المخرج للأنفس الإنسانية في العلوم القلية من القوة إلى الفعل وهذه الجملة هي مبادئ الكل بعد المبدأ الأول.
والمبدأ الأول: هو مبدع الكل.
وأما الكل بالمعنى الثاني: فهو الجرم الأقصى أعني الفلك التاسع الذي يدور في اليوم والليلة فيتحرك بحركته كل ما هو حشوه من السموات كلها فيقال لجرمه جرم الكل ولحركته حركة الكل وهو أعظم المخلوقات وهو المراد بالعرش عندهم فعقل الكل بهذا المعنى جوهر مجرد عن المادة من كل الجهات وهو المحرك لحركة الكل على سبيل التشويق لنفسه ووجوده أول وجود مستفاد عن الأول ويزعمون أنه المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: "أول ما خلق الله العقل فقال له أقبل فأقبل" الحديث إلى آخره".
قال: "وأما النفس الكلي فالمراد به المعنى المقول على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
كثيرين مختلفين بالعدد في جواب ما هو أي التي كل واحد منها نفس خاصة لشخص كما ذكرنا في العقل الكلي ونفس الكل على قياس عقل الكل جملة الجواهر الغير جسمانية التي هي كمالات مدبرة للأجسام السماوية المحركة لها على سبيل التشويق والاختيار العقلي.
ونسبة نفس الكل إلى عقل الكل كنسبة أنفسنا إلى العقل الفعال.
ونفس الكل: هو مبدأ قريب لوجود الأجسام الطبيعية ومرتبته في نيل الوجود بعد مرتبة عقل الكل ووجوده فائض عن وجوده.
وقد قال أبو حامد قبل هذا: "وأما العقول الفعالة فهي نمط آخر".
والمراد بالعقل الفعال: كل ماهية مجردة عن المادة أصلا. فحد العقل الفعال: أما من جهة ما هو عقل أنه جوهر صوري ذاته ماهية مجردة عن ذاتها لا بتجريد غيرها عن المادة وعن علائق المادة بل هي ماهية كل موجود.
فأما من جهة أنه فعال فإنه: جوهر بالصفة المذكورة ومن شأنه أن يخرج العقل الهيولاني من القوة إلى الفعل بإشراقه عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)
وليس المراد بالجوهر المتحيز كما يريده المتكلمون بل هو قائم بنفسه لا في موضوع.
والصوري احتراز عن الجسم وما في المواد.
وقولهم: لا بتجريد غيره احتراز عن المعقولات المرتسمة في النفس من أشخاص الماديات فإنها تتجرد بتجريد العقل إياها لا بتجريدها بذاتها إذ العقل الفعال المخرج لنفوس الآدميين بالعلوم من القوة إلى الفعل فنسبته إلى المعقولات والقوة العاقلة كنسبة الشمس إلى الإبصار والمبصرات والقوة الباصرة إذ يخرج الإبصار من القوة إلى الفعل، وقد يسمون هذه العقول الملائكة.
وفي وجود جوهر على هذا الوجه يخالفهم المتكلمون إذ لا وجود لعالم بنفسه غير متحيز إلا الله وحده.
والملائكة عندهم أجسام لطيفة متحيزة عند أكثرهم.
وتصحيح ذلك بطريق البرهان وما ذكرناه شرح الاسم ثم قال: "حد النفس هو عندهم اسم مشترك يقع على معنى يشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات وعلى معنى آخر يشترك فيه الإنسان والملائكة السماوية عندهم.
فحد النفس بالمعنى الأول عندهم أنه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 190)
كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة.
وحد النفس بالمعنى الآخر أنه جوهر غير جسم وهو كمال للجسم متحرك محرك له بالاختيار عن مبدأ قطعي أي عقلي بالفعل أو بالقوة.
فالذي بالقوة: هو فصل للنفس الإنسانية.
والذي بالفعل: هو فصل للنفس الملكية".
قلت: قوله عنهم "إن نفس الكل هو مبدأ قريب للأجسام الطبيعية" فيه كلام بينهم من جهة أن أكثرهم يقولون أن العقل نفسه هو المبدأ للأجسام.
وكذلك قوله: "العقول الفعالة" فيه كلام من جهة أن المسمى بالعقل الفعال عندهم هو الآخر العاشر كما قد بينه أنه هو الذي يخرج نفوس الآدميين من القوة إلى الفعل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 191)
وما ذكره عنهم من الفرق بين العقول والنفوس وبين الأجسام بأن تلك مجردة عن المادة والأجسام في المادة منبئ على أن للجسم مادة هي جوهر قائم بنفسه وهو من أعظم الباطل.
