التصريح على ما لم يكن كذلك كضرب الأمثال ونحوها فإنها ترجح العبارة على الإشارة.
الرابع- يقدم ما عمل عليه أكثر السلف على ما ليس كذلك لأن الأكثر أولى بإصابة الحق.
الخامس- أن يكون أحدهما موافقًا لعمل الخلفاء الأربعة دون الآخر فإنه يقدم الموافق.
السادس- أن يكون أحدهما موافقًا لعمل أهل المدينة.
السابع- أن يكون أحدهما أشبه بظاهر القرآن دون الآخر فإنه يقدم.
وللأصوليين مرجحات آخر في الأقسام الأربعة منظور فيها ولا اعتداد عندي بمن نظر فيما سقناه لأن القلب السليم لا يرى فيه مغمزًا، وبالجملة: فالمرجح في مثل هذه الترجيحات هو نظر المجتهد المطلق فيقدم ما كان عنده أرجح على غيره إذا تعارضت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
2- بحث الناسخ والمنسوخ:
قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة: "النسخ رفع تعلق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه، والناسخ ما دل على الرفع المذكور، وتسميته ناسخا مجاز؛ لأن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، ويعرف النسخ بأمور أصرحها ما ورد في النص كحديث بريده في صحيح مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة " ومنها ما يجزم الصحابي بأنه متأخر كقول جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، أخرجه أصحاب السنن ومنها ما يعرف بالتاريخ، وهو كثير وليس منها ما يرويه الصحابي المتأخر الإسلام معارضًا لمتقدم عنه لاحتمال أن يكون سمعه من صحابي آخر أقدم من المتقدم المذكور أو مثله فأرسله، لكن إن وقع التصريح بسماعه له من النبي فيتجه أن يكون ناسخا بشرط أن يكون لم يتحمل عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا قبل إسلامه. ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
بحث التحيل على إسقاط حكم أو قلبه
…
21- بحث التحيل على إسقاط أو قلبه:
روى أبو داود والحاكم وصححه من حديث ابن عباس مرفوعًا: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها" وفي رواية: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها" أي أذابوها قال الخطابي: "في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى المحرم وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه".
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: "وجه الدلالة ما أشار إليه الإمام أحمد أن اليهود لما حرم الله عليهم الشحوم، أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها، على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم، فجملوه وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون الانتفاع في الظاهر بعين المحرم ثم مع كونهم احتالوا بحيلة خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين لعنهم الله تعالى على لسان رسوله على هذا الاستحلال نظرًا إلى المقصود، وأن حكمه التحريم لا تختلف سواء كان جامدًا أو مائعًا، وبدل الشيء يقوم مقامه ويسد مسده فإذا حرم الله الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة فعلم أنه لو كان التحريم معلقًا بمجرد اللفظ، وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود إلى الشيء المحرم، وحقيقته لم يستحقوا اللعنة لوجهين.
أحدهما: أن الشحم خرج بجمله عن أن يكون شحمًا، وصار ودكًا، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا، إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك، فإن من أراد أن يبيع مائة بمائة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراها بالثمن الحال، ولا غرض لواحد منهما في السلعة بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: "دراهم بدراهم دخلت بينها حريرة" فلا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين بلا حيلة البتة لا في شرع ولا عقل ولا عرف بل المفسدة، ويلعن فاعله ويؤذنه بحرب منه ومن رسوله، ويتوعده أشد توعد ثم يبيح التحيل على حصول ذلك بعينه مع قيام تلك المفسدة وزيادتها تبعث الاحتيال في مقته ومخادعة الله ورسوله هذا لا يأتي به شرع، فإن الربا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسلم طويل صعب المراقي يترابى المترابيان على رأسه فيا لله العجب أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتياط والخداع، فهل صار هذا الذئب العظيم -الذي هو من أكبر الكبائر عند الله- حسنة وطاعة بالخداع والاحتيال، تالله كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبث إلى الطيب، ومن المفسدة إلى المصلحة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
وجعله محبوبًا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطا له؟ وإن كان الاحتيال يبلغ هذا المبلغ، فإنه عند الله عز وجل ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة، وإنه من أقوى دعائم الدين، وأوثق عراه وأجل أصوله. ويا لله العجب كيف تزول مفسدة التحليل التي أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعن فاعله مرة بعد أخرى بتسليف شرطه وتقديمه على صلب العقد وإخلاء صلب العقد من لفظه، وقد وقع التواطؤ والتوافق عليه وأي غرض للشارع، وأي حكمة في تقديم الشرط وتسليفه حتى تزول به اللعنة وتنقلب به خمرة هذا العقد خلًّا، وهل كان عقد التحليل مسخوطًا لله ورسوله بحقيقته ومعناه أم لعدم حقيقة مقارنة الشرط له وحصول نكاح الرغبة مع القطع بانتفاء حقيقته وحصول نكاح التحليل، وهكذا الحيل الربوبة فإن الربا لم يكن حرامًا لصورته ولفظه، وإنما كان حرامًا لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة ركبت، وبأي لفظ عبر عنها فليس الشأن في الأسماء وصور العقود، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عقدت له.
