وفي كليات أبي البقاء في الفرق بين القرآن والحديث القدسي1: "أن القرآن ما كان لفظه ومعناه من عند الله بوحي جلي، وأما الحديث القدسي، فهو ما كان لفظه من عند الرسول، ومعناه من عند الله بالإلهام أو المنام". وقال بعضهم: "القرآن لفظ معجز، ومنزل بواسطة جبريل، والحديث القدسي غير معجز، وبدون الواسطة، ومثله يسمى بالحديث القدسي والإلهي والرباني" وقال الطيبى: "القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم والقدسي إخبار الله معناه بالإلهام أو بالمنام فأخبر النبي أمته بعبارة نفسه، وسائر الأحاديث لم يضفها إلى الله تعالى ولم يروها عنه تعالى". ا. هـ.
وقال العلامة السيد أحمد بن المبارك رحمه اله تعالى في الإبريز2: "وسألته -يعني أستاذه نجم العرفان السيد عبد العزيز الدباغ قدس سره- الفرق بين هذه الثلاثة يعني القرآن والحديث القدسي وغير القدسي فقال قدس سره:
"الفرق بين هذه الثلاثة وإن كانت كلها خرجت من بين شفتيه صلى الله عليه وسلم وكلها معها أنوار من أنواره صلى الله عليه وسلم: أن النور الذي في القرآن، قديم من ذات الحق سبحانه لأن كلامه تعالى قديم والنور الذي في الحديث القدسي من روحه صلى الله عليه وسلم وليس هو مثل نور القرآن، فإن نور القرآن قديم، ونور هذا ليس بقديم، والنور الذي في الحديث الذي ليس بقدسي من ذاته صلى الله عليه وسلم فهي أنوار ثلاثة، اختلفت بالإضافة، فنور القرآن من ذات الحق سبحانه، ونور الحديث القدسي من روحه صلى الله عليه وسلم نور ما ليس بقدسي من ذاته صلى الله عليه وسلم."
فقلت: "ما الفرق بين نور الروح ونور الذات؟ ".
فقال رضي الله عنه: "الذات خلقت من تراب، ومن التراب خلق سائر العباد؛ والروح من الملأ الأعلى، وهم أعرف الخلق بالحق سبحانه، وكل واحد يحن إلى أصله فكان نور الروح متعلقا بالحق سبحانه ونور الذات متعلقًا بالخلق؛ فلذات ترى الأحاديث القدسية تتعلق بالحق سبحانه وتعالى بتبيين عظمته أو لإظهار رحمته أو بالتنبيه على سعة ملكه وكثرة عطائه فمن الأول حديث: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم،--------------------------------------------
1 ص288 "ذ. س".
2 ص66 طبع حجر، 1287.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
وإنسكم وجنكم … " إلى آخره وهو حديث أبي ذر في مسلم. ومن الثاني حديث: "أعددت لعبادي الصالحين … " 1 الحديث. ومن الثالث حديث: "يد الله ملأى، لا يغيضها نفقه، سحاء الليل والنهار … " 2 إلخ وهذه من علوم الروح في الحق سبحانه، وترى الأحاديث التي ليست بقدسية تتكلم على ما يصلح البلاد، والعباد بذكر الحلال، والحرام والحث على الامتثال بذكر الوعد والوعيد". هذا بعض ما فهمت من كلامه رضي الله عنه والحق أني لم أوف به، ولم آت بجميع المعنى الذي أشار إليه.
فقلتك: "الحديث القدسي من كلام الله عز وجل أم لا؟ ".
فقال: "ليس هو من كلامه وإنما هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم:".
فقلت: "فلم أضيف للرب سبحانه فقيل فيه: "حديث قدسي" وقيل فيه: "فيما يرويه عن ربه"، وإذا كان من كلامه عليه السلام فأي رواية له فيه عن ربه وكيف نعمل مع هذه الضمائر في قوله: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم … " إلخ وقوله: "أعددت لعبادي الصالحين … " وقوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكاف ر3 … "؟ فإن هذه الضمائر لا تليق إلا بالله فتكون الأحاديث القدسية من كلام الله تعالى وإن لم تكن ألفاظها لإعجاز ولا تعبدنا بتلاوتها".
