Arabic source text

📘 কাওয়াইদুত তাহদিসি মিন ফুনুনি মুসতালাহিল হাদিস (জামালুদ্দীন আল-কাসিমী - মৃত্যু 1332 হিজরী)

📘 قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث (جمال الدين القاسمي - ت 1332 هـ)

📘 কাওয়াইদুত তাহদিসি মিন ফুনুনি মুসতালাহিল হাদিস (জামালুদ্দীন আল-কাসিমী - মৃত্যু 1332 হিজরী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
الأسطر من الدلالة على خطورتتها ما كان يمكن أن يؤدي بالقاسمي إلى المشنقة، أو إلى التنكيل القبيح.
وهكذا فإن القاسمي قد عاش الدستور وبعده، وهو هدف للاضطهاد، بسبب آرائه الحرة، وأفكاره الجريئة.
أما مظاهر حريته الكاملة فستراها حين بحث آرائه وأفكاره.
8- آراؤه وأفكاره:
في هذا البحث عناوين لبعض آراء القاسمي وأفكاره، والتقطتها من بعض كتبه دون استقصاء. وهذه العناوين التي كتبها بقلمه لا تغني عن الرجوع إلى أصول الأبحاث. وإنما تعطى فكرة عن عقل الرجل وتفكيره، فلقد كان يرى:
إن الدين مدرسة أخلاق1 وأنه يدعو للوحدة لا للتفرق2. وأن العقل حجة الله القاطعة البالغة، والنقل لا يأتي بما يناقض العقل3. وأن العلماء اتفقوا على أنه إذا تعارض العقل والنقل، أول النقل بالعقل4.
إن باب التناظر، والتحاور في المسائل مفتوح، حتى في مثل أخبار الصحيحين، وهي ما هي، وإن غل الفكر عن النظر والتأمل هو أعظم هادم لصرح التحقيق، فإن الحقيقة بنت البحث5.
وإن حرية العلم والتأليف قضت أن لا يبخل بفكر، ولا يضن برأي، لا على أن يهمس به همسًا، بل على أن يبث وينشر، ويصدع به في المجامع والجوامع ويجهر به على المسامع6.
إن تبين وجه الحق إنما هو بالوقوف على تفصيل المتنازع فيه وتحليله، وطرح كل ما سبق إلى القلب وغرس فيه، من تقليد أو تحزب أو تقية، أو حمية7 …
وإن الحق ليس منحصرًا في قول ولا مذهب، وقد أنعم الله على الأمة بكثرة مجتهديها8.--------------------------------------------
1 دلائل التوحيد ص134.
2 إقامة الحجة ص4.
3 دلائل التوحيد ص129.
4 دلائل التوحيد ص31.
5 الأجوبة المرضية ص6.
6 نقد النصائح الكافية ص7.
7 نقد النصائح ص24.
8 الاستئناس ص44.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 27)

وإن مراد الإصلاح العلمي بالاجتهاد ليس القيام بمذهب خاص، والدعوة له على انفراده، وإنما المراد إنهاض همم رواد العلم، لتعرف المسائل بأدلتها 1 …
إنا في الرأي مستقلون، ولسنا بمقليدن ولا متحزبين2.
ظهر لي أن قول بعض الفقهاء: "هو تعبدي لا يعقل معناه" فيه حجر على العقول والأفهم أن تنظر وتتأمل وتتدبر. فهو مناف لقاعدة إعمال الفكر لاستنباط المعاني3.
وله آراء في الدولة وقوتها والوطن والسياسة والعرب وغيرها جاء في بعضها:
إن القرآن قد أمر بوجوب إعداد القوة الحربية، وإنه لما ترك المسلمون العمل بهذا الأمر، أهملوا فرضًا من فروض الكفاية، وأصبحت جميع الأمة أئمة. وأن طمع العدو في البلاد الإسلامية؛ لأنه ليس فيها معامل للأسلحة، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو. ولقد آن للأمة أن تنتبه من غفلتها قبل أن يداهم العدو ما بقي منها، فيقضي على الإسلام وممالك المسلمين، لاستعمار الأمصار، واستعباد الأحرار، ونزع الاستقلال المؤذن بالدمار4.
وإن حب الوطن من أمهات الفضائل، وهو أن يبذل المرء ما يقدر عليه، مما أعطاه الله من العلم والمال والخبرة والنصح في عامة الأحوال والأزمان لمنفعة وطنه ومواطنيه5.
وحض على الجهاد لأن العدو يريد أن يقضي على الدين، وأن ينهب الأموال والمقتنيات ويهتك الحرم، ويمحو تاريخ المجد، ويفني اللغة والعلوم6.
وهلل للدستور بكثير من الفرح7.
ودعا لتولية الأكفياء، وإعطاء كل ذي حق حقه، ووضع الأشياء في مواضعها، وتفويض الأعمال للقادرين عليها.. لأن كل من تتبع تواريخ الأمم، علم أنه ما انقلب عرش مجدها، إلا لتفويض الأعمال لمن لا يحسن القيام عليها، ويضع الأشياء في غير موضعها8.--------------------------------------------
1 إرشاد الخلق ص4.
2 الجرح والتعديل ص14.
3 السوانح ص3 "مخطوط".
4 محاسن التأويل ج8 ص3025.
5 جوامع الآدب ص111.
6 جومع الآداب ص110.
7 دلائل التوحيد ص205.
8 الفتوى في الإسلام ص54.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 28)

