الحجة على المناظر إلا بحديث يعلم أنه مسند إسنادًا تقوم به الحجة أو يصححه من يرجع إليه من ذلك، فإذا لم يعلم إسناده، ولا أثبته أئمة النقل فمن أين يعلم؟ ". ا. هـ.
وفي خلاصة الطيبي: "اعلم أن الخبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام قسم يجب تصديقه: وهو ما نص الأئمة على صحته، وقسم يجب تكذيبه: وهو ما نصوا على وضعه وقسم يجب التوقف فيه لاحتماله الصدق والكذب كسائر الأخبار الكثيرة فإنه لا يجوز أن يكون كله كذبًا؛ لأن العادة تمنع في الأخبار الكثيرة أن تكون كلها كذبًا، مع كثرة رواتها واختلافهم ولا أن تكون كلها صدقًا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "سيكذب عليَّ بعدي". ا. هـ.
وفي مقدمة ابن الصلاح: "ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها عما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشتهرة لأئمة الحديث، كأبي داود السجستاني، وأبي عيسى الترمذي وأبي عبد الرحمن النسائي، وأبي بكر بن خزيمة وأبي الحسن الدارقطني، وغيرهم منصوصًا على صحته فيها، ولا يكفي في ذلك مجرد كونه موجودًا في كتاب أبي داود وكتاب الترمذي وكتاب أبي بكر الإسماعيلي وكتاب النسائي وسائر من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره، ويكفي مجرد كونه موجودًا في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه ككتاب ابن خزيمة، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على كتاب البخاري ومسلم ككتاب أبي عوانة الإسفرايبني وكتاب أبي بكر وغيرهم". ا. هـ.
وفيه أيضًا: "إذا وجدنا فيما يُروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثًا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصًا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإننا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد لأنه ما من إسناد إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه عريًّا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف". ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
وقد اقتفى أثر ابن الصلاح في كل ما ذكره، من جاء بعده إلا في تعذر التصحيح في الأعصار المتأخرة فخالفه فيه جمع ممن لحقه، فقال العراقي في شرح ألفيته: "لما تقدم أن البخاري ومسلمًا لم يستوعبا إخراج الصحيح، فكأنه قيل فمن أين يعرف الصحيح الزائد على ما فيهما؟ فقال: خذه إذ ينص صحته -أي حيث ينص على صحته- إمام معتمد كأبي داود والترمذي والنسائي والدارقطني والبيهقي والخطابي في مصنفاتهم المعتمدة كذا قيده ابن الصلاح ولم أقيده، بل إذا صح الطريق إليهم أنهم صححوه ولو في غير مصنفاتهم أو صححه من لم يشتهر له تصنيف من الأئمة كيحيى بن سعيد القطان وابن معين ونحوهما فالحكم كذلك على الصواب، وإنما قيده ابن الصلاح بالمصنفات لأنه ذهب إلى أنه ليس لأحد في هذه الأعصار أن يصحح الأحاديث فلذا لم يعتمد على صحة السند في غير تصنيف مشهور ويؤخذ الصحيح أيضًا من المصنفات المختصة بجمع الصحيح فقط كصحيح أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي المسمى بالتقاسيم والأنواع وكتاب المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله الحاكم، وكذلك لم يوجد في المستخرجات على الصحيحين من زيادة، أو تتمة لمحذوف فهو محكوم بصحته". ا. هـ. ثم نقل بعد ذلك تعذر الحكم بالصحيح في هذه الأعصار عن ابن الصلاح. ا. هـ.
وقال ابن جماعة في مختصره بعد ما نقل عن ابن الصلاح التعذر: "قلت مع غلبة الظن إنه لو صح لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة؛ لشدة فحصهم واجتهادهم، فإن بلغ واحد في هذه الأعصار أهلية ذلك، والتمكن من معرفته احتمل استقلاله". ا. هـ.
وقال النووي في التقريب: "الأظهر عندي جوازه لمن تمكن وقويت معرفته". ا. هـ. وقال السيوطي: "قال العرافي: وهو الذي عليه عمل أهل الحديث فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث، لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا؛ فمن المعاصرين لابن الصلاح أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن القطان صاحب كتاب الوهم والإيهام صحح فيه حديث ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه ويمسح عليهما ويقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
أخرجه البزار، وحديث أنس: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة" أخرجه قاسم بن أصبغ. ومنهم الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، جمع كتابا سماه: "المختارة" التزم فيه الصحة وذكر فيه أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها: "وصحح الحافظ زكي الدين المنذري حديث يونس عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة في غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهليه ذلك". ا. هـ.