فقال رضي الله عنه مرة: "إن الأنوار من الحق سبحانه تهب على ذات النبي صلى الله عليه وسلم حتى تحصل له مشاهدة خاصة -وإن كان دائمًا في المشاهدة- فإن سمع من الأنوار كلام الحق سبحانه، أو نزل عليه ملك فذلك هو: "القرآن"؛ وإن لم يسمع كلامًا، ولا نزل عليه ملك فذلك وقت الحديث القدسي. فيتكلم عليه الصلاة والسلام ولا يتكلم حينئذ إلا في شأن الربوبية بتعظيمها، وذكر حقوقها، ووجه إضافة هذا الكلام إلى الرب سبحانه أنه كان مع هذه المشاهدة التي اختلطت فيها الأمور حتى رجع الغيب شهادة، والباطن ظاهرًا فأضيف إلى الرب وقيل فيه: "حديث رباني"، وقيل فيه: "فيما يرويه عن--------------------------------------------
1 أخرجه في الصحيحين من رواية عبد الرزاق وغيرهما.
2 أخرجه البخاري في كتاب التوحيد من حديث أبي هريرة.
3 أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما بألفاظ مختلفة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
ربه عز وجل"؛ ووجه الضمائر، أن كلامه عليه السلام، خرج على حكاية لسان الحال التي شاهدها من ربه عز وجل. وأما الحديث الذي ليس بقدسي فإنه يخرج مع النور الساكن في ذاته عليه السلام الذي لا يغيب عنها أبدًا، وذلك أنه عز وجل أمد ذاته عليه السلام بأنوار الحق كما أمد جرم الشمس بالأنوار المحسوسة فالنور لازم للذات الشريفة لزوم نور الشمس لها.
وقال مرة أخرى: "وإذا فرضنا محمومًا دامت عليه الحمى على قدر معلوم وفرضناها تارة تقوى حتى يخرج بها عن حسه، ويتكلم بما لا يدري وفرضناها مرة أخرى تقوى، ولا تخرجه عن حسه ويبقي على عقله، ويتكلم بما يدري فصار لهذه الحمى ثلاثة أحوال قدرها المعلوم، وقوتها المخرجة عن الحس وقوتها التي لا تخرج عن الحس فكذا الأنوار في ذاته عليه السلام فإن كانت على القدر المعلوم فما كان من الكلام حينئذ فهو الحديث الذي ليس بقدسي، وإن سطعت الأنوار وشغلت في الذات حتى خرج بها عليه السلام عن حالته المعلومة فما كان من الكلام حينئذ فهو كلام الله سبحانه، وهذه كانت حالته عليه السلام عند نزول القرآن عليه، وإن سطعت الأنوار ولم تخرجه عن حالته عليه السلام فيما كان من الكلام حينئذ قيل فيه: حديث قدسي".
وقال مرة: "إذا تكلم النبي صلى الله عليه وسلم وكان الكلام بغير اختياره، فهو: "القرآن"، وإن كان باختياره، فإن سطعت حينئذ أنوار عارضة، فهو الحديث القدسي وإن كانت الأنوار الدائمة فهو الحديث الذي ليس بقدسي ولأجل أن كلامه لا بد أن تكون معه أنوار الحق سبحانه كان جميع ما يتكلم به صلى الله عليه وسلم وحيًا يوحى وباختلاف أحوال الأنوار افترق إلى الأقسام الثلاثة والله أعلم".
قال السيد أحمد بن المبارك: "فقلت هذا كلام في غاية الحسن ولكن ما الدليل على أن الحديث القدسي ليس من كلامه عز وجل؟ ".
فقال رضي الله عنه: "كلامه تعالى لا يخفى" فقلت: "بكشف؟ " فقال رضي الله عنه: "بكشف وبغير كشف، ولك من له عقل، وأنصت للقرآن ثم أنصت لغيره أدرك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
الفرق لا محالة. والصحابة رضي الله عنهم أعقل الناس، وما تركوا دينهم الذي كانت عليه الآباء إلا بما وضح من كلامه تعالى، ولو لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما يشبه الأحاديث القدسية ما آمن من الناس أحد، ولكن الذي ظلت له الأعناق خاضعة هو القرآن العزيز الذي هو كلام الرب سبحانه وتعالى.
فقلت له: "ومن أين لهم أنه كلام الرب تعالى وإنما كانوا على عبادة الأوثان، ولم تسبق لهم معرفة بالله عز وجل، حتى يعلموا أنه كلامه وغاية ما أدركوه أنه كلام خارج عن طوق البشر فلعله من عند الملائكة مثلًا؟ ".