وما ذكروه من التجريد واحترازهم عن المعقولات بقوله: "لا بتجريد غيره يقتضي الاشتراك في مسمى العقل".
وهذا العقل عرض من الأعراض وذاك جوهر قائم بنفسه.
ولا ريب أن كلامهم في إثبات ذلك وإن كان مهيبا عند من لم يمعن النظر فيه فهو عند التحقيق في غاية الفساد والتناقض والاضطراب كما قد أوضحناه في غير هذا الموضع.
وكذلك ما ذكره عن المتكلمين في المتحيز فإن لهم في ذلك نزاعا وفيه تفصيل ليس هذا موضعه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 192)
لكن ليس المقصود هنا إلا أن أبا حامد وأمثاله يقرون بأن جعل هذه المعاني الفلسفية مسميات بهذه الأسماء النبوية هو من كلام هؤلاء المتفلسفة.
فإذا وجد مثل ذلك في كلام واحد من هؤلاء علم أنه احتذى حذوهم لئلا يغتر بذلك من قد ينازع في ذلك أو يرتاب فيه أو لا يخطر بقلبه لحسن ظنه بمن يتكلم بالعبارات الإسلامية النبوية أنه لا يريد بها ما يعنيه هؤلاء المتفلسفة وما أحسن ما قال شيخ الإسلام الهروي فيمن هو أحسن حالا من هؤلاء من أهل الكلام قال: "أخذوا مخ الفلسفة فلبسوه لحاء السنة".
وبسبب هذا ضل طوائف ممن لم ينكشف لهم حقيقة مقاصد الناس فلا يفهمون ما يقصده الأنبياء والرسل ولا ما يقصده هؤلاء حتى يقابلوا بين هذه المعاني وتلك فيعلمون هل هي متفقة متشابهة أم مختلفة بل متضادة بل قد يحرفون كلام أئمتهم إذا ظهر المسلمون فيصرفونه إلى ما يقبله المسلمون وكذلك ذكر الكاشفون لأسرار القرامطة والهاتكون لاستارهم كالقاضي أبي بكر الطيب والقاضي أبي يعلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 193)
وطوائف كثيرة ما وجدنا مصداقه في كتب القرامطة من أنهم وضعوا لأنفسهم اصطلاحات روجوها على المسلمين ومقصودهم بها مقصود الفلاسفة الصابئين والمجوس الثنوية كقولهم السابق والتالي يعنون به العقل والنفس.
ويقولون: هو اللوح والقلم.
وأصل دينهم مأخوذ من دين المجوس والصابئين.
وكذلك السهروردي الحلبي المقتول كلامه في الباطن يأخذه من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 194)
مادة الفلاسفة الصابئين والمجوس وبهذه المعاني يتميز عن غيره من الفلاسفة المشائية ولهذا يعظم الأنوار وهؤلاء الذين سلكوا مسلك فارس والروم هم من الداخلين في قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "لتأخذن مآخذ الأمم قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع قالوا يا رسول الله فارس والروم قال ومن الناس إلا هؤلاء".
وقد بسطنا ما يتعلجق بهذا في غير هذا الموضع.
ثم إنهم مع إقرارهم بأن جعل هذه المعاني الصابئية الفلسفية هي مسميات هذه الأسماء النبوية أو التي يقال إنها نبوية هو من كلام هؤلاء المتفلسفة يقطعون بذلك في مواضع أخر بل فيما يجعلونه من أشرف العلوم والمعارف حتى إنهم يجعلونه من العلوم التي يضن بها على غير
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 195)
أهلها ومن العلم المكنون الذي ينكره أهل الغزة بالله ولا يعرفه إلا أهل العلم بالله وهذا موجود في مواضع كثيرة كما في كتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة لما ذكر "أن الكفر هو تكذيب الرسول في شيء مما جاء به وقيل مع ذلك أن التصديق أنه ينظر أن الخبر وحقيقته الاعتراف بوجود ما أخبر الرسول بوجوده إلا أن للوجود خمس مراتب ذاتي وحسي وخيالي وعقلي وشبهي".
والكلام على هاتين المقدمتين وما في الأولى من التفريط والتقصير عن الحق وما في الثانية من العدوان والزيادة على الحق له مواضع غير هذا لكن المقصود أنه قال: "وأما الوجود العقلي فأمثله كثيرة" إلى أن قال: "المثال الثاني قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله تعالى خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا".