ثم قال: "الحاصل أن ابن الصلاح سد باب التصحيح والتحسين والتضعيف على أهل هذه الأزمان لشفع أهليتهم، وإن لم يوافق على الأول ولا شك أن الحكم بالوضع أولى بالمنع مطلقًا إلا حيث لا تخفى كالأحاديث الطوال الركيكة، وإلا ما فيه مخالفة للعقل أو الإجماع، وأما الحكم للحديث بالتواتر والشهرة فلا يمتنع إذا وجدت الطرق المعتبرة". ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
8- الاهتمام بمطالعة كتب الحديث:
قال العارف الشعراني قدس سره في عهوده الكبرى: "أخذ عليها العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نمل من كثرة تعلمنا العلم والعمل به لكون شربنا من حوض نبينا صلى الله عليه وسلم يكون بقدر تضلعنا من الشريعة، كما أن مشينا على الصراط يكون بحسب استقامتنا بالعمل بها، فالحوض علوم الشريعة والصراط أعمالها". ثم قال: "فاجتهد يا أخي في حفظ الشريعة ولا تغفل. وعليك بكتب الحديث فطالعها لتعرف منازع الأئمة وماذا استندوا إليه من الآيات والأحاديث والآثار ولا تقنع بكتب الفقه دون معرفة أدلتها". ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
9- ذكر أرباب الهمة الجليلة في قراءتهم كتب الحديث في أيام قليلة:
ذكر في ترجمة المجد الفيروزآبادي صاحب القاموس أنه قرأ صحيح مسلم في ثلاثة أيام بدمشق، وأنشد
قرأت بحمد الله جامع مسلم … بجوف دمشق السام جوف لإسلام
على ناصر الدين الإمام بن جهبل … بحضرة حفاظ مشاهير أعلام
وتم بتوفيق الإله وفضله … قراءة ضبط في ثلاثة أيام
وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي صحيح مسلم على محمد بن إسماعيل الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وذلك بحضور الحافظ زين الدين بن رجب، وهو يعارض بنسخته وفي تاريخ الذهبي في ترجمة إسماعيل بن أحمد الحيري النيسابوري الضرير ما نصه: "وقد سمع عليه الخطيب البغدادي بمكة صحيح البخاري بسماعه من الكشميهني في ثلاثة مجالس: اثنان منها في ليلتين كان يبتدئ بالقراءة وقت المغرب ويختم عند صلاة الفجر، والثالث من ضحوة النهار إلى طلوع الفجر" قال الذهبي: "وهذا شيء لا أعلم أحدًا في زماننا يستطيعه". ا. هـ.
وقال الحافظ السخاوي: "وقع لشيخنا الحافظ ابن حجر أجل مما وقع لشيخه المجد اللغوي، فإنه قرأ صحيح البخاري في أريعين ساعة رملية، وقرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس سوى مجلس الختم في يومين وشيء، وقرأ سنن ابن ماجه في أربعة مجالس، وقرأ كتاب النسائي الكبير في عشرة مجالس كل مجلس منها نحو أربع ساعات، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس منها أربع ساعات" ثم قال السخاوي: "وأسرع شيء وقع له -أي لابن حجر- أنه قرأ في رحلته الشامية معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد بين صلاتي الظهر والعصر قال: وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على نحو ألف حديث وخمسمائة حديث". ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
والعبد الضعيف، جامع هذا الكتاب، قد مَنَّ الله عليه بفضله فأسمع صحيح مسلم رواية ودراية في مجالس من أربعين يومًا آخرها في 28 من شهر صفر الخير سنة "1316" وأسمع أيضًا سنن ابن ماجه كذلك في مجالس من إحدى وعشرين يومًا آخرها في 22 من شهر ربيع الأول سنة "1316" وأسمع أيضًا الموطأ كذلك مجالس من تسعة عشر يومًا آخرها في 15 من شهر ربيع الآخر سنة "1316"، وطالعت بنفسي لنفسي: "تقريب التهذيب" للحافظ ابن حجر مع تصحيح سهو القلم فيه وضبطه وتحشيته من نسخة مصححة جدًّا في مجالس من عشرة أيام آخرها في 18 من شهر ذي الحجة سنة "1315" أقول وهذه الكتب قرأتها بإثر بعضها فأجهدت نفسي وبصرى حتى رمدت بأثر ذلك شفاني الله بفضله وأشفقت من العود إلى مثل ذلك، وتبين أن الخيرة في الاعتدال نعم لا يُنكر أن بعض النفوس لا تتأثر بمثل ذلك لقوة حواسها، وللإنسان بصيرة على نفسه وهو أدري بها!
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
10- قراءة البخاري لنازلة الوباء:
نقل القسطلاني رحمه الله تعالى، شارح البخاري، في مقدمة شرحه عن الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي جمرة، قال: "قال لي من العارفين، عمن لقيه من السادة المقر لهم: إن صحيح البخاري ما قرئ في شدة إلا فرجت، ولا ركب به مركب فغرقت". ا. هـ.