فقال رضي الله عنه: "كل من استمع القرآن، وأجرى معانيه على قلبه علم علمًا ضروريًّا أنه كلام الرب سبحانه فإن العظمة التي فيه والسطوة التي عليه ليست إلا عظمه الربوبية، وسطوة الألوهية والعاقل الكيس إذا استمع لكلام السلطان الحادث ثم استمع لكلام رعيته، وجد لكلام السلطان نفسًا به يعرف حتى إنا فرضناه أعمى، وجاء إلى جماعة يتكلمون والسلطان معمور فيهم، وهم يتناوبون الكلام لميز كلام السلطان من غيره بحيث لا تدخله في ذلك ريبة هذا في الحادث مع الحادث فكيف بكلام القديم، وقد عرف الصحابة رضي الله عنهم من القرآن ربهم عز وجل وعرفوا صفاته وما يستحقه من ربوبيته، وقام لهم سماع القرآن في إفادة العلم القطعي به عز وجل مقام المعاينة والمشاهدة وحتى صار الحق سبحانه عندهم بمنزلة الجليس ولا يخفى على أحد جليسه؟ ".
ثم نقل ابن المبارك كلام أستاذه المنوه به، في ما يعرف به كلامه تعالى فانظره، وما نقلنا بحثه المذكور إلا لنفاسته لأنه منزع بديع ينشرح له القلب والله العليم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
3- ذكر أول من دون الحديث:
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري1: "اعلم -علمني الله وإياك- أن آثار النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مدونة في الجوامع، ولا مرتبه لأمرين:
أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في صحيح مسلم، خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم.
وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهابهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار، وتبويب الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأول من جمع ذلك: "الربيع بن صبيح" و"سعيد بن أبي عروبة" وغيرهما. وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة، فدونوا الأحكام.
فصنف الإمام مالك: "الموطأ" وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز، ومزحه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ومن بعدهم وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح بمكة، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري بالكوفة وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة ثم تلاهم كثير من أهل عصرهم في النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة منهم أن يفرد حديث النبي خاصة وذلك على رأس المائتين فصنف عبيد الله بن موسى العبسي الكوفي مسندا وصنف مسدد بن مسرهد البصري مسندا وصنف أسد بن موسى الأموي سندا وصنف نعيم بن حماد الخزاعي نزيل مصر مسندا".
"ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك آثرهم فقل إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه على المسانيد كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وعثمان بن شيبة وغيرهم من النبلاء".--------------------------------------------
1 ص4 القاهرة المطبعة الأميرية الكبرى 1301هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
"ومنهم من صنف على الأبواب وعلى المسانيد معًا كأبي بكر بن أبي شيبة".
"ولما رأى البخاري هذه التصانيف ورواها، وجدها جامعة للصحيح والحسن، والكثير منها يشمله التضعيف، فحرك همته لجمع الحديث الصحيح وقوى همته لذلك ما سمعه من أستاذه الإمام إسحاق بن راهويه حيث قال لمن عنده والبخاري فيهم: "لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال البخاري: "فوقع ذلك في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح". ا. هـ.
قال السيوطي: "وهؤلاء المذكورون في أول من جمع، كلهم من أثناء المائة الثانية، وأما ابتداء تدوين الحديث فإنه وقع على رأس المائة في خلافة عمر بن عبد العزيز". وأفاد الحافظ في الفتح أيضًا: أن أول من دون الحديث ابن شهاب بأمر عمر بن عبد العزيز كما رواه أبو نعيم من طريق محمد بن الحسن عن مالك قال: "أول من دون العلم ابن شهاب -يعني الزهري-" وأخرج الهروي في ذم الكلام من طريق يحيى بن سعيد عن عبد الله بن دينار قال: "لم يكن الصحابة، ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها لفظًا ويأخذونها حفظًا إلا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمي فيما كتب إليه أن انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه".
وقال مالك في الموطأ، رواية محمد بن الحسن: "أخبرنا يحيى بن سعيد، أن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى أبي بكر بن عمرو بن حزم أن: "انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنة أو حديث أو نحو هذا فاكتبه لي فإني خفت دروس العلم، وذهاب العلماء" علقه البخاري في صحيحه، وأخرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان بلفظ كتب عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق: "انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه".