الوجه الثاني: أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه. ويلزم من راعي الصور والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك؛ فلما لعنوا على استحلال الثمن، وإن لم ينص على تحريمه، علم أن الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة. ونظير هذا أن يقال لرجل: لا تقرب مال اليتيم، فيبيعه ويأخذ ثمنه، ويقول: لم أقرب ماله! وكمن يقول لرجل: لا تشرب من هذا النهر فيأخذ بيديه ويشرب من كفيه، ويقول: لم أشرب منه وبمنزلة من يقول: لا تضرب زيدًا فيضربه فوق ثيابه، ويقول إنما ضربت ثيابه، وأمثال هذه الأمور التي لو استعملها الطبيب في معالجة المرضى لزاد مرضهم، ولو استعملها المريض لكان مرتكبًا لنفس ما نهاه عنه الطبيب كمن يقول له الطبيب: لا تأكل اللحم فإنه يزيد في مواد المرض فيدقه، ويعمل منه هريسة، ويقول: لم آكل اللحم وهذا المثال مطابق العامة الحيل الباطلة في الدين، ويا لله العجب أي فرق بين بيع مائة بمائة وعشرين صريحًا وبين إدخال سلعة لم تقصد أصلًا بل دخولها كخروجها؟ ولهذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
لا يسأل العاقد عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها، ولا عيب فيها ولا يبالي بذلك البتة حتى لو كانت خرقة مقطعة أو أذن جدي أو عودًا من حطب، أدخلوه محللًا للربا، ولما تفطن المحتالون إلى أن هذه المسألة لا اعتبار بها في نفس الأمر، وأنها ليست مقصودة بوجه، وأن دخولها كخروجها تهاونوا بها ولم يبالوا بكونها مما يتحول عادة، أو لا يتحول ولا يبالي بعضهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة بل لم يبال بعضهم بكونها مما يباع أو مما لا يباع كالمسجد والمنارة والقلعة، وكل هذا واقع من أرباب الحيل وهذا لما علموا أن المشتري لا غرض له في السلعة، وقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بها التحليل كأي يتس اتفق في باب محلل النكاح، وما مثل من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يراع المقاصد والمعاني إلا كمثل رجل قيل له لا تسلم على صاحب بدعة فقبل يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له اذهب فاملأ هذه الجرة فذهب وملأها ثم تركها على الحوض، وقال: لم يقل ائتني بها، وكمن قال لوكيله بع هذه السلعة فباعها بدرهم، وهي تساوي مائة، ويلزم من وقف مع الظواهر أن يصحح هذا البيع، ويلزم به الموكل وإن نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألقاها في غير موضع، وكمن أعطاء رجلًا ثوبًا فقال: والله لا ألبسه لما فيه من المنة فباعه، وأعطاه ثمنه فقبله وكمن قال: والله لا أشرب هذا الشراب فجعله عقيدًا أو ثرد فيه خبزًا وأكله، ويلزم من وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحد من فعل ذلك بالخمر، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن من الأمة من يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه فقال: "لتشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف، والقينات يخسف الله بهم ويجعل منهم القردة والخنازير" رواه أحمد وأبو داود.