وقد جرى على العمل بذلك كثير من رؤساء العلم ومقدمي الأعيان إذا ألم بالبلاد نازلة مهمة فيوزعون أجزاء الصحيح على العلماء والطلبة ويعينون للختام يومًا يفدون فيه لمثل الجامع الأموي أمام المقام اليحيوي في دمشق وفي غيرها، كما يراه مقدموها، وهذا العمل ورثه جيل عن جيل مذ انتشار ذاك القول وتحسين الظن بقائله، بل كان ينتدب بعض المقدمين إلى قراءته موزعًا ثم ختمه اجتماعًا لمرض، والي بلدة أو عظيم من عظمائها مجانًا أو بجائزة، بل قد يستأجر من يقرؤه لخلاص وجيه من سجن أو شفائه من مرض على النحو المتقدم اعتقادًا ببركة هذا الصحيح وتقليدًا لمن مضى ووقوفًا مع ما مر عليه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
قرون، وصقله العرف، وفي ذلك من تمكين الاعتقاد بصحيح البخاري والركون إليه، والحرص عليه، ما لا يخفى. ولم يكن يخطر لي أن يناقش أحد في هذا العمل، ويزيفة بمقالة رنانة تطبع وتنشر! نعم ربما يوجد من ينكر ذلك بقلبه، أو يشافه به خاصته، والله أعلم بالضمائر! ولغرابة تلك المقالة آثرت نقلها بحروفها؛ ليحيط الواقف علما بما وصلت إليه حرية الأفكار. وتلك المقالة قدمها أحد الفضلاء الأزهريين في جمادى الآخر سنة "1320" لإحدي المجلات العلمية في مصر فنشرتها عنه، وهاكها بحروفها تحت عنوان:
بماذا دفع العلماء نازلة الوباء؟
دفعوها يوم الأحد الماضي في الجامع الأزهر، بقراءة متن البخاري موزعًا كراريس على العلماء، وكبار المرشحين للتدريس، في نحو ساعة، جريًا على عادتهم من إعداد هذا المتن أو السلاح الجبري؛ لكشف الخطوب، وتفريج الكروب فهو يقوم عندهم في الحرب مقام المدفع والصرام والأسل، وفي الحريق مقام المضخة والماء، وفي الهيضة مقام الحيطة الصحيحة وعقاقير الأطباء، وفي البيوت مقام الخفراء والشرطة وعلى كل حال هو مستنزل الرحمات، ومستقر البركات ولما كان العلماء أهل الذكر والله يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُون} 1، فقد جئت أسألهم بلسان كثير من المسترشدين عن مأخذ هذا الدواء من كتاب الله، أو صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو رأي مستدل عليه لأحد المجتهدين الذين يقلدونهم، إن كانوا قد أتوا هذا العمل على أنه ديني، داخل في دائرة المأمور به. وإلا فعن أي حذاق الأطباء تلقوه ليتبين للناس منه أو من مؤلفاته عمل تلاوه متن البخاري في درء الهيضة عن الأمة، وأن هذا داخل في نواميس الفطرة أو خارج عنها خارق لها، وإذا كان هذا السر العجيب جاء من جهة أن المقروء حديث نبوي، فلم خص بهذه المزية مؤلف البخاري، ولِمَ لَمْ يجز في هذا موطأ مالك، وهو أعلى كعبًا وأعرق نسبًا وأغزر علمًا، ولا يزال مذهبه حيًّا مشهورًا، وإذا جروا على أن الأمر من وراء الأسباب فلم لا يقرؤه العلماء لدفع ألم الجوع كما يقرءونه لإزالة المغص أو--------------------------------------------
1 سورة النحل الآية: 43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
القيء أو الإسهال، حتى تذهب شحناء الجراية من صدور كثير من أهل العلم "أي من أهل جامع الأزهر" وعلى هذا القياس يقرأ لكل شيء، ما دامت العلاقة بين الشيء وسببه مفصومة فإن لم يستطيعوا عزو هذا الداء إلى نطاس الأطباء، سألت الملم منهم بالتاريخ أن يرشدنا إلى من سن هذه السنة في الإسلام، وهل قرئ البخاري لدفع الوباء قبل هذه المرة، فإنا نعلم أنه قرئ للعرابيين في واقعة التل الكبير "أي في مصر" فلم يلبثوا أن فشلوا، ومزقوا شر ممزق، ونعلم أنه يقرأ في البيوت لتأمن الحريق والسرقة، ولكن بأجر ليس شيئًا مذكورًا في جانب أجر شركة التأمين المعروفة مع أن الناس يتسابقون إليها تسابقهم إلى شراء الدواء إذا نزل الداء، ويعدلون عن الوقاية التي نحن بصددها، وهي تكاد تتكون بالمجان ويجدون في نفوسهم اطمئنانا لذلك دون هذه فإن لم يجد العلماء عن هذه المسألة إجابة شافية خشيت -كما يخشى العقلاء حملة الأقلام- عليهم حملة تسقط الثقة بهم، حتى من نفس العامة وحينئذ تقع الفوضى الدينية المتوقعة من ضعف الثقة، واتهام العلماء بالتقصير وكون أعمالهم حجة