فقد أثبت لله تعالى يدا ومن قام عند البرهان على استحالة يد الله تعالى هي جارحة محسوسة أو متخيلة يثبت لله تعالى يدا روحانية
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 196)
عقلية أعني أنه يثبت معنى اليد وحقيقتها وروحها دون تصورها إذ روح اليد ومعناها ما يبطش به ويفعل ويعطي ويمنع والله تعالى يعطي ويمنع بواسطة الملائكة كما قال عليه السلام: "أول ما خلق الله العقل فقال: بك أعطي وبك أمنع".
ولا يمكن أن يكون المراد بذلك العقل عرضا كما يعتقده المتكلمون إذ لا يمكن أن يكون العرض أو مخلوق بل يكون عبارة عن ذات ملك من الملائكة سمي عقلا من حيث يعقل الأشياء بجوهره وذاته من غير حاجة إلى تعلم.
وربما يسميها قلما باعتبار أنه ينقش به حقائق العلوم في ألواح قلوب الأنبياء والأولياء وسائر الملائكة وحيا وإلهاما فإنه روى من حديث "أن أول ما خلق الله القلم" فإن لم يرجع ذلك إلى العقل تناقض الحديثان ويجوز أن يكون لشيء واحد أسماء كثيرة باعتبارات مختلفة فسمي عقلا باعتبار ذاته وملكا باعتبار نسبته إلى الله تعالى في كونه واسطة بينه وبين الخلق وقلما باعتبار إضافته إلى ما يصدر منه من نقش العلوم بالإلهام والوحي كما سمي جبريل روحا باعتبار ذاته وأمينا باعتبار ما أودع من الأسرار وذا قوة باعتبار قدرته وشديد القوى باعتبار كمال قوته
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 197)
ومكينا عند ذي العرش باعتبار قرب منزلته ومطاعا باعتبار كونه متبوعا في حق بعض الملائكة.
وهذا القائل يكون قد أثبت قلما عقليا لا حسيا وخياليا لا كونيا وكذلك من ذهب إلى أن اليد عبارة عن صفة لله تعالى إما القدرة وإما غيرها كما اختلف فيه المتكلمون".
فقد جعل في تأويل هؤلاء اليد والقلم والعقل عبارة عن شيء واحد وجعله هو المراد بذلك عندهم في هذه الأسماء الواردة في الكتاب والسنة.
وكذلك قال في كتاب (مشكاة الأنوار) لما تكلم على المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيت والنار وجعل المشكاة هو الروح الحسي والزجاجة الروح الخيالي والمصباح العقل والشجرة الروح الفكري والزيت الروح القدسي النبوي الذي يختص به الأنبياء وبعض الأولياء وهذا الكتاب كالعنصر لمذهب الاتحادية القائلين بوحدة الوجود وإن كان صاحب الكتاب لم يقل بذلك بل قد يكفر من يقول بذلك لكن ذاك لما فيه من الإجمال تارة ومن التفلسف وإبراز مقاصد الفلاسفة في الألفاظ النبوية وتأويلها عليها تارة ومن المخالفة لما دل عليه الكتاب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 198)
والسنة والإجماع تارة بل ومن المخالفة لما علم بالعقل الصريح تارة ولما فيه من الأمور التي يقولون إنها تستلزم قولهم.
ولهذا عظم إنكار أئمة الإسلام لهذا الكتاب ونحوه حتى جرت في ذلك فصول يطول وصفها.
وقد جعل الكتاب ثلاثة فصول:
الفصل الأول: في بيان أن النور الحق هو الله تعالى وأن اسم النور لغيره مجاز محض لا حقيقة له وعاد كلامه إلى أن النور بمعنى الوجود وقد سلك ابن سينا قبله نحوا من ذلك مما جمع به بين الشريعة والفلسفة وكذلك سلك الإسماعيلية الباطنية في كتابهم الملقب (برسائل إخوان الصفا) وكذلك فعل ابن رشد بعده.
وكذلك الاتحادية يجعلون ظهوره وتجليه في الصور بمعنى وجوده فيها.
والكلام على هذا واسع مذكور في غير هذا الموضع إذ الغرض هنا بيان ما يعلم به من كلامهم من متابعتهم للمتفلسفة الصابئين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 199)
والتعبير عن تلك المعاني بألفاظ الأنبياء والمرسلين مع العلم من كل من أوتي العلم والإيمان بل من كل مؤمن بأن ما في هؤلاء من مخالفة كتاب الله تعالى ورسله ودينه أعظم مما في اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل.
ثم قال: "الفصل الثاني: في بيان مثال المشكاة المصباح والزجاجة والشجرة والزيت والنار.
ومعرفة هذا تستدعي تقديم قطبين يتسع المجال فيهما إلى غير حد محدود.