قال شيخ الإسلام ابن تيميه: وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعًا وموقوفًا من حديث ابن عباس: "يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه، والسحت بالهدية والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح والربا بالبيع" وهذا حق فإن استحلال الربا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
باسم البيع ظاهر كالحيل الربوية التي صورتها صورة البيع، وحقيقتها حقيقة الربا. ومعلوم أن الربا إنما حرم لحقيقته ومفسدته لا لصورته واسمه. فهب أن المرابي لم يسمه ربا، وسماه بيعًا فذلك لا يخرج حقيقته وماهيته عن نفسها، وأما استحلال الخمر باسم آخر فكما استحل من استحل المسكر من غير عصير العنب، وقال: لا اسميه خمرًا وإنما هو نبيذ كما يستحلها طائفة إذا مزجت، ويقولون: خرجت بالمزج عن اسم الخمر كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم الماء المطلق، وكما يستحلها من يستحلها إذا اتخذت عقيدًا، ويقول: هذه عقيد لا خمر، ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا الاسم ولا الصورة، وأما استحلال السحت باسم الهدية فهو أظهر من أن يذكر كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما فإن المرتشي ملعون هو والراشي لما في ذلك من المفسدة، ومعلوم قطعًا أنهما لا يخرجان عن اللعنة، وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية وقد علمنا وعلم الله وملائكته ومن له اطلاع على الحيل أنها رشوة، وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه ولاة الجور سياسة وهيبة وناموسًا وحرمة للملك فهو أظهر من أن يذكر، وأما استحلال الزنا بالنكاح فهو الزنا بالمرأة التي لا غرض له أن تقيم معه ولا أن تكون زوجته وإنما غرضه أن يقضي منها وطره ويأخذ جعلا على الفساد بها ويتوصل إلى ذلك باسم النكاح وإظهار صورته، وقد علم الله ورسوله والملائكة والروح والمرأة أنه محلل لا ناكح1، وأنه ليس بزوج وإنما هو تيس مستعار2 للضراب. فيا لله العجب أي فرق في نفس الأمر بين الزنا وبين هذا. نعم هذا زنا بشهود من البشر، وذلك زنا بشهود من الكرام الكاتبين كما صرح به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذا علم أنه إنما يريد أن يحلها، والمقصود أن هذا المحلل إذا قيل له، هذا زنا قال: ليس بزنا، بل نكاح.
كما أن المرابي إذا قيل له هذا ربا، قال: بل هو بيع، ولو أوجب تبدل الأسماء والصور--------------------------------------------
1 في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي والترمذي من حديث ابن مسعود وقال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له، قال الترمذي حديث حسن صحيح.
2 تسميته بالتيس المستعار هو في سن ابن ماجه من حديث عقبة بن مالك مرفوعًا.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
تبدل الأحكام والحقائق، لفسدت الديانات، وبدلت الشرائع واضمحل الإسلام. هذا ملخص ما أفاده في هذه المسألة الإمام ابن القيم في: "إعلام الموقعين"1 وذكر رحمه الله أيضًا فيه حكم الحيلة في إسقاط الزكاة إذا كان في يده نصاب بأن يبيعه، أو يهبه قبل الحول ثم يشتريه فقال: "هذه حيلة محرمة باطلة، ولا يسقط ذلك عنه فرض الله الذي فرضه، وأوعد بالعقوبة الشديدة من ضيعة وأهمله، فلو جاز إبطاله بالحيلة التي هي مكر وخداع لم يكن في إيجابه والوعيد على تركه فائدة، وقد استقرت سنة الله سبحانه في خلقه شرعًا وقدرًا على معاقبة العبد بنقيض قصده كما حرم القاتل الميراث وورث المطلقة في مرض الموت، وكذلك الفار العبد من الزكاة لا يسقطها عنه فراره ولا يعان على قصد الباطل فيتم مقصودة ويسقط مقصود الرب سبحانه وتعالى. وكذلك عامة الحيل أنى يساعد فيها المتحيل على بلوغ غرضه ويبطل غرض الشارع، وكذلك المجامع في نهار رمضان إذا تغدى أو شرب الخمر أولًا ثم جامع قالوا لا تجب عليه الكفارة، وهذا ليس بصحيح فإن ضمه إلى إثم الجماع إثم