بل لفظ العقل "اسم ليس له وجود في القرآن وإنما يوجد ما تصرف منه لفظ العقل نحو (يعقلون) و (تعقلون) و (ما يعقلها إلا العالمون) وفي القرآن الأسماء المتضمنة له كاسم الحجر والنهي والألباب ونحو ذلك.
وكذلك في الحديث لا يكاد يوجد لفظ المصدر في كلام النبي صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح إلا في مثل الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار" فقلن وبم يا رسول الله؟
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
فقال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قلن: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟ فقال: "أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى قال: "هذا من نقصان عقلها" قال: "وإذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ " قلن: بلى قال: "فهذا من نقصان دينها" وهذا الحديث ونحوه لا ينقض ما ذكره الحافظ أبو حاتم وأبو الفرج والعقيلي وغيرهم إذ ليس هو في فضل العقل وإنما ذكر فيه نقصان عقل النساء.
وذلك أن العقل مصدر عقل يعقل عقلا إذا ضبط وأمسك ما يعلمه.
وضبط المرأة وإمساكها لما تعلمه أضعف من ضبط الرجل وإمساكه ومنه سمي العقال عقالا لأنه يمسك البعير ويجره ويضبطه وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم ضبط القلب للعلم بضبط العقال للبعير فقال في الحديث المتفق
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
عليه: "استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم من عقلها".
وقال: "مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها أمسكها وإن أرسلها ذهبت".
وفي الحديث الآخر: "أعقلها وأتوكل أو أرسلها؟ فقال: بل اعقلها وتوكل".
فالعقل والإمساك والضبط والحفظ ونحو ذلك ضد الإرسال والإطلاق والإهمال والتسييب ونحو ذلك وكلاهما يكون بالجسم الظاهر للجسم الظاهر ويكون بالقلب الباطن للعلم الباطن فهو ضبط العلم وإمساكه وذلك مستلزم لاتباعه فلهذا صار لفظ العقل يطلق على
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
العمل بالعلم كما قد بسطنا الكلام على مسمى العقل وأنواعه في غير هذا الموضع.
إذا الغرض هنا بيان كذب هؤلاء على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
الوجه الخامس:.أن العقل في لغة المسلمين كلهم أولهم عن آخرهم ليس ملكا من الملائكة ولا جوهرا قائما بنفسه بل هو العقل الذي في الإنسان ولم يسم أحد من المسلمين قط أحدا من الملائكة عقلا ولا نفس الإنسان الناطقة عقلا بل هذه من لغة اليونان ومن المعلوم أن حمل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كلام الله تعالى على ما لا يوجد في لغته التي خاطب بها أمته ولا في لغة أمته وإنما توجد في لغة أمة لم يخاطبهم بلغتهم ولم تتخاطب أمته بلغتهم فهذا يبين أن الذين وضعوا الأحاديث التي رويت في ذلك ليس المراد بها عند واضعيها ما أثبته الفلاسفة من الجوهر القائم بنفسه فهؤلاء المستدلون بهذه الأحاديث على قول المتفلسفة لم يفهموا كلام الكاذبين الواضعين للحديث بل حرفوا معناها كما حرفوا لفظها فإذا كان هذا حالهم في الحديث الذي استدلوا به فكيف في غيره فتبين أن استدلالهم باطل قطعا.
الوجه السادس:.أن العقل في الكتاب والسنة وكلام الصحابة والأئمة لا يراد به جوهر قائم بنفسه باتفاق المسلمين وإنما يراد به العقل الذي في الإنسان الذي
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
هو عند من يتكلم في الجوهر والعرض من قبيل الإعراض لا من قبيل الجواهر.
وهذا العقل في الأصل مصدر: عقل يعقل عقلا كما يجيء في القرآن {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَاّ الْعَالِمُونَ} .
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ} {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .
وهذا كثير وهذا مثل لفظ السمع فإنه في الأصل مصدر سمع يسمع سمعا وكذلك البصر فإنه مثل الإبصار ثم يعبر بهذه الألفاظ عن القوى التي يحصل بها الإدراك فيقال للقوة التي في العين بصر والقوة التي يكون بها السمع سمع وبهذين الوجهين يفسر المسلمون العقل.
ومنهم من يقول العقل هو من جنس العلم كما يقوله القاضي أبو بكر بن الباقلاني وأبو الطيب الطبري وأبو يعلى بن الفراء وغيرهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
ومنهم من يقول هو الغريزة التي بها يتهيأ العلم كما نقل ذلك عن الإمام أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي ويدخل ذلك في العقل العملي وهو العمل بمقتضى العلم.