على الدين، هذا وقد لهج الناس بآراء على أثر الاجتماع الهيضي الأزهري، فمن قائل: إن العلماء المتأخرين من عادتهم أن يهربوا في مثل هذه النوازل من الأخذ بالأسباب، والاصطبار على تحملها لمشقتها الشديدة، ويلجئون إلى ما وراء الأسباب من خوارق العادات لسهولته ولإيهام العامة أنهم مرتبطون بعالم أرقى من هذا العالم المعروف النظام فيكسبون الراحة والاحترام معًا فيظهرون على الأمة ظهور إجلال، ويمتكلون قلوبهم ويسيطرون على أروحهم ولهذا تمكثوا حتى فترت شرة الوباء فقرءوا تميمتهم، ليوهموا أن الخطر إنما زال ببركة تميمتهم، وطالع يمنهم ومن قائل: إنهم يخدعون أنفسهم بمثل هذه الأعمال بدليل أن من يصاب منهم لا يعالج مرضه بقراءة كراسة من ذلك الكتاب، بل يعمد إلى المجربات من النعنع والخل وماء البصل وما شابه أو يلجأ إلى الطبيب لا تلتفت نفسه إلى الكراسة التي يعالج بها الأمة فهذا يدل على أن القوم يعملون على خلاف ما في وجدانهم لهذه الأمة خادعين أنفسهم بتسليم أعمل سلفهم، ومن قائل: إن عدوا من أعداء الدين الإسلامي أراد أن يشكك المسلمين فيه فدخل عليهم من جهة تعظيمه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
فأوحى إلى قوم من متعالمية السابقين أن يعظموا من شأنه ويرفعوا من قدره حتى يجعلوه فوق ما جاءت له الأديان فيدعون كشف نوائب الأيام بتلاوة أحاديث خير الأيام ويروجون ما يقولون بأنه جرب، وأن من شك فيه فقد طعن في مقام النبوة حتى إذا رسخت هذه العقيدة في الناس وصارت ملكة دينية راسخة عند العوام وجربوها فلم تفلح وقعوا -والعياذ بالله- في الشك وأصابهم دوار الحيرة كما حصل ذلك على أثر واقعة التل الكبير من كثير من الذين لم يتذوقوا الدين من المسلمين حتى كانوا يسألون عن قوة: "البخاري" الحربية ونسبته إلى البوارج ساخرين منه ومن قارئة، ولولا وقوف أهل الفكر منهم على أن هذا العمل ليس من الدين وأن القرآن يقول: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} 1 لضلوا وأضلوا وقد جرأ هذا الأمر غير المسلمين على الخوض في الدين الإسلامي وإقامة الحجة على المسلمين من عمل علمائهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ويقول قوم: إن التقليد بلغ بالعلماء مبلغًا حرم على العقول النظر في علم السلف وإن كذبته العينان وخالف الحسن والوجدان ويقول آخرون -ممن لا خبرة لهم بهمة العلماء في مثل هذه الكوارث- أما كان ينبغي لهم أن ينبثوا في المساجد والأبدية والولائم حاثين الناس على الوقاية من العدوى معاضدين الحكومة في تسكين سورة الأهلين مفاوضين الصحة في فتح المساجد وتعهدها بالنظافة فإن هذا يرتبط بهم أكثر مما يرتبط بوفد أعيان القاهرة جزاه الله خير الجزاء، فإن أعوزهم البيان وخلب القلوب بذلاقة اللسان فلا أقل من أن يؤلفوا رسالة في فهم ما ورد متشابهًا في موضوع العدوى حتى يعلم الناس أن الوقاية من الداء مأمور بها شرعًا وعقلًا وسياسة، فيكون كل فرد عارف عضدًا للحكومة ولو طلبوا من الصحة طبع ما ألفوا وتوزيعه على المصالح والنواحي للبت ذلك شاكرة وكان لهم الأثر النافع.
"وهذا ما يقوله القوم في شأن علمائهم نرفعه إليهم ليكونوا على بينه منه؛ لأنهم لا يختلطون بالناس غالبًا إلا في الولائم والمآتم وإن اختلطوا فقلما يناقشونهم في شيء تحرزًا--------------------------------------------
1 سورة الأنفال، الآية: 61.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
من حديثهم في المناقشة، ورميهم مناظرهم بأول وهلة بالزيغ والزندقة؛ فلذلك يجاملونهم ويوافقونهم خشية الهجر والمعاندة. أما أنا فإني لا أزال ألح في طلب الجواب الشافي عن أصل دفع الوباء بقراءة الحديث، وعن منح متن البخاري مزية لم يمنحها كتاب الله الذي نعتقد أنه متعبد بتلاوته دون الحديث؛ ولو كان هذا العمل من غير العلماء الرسميين لضربت عنهم وعن عملهم صفحًا، ولما خططت كلمة، ولكنه من علماء لهم مراكز رسمية، يزاحمون بها مراكز الأمراء، فيجب أن يؤبه لهم، وأن ينظر لعملهم بإزاء مركزهم عن الأمة التي يسألون عنها، والله ولي التوفيق".