وكان يحترم آراء الفرق؛ لأن الخطأ من شأن غير المعصوم1.
وقد ترك دفترًا تاريخه أواخر شوال 1321 - 1904، قيد فيه من أوابد أفكاره ما يدعو إلى كثير من الإعجاب والتقدير2.
فهو يسر للانتقاد، ويعتبر الانتحار هربًا من القيام بالفروض، وأن القدر الذي يجب الإيمان به لا ينطوي على شيء يميت العزم أو يخمده، وأن الغرب قد اختارهم الله لتهذيب الأمم؛ لأنه أنزل القرآن بلغتهم، وأن قصص القرآن ليست إلا آيات وعبرًا. وأن وظيفة الأستاذ والرئيس أن ينظر في أمور جماعته، ويمهد لها سبيل المجد والارتقاء. وأن المناظرة في الأمور المذهبية التي توجب الضغائن. وتولد التعصب آفة العمران. وأن الكسل من النقائص التي تولد الحسائس والشرور. وأن من اشتهر بالبخل من الناس مرفوض.
وكذلك من اشتهر بالنميمة والثلب والسفه والكبرياء.. وأن أعمال المتقين تفقًا حصرمًا في أعين الحاسدين. وأن المتعصبين يستعملون تعاليمهم الفاسدة في تفريق الناس بعضهم عن بعض. وأن الحق يصرع إذا عمد إلى إظهاره بالسباب والشتائم.
وأن الحياة معترك هائل، يموج بالرزايا موجًا، وأن الإنسان فيها بمثابة المخاطر في معترك الحرب، إن فاتته ضربة سيف، ولا تفوته طعنة رمح، أو رمية سهم.
وأن الإسلام لا يبيح الحرب لذاتها، وقد حرم الاعتداء، وإنما يوجب تعميم الدعوة، فمن عراضها وجب جهاده عند القدرة، حتى يقبلها، أو يكون لأهلها السلطان الذي يتمكنون به من نشرها بدون معارض. وأن اللباس من الأمور العادية. والدين لا يذم لباسًا إلا إذا كان في لبسه ضرر في الأخلاق.
وأن السياسة مصابرة المكاره، ومسايرة الأهوال والمصاعب، وركوب الأسنة في سبيل المداراة والمجاراة، وتحين الفرص والظروف.
وأنه لا ينبغي للإنسان أن تكون وظيفته في الحياة دون النبات: ذاك يتطاول، وهم يتقاصرون.--------------------------------------------
1 الجرح والتعديل ص7.
2 ستنشر نصوص هذا الدفتر الكاملة في الكتاب.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)

وأن العاقل لا ينتصر لرأيه الذاتي، ولا يصر عليه، فربما كان صوابًا أو خطأ.
وأن عثمان كان محقًّا في نفي أبي ذر الغفاري لأن الحث على الزهد في الدنيا، والقناعة باليسير والكف من الرزق، وإماتة المطالب النفسية، والتباعد عن الزينة والمفاخرة.. كل هذه الأصول فقرات مخدرات لا يرتضيها عقل، ولم يأت بها شرع.
وأن حال الأمة لا يستقيم ولا يثبت على أساس مكين ما لم يتفق الكبراء بعضهم مع بعض، ويتصافوا مع الذين دونهم، ويفصلوا كل خلاف وخصومة بالتحكيم.
وأن الجبان يموت مرارًا قبل وفاته، والشجاع لا يذوق مرارة الموت إلا مرة واحدة.
وبعد فهذا قليل من كثير مما ترك القاسمي. عرضنا منه عناوين، وتركنا التفصيل إلى كتابنا الذي نعده عنه.
9- أسلوبه ومؤلفاته:
كان الكتاب في العصر الذي عاش فيه القاسمي يعتبرون السجع المثل الأعلى في الإنشاء.
وكانت "مقامات الحريري" القدوة التي يحتذيها الكتاب فيما يكتبون. ولقد درجوا على تحفيظها للطلاب، لتنمية الملكة الأدبية، وللنسج على منوالها.
ولقد كان والده أديبًا، إلى جانب تعمقه بالفقه فنشأه نشأة أدبية، على الطريقة المألوفة في عصره، فلما أخذ في الكتابة والتأليف جرى على الأسلوب الذي لقن إليه. فالتزم السجع في أكثر ما كتب في مطلع حياته، ثم استمر على التزامه في أكثر مقدمات كتبه حتى آخر حياته، وفي بعض رسائله الخاصة. على أن سجعه في أوائل أيامه أقرب إلى سجع المبتدئين، وكان في أواخرها أقرب إلى سجع أئمة الكتاب المتقدمين1.
ثم شاعت طرقة الترسل، وكان الأستاذ الإمام محمد عبده، من الذين استعملوها، ودعوا إلى نشرها. وكان القاسمي معجبًا بالأستاذ الإمام، فعدل عن السجع إلى الترسل، وفي أكثر ما كتب بعد تعرفه عليه عام 1321 - 1904، فجاء أسلوبه فيه عربيًّا صافيًا، رائعًا--------------------------------------------
1 راجع ص75 من الجزء الثاني من محاسن التأويل وأكثر مقدمات كتبه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)