الأكل، والشرب لا يناسب التخفيف عنه بل يناسب تغليظ الكفارة عليه فسبحان الله هل أوجب الشارع الكفارة لكون الوطء لم يتقدمه مفطر قبله أو للجناية على زمن الصوم الذي لم يجعله الله محلا للوطء وانقلبت كراهة الشرع له محبة، ومنعه إذنا هذا من المحال، فتأمل كيف تتضمن الحيل المحرمة مناقضة الدين وإبطال الشرائع، ويا لله العجب! أيروج هذا الخداع والمكر والتلبيس على أحكم الحاكمين الذي يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور فتعالى شارع هذه الشريعة الفائقة على كل شريعة أن يشرع فيها الحيل التي تسقط فرائضه وتحل محارمه وتبطل حقوق عباده وتفتح للناس أبواب الاحتيال، وأنواع المكر والخداع، وأن يبيح التوصل بالأسباب المشروعة إلى الأمور المحرمة المنوعة، وقد أخبر الله سبحانه عن عقوبة المحتالين على حل ما حرمه عليهم، وإسقاط ما فرضه عليهم في غير موضع من كتابه قال أبو بكر--------------------------------------------
1 ص107 ج3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
الآجرى -وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها الناس- لقد مسخت اليهود قردة بدون هذا، ولقد صدق إذا أكل حوت صيد يوم السبت، أهون عند الله وأقل جرمًا من أكل الربا الذي حرمه الله بالحيل والمخادعة، ولكن قال الحسن: عجل لأولئك عقوبة تلك الأكلة الوخيمة وأرجئت عقوبة هؤلاء فهذه العظائم والمصائب الفاضحات لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح فكيف بم يعلم السر وأخفى، وإذا وازن اللبيب بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها أرباب الحيل في كثير من الأبواب ظهر له التفاوت، ومراتب المفسدة التي بينها وبين هذه الحيل فإذا عرف قدر الشرع وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح عبادة تبين له حقيقة الحال وقطع بأن الله سبحانه تنزه وتعالى أن يسوغ لعبادة نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال. ا. هـ.
وكما بسط رحمه الله الكلام في ذلك في: "إعلام الموقعين" أطنب فيه أيضًا في كتابه: "إغائة اللهفان" اهتمامًا بهذا الموضوع، ومما جاء فيه قوله1 ومن مكايده -يعني الشيطان- التي كاد بها الإسلام، وأهله الحيل والمكر والخداع الذي يتضمن تحليل ما حرم الله، وإسقاط ما فرضه ومضادته في أمره ونهيه، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذمه فإن الرأي رأيان رأي يوافق النصوص وتشهد له بالصحة والاعتبار وهو الذي اعتبره السلف وعملوا به، ورأي يخالف النصوص، وتشهد له بالإبطال والإهدار فهو الذي ذموه وأنكروه، وكذلك الحيل نوعان نوع يتوصل به إلى فعل ما أمر الله تعالى به، وترك ما نهى عنه والتخلص من الحرام وتخليص المحق من الظالم المانع له، وتخليص المظلوم من يد الظالم الباغي فهذا النوع محمود ظالمًا والظالم مظلومًا والحق باطلًا والباطل حقًّّّّا فهذا النوع الذي اتفق السلف على ذمه، وصاحوا بأهله من أقطار الأرض. قال الإمام أحمد رحمه الله لا يجوز شيء من الحيل في إبطال حق مسلم--------------------------------------------
1 ص183 طبع بمصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
وقال الميموني: "قلت لأبي عبد الله: من خلف على يمين ثم احتال لإبطالها فهل تجوز تلك الحيل؟ قال: نحن لا نرى الحيلة إلا بما يجوز، قلت: أليس حيلتنا فيها أن تتبع ما قالوا، وإذا وجدنا لهم قولًا في شيء اتبعناه قال بلى هكذا هو. قلت: أو ليس هذا منا نحن حيلة؟ قال: نعم -فبين الإمام أحمد أن من اتبع ما شرع له وجاء عن السلف في معاني الأسماء التي علقت بها الأحكام ليس بمحتال الحيل المذمومة وإن سميت حيلة فليس الكلام فيها، وغرض الإمام أحمد بهذا الفرق بين سلوك الطريق المشروعة التي شرعت بحصول مقصود الشارع، وبين الطرق التي تسلك لإبطال مقصودة فهذا هو سر الفرق بين النوعين، وكلامنا الآن في النوع الثاني" ثم جود الكلام في ذلك فأطال، وأطاب رحمه المولي الوهاب.