هذا ما رأيته، أثبته بحروفه، وقد وقع منشئها بإمضاء "متنصح"، ولو عرفنا اسمه لنسبناه إليه أداء للأمانة إلى أهلها.
ثم رأيت العلامة عصام الدين الطاشكبري الحنفي ذكر في رسالة "الشفاء، لأدواء الوباء" في المطلب السادس نقلًا عن السيوطي أن الدعاء يرفع الطاعون والاجتماع له بدعة، قال: "لأنه وقع في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والصحابة يومئذ متوافرون وأكابرهم موجودون، فلم ينقل عن أحد منهم أنه فعل شيئًا من ذلك، ولا أمر به.
وكذا في القرن الثاني، وفيه خيار التابعين وأتباعهم؛ وكذا في القرن الثالث والرابع. وإنما حدث الدعاء برفعه في الزمن الأخير، وذلك في سنة 749".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
الباب العاشر: في فقه الحديث
1- بيان أقسام ما دون في علم الحديث:
قال الإمام ولي الله الدهلوي، قدس سره في الحجة البالغة ما نصه1، "اعلم أن ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم ودون في كتب الحديث على قسمين:
"أحدهما: ما سبيله سبيل تبليغ الرسالة، وفيه قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} منه علوم المعاد، وعجائب الملكوت، وهذا كله مستند إلى الوحي2 ومنه شرائع وضبط للعبادات، والارتفاقات، وهذه بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها مستند إلى الاجتهاد، واجتهاده صلى الله عليه وسلم بمنزلة الوحي؛ لأن الله تعالى عصمه من أن يتقرر رأيه على الخطإ، وليس يجب أن يكون اجتهاده استنباطًا من المنصوص، كما يظن، بل أكثره أن يكون علمه الله تعالى مقاصد الشرع وقانون التشريع والتيسير والأحكام؛ فبين المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون. ومنه3 حكم مرسلة ومصالح مطلقة، لم يُوقتها، ولم يبيح حدودها، كبيان الأخلاق الصالحة وأضدادها، ومستندها غالبًا الاجتهاد، بمعنى أن الله تعالى علمه قوانين الارتفاقات، فاستنبط منها حكمة وجعل فيها كلية. ومنه فضائل الأعمال، ومناقب العمال؛ وأرى أن بعضها مستند إلى الوحي، وبعضها إلى الاجتهاد، وهذا القسم هو الذي نقصد شرحه وبيان معانيه.--------------------------------------------
1 ص102.
2 أي ليس للاجتهاد فيها دخل. ا. هـ. دهلوي.
3 أي مما سبيله تبليغ الرسالة. ا. هـ. دهلوى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
وثانيهما: ما ليس من باب تبليغ الرسالة، وفيه قوله -صلى الله عليه وسلم1: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أن بشر" وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة تأبير النخل1: "فإني إنما ظننت ظنًّا، ولا تُؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لم أكذب على الله". فمنه الطب ومنه باب قوله صلى الله عليه وسلم: "عليكم بالأدهم والأقرح" ومستنده التجربة، ومنه ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة، دون العبادة، وبحسب الاتفاق، دون القصد، ومنه ما ذكره كما كان يذكر قومه، كحديث أم زرع2، وحديث خرافة3، وهو قول زيد بن ثابت، حيث دخل عليه نفر، فقالوا: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي، بعث إليَّّ فكتبته له، فكنا إذا ذكرنا الدنيا، ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، وكل هذا أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومه ما قصد به مصلحة جزئية يومئذ، وليس من الأمور اللازمة لجميع الأمة، وذلك مثل ما يأمر به الخليفة من تعبئة الجيوش، وتعيين الشعار، وهو قول عمر رضي الله عنه: "ما لنا وللرمل، كما نتراءى به قومًا قد أهلكهم الله! " ثم خشي أن يكون له سبب آخر، وقد حمل كثير من الأحكام عليه كقوله -صلى الله عليه وسلم4: "من قتل قتيلًا فله سلبه" ومنه حكم وقضاء خاص، وإنما كان يتبع فيه البينات والأيمان، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه5: "الشاهد يرى ما لا يراه الغائب". ا. هـ.--------------------------------------------
1 روى مسلم هذه القصة من حديث موسى بن طلحة عن أبية، ورافع بن خديج، وعائشة، وأنس "رض"، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما أن بشر … " فهو من تمام القصة في رواية رافع.