في قوة التركيب، وجزالة الألفاظ، ودقة الأداء، دليلًا على تمكنه من لغة العرب، وصفا ذهنه، وغوصه على المعاني1.
أما كتبه التي ألفها فقد قاربت المائة. وأقدم ما عثرت عليه مؤلفاته، مجموعة سماها "السفينة" يرجع تاريخها إلى عام 1299 - 1883، ضم فيها طرائف من مطالعاته في الأدب والأخلاق والتصوف والتاريخ والشعر وغير ذلك وله من العمر ستة عشر عامًا. ومضى يكتب ويكتب إلى أن عجب الناس من بعده، كيف اتسع وقته -ولم يعش إلا تسعة وأربعين عامًا- لهذا الإنتاج الضخم، فضلًا عن تحمل مسئولية الرأي، وترجيح الأقوال ومناقشتها، والرجوع إلى المصادر، وفضلًا عن أعبائه العائلية، فلقد كان له زوج وسبعة أولاد، وفضلًا عن أمامته للناس في الأوقات الخمسة دون انقطاع، ودروسه العامة والخاصة، وتفقده للرحم ورحلاته، وزياراته لأصدقائه، وغير ذلك من المشاغل.
وليس من شأن هذه المقدمة أن تعد لك مؤلفات القاسمي وقد قاربت المائة، ولا أن تعرفك بمواضيعها، فارجع إلى هذا البحث، إن شئت، في الكتاب الذي لخصنا عنه هذا الفصل.
10- أسلوبه في الدعوة:
عرف عن القاسمي أنه كان عف اللسان والقلم، لم يتعرض بالأذى لأحد من خصومه، سواء أكان ذلك في دروسه الخاصة أو العامة، أو في مجالسه وندواته. وإنما كان يناقش بالبرهان والدليل، من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة والمراجع المعتمدة.
وكانت له طريقة في مناقشة خصومه له يعرف أهدأ منها، ولا أجمل من صبرها. وكثيرًا ما قصده بعض المتقحمين في داره، لا مستفيدًا، ولا مستوضحًا، ولا مناقشًا، بل محرجًا.
فكان يستقبلهم بصدره الواسع، وعلمه العميق، فلا يخرج المقتحم من داره إلا وقد أفحم وامتلأ إعجابًا وتقديرًا.--------------------------------------------
1 راجع ص3025 من الجزء الثاني من محاسن التأويل، والمقتطفات التي أوردناها في بحث "آرائه وأفكاره".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)

ولم تتضمن كتبه، على كثرتها، وبعضها إنما وضع للرد على مخالفيه، لفظًا نابيًا، وإنما اعتصم بالنقاض العلمي الأدبي.
ومن الواضح لمن يطلع على هذه الكتب، أن القاسمي لم يكن يريد من الرد على مخالفيه، إفحام خصومه، أو تصغيره أقدارهم، أو الحط من مكانتهم، وإنما كان يهدف إلى الهدى والرشاد، وسواء السبيل، والدعوة إلى الصراط المستقيم، حتى ينقلب المخطئ مصيبًا، وحتى يعود المنحرف إلى الحق.
"ادفع بالتي هي أحسن" طريقته الوحيدة في الدعوة إلى الحق، فلم تعرف عنه رغبة لجاجة ولا إلحاح مع معاند، ولا استمرار مع مكابر أو مغرض.
11- وفاته:
وافاه أجله مساء السبت 23 جمادى الأولى 1332 - 18 نيسان 1914 ودفن في مقبرة الباب الصغير بدمشق.
الخاتمة:
هذه لمحة عن سيرة هذا الرجل الذي عاش للعلم والحق والخير وترك أعمق الأثر في معاصريه وأقرانه وتلاميذه، وفي العصر الذي عاش فيه، وفي العصور التي أتت من بعده، سواء أكان في النهضة الدينية، أم في النهضة الإسلامية والعربية بوجه عام. لقد كان حلقة في سلسلة الهدى والإصلاح التي لا ينقطع نورها عن العالم الإسلامي خلال القرون، فجددت للناس حقائق الدين، وجلت عنها ما علق بها من الخرافات والأوهام.
ظافر القاسمي

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)

‌‌خطبة الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أنزل أحسن الحديث، وأودع درر بيانه في محكم الحديث، وألهم حملته العدول، وحفظته الفحول، إيضاح مصطلحه وقواعده، ليدنوا اجتناء ثمرات فوائده فإنه لسماء المعارف الشمس البازغة، وللهداية إلى طريق الحق الحجة الدامغة، أحمده حمد من أعمل بالحمد لسانه، وشغل بالشكر أركانه وجنانه، وأشكره شكر معترف بامتنانه، مغترف من بحر بره وإحسانه وأصلي وأسلم على من أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، سيدنا محمد أفضل من كحلت به الرسالة أجفانها، ونظمت به النبوة جمانها، وعلى آله الفائزين بتلقي إرساله، واتباع أقواله وأفعاله، وعلى أصحابه الذين دأبوا في المآثر الصالحة، ونصبوا على تعاطي التجارت الرابحة، وعلى السادة الأتباع، الذين اقتفوا مسالك الأتباع، وجانبوا محدثات الابتداع، وعلى من تبعهم بإحسان، وتأسى بهم في حفظ الهدي النبوي المصون، ما أرسل راو الإسناد وعنعنه، وصحح متنه وحسنه.
أما بعد. فإن من سعادة الأمة أن يكون لديها من العلماء طائفة مهتمة، يختص عملها بتنوير عقولهم بالمعارف الحقة، وتحليتها بالعلوم الصافية بكمال الدقة، لا ينون في تبيين طرق السعادة ومواردها. ولا يألون جهدًا في السلوك بهم في جوادها، وذلك أن بداهة العقل حاكمة بأن جل المعارف البشرية، والعقائد الدينية، والأحكام الشرعية، مكتسبة أي من العلوم النظرية، فإن لم يكن في الناس معلم حكيم، قصرت العقول عن درك ما ينبغي لها دركه من التقويم، وانقطعت دون الكفاية مما يلزم لسد ضرورات الحياة الأولى، والاستعداد لما يكون في الأخرى، وساوى الإنسان في معيشته سائر الحيوانات، وحرم سعادة الدارين وفارق هذه الدنيا على أتعس الحالات. وإن من أعظم ما يسعى إليه الساعون، ويتنافس في الدعوة إليه المتنافسون، علوم الحديث الكاشفة النقاب، عن جمال وجوه مجملات الكتاب، والمدار لتفصيل الأحكام، وتبيين أقسام الحلال والحرام: إذ مستندها ما صح من الأخبار، وثبت حسنه من الآثار، ولا طريق لتعريف ذلك، إلا

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)