وكذلك الإمام أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى في موافقاته في كتاب: "المقاصد في المسألة العاشرة"1، أسبغ البحث في ذلك، ولسهولة الوقوف من هذه الكتب الجليلة اكتفينا بالإحالة عليها والله الموفق.--------------------------------------------
1 ص264 ج2 طبع بمصر سنة 1341.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
22- بيان أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع:
قال الإمام العلامة ولي الله الدهلوي في: "الحجة البالغة" تحت هذه الترجمة1 "اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الفقه في زمانه مدونًا، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل البحث من هؤلاء الفقهاء حيث يبنون بأقصى جهدهم الأركان، والشروط وآداب كل شيء ممتازًا عن الآخر بدليله، ويفرضون الصور يتكلمون على تلك الصور المفروضة ويحدون ما يقبل الحد، ويحصرون ما يقبل الحصر إلى غير ذلك من صنائعهم، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتوضأ فيرى الصحابة وضوءه فيأخذون به من غير أن يبين أن هذا ركن وذلك أدب، وكان يصلي فيرون صلاته فيصلون كما رأوه يصلي، وحج فرمق الناس حجة ففعلوا--------------------------------------------
1 ص112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
كما فعل فهذا كان غالب حاله صلى الله عليه وسلم ولم يبين أن فروض الوضوء ستة أو أربعة، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان بغير موالاة، حتى يحكم عليه بالصحة أو الفساد إلا ما شاء الله وقلما كانوا يسألونه عن هذه الأشياء. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض كلهن في القرآن منهن: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ} 1، {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيض} 2 قال: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم قال ابن عمر: لا تسأل عما لم يكن فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن قال القاسم: إنكم تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها وتنقرون3 عن أشياء ما كنا ننقر عنها، تسألون عن أشياء ما أدري ما هي، ولو علمناها ما حل لنا أن نكتمها عن عمر بن إسحاق قال: لمن أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ممن سبقني منهم فما رأيت قومًا أيسر سيرة، ولا أقل تشديدًا منهم، وعن عبادة بن بسر الكندي، وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي فقال: أدركت أقوامًا ما كانوا يشددون تشديدكم، ولا يسألون مسائلكم "أخرج هذه الآثار الدارمي"، وكان يستفتيه الناس في الوقائع فيفتيهم وترفع إليه القضايا فيقضي فيها، ويرى الناس يفعلون معروفًا فيمدحه أو منكرًا فينكر عليه وكل ما أفتى به مستفتيًا أو قضى به في قضية أو أنكره على فاعله كان في الاجتماعات، وكذلك كان الشيخان أبو بكر وعمر إذا لم يكن لهما علم في المسألة يسألون الناس عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو بكر رضي الله عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيها شيئا -يعني الجدة- وسأل الناس فلما صلى الظهر قال: أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الجدة شيئا فقال: المغيرة بن شعبة أنا فقال: ماذا؟ قال: قال: أعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم سدسا قال: أيعلم ذاك أحد غيرك؟ فقال محمد بن سلمة: صدق - فأعطاها أبو بكر السدس وقصة سؤال عمر الناس في الغرة--------------------------------------------
1 سورة البقرة، الآية: 217.
2 سورة البقرة، الآية: 222.
3 التنقير: التفتيش والاستقصاء في البحث والمبالغة فيه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
ثم رجوعه إلى خبر مغيرة، وسؤاله إياهم في الوباء، ثم رجوعه إلى خبر عبد الرحمن بن عوف، وكذا رجوعه في قصة المجوس إلى خبره وسرور عبد الله بن مسعود بخير معقل بن يسار لما وافق رأيه، وقصة رجوع أبي موسى عن باب عمر وسؤاله عن الحديث وشهادة أبي سعيد له، وأمثال ذلك كثيرة معلومة مروية في الصحيحين والسنن، وبالجملة فهذه كانت عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم فرأى كل صحابي ما يسره الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته، فخفظها وعقلها وعرف لكل شيء وجها من قبل حفوف القرائن به فحمل بعضها على الإباحة وبعضها على النسخ لأمارات وقرائن كانت كافية عنده، ولم يكن العمدة عندهم إلا وجدان الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال كما ترى الأعراب يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم وتثلج صدورهم بالتصريح والتلويح والإيماء من حيث لا يشعرون فانقضي عصره الكريم وهم على ذلك ثم إنهم تفرقوا في البلاد وصار كل واحد مقتدي ناحية من النواحي فكثرت الوقائع ودارت المسائل فاستفتوا فيها فأجاب كل واحد حسب ما حفظه أو استنبط وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبط ما يصلح للجواب اجتهد برأيه وعرف العلة التي أدار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها الحكم في منصوصاته، فطرد الحكم حيثما وجدها لا يألو جهدًا في موافقه عرضه عليه الصلاة والسلام فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ضروب منها أن صحابيا سمع حكما في قضية أو فتوى ولم يسمعه الآخر فاجتهد برأيه في ذلك، وهذا على وجوه.