الأول: في بيان سر التمثيل ومنهاجه ووجه ضبط أرواح المعاني بقوالب الأمثلة.
والثاني: في بيان مراتب الأرواح البشرية النورانية إذ بمعرفتها تعرف أمثلة القرآن.
وأما الفصل الثالث: ففي معنى قوله: "إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره".
وفي بعض الروايات "سبعمائة" وفي بعضها "سبعين ألفا".
قلت: وقد بسطنا الكلام على هذه الآية واسم الله النور والحجب
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 200)
وما يتعلق بذلك في غير هذا الموضع وتكلمنا على ما ذكره هو وأبو عبد الله الرازي وأمثالهما في ذلك وبينا أن هذا الحديث بهذا اللفظ كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل المعرفة بالحديث لا يوجد في شيء من دواوين الحديث وذكرنا الحديث الذي في الصحيح حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه وذكرنا الأحاديث والآثار في الحجب وكلام السلف والأئمة في ذلك وبينا مخالفة الجهمية من المتفلسفة وغيرهم وأشباههم للنصوص المتواترة في ذلك مع مخالفتهم للعقل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 201)
الصريح ولكن من لم يكن له عناية تامة باتباع المرسلين واقتفاء آثارهم والاهتداء بأعلامهم ومنارهم واقتباس النور من مشكاة أنوارهم فإنه يجعل الحديث الصحيح ضعيفا والضعيف صحيحا والمعنى الحق باطلا والباطل حقا صريحا كما يوجد في كلام سائر الخارجين عن منهاج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان المبتدعين فيما فارقوا به طريق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة وهم الطائفة المهدية المنصورة إلى قيام الساعة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة".
ولما تكلم صاحب مشكاة الأنوار على طريق هؤلاء في الباطن بألفاظ الكتاب والسنة في الظاهر وإن كان قد روى أنه رجع عن ذلك كله ومن الناس من يطعن في إضافة هذه الكتب إليه والمقصود التنبيه على ما في هذه الكتب المخالفة للكتاب والسنة من الضلال لئلا يغتر بها وبنسبتها إلى المعظمين أقوام جهال.
قال: "القطب الأول: في سر التمثيل ومنهاجه: إعلم أن العالم عالمان: روحاني وجسماني وإن شئت قلت: حسي وعقلي وإن
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 202)
شئت قلت علوي وسفلي والكل متقارب وإنما يختلف باختلاف العبارات فإن اعتبرتهما في أنفسهما قلت جسماني وروحاني وإذا اعتبرتهما بالإضافة إلى العين المدركة لهما قلت حسي وعقلي وإذا اعتبرتهما بإضافة أحدهما إلى الآخر قلت علوي وسفلي وربما سميت أحدهما عالم الملك والشهادة والآخر عالم الغيب والملكوت ومن يطلب الحقائق من الألفاظ ربما تحير عند كثرة الألفاظ وتخيل كثرة المعاني والذي تنكشف له الحقائق يجعل المعاني أصلا والألفاظ تبعا وأمر الضعيف بالعكس منه إذ يطلب الحقائق من الألفاظ وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} .
وإذا عرفت معنى العالمين فاعلم أن العالم الملكوتي عالم غيب إذ هو غائب عن الأكثرين والعالم الحسي عالم شهادة إذ تشهده الكافة والعالم الحسي مرقاة إلى العالم العقلي ولو لم يكن بينهما اتصال ومناسبة لا نسد طريق الترقي إليه ولو تعذر ذلك لتعذر السفر إلى الحضرة الربوبية والقرب من الله تعالى فلن يقرب من الله أحد ما لم يطأ بحبوحة حظيرة القدس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 203)
والعالم المرتفع عن إدراك الحس والخيال وهو الذي نعنيه بعالم القدس وإذا اعتبرنا جملته بحيث لا يخرج منها شيء ولا يدخل فيها ما هو غريب منه سميناه حظيرة القدس وربما سميناه الروح البشري الذي هو مجرى لوائح القدس الوادي المقدس ثم هذه الحظيرة فيها حظائر بعضها أشد إمعانا في معاني القدس ولكن لفظ الحظيرة يحيط بجميع طبقاتها فلا تظنن أن هذه الألفاظ معقولة عند غير أرباب البصائر.