2 هي من الأزواج الإحدى عشرة اللاتي اجتمعن في الجاهلية، فتعاهدن لتخبرن كل امرأة بما في زوجها ولا تكذب، والرواية في الصحيحين من حديث عائشة "رض".
3 هو عند أحمد في مسنده من حديث عائشة "رض".
4 أخرجه البخاري من حديث أبي قتادة.
5 أخرجه الإمام أحمد في مسنده.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
2- بيان كيفية تلقي الأمة الشرع من النبي صلى الله عليه وسلم:
قال ولي الله قدس سره أيضًا في الحجة البالغة1: واعلم أن تلقي الأمة منه الشرع على وجهين:
أحدهما تلقي الظاهر، ولا بد أن يكون ما ينقل إما متواترًا أو غير متواتر؛ والمتواتر منه المتواتر لفظًا كالقرآن العظيم، وكنبذ يسيره من الأحاديث منها قوله -صلى الله عليه وسلم2: "إنكم سترون ربكم"، ومنه المتواتر معنى ككثير من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج والبيوع والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام، وغير المتواتر أعلى درجاته المستفيض وهو ما رواه ثلاثة من الصحابة فصاعدًا ثم لم يزل يزيد الرواة إلى الطبقة الخامسة، وهذا قسم كثير الوجود وعليه بناء رءوس الفقه ثم الخبر المقضي له بالصحة أو الحسن على ألسنه حفاظ المحدثين وكبرائهم ثم أخبار فيها كلام قبلها بعض، ولم يقبلها آخرون فما اعتضد منها بالشواهد أو قول أكثر أهل العلم أو العقل الصريح وجب اتباعه.
وثانيهما: التلقي دلالة وهي أن يرى الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أو يفعل، فاستنبطوا من ذلك حكما من الوجوب وغيره، فأخبروا بذلك الحكم فقالوا: الشيء الفلاني واجب وذلك الآخر جائز ثم تلقي التابعون من الصحابة كذلك فدون الطبقة الثالثة فتاواهم وقضاياهم، وأحكموا الأمر وأكابر هذا الوجه3 عم وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، لكن كان من سيرة عمر "رض" أنه كان يشاور الصحابة، ويناظرهم حتى تنكشف الغمة ويأتيه الثلج فصار غالب قضاياه، وفتاواه متبعة في مشارق الأرض، ومغاربها، وهو قول إبراهيم لما مات عمر رضي الله عنه: "ذهب تسعة أعشار العلم" وقول ابن مسعود رضي الله عنه كان عمر إذا سلك طريقا، وجدناه سهلًا وكان علي رضي الله عنه لا يشاور--------------------------------------------
1 ص104، "ذ. س".
2 أخرجه البخاري من حديث جرير بن عبد الله البجلي.
3 أي التلقي دلالة. ا. هـ. دهلوى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
غالبًا، وكان أغلب قضاياه بالكوفة ولم يحملها عنه الناس وكان ابن مسعود رضي الله عنه بالكوفة، فلم يحمل عنه غالبًا إلا أهل تلك الناحية، وكان ابن عباس رضي الله عنهما اجتهد بعد عصر الأولين، فناقضهم في كثير من الأحكام واتبعه في ذلك أصحابه من أهل مكة، ولم يأخذ بما تفرد به جمهورًا أهل الإسلام. وأما غير هؤلاء الأربعة فلم يكن لهم قول عند تعارض الأخبار، وتقابل الدلائل إلا قليلًا، كابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت رضي الله عنهم وأكابر هذا الوجه من التابعين بالمدينة الفقهاء السبعة، لا سيما ابن المسيب بالمدينة، وبمكة عطاء بن بأبي رباح، وبالكوفة إبراهيم وشريح والشعبي، وبالبصرة الحسن، وفي كل من الطريقتين خلل، إنما ينجبر بالأخرى، ولا غنى لإحداهما عن صاحبتهما أما الأولى فمن خللها ما يدخل الرواية بالمعنى، من التبديل ولا يؤمن من تغيير المغنى وونه ما كان الأمر في واقعة خاصة، فظن الرواي وجوبًا أو حرمة، وليس الأمر على ذلك، فمن كان فقيهًا وحضر الواقعة، استنبط من القرا حقيقة الحال كقول زيد رضي الله عنه في النهي عن المزارعة، وعن بيع الثماء قبل أن يبدو صلاحها إن ذلك كان كالمشهورة، وأما الثانية فيدخل فيها قياسات الصحابة والتابعين، واستنباطهم من الكتاب والسنة، وليس الاجتهاد مصيبًا في جميع الأحوال، وربما كان لم يبلغ أحدهم الحديث، أو بلغه بوجه لا ينتهض بمثلة الحجة، فلم يعمل به، ثم ظهر جلية الحال على لسان صحابي آخر بعد ذلك كقول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في التيمم عن الجنابة. وكثيرًا ما كان اتفاق رءوس الصحابة رضي الله عنهم على شيء من قبل دلالة العقل على ارتفاق وهو قوله -صلى الله عليه وسلم1: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" وليس من أصول الشرع، فمن كان متبحرًا في الأخبار وألفاظ الحديث يتيسر له التقصي عن مزال الأقدام، ولما كان الأمر كذلك وجب على الخائض في الفقه أن يكون متضلعًا من كلا المشربين، ومتبحرًا في كلا المذهبين، وكان أحسن شعائر الملة ما أجمع عليه جمهور الرواة وحملة العلم، وتطابق فيه الطريقتان جميعًا. ا. هـ.--------------------------------------------
1 راجع تخريج هذا الحديث في ص43 من هذا الكتاب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
3- بيان أن السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد حجة عليها:
قال الله تعالى1: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقال تعالى2: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} . وقال تعالى3: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} وقال تعالى4: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ} وقال تعالى5: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} . وقال تعالى6: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} . قال العلماء معناه إلى الكتاب والسنة وقال تعالى7: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه} 8: وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ} وقال تعالى9: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} . وقال تعالى10: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} ..--------------------------------------------
1 سورة الحشر، الآية: 7.