أحدها: أن يقع اجتهاده موافق الحديث مثاله ما رواه النسائي وغيره أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة مات عنها زوجها ولم يفرض لها -أي لم يعين لها المهر- فقال: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك فاختلفوا عليه شهرًا، وألحوا فاجتهد برأيه وقضى بأن لها مهر نسائها لا وكس ولا شطط1 وعليها العدة، ولها الميراث فقام معقل بن يسار فشهد بأنه قضى بمثل ذلك في امرأة منهم، ففرح بذلك ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام.--------------------------------------------
1 قوله: لا وكس ولا شطط: أي لا نقصان ولا زيادة. ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
ثانيها: أن يقع بينهما المناظرة ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب الظن فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع، مثاله ما رواه الأئمة من أن أبا هريرة رضي الله عنه كان من مذهبه أنه من أصبح جنبًا فلا صوم له حتى أخبرته بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف مذهبه فرجع.
وثالثها: أن يبلغة الحديث، ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن فلم يترك اجتهاده، بل طعن في الحديث مثاله: ما رواه أصحاب الأصول1 من أن فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب بأنها كانت مطلقة الثلاث فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى فرد شهادتها، وقال: لا أترك كتاب الله بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت لها النفقة والسكني وقالت عائشة رضي الله عنها لفاطمة ألا تتقي الله؟ يعني في قولها لا سكني ولا نفقة، ومثال آخر روى الشيخان أنه كان من مذهب عمر بن الخطاب أن التيمم لا يجزي للجنب الذي لا يجد ماء، فتمعك في التراب فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما كان يكفيك أن تفعل هكذا" وضرب بيديه الأرض فمسح بهما وجهه ويديه فلم يقبل عمر، ولم ينهض عنده حجة لقادح خفي رآه فيه حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة واضمحل وهم القادح فأخذوا به.
ورابعها: أن لا يصل إليه الحديث أصلًا مثاله: ما أخرج مسلم أن ابن عمر كان يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن، فسمعت عائشة بذلك فقالت: يا عجبًا لابن عمر هذا يأمر النساء أن ينقضن رءؤسهن، أفلا يأمرهن أن يحلقن رءوسهن؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد وما أزيد على أن أفرع على رأسي ثلاث إفراغات. مثال آخر: ما ذكره الزهري من أن هندًا لم تبلغها رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة فكان تبكي لأنها كانت لا تصلي. ومن تلك--------------------------------------------
1 راجع تخريج هذا في ص88.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
الضروب أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل فعلًا فحمله بعضهم على القربة وبعضهم على الإباحة، مثاله: ما رواه أصحاب الأصول في قضية التخصيب -أي النزول بالأبطح عند النفر- نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم به فذهب أبو هريرة، وابن عمر إلى أنه على وجه القربة فجعلوه من سنن الحج، وذهبت عائشة وابن عباس إلى أنه كان على وجه الاتفاق وليس من السنن، ومثال آخر ذهب الجمهور إلى أن الرمل في الطواف سنة، وذهب ابن عباس إلى أنه إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الاتفاق لعارض عرض، وهو قول المشركين حطمتهم حمى يثرب، وليس بسنة ومنها اختلاف الوهم مثاله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج فرآه الناس فذهب بعضهم إلى أنه كان متمتعًا، وبعضهم إلى أنه كان قارنًا وبعضهم إلى أنه كان مفردًا، مثال آخر أخرج أبو داود عن سعيد بن جبير أنه قال: قلت لعبد الله بن عباس: يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب1 فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنها كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة فمن هناك اختلفوا. خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجًّا فلما صلى في مسجد ذي الخليفة ركعة أوجب في مجلسه وأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه فسمع ذلك منه أقوام فحفظته عنه ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل وأدرك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل فقالوا: إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم البيداء، وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته وأهل حين علا على شرف البيداء.
ومنها: اختلاف السهو والنسيان مثاله ما روي أن ابن عمر كان يقول اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة في رجب فسمعت بذلك عائشة فقضت عليه بالسهو.--------------------------------------------
1 أي أهل وأتى بما وجب من أفعال الإحرام. ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
ومنها: اختلاف الضبط مثاله ما روى ابن عمر1 أو عمر عنه صلى الله عليه وسلم من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقضت عائشة عليه بأنه لم يأخذ الحديث على وجهه مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكي عليها أهلها، فقال: "إنهم يبكون عليها وإنها تعذب في قبرها". فظن العذاب معلولًا للبكاء فظن الحكم عامًّا على كل ميت2.