واشتغالي الآن بشرح كل لفظ مع ذكره يصدني عن المقصد فعليك بالتشمير لفهم الألفاظ فأرجع إلى الغرض فأقول:
لما كان عالم الشهادة مرقاة إلى عالم الملكوت فكان سلوك الصراط المستقيم عبارة عن هذا الترقي وقد يعبر عنه بالدين وبمنازل الهدى ولو لم يكن بينهما مناسبة واتصال لما تصور الترقي من أحدهما إلى الآخر فجعلت الرحمة الإلهية عالم الشهادة على موازنة عالم الملكوت فما من شيء من هذا العالم إلا وهو مثال لشيء في ذلك العالم وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من عالم الملكوت وربما كان للشيء الواحد من الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الشهادة وإنما يكون
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 204)
مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة وطابقه نوعا من المطابقة وإحصاء تلك الأمثلة يستدعي استقصاء جميع موجودات العالمين بأسرها ولن تفي به القوة البشرية … فغايتي أن أعرفك فيها أنموذجا لتستدل باليسير منها على الكثير وينفتح لك باب الاستبصار بهذا النمط من الأسرار فأقول:
إن كان في عالم الملكوت جواهر نورانية شريفة عالية يعبر عنها بالملائكة منها تفيض الأنوار على الأرواح البشرية ولأجلها قد تسمى أربابا ويكون الله تعالى رب الأرباب لذلك ويكون لها مراتب في نورانيتها متقاربة فالبحري أن يكون مثالها في عالم الشهادة الشمس والقمر والكواكب والسالك للطريق أولا ينتهي إلى ما درجته درجة الكواكب فيتضح له إشراق نورها وينكشف له أن العالم الأسفل بأسره تحت سلطانه وتحت إشراق نوره ويلوح له من كماله وعلو درجته ما يبادر فيقول: {هَذَا رَبِّي} ثم إن اتضح ما فوقه مما رتبته رتبة القمر رأى أفول الأول في مغيب الهوى بالإضافة إلى ما فوقه فقال: {لا أُحِبُّ الآفِلِينَ} وكذلك يترقى حتى ينتهي إلى ما مثاله الشمس فيراه أكبر وأعلى فيراه قابلا للمثال بنوع مناسبة له معه والمناسبة مع ذي النقص نقص وأفول أيضا فمنه يقول: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً} ومعنى (الذي) إشارة مبهمة لا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 205)
مناسبة لها إذ لو قال قائل: ما مثال مفهوم (الذي) لم يتصور إن يجاب عنه فالمنزه عن كل مناسبة هو الأول الحق".
إلى أن قال: " … فأقول: علم التعبير يعرفك أيضا منهاج ضرب الأمثال لأن الرؤيا جزء من النبوة أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحاني وهو الاستيلاء على الكافة مع فيضان الآثار على الجميع والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها عنه كما يفيض السلطان آثاره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان وأن من رأى في يده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فتعبيره أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح في رمضان وأن من يرى أنه يصب الزيت في الزيتون فتعبيره أن تحته جارية هي أمه وهو لا يعرف وباستقصاء ابواب التعبير تزيدك أنسا بهذا الجنس فلا يمكن اشتغال بعددها بل أقول:
كما أن في الموجودات العالية الروحانية ما مثاله الشمس والقمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 206)
والكواكب فكذلك فيما له أمثلة أخرى إذا اعتبرت منه أوصاف أخر سوى النورانية فإن كان في تلك الموجودات ما هو ثابت لا يتغير وعظيم لا يستصغر ومنه تتفجر إلى أودية القلوب البشرية مياه المعارف ونفائس المكاشفات فمثاله الطور وإن كان ثم موجودات تتلقى تلك النفائس أولا بعضهم بعد البعض فمثاله الوادي وإن كانت تلك النفائس بعد اتصالها بالقلوب البشرية تجري من قلب إلى قلب فهذه القلوب أيضا أودية ومفتتح الوادي قلوب الأنبياء ثم العلماء ثم من بعدهم فإن كانت هذه الأودية دون الأول ومنه تغترف فبالحري أن يكون الأول هو الوادي الأيمن لكثرة يمنه وبركته وعلو درجته وإن كان الوادي الأدون يتلقى من آخر درجات الوادي الأيمن فمغترفه شاطئ الوادي الأيمن دون لجته وبيدائه وإن كان روح النبي سراجا منيرا أو كان ذلك الروح مقتبسا بواسطة وحي كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} فما منه الاقتباس مثاله النار وإن كان المتلقنون من الأنبياء بعضهم على محض التقليد لما يسمعه وبعضهم على حظ من البصيرة فمثال حظ المقلد الخبر ومثال حظ المستبصر الجذوة والقبس والشهاب فإن صاحب الذوق مشارك للنبي في بعض الأحوال ومثال تلك
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 207)