2 سورة النجم، الآية: 3.
3 سورة آل عمران، الآية: 31.
4 سورة الأحزاب، الآية: 21.
5 سورة النساء، الآية: 64.
6 سورة النساء، الآية: 58.
7 سورة النساء، الآية: 79.
8 سورة الشورى، الآية: 52.
9 سورة النور، الآية: 63.
10 سورة الأحزاب، الآية: 34.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)
والآيات في ذلك كثيرة، وقد ساقها مع عدة أحاديث في معناها الإمام النووي قدس الله سره في باب المر بالمحافظة على السنة وآدابها من: "رياض الصالحين" فارجع إليه1.
وقد روى البيهقي عن الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا ما قلت. فهذا مذهبه في اتباع السنة. وأخرج البيهقي أيضًا عن الشافعي قال: إذا حدث الثقة عن الثقة حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يترك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث أبدًا إلا حديث وجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يخلفه، وقال الشافعي: إذا كان الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخالف له عنه، وكان يروي عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يوافقه لم يزده قوة، وحديث النبي مستغن بنفسه وإن كان يروي عمن دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يخلفه لم يلتفت إلى ما خالفه، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يؤخذ به، ولو علم من روي عنه خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعها إن شاء الله تعالى.
وأخرج البيهقي أيضًا عن الربيع قال: قال الشافعي في أقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تفرقوا فيها نصير إلى ما وافق الكتاب والسنة والإجماع أو كان أصح في القياس، وإذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة، ولا خلاف صرت إلى اتباع قول واحدهم إذا لم أجد كتابا، ولا سنة ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناه يحكم له بحكمه أو وجد معه قياس.
وأخرج أيضًا عن الربيع قال: قال الشافعي: ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذر على من سمعها مقطوع إلا باتباعهما فإذا لم يكن ذلك صرنا إلى أقاويل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو واحدهم ثم كان قول الأئمة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، إذا صرنا إلى التقليد أحب إلينا، وذلك إذا لم نجد دلالة في الاختلاف تدل على أقرب الاختلاف--------------------------------------------
1 ص22، المطبعة الميرية، مكة 1312.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)
من الكتاب والسنة، فنتبع القول الذي منه الدلالة لأن قول الإمام مشهور بأنه يلزم الناس، ومن لزم قول الناس كان أشهر ممن يفتي الرجل والنفر، وقد يأخذ بفتياه أو يدعها وأكثر المفتين يفتون الخاصة في بيوتهم ومجالسهم ولا تعني العامة بما قالوا اعتناءهم بما قال الإمام، وقد وجدنا الأئمة يبتدئون فيسألون عن العلم من الكتاب والسنة فيما أرادوا أن يقولوا فيه، ويقولون فيخبرون بخلاف قولهم فيقبلون من المخبر ولا يستنكفون أن يرجعوا لتقواهم الله، وفضلهم في حالاتهم فإذا لم يوجد عن الأئمة فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدين في وضع الأمانة أخذنا بقولهم، وكان اتباعهم أولى بنا من اتباع من بعدهم قال والعلم طبقات الأولى: الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة ثم الثانية: الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة: أن يقول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعلم له مخالف منهم، والرابعة: اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والخامسة: القياس على هذه الطبقات، ولا يصار إلى شيء غير الكتاب، والسنة وهما موجودان وإنما يؤخذ العلم من أعلى وذكر الشافعي في كتاب الرسالة القديمة بعد ذكر الصحابة والثناء عليهم بما هم أهله قال: وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم أو استنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من آرائنا عندنا لأنفسنا، والله تعالى أعلم ومن أدركنا ممن أراضي أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، وقول بعضهم إن تفرقوا هكذا نقول إذا اجتمعوا أخذنا بإجماعهم، وإن قال واحد منهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله، وإن اختلفوا أخذنا بقول بعضهم، ولم نخرج من أقاويلهم كلهم قال الشافعي: إذا قال الرجلان منهم في شيء قولين مختلفين نظرت فإن كان قول أحدهما أشبه بكتاب الله تعالى أو أشبه بسنه من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت به لأن معه شيئًا يقوى بمثله ليس مع الذي يخالف مثله فإن لم يكن على واحد من القولين دلالة بما وصفت كان قول الأئمة أبي بكر أو عمر أو عثمان رضي الله عنهم، أرجح عندنا من أحد لو خالفهم غير إمام، وذكر في موضع آخر من هذا الكتاب وقال: وإن لم يكن على القول دلالة من كتاب أو سنة كان قول أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي رضي الله عنهم أرجج عندنا من أحد لو خالفهم غير إمام وذكر في موضع آخر من هذا الكتاب، وقال: وإن لم يكن على القول دلالة من كتاب أو سنة كان قول أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي رضي الله عنهم أحب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)