وروى عبد الرزاق عن ابن وهب سمعت مالكا يقول: "كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن، والفقه، ويكتب إلى المدينة يسألهم عما مضى، وأن يعملوا بما عندهم، ويكتب إلى أبي بكر بن حزن أن يجمع السنن ويكتب بها إليه" فتوفي عمر وقد كتب ابن حزم كتبا قبل أن يبعث بها إليه. ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
4- بيان أكثر الصحابة حديثا وفتوى:
في التقريب وشرحه1: "أكثرهم -يعني الصحابة- حديثا، أبو هريرة، روى خمسة آلاف وثلائمائة وأربعة وسبعين حديثا؛ وروى عنه أكثر من ثمانمائة رجل وهو أحفظ الصحابة أسند البيهقي عن الشافعي أنه قال: "أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره". وروى ابن سعد أن ابن عمر كان يترحم عليه في جنازته ويقول: "كان يحفظ على المسلمين حديث النبي صلى الله عليه وسلم "ثم عبد الله بن عمر روى ألفي حديث وستمائة وثلاثين حديثًا ثم أنس بن مالك روى ألفين، ومائتين وستة وثمانين حديثًا ثم ابن عباس روى ألفا وستمائه وستين حديثًا. ثم جابر بن عبد الله روى ألفًا وخمسائة وأربعين حديثًا. ثم أبو سعيد الخدري سعد بن مالك روى ألفًا ومائة وسبعين حديثًا. ثم عائشة الصديقة أم المؤمنين روت ألفين ومائتين وعشرة وليس في الصحابة من يزيد حديثه على ألف غير هؤلاء وإياهم عني من أنشد:
سبع من الصحب فوق الألف قد نقلوا … من الحديث عن المختار خير مضر
أبو هريرة، سعد، جابر، أنس … صديقة، وابن عباس، كذا ابن عمر2
وأما أكثرهم فتوى فقال ابن حزم: "أكثرهم فتوى مطلقا عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت وعائشة".
قال: "ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد من هؤلاء مجلد ضخم".
قال: "وليهم عشرون أبو بكر، وعثمان، وأبو موسى، ومعاذ، وسعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وسلمان، وجابر، وأبو سعيد،--------------------------------------------
1 ص205.
2 السيوطي: تدريب الراوي، ص205 "ذ. س".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)
وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكر، وعبادة بن الصامت، ومعاوية، وابن الزبير، وأم سلمة".
قال: "ويمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير".
قال: "وفي الصحابة نحو مائة وعشرين نفسًا، يقلون في الفتيا جدا، لا يُروى عن الواحد منهم إلا المسألة أو المسألتان أو الثلاث، كأبي بن كعب وأبي الدرداء وأبي طلحة والمقداد … " وسرد الباقين.
وقال الإمام محمد بن سعد في الطبقات: قال محمد بن عمر الأسلمى: "إنما قلت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم ماتوا قبل أن يحتاج إليهم وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب لأنهما وليا فسئلا، وقضيا بين الناس وكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أئمة يقتدى بهم ويحفظ عنهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون وسمعوا أحاديث فأدوها فكان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل حديثًا عنه من غيرهم مثل أبي بكر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي بن كعب وسعد بن عبادة، وعبادة بن الصامت وأسيد بن حضير، ومعاذ بن جبل ونظرائهم فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء عن الأحداث من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس، ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب، ونظرائهم لأنهم بقوا وطالت أعمارهم في الناس فاحتاج الناس إليهم ومضى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من لم يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا ولعله أكثر له صحبة ومجالسة وسماعًا من الذي حدث عنه ولكنا حملنا الأمر في ذلك منهم على التوقي في الحديث، وعلى أنه لم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الاستغال بالعبادة والأسفار في الجهاد في سبيل الله حتى مضوا ولم يحفظ عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء". ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 73)
5- ذكر صدور التابعين في الحديث وألفتيا:
وهم المعروفون بالفقهاء السبعة من أهل: المدينة سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وخارجه بن زيد بن ثابت، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار الهلالي هكذا عدهم أكثر علماء أهل الحجاز، وجعل ابن المبارك سالم بن عبد الله بن عمر بدل أبي سلمة وجعل أبو الزناد بدلهما أبا بكر بن عبد الرحمن وعدهم ابن المديني اثني عشر وزاد إسماعيل أخا خارجة وسالمًا وحمزة وزيدًا أو عبيد الله وبلالًا بدل عبد الله بن عمر وأبان بن عثمان وقبيصة بن ذؤيب.