بما اصطلع عليه من أصول تلك المسالك. ولما كان الشيء يشرف بشرف موضوعه أو بمسيس الحاجة إليه، كان فن المصطلح مما جمع الأمرين، وفاز بالشرفين؛ لأنه يبصر من سواء السبيل الجواد، ويرقى الهمم لتعرف سنن الرشاد، وإني منذ تنشقت من علم الحديث أرج أردانه، حتى عمت من بحره في زاخره، وجريت طلقًا في ميدانه، لم أزل أسرح طرق الطرف في رياضه، وأورد ذود الفكر في حياضه، أستشيم بارقه إذا سرى، وأجرى مع هواه حيث جرى، وأنظم فرائده، وأقيد أوابده، وأدل على مقاصده، وأعوج إلى معاهده، حتى أشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهم، وأجبت داعي الفكر لمقترحه، من جمع ما كنت وعيت من مصطلحه؛ إذ هو قطب تدور عليه أفلاك الأخبار، وعباب تنصب منه جداول معاني الآثار، قد سجم وابل فضله في الأصول فأزهرها، وتبسم وجه إقباله في الفروع فنورها، فاستخرت الله فيما قصدت، وتوكلت عليه فيما أردت، وشرعت في جمع لبابه، والمهمات من أبوابه، وإبراز دفائنه وكنوزه، وحل غوامضه ورموزه، ومن الكتب المعول عليها، والأصول المرجوع إليها، حتى غدا جامعًا لمجمع المصطلحات، وحاصرًا لامهاتها المعتبرات، مع تنبيهات نافعة وتنويرات ساطعة، توضح معالم أسرار الآثار، وتصيرها كالشمس في رائعة النهار، وضممت إليه فرائد تبهج الألباب، عثرت على خباياها في غير ما كتاب، مما لم يذكر في أسفار المصطلح، ولا يعلم مظانها إلا من لزند التنقيب اقتدح، فقيدت شواردها، وقصرت أوابدها على أسلوب جديد، يسهل الوقوف على أسرار هذا الفن الباهرة، ويرقى إلى الرسوخ في مقاصد السنة الطاهرة، والحذق في رد الخلاف إلى الحق المأثور، الذي تطمئن به القلوب وتنشرح الصدور. مما يتنافس فيه الكاملون، ويتباهي بتحصيل معرفته الراغبون، وقد سميته: "قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث" ورتبته على مقدمة وعشرة أبواب، مذيلة بخاتمة في فوائد متنوعة يضطر إليها الأثرى، ثم بتتمة في مقصدين بديعين. وعلى الله التكلان، في كل وقت وأوان، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)

مقدمة: في مطالع مهمة
المطلع الأول:
قال الزركشي في قواعده: "إن تصنيف العلم فرض كفاية على من منحه الله فهمًا واطلاعًا فلو ترك التصنيف لضيع العلم على الناس وقد قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ} 1 الآية، ولن تزال هذه الأمة في ازدياد وترق في المواهب والعلم". ا. هـ.
وقال نابغة البلغاء ابن المقفع في مقدمة الدرة اليتيمة2: "وجدنا الناس قبلنا لم يرضوا بما فازوا به من الفضل لأنفسهم حتى أشركونا معهم فيما أدركوا من علم الأولى والآخرة، فكتبوا به الكتب الباقية، وكفونا مئونة التجارب والفطن، وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له الباب من العلم والكلمة من الصواب وهو بالبلد غيرالمأهول فيكتبه على الصخور مبادرة منه للأجل، وكراهية لأن يسقط ذلك على من بعده3، فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشفيق على ولده الرحيم بهم الذي يجمع لهم الأموال، والعقد4 إرادة أن لا تكون عليهم مئونة في الطلب وخشية عجزهم إن هم طلبوا فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم، وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم فيكون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يستمع غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتخل في آرائهم، والمنتقي من أحاديثم ولم تجدهم غادروا شيئًا يجد واصف بليغ في صفة له مقالًا لم يسبقوه إليه لا في تعظيم لله عز وجل وترغيب فيما عنده ولا في تصغير للدنيا وتزهيد فيها ولا في تحرير صنوف العلم، وتقسيم أقسامه وتجزئة أجزائها وتوضيح سبلها،--------------------------------------------
1 سورة آل عمران، آية 81.
2 ص9 بيروت المطبعة الأدبية 1897. طبعة ثانية.
3 أي يفوته.
4 جمع عقدة: ما فيه بلاغ الرجل وكفايته "قاموس".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)

وتبيين مآخذهم، ولا في وجوه الأدب، وضروب الأخلاق. فلم يبق في جليل من الأمر لقائل بعدهم مقال، وقد بقيت أشياء من عمل الأمور فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم ومن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس" انتهى كلامه.
وفي قوله: "وقد بقيت … " فتح لباب التصنيف على نحو هذا المعنى وقد قالوا: ينبغي أن لا يخلو تصنيف من أحد المعاني الثمانية التي تصنف لها العلماء وهي: اختراع معدوم، أو جمع مفترق، أو تكميل ناقص، أو تفصيل مجمل، أو تهذيب مطول، أو ترتيب مخلط، أو تعيين مبهم، أو تبيين خطأ كذا عدها أبو حيان يمكن الزيادة فيها.
قال ملا كاتب جلبي رحمه الله: "ومن الناس من ينكر التصنيف في هذا الزمان مطلقًا، ولا وجه لإنكاره من أهله وإنما يحمله عليه التنافس والحسد الجاري بين أهل الأعصار والله در القائل:
قل لمن لا يرى المعاصر شيئًا … ويرى للأوائل التقديما
إن ذاك القديم كان حديثًا … وسيبقى هذا الحديث قديما
واعلم: أن نتائج الأفكار لا تقف عند حد، وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى غاية، بل لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه في وقته المقدر له، وليس لأحد أن يزاحمه فيه لأن العالم المعنوي واسع كالبحر الزاخر، والفيض الإلهي، ليس له انقطاع ولا آخر، والعلوم منح إلهية ومواهب صمدانية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين، ما لم يدخر لكثير من المتقدمين، فلا تغتر بقول القائل: "ما ترك الأول للآخر! " بل القول الصحيح الظاهر: "كم ترك الأول للآخر! " فإنما يستجاد الشيء ويسترذل لجودته، ورداءته في ذاته لا تقدمه، وحدوثه. ويقال "ليس كلمة أضر بالعلم من قولهم: ما ترك الأول شيئًا" لأنه يقطع الآمال عن العلم، ويحمل على التعلم، فيقتصر الآخر على ما قدم الأول من الظاهر، وهو خطر عظيم، وقول سقيم فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها، فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها كما قال عليه الصلاة والسلام:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)