إلى أن أقول به، من قول غيرهم إن خالفهم من قبل أنهم أهل علم وحكام. ثم ساق الكلام إلى أن قال: فإن اختلف الحكام استدللنا بالكتاب والسنة في اختلافهم، فصرنا إلى قول الذي عليه الدلالة من الكتاب والسنة وقلما يخلو اختلافهم من دلائل كتاب أو سنة، وإن اختلف المفتون -يعني من الصحابة بعد الأئمة- بلا دلالة فيما اختلفوا فيه نظرنا إلى الأكثر فإن تكافأ نظرنا إلى أحسن أقاويلهم مخرجًا عندنا، وإن وجدنا للمفتين في زماننا وقبله إجماعًا في شيء لا يختلفون فيه تبعناه، وكان أحد طرق الأخبار الأربعة وهي كتاب الله تعالى ثم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قول بعض الصحابة ثم إجماع الفقهاء فإذا نزلت نازلة لم يجد فيها واحدة من هذه الأربعة الأخبار فليس السبيل في الكلام في النازلة إلا اجتهاد الرأي.
وقال شمس الدين ابن القيم في إعلام الموقعين: "قال الأصم: أخبرنا الربيع بن سليمان قال الشافعي: أنا أعطيك جملة تغنيك إن شاء الله تعالى: لا تدع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديثًا أبدًا إلا أن يأتي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث خلافه فتعمل بما قررت لك في الأحاديث إذا اختلف، وقال أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول إذا وجدتم سنة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي فإني أقول به قال أحمد بن عيسى بن ماهان الرازي سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة فيها صح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي وقال حرملة بن يحيى قال الشافعي: ما قلت وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال بخلاف قولي فما صح من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى ولا تقلدوني وقال الحميدي: سأل رجل الشافعي عن مسألة فأفتاه وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا فقال الرجل: أتقول بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعي: أرأيت في وسطي زنارًا؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم وتقول لي: أتقول بهذا؟! أروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أقول به؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)
وقال الربيع: قال الشافعي: لم أسمع أحدًا نسبته إلى العلم أو نسبته العامة إلى علم أو نسب نفسه إلى علم يحكي خلافًا في أن فرض الله تعالى اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم لحكمه فإن الله تعالى لم يجعل لأحد بعده إلا اتباعه، وإنه لا يلزم قول رجل قال إلا بكتاب الله تعالى أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن ما سواهما تبع لهما، وإن فرض الله تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى. قال الشافعي: ثم تفرق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرقا متباينًا، وتفرق منهم ممن نسبه العامة إلى الفقه فامتنع بعضهم عن التحقيق من النظر وآثروا التقليد والغفلة والاستعجال بالرئاسة، وقال الإمام أحمد: قال لنا الشافعي: إذا صح عندكم الحديث فقولوا لي كي أذهب إليه، وقال الإمام أحمد: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله، قال الربيع: قال الشافعي: لا تترك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يدخله القياس ولا موضع له من السنة، قال الربيع: وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، أنه قضى1 في بروع بنت واشق ونُكحت بغير مهر فمات زوجها فقضى لها بمهر مثلها وقضى لها بالميراث، فإن كان لم يثبت عن النبي فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في قول أحد دون النبي صلى الله عليه وسلم ولا في القياس ولا شيء إلا طاعة الله تعالى بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت ولم أحفظه من وجه يثبت مثله هو مرة عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة عن بعض أشجعي لا يسمى، قال الربيع: سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة فقال: يرفع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه وإذا أراد أن يركع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك ولا يفعل ذلك في السجود قلت له: فما الحجة في ذلك قال: أنبأنا ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قولنا قال الربيع: فقلت فإنا نقول يرفع في الابتداء ثم لا يعود قال--------------------------------------------
1 أخرجه الشيخان وأصحاب السنن وصححه الترمذي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)