وعن الإمام أحمد بن حنبل: "أفضل التابعين ابن المسيب، قيل له: فعلقمة والأسود؟ قال: هو وهما".
وعنه أيضًا: "لا أعلم فيهم مثل أبي عثمان النهدي، وقيس بن أبي حازم ولقمة ومسروق".
وعنه أيضًا: "ليس أحد أكثر فتوى في التابعين من الحسن، وعطاء كان عطاء مفتي البصرة". كذا في التقريب وشرحه1.--------------------------------------------
1 ص214.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 74)
الباب الثالث: في بيان علم الحديث؛ وفيه مسائل
1- ماهية علم الحديث؛ رواية ودراية وموضوعه وغايته:
قال عز الدين بن جماعة: "علم الحديث علم بقوانين يعرف بها أحوال السند والمتن وموضوعه السند، والمتن وغايته معرفة الصحيح من غيره".
وقال ابن الأكفاني: "علم الحديث الخاص بالرواية علم يشتمل على نقل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وروايتها وضبطها وتحرير ألفاظها. وعلم الحديث الخاص بالدراية علم يعرف منه حقيقة الرواية وشروطها، وأنواعها، وأحكامها، وحال الرواة وشروطهم وأصناف المرويات وما يتعلق بها".
قال السيوطي: "فحقيقة الرواية نقل السنة ونحوها وإسناد ذلك إلى من عزى إليه بتحديث وإخبار وغير ذلك؛ وشروطها: تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل، من سماع أو عرض أو إجازة ونحوها، وأنواعها الاتصال والانقطاع، ونحوهما وأحكامها القبول، والرد وحال الرواة العدالة والجرح وشروطهم في التحمل وفي الأداء سيأتي نبذة منه وأصناف المرويات المصنفات من المساند والمعاجم والأجزاء وغيرهم، وما يتعلق بها: هو معرفة اصطلاح أهلها".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 75)
2- المقصود من علم الحديث:
قال الإمام النووي قدس الله سره في شرح خطبة مسلم ما نصه1: "إن المراد من علم الحديث، تحقيق معاني المتون، وتحقيق علم الإسناد والمعلل، والعلة عبارة عن معنى في الحديث خفي يقتضي ضعف الحديث مع أن ظاهره السلامة منها، وتكون العلة تارة في المتن، وتارة في الإسناد وليس المراد من هذا العلم مجرد السماع، ولا الإسماع ولا الكتابة بل الاعتناء بتحقيقه، والبحث عن خفي معاني المتون، والأسانيد والفكر في ذلك ودوام الاعتناء به، ومراجعة أهل المعرفة به ومطالعة كتب أهل التحقيق فيه، وتقييد ما حصل من نفائسه، وغيرها فيحفظها الطالب بقلبه ويفيدها بالكتابة ثم يديم مطالعة ما كتبه، ويتحرى التحقيق فيما يكتبه، ويتثبت فيه فإنه فيما بعد ذلك يصير معتمدًا عليه، ويذاكر بمحفوظاته من ذلك من يشتغل بهذا الفن سواء كان مثله في المرتبة أو فوقه أو تحته فإن بالمذاكرة يثبت المحفوظ، ويتحرر ويتأكد ويتقرر، ويزداد بحسب كثرة المذاكر، ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة، والحفظ ساعات بل أيامًا، وليكن في مذاكرته متحريًا الإنصاف قاصدًا الاستفادة والإفادة غير مترفع على صاحبه بقلبه ولا بكلامه ولا بغير ذلك من حاله، مخاطبًا له بالعبارة الجميلة اللينة فبهذا ينمو علمه، وتزكو محفوظاته والله أعلم".--------------------------------------------
1 ص28 القاهرة، المطبعة الكستلية، 1283هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 76)
3- حد المسند والمحدث والحافظ:
كثيرًا ما يوجد في الكتب تلقيب من يعاني الآثار بأحدها، فيظن من لا وقوف له على مصطلح القوم ترادفها وجواز التلقيب بها مطلقًا، وليس كذلك.
بيانه أن المسند: "بكسر النون" هو من يروي الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به أو ليس له إلا مجرد روايته، وأما المحدث فهو أرفع منه بحيث عرف الأسانيد والعلل، وأسماء الرجال. وأكثر من حفظ المتون وسماع الكتب الستة والمسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية، وأما الحافظ فهو مرادف للمحدث عند السلف.
وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: "المحدث في عصرنا، من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع بين رواته، وأطلع على كثير من الرواة والروايا في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه حظه واشتهر فيه ضبطه فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه، وشيوخ طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله فهذا هو الحافظ، وأما ما يُحكى عن بعض المتقدمين من قولهم كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء فذلك بحسب أزمنهم! ".
وقال الإمام أبو شامة: "علوم الحديث الآن ثلاثة أشرفها: حفظ متونه ومعرفة غريبها وفقهها، والثاني حفظ أسانيدها ومعرفة رجالها وتمييز صحيحها من سقيمها، والثالث جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلو فيه".
قال الحافظ ابن حجر: "من جمع هذه الثلاث كان فقيها محدثًا كاملًا ومن انفرد باثنين منها كان دونه" كذا في التدريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 77)
الباب الرابع: في معرفة أنواع الحديث وفيه مقاصد
1- بيان المجموع من أنواعه:
اعلم: "أن أئمة المصطلح، سردوا في مؤلفاتهم من أنواعه ما أمكن تقريبه، وجملة ما ذكره النووي، والسيوطي في التدريب خمسة وستون نوعًا وقال: "ليس ذلك بآخر الممكن في ذلك، فإنه قابل للتنويع إلى ما لا يحصى إذ لا تحصى أحوال رواه الحديث وصفاتهم ولا أحوال متون الحديث وصفاتها".
وقال الحازمي في كتاب العجالة: "علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة؛ كل نزع منها علم مستقل.". ا. هـ.
ومع ذلك فأنواع الحديث لا تخرج عن ثلاثة: حسن صحيح، وحسن، وضعيف. لأنه إن اشتمل من أوصاف القبول على أعلاها فالصحيح أو على أدناها فالحسن أو لم يشتمل على شيء منها فالضعيف وسترى تفصيل ما ذكر مع مهمات أنواعه على نمط بديع.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
2- بيان الصحيح:
قال أئمة الفن: "الصحيح ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم عن شذوذ وعلة، ونعني بالمتصل ما لم يكن مقطوعًا بأي وجه كان فخرج المنقطع والمعضل والمرسل على رأي من لا يقبله وبالعدل من لم يكن مستور العدالة ولا مجروحًا فخرج ما نقله مجهول عينًا أو حالًا أو معروف بالضعيف وبالضابط من يكون حافظًا متيقظًا فخرج ما نقله مغفل كثير الخطأ. وبالشذوذ ما يرويه الثقة مخالفًا لرواية الناس. وبالعلة ما فيه أسباب خفية قادحة فخرج الشاذ والمعلل وسيأتي بيان هذه المخرجات كلها إن شاء الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 79)
بيان الصحيح لذاته والصحيح لغيره
…
3- بيان الصحيح لذاته الصحيح لغيره:
اعلم: "أن ما عرفناه أولًا هو الصحيح لذاته لكونه اشتمل من صفات القبول على أعلاها؛ وأما الصحيح لغيره فهو ما صحح لأمر أجنبي عنه إذ لم يشتمل عن صفات القبول على أعلاها كالحسن: فإنه إذا روي من غير وجه. أرتقى بما عضده من درجة الحسن إلى منزلة الصحة وكذا ما أعتضد بتلقي العلماء له بالقبول فإنه يحكم له بالصحة وإن لم يكن له إسناد صحيح". وكذا ما وافق آية من كتاب تعالى أو بعض أصول الشريعة.
قال ابن الحصار: "قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة فيحمله ذلك على قبول والعمل".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
4- تفاوت رتب الصحيح:
تتفاوت رتب الصحيح بسبب تفاوت الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي علية مدار الصحة اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية، وإذا كان كذلك فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة، والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح مما دونه فمن المرتبة العليا في ذلك ما أطلق علية بعض الأئمة أنه أصح الأسانيد كالزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وكمحمد بن سيرين عن عبيدة بن عمر، والسلماني عن علي وكإبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود وكمالك عن نافع عن ابن عمر وهذا قول البخاري.