"أمتي أمة مباركة لا يُدرى أولها خير أو آخرها" قال ابن عبد ربه في العقد: "إني رأيت آخر كل طبقة، واضعي كل حكمة، ومؤلفي كل أدب، أهذب لفظا وأسهل لغة، وأحكم مذاهب، وأوضح طريقة من الأول؛ لأنه ناقض متعقب، والأول بادي متقدم".
وفي كتاب: "جامع بيان العلم وفضله" للحافظ ابن عبد البر1 عن علي رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها: "واعلموا أن الناس أبناء ما يحسنون وقدر كل آمري ما يحسن فتكلموا في العلم تتبين أقداركم". قال ابن عبد البر: "ويقال إن قول علي بن أبي طالب: قيمة كل امرئ ما يحسن، لم يسبقه إليه أحد، وقالوا: "ليس كلمة أحض على طلب العلم منها" وقالوا: "ولا كلمة أضر بالعلم والعلماء والمتعلمين من قول القائل: "ما ترك الأول للآخر شيئًا". ا. هـ.
المطلع الثاني:
أتأسى في هذا التصنيف الميمون بقول السيد مرتضى اليماني رحمه الله في كتابه: "إيثار الحق على الخلق"2: "وإنما جمعت هذا المختصر المبارك، إن شاء الله تعالى، لمن صنفت لهم التصانيف، وعنيت بهدايتهم العلماء؛ وهم من جمع خمسة أوصاف، معظهما: الإخلاص والفهم والإنصاف، ورابعها -وهو أقلها وجودًا في هذه الأعصار- الحرص على معرفة الحق من أقوال المختلفين وشدة الداعي إلى ذلك الحامل على الصبر والطلب كثيرًا وبذل الجهد في النظر على الإنصاف ومفارقة العوائد وطلب الأوابد".
قال رحمه الله: "فإن الحق في مثل هذا الأعصار قلما يعرفه إلا واحد، وإذا عظم المطلوب قل المساعد، فإن البدع قد كثرت، وكثرت الدعاة إليها، والتعويل عليها، وطالب الحق اليوم شبيه بطلابه في أيام الفترة، وهم: سلمان الفارسي، وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما رحمهما الله تعالى؛ فإنهم قدوة الطالب للحق، وفيهم له أعظم أسوة فإنهم لما حرصوا--------------------------------------------
1 ص50 القاهرة، مطبعة الموسوعات، 1320هـ.
2 ص24. القاهرة 1218، مطبعة الآداب والمؤيد.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)

على الحق وبذلوا الجهد في طلبه، بلغهم الله إليه، وأوقفهم عليه، وفازوا من بين العوالم الجمة، فكم أدرك الحق طالبة في زمن الفترة! وكم عمي عنه المطلوب له في زمن النبوة! فاعتبر بذلك واقتد بأولئك فإن الحق ما زال مصونًا عزيزًا نفيسًا كريمًا، لا ينال مع الإضراب عن طلبه وعدم التشوف والتشوق إلى سببه ولا يهجم على المبطلين المعرضين ولا يفاجئ أشباه الأنعام الغافلين؛ ولو كان كذلك ما كان على وجه الأرض مبطل ولا جاهل ولا بطال ولا غافل". انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
المطلع الثالث:
لا خفاء أن من المدارك المهمة في باب التصنيف، عزو الفوائد والمسائل والنكت إلى أربابها تبرؤا من انتحال ما ليس له، وترفعًا عن أن يكون كلابس ثوبي زور. لهذا ترى جميع مسائل هذا الكتاب معزوة إلى أصحابها بحروفها وهذه قاعدتنا فيما جمعناه ونجمعه.
وقد اتفق أني رأيت في "المزهر" للسيوطي هذا الملحظ حيث قال في ترجمة "ذكر من سئل عن شيء فلم يعرفه فسأل من هو أعلم منه" ما نصه1: "ومن بركة العلم وشكره، عزوه إلى قائله؛ قاله الحافظ أو طاهر السلفي: سمعت أبا الحسن الصيرفي، يقول: سمعت أبا عبد الله الصوري يقول: قال لي عبد الغني بن سعيد: "لما وصل كتابي إلى أبي عبد الله الحاكم، أجابني بالشكر عليه، وذكر أنه أملاه على الناس، وضمن كتابه إلى الاعتراف بالفائدة وأنه لا يذكرها إلا عني". وأن أبا العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثهم، قال: حدثنا العباس بن محمد الدوري، قال: سمعت أبا عبيد يقول: "من شكر العلم أن تستفيد الشيء، فإذا ذكر لك قلت: خفي عليَّ كذا وكذا ولم يكن لي به علم، حتى أفادني فلان فيه كذا وكذا، فهذا شكر العلم. قال السيوطي: "ولهذا لا تراني أذكر في شيء من تصانيفي حرفًا إلا معزوا إلى قائله من العلماء مبينا كتابه الذي ذكره فيه". ا. هـ.--------------------------------------------
1 ص164 ج2 المطبعة الكبرى السنية: مصر 1282هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)