ومنها: اختلافهم في علة الحكم، مثاله: القيام للجنازة فقال قائل: لتعظيم الملائكة فيعم المؤمن والكافر، وقال قائل: لهول الموت فيعمهما، وقال2 الحسن بن علي رضي الله عنهما: مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة يهودي فقام لها كراهية أن تعلو فوق رأسه فيخص الكافر.
ومنها: اختلافهم في الجمع بين المختلفين، مثاله: رخص3 رسول الله صلى الله عليه وسلم في المتعة عام خيبر، ثم رخص فيها عام أوطاس، ثم نهى عنها، فقال ابن عباس: كانت الرخصة للضرورة، والنهي لانقضاء الضرورة، والحكم باق على ذلك، وقال الجمهور: كانت الرخصة إباحة والنهي نسخًا لها مثال آخر4. نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة في الاستنجاء فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم، وكونه غير منسوخ ورآه جابر يبول قبل أن يتوفى بعام مستقبل القبلة فذهب إلى أنه نسخ للنهي المتقدم، ورآه ابن عمر قضى حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام فرد به قولهم وجمع قوم بين--------------------------------------------
1 أخرجه في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر.
2 في الصحيحين من حديث جابر قال: مر بنا جنازة فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا معه، قيل له: يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها"، ومن حديث سهل بن حنيف فيهما فقال: "أليست نفسًا"؟.
وأما ما أخرجه الطبراني والبيهقي من حديث الحسن بن علي وقوله فيه. كراهية أن يعلو رأسه، فيخص الكافر، فقد قال في نيل الأوطار: إن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة، ومقتضى التعليل بقوله: "أليست نفسًا"؟، أن ذلك يستحب لكل جنازة. ا. هـ. ملخصًا.
3 أخرجاه في الصحيحين من حديث علي.
4 عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جلس أحدكم لحاجته، فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها". رواه أحمد ومسلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
الروايتين. فذهب الشعبي وغيره إلى أن النهي مختص بالصحراء، فإذا كان في المراحيض فلا بأس بالاستقبال والاستدبار، وذهب قوم إلى أن القول عام محكم، والفعل يحتمل كونه خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا ينتهض ناسخًا ولا مخصصًا، وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عنهم التابعون كذلك كل واحد ما تيسر له فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة وعقلها وجمع المختلف على ما تيسر له، ورجح بعض الأقوال على بعض واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن كان مأثورًا عن كبار الصحابة كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في تيمم الجنب، اضمحل عندهم لما استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران بن الحصين وغيرهما فعند ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله فانتصب في بلد إمام مثل سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة، وبعدهما الزهري والقاضي يحيى بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها، وعطاء بن أبي رباح بمكة وإبراهيم النخعي، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري بالبصرة، وطاوس بن كيسان باليمن، ومكحول بالشام فأظمأ الله أكبادًا إلى علومهم فرغبوا فيها وأخذوا عنهم الحديث وفتاوي الصحابة، وأقاويلهم ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم واستفتي منهم المستفتون ودارت المسائل بينهم، ورفعت إليهم الأقضية وكان سعيد بن المسيب وإبراهيم وأمثالهما جمعوا أبواب الفقه أجمعها، وكان لهم في باب أصول تلقوها من السلف، وكان سعيد وأصحابه يذهبون إلى أن أهل الحرمين أثبت الناس في الفقه، وأصل مذهبهم فتاوي عبد الله بن عمر وعائشة وابن عباس وقضايا قشاة المدينة فجمعوا من ذلك ما يسره الله لهم ثم نظروا فيها نظر اعتبار وتفتيش فما كان منها مجمعًا عليه بين علماء المدينة فإنهم يأخذون عليه بنواجذهم، وما كان فيه اختلاف عندهم فإنهم يأخذون بأقواها وأرجحها إما بكثرة من ذهب إليه منهم، أو لموافقته بقياس قوي أو تخريج صريح من الكتاب والسنة أو نحو ذلك، وإذا لم يجدوا فيما حفظوا منه جواب المسألة خرجوا من كلامه، وتتبعوا الإيماء فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب، وكان إبراهيم
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)