قال الإمام أبو منصور التميمى: "فعلى هذا أجل الأسانيد الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر للإجماع على أن أجل الرواة عن مالك الشافعي وعليه فأجلها رواية
الإمام أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك للاتفاق على أن أجل من أخذ عن الشافعي أهل الحديث الإمام أحمد وتسمى هذه الترجمة: "سلسلة الذهب". والمعتمد عدم إطلاق أصح الأسانيد لترجمة معينة منها نعم يستفاد من مجموعة ما أطلق الأئمة عليه ذلك أرجحيته على ما لم يطلقوه ويلتحق بهذا التفاضل ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابهما بالقبول كذا في شرح النخبة والتدريب1.--------------------------------------------
1 ص37 من التدريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 80)
5- أثبت البلاد في الحديث الصحيح في عهد السلف:
قال الإمام تقي الدين بن تيميه رحمه الله تعالى: "اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصح الأحاديث ما رواه أهل المدينة ثم أهل البصرة ثم أهل الشام".
وقال الخطيب: "أصح طرق السنن، ما يرويه أهل الحرمين؛ مكة والمدينة، فإن التدليس عنهم قليل، والكذب ووضع الحديث عندهم عزيز. ولأهل اليمن روايات جيدة، وطرق صحيحة، إلا أنها قليلة، ومرجعها إلى أهل الحجاز أيضًا. ولأهل البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة، ما ليس لغيرهم من إكثارهم والكوفيون مثلهم في الكثرة غير أن رواياتهم كثيرة الدغل قليلة السلامة من العلل وحديث الشاميين أكثره مراسيل ومقاطيع وما اتصل منه مما أسنده الثقات فإنه صالح والغالب عليه ما يتعلق بالمواعظ".
وقال هشام بن عروة: "إذا حدثك العراقي بألف حديث فالق تسعمائة وتسعين وكن من الباقي في شك".
قال الحاكم: "أثبت أسانيد الشاميين الأوزاعي عن حسان بن عطية عن الصحابة".
وقال الحافظ ابن حجر: "رجح بعض أئمتهم رواية سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر". كذا في التدريب.
أقول: يتعرف حديث رواة هذه البلاد من مثل مسند أحمد فإنه يترجم فيه بمسند البصريين ومسند الشاميين وهكذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 81)
6- أقسام الصحيح:
قال النووي رحمه الله تعالى: "الصحيح أقسام: أعلاها ما اتفق عليه البخاري ومسلم، ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم ثم ما كان على شرطهما وإن لم يخرجاه، ثم على شرط البخاري ثم على شرط مسلم، ثم ما صححه غيرهما من الأئمة فهذه سبعة أقسام".
قال العلامة قاسم قطلوبوغا في حواشيه على شرح النخبة لشيخه ابن حجر: "الذي يقتضيه النظر، أن ما كان على شرطهما، وليس له علة يقدم على ما أخرجه مسلم وحده لأن قوة الحديث إنما هي بالنظر إلى رجاله لا بالنظر إلى كونه في كتاب كذا". ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
7- معنى قولهم أصح شيء في الباب كذا:
قال النووي رحمه الله تعالى: "لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث فإنهم يقولون: "هذا أصح ما جاء في الباب" وإن كان ضعيفًا ومرادهم أرجحة أو أقله ضعفًا"
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 82)
8- أول من دون الصحيح:
قال النووي في التقريب1 "أول مصنف في الصحيح المجرد صحيح البخاري".
واحترز: "بالمجرد" عن الموطأ للإمام مالك فإنه وإن كان أول مصنف في الصحيح، لكن لم يجرد فيه الصحيح، بل أدخل المرسل والمنقطع، والبلاغات وذلك حجة عنده. وأما البخاري فإنه وإن أدخل التعاليق ونحوها لكنه أوردها استئناسًا واستشهادًا فذكرها فيه لا يخرجه عن كونه جرح الصحيح كذا فرق ابن حجر وتعقبه السيوطي بأن ما في الموطأ من المراسيل مع كونها حجة عندنا إذا اعتضد وما من مرسل في الموطأ من المراسيل مع كونها حجة عنده بلا شرط وعند من وافقه من الأئمة هي حجة عندنا لأن المرسل حجة عندنا إذا اعتضد وما في مرسل في الموطأ إلا وله عاضد أو عواضد وقد صنف ابن عبد البر كتابًا في وصل ما في الموطأ من المرسل والمنقطع والمعضل". ا. هـ.
وعليه فأول من صنف في الصحيح الإمام رضي الله عنه.--------------------------------------------
1 ص24 من تدريب السيوطي شرح التقريب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 83)