المطلع الرابع:
قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر1: "أول من صنف في الاصطلاح القاضي أبو محمد الرامهرمزي، فعمل كتابه: "المحدث الفاصل" لكنه لم يستوعب والحاكم أبو عبد الله النيسابوري لكنه لم يهذب ولم يرتب وتلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل كتابه مستخرجًا وأبقى أشياء للمتعقب ثم جاء بعده الخطيب البغدادي فعمل على قوانين الرواية كتابًا سماه: "الكفاية" وفي آدابها كتابًا سماه: "الجامع لآداب الشيخ والسامع" وقل فن من فنون الحديث إلا وقد صنف فيه كتابًا مفردًا فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: "كل من أنصف علم أن المحدثين بعده عيال على كتبه". ثم جمع ممن تأخر عنه القاضي عياض كتابه: "الإلماع" وأبو حفص الميانجي جزءًا سماه: "ما لا يسع المحدث جهله" والحافظ أبو بكر بن أحمد القسطلاني في: "المنهج المبهج عند الاستماع، لمن رغب في علوم الحديث على الاطلاع" إلى أن جاء الحافظ الإمام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح الشهرزوري نزيل دمشق فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الإشرفية المعروفة بدار الحديث، كتابه المشهور، فهذب فنونه، وأملاه شيئًا فشيئًا واعتنى بتصانيف الخطيب المفرقة فجمع شتات مقاصدها وضم إليها من غيرها نخب فوائدها فاجتمع في كتابه ما تفرق في غيره فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره فمنهم المختصر له كالنووي في تقريبه والناظم له كالعراقي والمستدرك والمعارض فجزاهم الله خيرًا". ا. هـ.
وكتابنا هذا حوى بمعونته تعالى لباب مقاصد هذا الفن، من خلاصة المصنفات المنوه بها، ومن نخب كتب الأصول، وممن حام حول خدمة فقه السنة مما ستقف، على العزو إليه بحوله تعالى وقوته، وهو نعم المعين.--------------------------------------------
1 تدريب الرواي ص9 "ذ. س".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)

‌‌الباب الأول: في التنويه بشأن الحديث وفيه مطالب
1-‌‌ شرف علم الحديث:
عن أبي نجيح العرباض بن سارية السلمي رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون قلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنها موعظة مودع فأوصنا! قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد. وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة". رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال: "حديث حسن" وأبو نعيم وقال: "حديث جيد من صحيح حديث الشاميين". وفي بعض الطرق: فماذا تعهد إلينا؟ قال: "تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها فلا يزيغ عنها إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ". وفي بعضها: "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
قال الحافظ المنذري: وقوله صلى الله عليه وسلم: "عضوا عليها بالنواجذ" أي اجتهدوا على السنة وألزموها واحرصوا عليها كما يلزم العاض على الشيء بنواجذه خوفًا من ذهابه وتفلته والنواجذ الأنياب أو الأضراس.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العلم ثلاثة؛ آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة وما سوى ذلك فهو فضل" رواه أبو داود وابن ماجه.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)

وعن جابر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: "أما بعد؛ فإن أصدق الحديث كتاب الله، وإن أفضل الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة".... نحو ما تقدم". رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما.
وفي رواية: "أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد" الحديث.
قال الإمام النووي قدس الله سره: "إن من أهم العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات، أعني معرفة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها وبقية أنواعها المعروفات ودليل ذلك: أن شرعنا مبني على الكتاب العزيز والسنن المرويات وعلى السنن مدار أكثر الأحكام الفقهيات؛ فإن أكثر الآيات الفروعيات مجملات وبيانها في السنن المحكمات. وقد اتفق العلماء على أن من شرط المجتهد من القاضي والمفتي أن يكون عالمًا بالأحاديث الحكميات فثبت بما ذكرناه أن الاشتغال بالحديث من أجل العلوم الراجحات وأفضل أنواع الخير وآكد القربات وكيف لا يكون كذلك وهو مشتمل على بيان حال أفضل المخلوقات عليه من الله الكريم أفضل الصلوات والسلام والبركات ولقد كان أكثر اشتغال العلماء بالحديث في الأعصار الخاليات حتى لقد كان يجتمع في مجلس الحديث من الطالبين ألوف متكاثرات فتناقص ذلك وضعفت الهمم فلم يبق إلا آثار من آثارهم قليلات والله المستعان على هذه المصيبة وغيرها من البليات، وقد جاء في فضل إحياء السنن المماتات أحاديث كثيرة معروفات مشهورات فينبغي الاعتناء بعلم الحديث والتحريض عليه لما ذكرنا من الدلالات ولكونه أيضًا من النصيحة لله تعالى وكتابه ورسوله وللأئمة والمسلمين والمسلمات وذلك هو الدين كما صح عن سيد البريات. ولقد أحسن القائل: "من جمع أدوات الحديث استنار قلبه واستخرج كنوزه الخفيات، وذلك لكثرة فوائده البارزات والكامنات وهو جدير بذلك فإنه كلام أفصح الخلق ومن أعطى جوامع الكلمات صلى الله عليه وآله وسلم صلوات متضاعفات".
وقال العلامة الشهاب أحمد المنيني الدمشقي الحنفي في القول السديد: "إن علم الحديث

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)