وأصحابه يرون أن عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقة، كما قال علقمة لمسروق: هل أحد منهم أثبت من عبد الله؟ وقول أبي حنيفة رضي الله عنه للأوزاعي: إبراهيم أفقه من سالم، ولولا فضل الصحبة لقلت إن علقمة أفقه من عبد الله بن عمر، وعبد الله هو عبد الله وأصل مذهبه فتاوي عبد الله بن مسعود، وقضايا علي رضي الله عنهما وفتاواه وقضايا شريح وغيره من قضاة الكوفة فجمع من ذلك ما يسره الله ثم صنع في آثارهم كما صنع أهل المدينة في آثار أهل المدينة، وخرج كما خرجوا فلخص له مسائل الفقه في كل باب باب، وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة، وكان أحفظهم لقضايا عمر، ولحديث أبي هريرة وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة فإذا تكلما بشيء، ولم ينسباه إلى أحد فإنه في الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحًا وإيماء، ونحو ذلك فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما، وأخذوا عنهما، وعقلوه وخرجوا عليه والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
23- بيان أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء:
قال الإمام ولي الله الدهلوي قدس سره في الحجة البالغة أيضًا تحت هذه الترجمة ما صورته1: "اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئًا من حملة العلم، إنجازًا لما وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" 2، فأخذوا عمن اجتمعوا معه صفة الوضوء والغسل والصلاة والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ورووا حديث النبي صلى الله عليه وسلم وسمعوا قضايا قضاة البلدان، وفتاوي مفتيها وسألوا عن المسائل، واجتهدوا في ذلك كله ثم صاروا كبراء قوم ووسدوا إليهم الأمر فنسجوا على منوال شيوخهم، ولم يألوا في تتبع الإيماءات والاقتصاءات فقضوا، وأفتوا ورووا وعلموا وكان صنيع العلماء في هذه الطبقة متشابهًا، وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والمرسل جميعًا ويستدل بأقوال--------------------------------------------
1 ص115.
2 رواه الحاكم في المستدرك وابن عساكر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 330)
الصحابة والتابعين، علمًا منهم أنها إما أحاديث منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختصروها فجعلوها موقوفة كما قال إبراهيم، وقد روى حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة والمزابنة1 فقيل له أما تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا غير هذا قال: بلي، ولكن أقول قال عبد الله قال علقمة أحب إلي، وكما قال الشعبي، وقد سئل عن حديث وقيل إنه يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا عليَّ من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا فإن كان فيه زيادة ونقصان كان على من دون النبي صلى الله عليه وسلم أو يكون استنباطًا منهم من المنصوص، أو اجتهادًا منهم بآرائهم وهم أحسن صنيعًا في كل ذلك ممن يجيء بعدهم، وأكثر إصابة وأقدم زمانًا وأوعى علمًا فتعين العمل بها إلا إذا اختلفوا وكان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف قولهم مخالفة ظاهرة، وإنه إذا اختلفت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة رجعوا إلى أقوال الصحابة، فإن قالوا بنسخ بعضها أو بصرفه عن ظاهره أو لم يصرحوا بذلك ولكن اتفقوا على تركه، وعدم القول بموجبه فإنه كإبداء علة فيه، أو الحكم بنسخه أو تأويله اتبعوهم في كل ذلك، وهو قول مالك في حديث2: "إذا ولغ الكلب": "جاء هذا الحديث ولكن لا أدري ما حقيقته" يعني حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول لم أر الفقهاء يعلمون به، وإنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة في مسألة فالمختار عند كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف بصحيح أقاويلهم من السقيم وأوعى للأصول المناسبة لها، وقلبه أميل إلى فضلهم وتبحرهم فمذهب عمر وعثمان وابن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب فإنه كان أحفظهم لقضايا عمر وحديث أبي هريرة، ومثل عروة وسالم وعطاء بن يسار وقاسم وعبيد الله بن عبيد الله والزهري ويحيى بن سعيد وزيد بن أسلم وربيعة، أحق بالأخذ من غيره عند أهل المدينة لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل المدينة ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء في كل عصر، ولذلك ترى مالكًا يلازم محجتهم ومذهب عبد الله بن مسعود وأصحابه وقضايا علي وشريح والشعبي--------------------------------------------
1 أخرجه الشيخان وأحمد وأصحاب السن من حديث أنس وغيره.
2 "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا، إحداهن بالتراب"، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وفي بعض رواياته اختلاف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 331)