علم رفيع القدر، عظيم الفخر، شريف الذكر لا يعتني به إلا كل حبر، ولا يحرمه إلا كل غمر، ولا تفنى محاسنه على ممر الدهر؛ لم يزل في القديم والحديث يسمو عزة وجلالة، وكم عز به من كشف الله له عن مخبآت أسراره وجلاله؛ إذ به يعرف المراد من كلام رب العالمين ويظهر المقصود من حبله المتصل المتين، ومنه يُدرى شمائل من سما ذاتًا ووصفًا واسمًا ويوقف على أسرار بلاغة من شرف الخلائق عربًا وعجمًا، وتمتد من بركاته للمعتنى به موائد الإكرام من رب البرية، فيدرك في الزمن القليل من المولى الجليل المقامات العلية، والرتب السنية من كرع من حياضه أو رتع في رياضه فليهنه الأنس بجنى جنانه السنة المحمدية، والتمتع بمقصورات خيام الحقيقة الأحمدية؛ وناهيك بعلم من المصطفى صلى الله عليه وسلم بدايته، وإليه مستنده وغايته. وحسب الراوي للحديث شرفًا وفضلًا وجلالة ونبلًا أن يكون أول سلسلة آخرها الرسول وإلى حضرته الشريفة بها الانتهاء والوصول.
وطالما كان السلف الصالح يقاسون في تحمله شدائد الأسفار، ليأخذوه عن أهله بالمشافهة ولا يقنعون بالنقل من الأسفار فربما ارتكبوا غارب الاغتراب بالارتحال إلى البلدان الشاسعة لأخذ حديث عن إمام انحصرت رواتيه فيه أو لبيان وضع حديث تتبعوا سنده حتى انتهى إلى من يختلق الكذب ويفتريه وتأسى بهم من بعدهم من نقلة الأحاديث النبوية وحفظة السنة المصطفوية، فضبطوا الأسانيد وقيدوا منها كل شريد، وسبروا الرواة بين تجريح وتعديل، وسلكوا في تحرير المتن أقوم سبيل، ولا غرض لهم إلا الوقوف على الصحيح من أقوال المصطفى وأفعاله، ونفي الشبهة بتحقيق السند واتصاله فهذه هي المنقبة التي تتسابق إليها الهمم العوالي والمأثرة التي يصرف في تحصيلها الأيام والليالي"
وقال الإمام أبو الطيب السيد صديق خان الحسيني الأثري عليه الرحمة والرضوان قي كتابة: "الخطة": "اعلم أن آنف1 العلوم الشرعية ومفتاحها ومشكاة الأدلة السمعية ومصباحها وعمدة المناهج اليقينية ورأسها ومبني شرائع الإسلام وأساسها ومستند الروايات الفقهية كلها ومآخذ الفنون الدينية دقها وجلها وأسوة جملة الأحكام وأسها--------------------------------------------
1 آنف أول.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)

وقاعدة جميع العقائد وأسطقسها، وسماء العبادات وقطب مدارها، ومركز المعاملات ومحط حارها وقارها، هو علم الحديث الشريف الذي تعرف به جوامع الكلم، وتنفجر منه ينابيع الحكم وتدور عليه رحى الشرع بالأسر، وهو ملاك كل نهي وأمر ولولاه لقال من شاء ما شاء وخبط الناس خبط عشواء وركبوا متن عمياء فطوبى لمن جد فيه وحصل منه على تنويه يملك من العلوم النواصي، ويقرب من أطرافها البعيد القاصي. ومن لم يرضع من دره، ولم يخض في بحره، ولم يقتطف من زهره، ثم تعرض للكلام في المسائل والأحكام فقد جار فيما حكم وقال على الله تعالى ما لم يعلم؛ كيف وهو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم والرسول أشرف الخلق كلهم أجمعين، وقد أُوتي جوامع الكلم وسواطع الحكم، من عند رب العالمين. فكلامه أشرف الكلم وأفضلها، وأجمع الحكم وأكملها كما قيل: "كلام الملوك ملوك الكلام". وهو تلو كلام الله العلام وثاني أدلة الأحكام. فإن علوم القرآن وعقائد الإسلام بأسرها، وأحكام الشريعة المطهرة بتمامها، وقواعد الطريقة الحقة بحذافيرها؛ وكذا الكشفيات والعقليات بنقيرها وقطميرها، تتوقف على بيانه صلى الله عليه وسلم فإنها ما لم توزن بهذا القسطاس المستقيم ولم تضرب على ذلك المعيار القويم، لا يعتمد عليها ولا يصار إليها فهذا العلم المنصوص والبناء المرصوص بمنزلة الصراف لجواهر العلوم عقليها ونقليها وكالنقاد لنقود كل الفنون أصليها وفرعيها من وجوه التفاسير والفقهيات ونصوص الأحكام ومآخذ عقائد الإسلام وطرق السلوك إلى الله سبحانه وتعالى ذي الجلال والإكرام فما كان منها كامل العيار في نقد هذا الصراف فهو الحري بالترويج والاشتهار وما كان زيفا غير جيد عند ذاك النقاد فهو القمين بالرد والطرد والإنكار فكل قول يصدقه خبر الرسول فهو الأصلح للقبول وكل ما لا يساعده الحديث والقرآن فذلك في الحقيقة سفسطة بلا برهان فهي مصابيح الدجى ومعالم الهدى وبمنزلة البدر المنير من أنقاد لها فقد رشد واهتدى وأُوتي الخير الكثير ومن أعرض عنها وتولى فقد غوى وهوى وما زاد نفسه إلا التخسير فإنه صلى الله عليه وسلم نهى وأمر وأنذر وبشر، وضرب الأمثال وذكر، وإنها لمثل

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)

القرآن بل هي أكثر1. وقد أرتبط بها اتباعه صلى الله عليه وسلم الذي هو ملاك سعادة الدارين، والحياة الأبدية بلا مين كيف وما الحق إلا فيما قاله صلى الله عليه وسلم أو عمل به أو قرره أو أشار إليه، أو تفكر فيه أو خطر بباله أو هجس في خلده واستقام عليه. فالعلم في الحقيقة هو علم السنة والكتاب، والعمل بهما في كل إياب وذهاب ومنزلته بين العلوم منزلة الشمس بين كواكب السماء ومزية أهله على غيرهم من العلماء مزية الرجال على النساء: "وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"2 فيا له من علم سيط3 بدمه الحق والهدى ونيط بعنقه الفوز بالدرجات العلى.
وقد كان الإمام محمد بن علي بن الحسين عليه السلام يقول: "إن من فقه الرجل بصيرته أو فطنته بالحديث". ولقد صدق فإنه لو تأمل المتأمل بالنظر العميق والفكر الدقيق لعلم أن لكل علم خاصية تتحصل بمزاولته للنفس الإنسانية كيفية من الكيفيات الحسنة أو السيئة وهذا علم تعطى مزاولته صاحب هذا العلم معنى الصحابية لأنها في الحقيقة هي الاطلاع على جزئيات أحواله صلى الله عليه وسلم ومشاهدة أوضاعه في العبادات والعادات كلها وعند بعد الزمان يتمكن هذا المعنى بمزاولته في مدركة المزاول ويرتسم في خياله بحيث يصير في حكم المشاهدة والعيان وإليه أشار القائل بقوله:
أهل الحديث هموا أهل النبي وإن … لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا"
ويروى عن بعض الصلحاء أنه قال: "أشد البواعث وأقوى الدواعي لي على تحصيل علم الحديث لفظ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالحاصل أن أهل الحديث، كثر الله تعالى سوادهم، ورفع عمادهم لهم نسبة خاصة، ومعرفة مخصوصة بالنبي لا يشاركهم فيها أحد من العالمين فضلا عن الناس أجمعين لأنهم الذين لا يزال يجري ذكر صفاته العليا، وأحواله الكريمة وشمائله الشريفة على لسانهم، ولم يبرح تمثال جماله الكريم، وخيال وجهه الوسيم ونور حديثه المستبين يتردد في حاق وسط جنانهم فعلاقة باطنهم بباطنه العلي متصلة، ونسبة ظاهرهم بظاهره النقي مسلسلة فأكرم بهم من كرام يشاهدون عظمة المسمى حين يذكر الاسم ويصلون عليه كل لمحة ولحظة بأحسن الحد والرسم".--------------------------------------------
1 المراد بالمثلية. ها هنا، مثلية العدد، بقرينة قوله: "بل هي أكثر".
2 سورة المائدة، آية 57، والحديد آية 21 وغيرهما.
3 سيط: خلط.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)

2-‌‌ فضل راوي الحديث:
كفى خادم الحديث فضلًا دخوله في دعوته صلى الله عليه وسلم حيث قال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي، فحفظها ووعاها وأداها". رواه الشافعي والبيهقي عن ابن مسعود، وأخرجه أبو داود والترمذي بلفظ: "نضر الله امرأ سمع منا شيئًا فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى من سامع". قال الترمذي: "حسن صحيح" وعن زيد بن ثابت، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "نضر الله المرء سمع منا حديثًا فبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه". رواه أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي وابن ماجه بزيادة وعن أنس بن مالك قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسجد الخيف من منى فقال: "نضر الله امرأ سمع مقالتي فحفظها ووعاها وبلغها من لم يسمعها الحديث" رواه الطبراني وروى نحوه الإمام أحمد وغيره عن جبير بن مطعم.
قال سفيان بن عيينة: "ليس من أهل الحديث أحد إلا وفي وجهه نضرة لهذا الحديث".
وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم أرحم خلفائي" قيل: ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي، ويعلمونها الناس". رواه الطبراني وغيره.
وكأن تلقيب المحدث بأمير المؤمنين مأخوذ من هذا الحديث، وقد لقب به جماعة منهم سفيان وابن راهويه والبخاري وغيرهم. وقد قيل في قوله تعالى:
{يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} 1 ليس لأهل الحديث منقبة أشرف من ذلك لأنه لا إمام لهم غيره صلى الله عليه وسلم. كذا في التدريب2 وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". ورواه من الصحابة غير واحد أخرجه ابن عدي، والدارقطني وأبو نعيم.--------------------------------------------
1 سورة الإسراء آية 71.
2 ص170 القاهرة المطبعة الخيرية 1307هـ.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)

وتعدد طرقه يقضي بحسنه كما جزم به العلائي. وفيه تخصيص حملة السنة بهذه المنقبة العلية، وتعظيم لهذه الأمة المحمدية، وبيان لجلالة قدر المحدثين وعلو مرتبتهم في العالمين؛ لأنهم يحمون مشارع الشريعة ومتون الروايات من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين، بنقل النصوص المحكمة لرد المتشابه إليها.
وقال النووي رحمه الله تعالى في أول تهذيبه: "هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بصيانة هذا العلم وحفظه، وعدالة ناقليه. وإن الله يوفق له في كل عصر خلفا من العدول يحمونه وينفون عنه التحريف، فلا يضيع". وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر. وهكذا وقع ولله الحمد، وهو من أعلام النبوة، ولا يضر كون بعض الفساق يعرف شيئًا من علم الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه لا أن غيرهم لا يعرف شيئًا منه.
ومن شرف علم الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليَّ صلاة". قال الترمذي: "حسن غريب" وقال ابن حبان في صحيحه: "في هذا الحديث بيان صحيح على أن أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في القيامة أصحاب الحديث إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم".
وقال أبو نعيم: هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يعرف لهذه العصابة.
وكان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: لولا أهل المحابر لخطبت الزنادقة على المنابر.
وقال أيضًا: "أهل الحديث في كل زمان كالصحابة في زمانهم".
وقال أيضًا: "إذا رأيت صاحب حديث فكأني رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وكان أحمد بن سريج يقول: "أهل الحديث أعظم درجة من الفقهاء لاعتنائهم بضبط الأصول".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)