وأما تسمية الشخص العاقل عقلا أو الروح عقلا فهذا وإن كان يسوغ نظيره في اللغة فقد يسمون الفاعل الشخص بالمصدر فيسمى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
عدلا وصوما وفطرا فليس هذا من الأمور المطردة في كلامهم فلا يسمون الآكل والشارب أكلا وشربا ولو كان ذلك مما يسوغ في القياس بحيث يسوغ أن يسمى كل فاعل باسم مصدره فهذا إنما يسوغ في الاستعمال لا في الاستدلال فليس لأحد أن يضع هو مجازا لنفسه يحمل عليه كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وكلام من تكلم قبله إذ المقصود بالكلام هو فهم مراد المتكلم سواء كان لفظه يدل على المعنى وهو الحقيقة أو لا يدل إلا مع القرينة وهو المجاز.
فليس لأحد أن يسمى الجوهر القائم بنفسه عقلا ثم يحمل عليه كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
ومعلوم بالاضطرار لمن يعرف لغة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين الذين يتكلمون بلغته أن هذا ليس هو مراد النبي صلى الله عليه وسلم في اسم العقل فليس هذا مراد المسلمين باسم العقل ولا يوجد ذلك في استعمال المسلمين وخطابهم.
وإذا كان كذلك لم يجز أن يتمسكوا بشيء من كلام الرسول الذي فيه لفظ العقل لو كان ثابتا على إثبات الجوهر الذي يسمونه عقلا.
ومن تدبر ما يوجد من كلام المسلمين عامتهم وخاصتهم سلفهم وأئمتهم وفقهائهم ومحدثيهم وصوفيتهم ومفسريهم ونحاتهم ومتكلميهم لم يجد في كلام أحد منهم لفظ العقل مقولا على ما يزعمه هؤلاء من المتفلسفة ولا على ما يقال أنه ملك من الملائكة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
ولا يسمون أحدا من الملائكة عقلا ولا الله تعالى عقلا إلا من أخذ ذلك عن الفلاسفة.
هذا مع أنه مذكور في كتب الأصول والكلام في ذلك فيه من النزاع أقوال كثيرة تنازع فيها أهل الكلام وأهل النظر المنتسبين إلى الإسلام ثم إن قول المتفلسفة عندهم قول آخر.
واعلم أن المقصود في هذا المقام: أن لفظ العقل لا يعبر به عن جوهر قائم بنفسه لا عن ملك ولا غيره في عبارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين وسائر علماء المسلمين فلا يجوز أن يحمل شيء من كلامهم المذكور فيه لفظ العقل على مراد هؤلاء المتفلسفة بالعقول العشرة ونحو ذلك فينقطع دابر من يجعل لهم عمدة في الشريعة من هذا الوجه.
ثم بعد هذا النزاع بين الناس في فرعين:
أحدهما: أن العقل الذي هو الإنسان ما هو؟
الثاني: أن ما يعنيه المتفلسفة بلفظ العقل هل له وجود أم لا؟
وقد ذكروا في كتب الأصول النزاع في ذلك جملة كما يذكره القاضي أبو بكر الباقلاني والقاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وأبو الوفاء بن عقيل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
وأبو المعالي الجويني وأبو الخطاب وأبو الحسن بن الزاغوني والقاضي أبو بكر بن العربي المعافري وأكثر أهل الكلام.
فإن هؤلاء يختارون أن العقل الذي هو مناط التكليف هو ضرب من العلوم الضرورية كالعلم باستحالة اجتماع الضدين وكون الجسم في مكانين ونقصان الواحد عن الاثنين والعلم بموجب العادات فإذا أخبره
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
مخبر بأن الفرات يجري دراهم لا يجوز صدقه ومن أخبر بنبات شجرة بين يديه وحمل ثمرة وإدراكها في ساعة واحدة لا ينتظر ذلك ليأكل منها وإذا أخبر بأن الأرض تنشق ويخرج منها فارس بسلاح يقتله لا يهرب فزعا فإذا حصل له العلم بذلك كان عاقلا ولزمه التكليف.
ثم قد نقل عن طوائف من الأئمة والعلماء ما يقتضي أنه القوة التي يعقل بها.
وعن طوائف ما يقتضي أنه قد يكون مكتسبا فروى أبو الحسن التميمي في كتاب العقل عن محمد بن أحمد بن مخزوم عن إبراهيم الحربي عن أحمد بن حنبل أنه قال: "العقل غريزة والحكمة فطنة والعلم سماع والرغبة في الدنيا هوى والزهد فيها عفاف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
وقد فسر القاضي أبو يعلى ذلك بأن قوله: "غريزة" أنه خلق لله ابتداء وليس باكتساب.
وذكر عن أبي محمد البربهاري أنه قال: "ليس العقل باكتساب إنما هو فضل من الله".
وذكر عن أبي الحسن التميمي أنه قال: "في كتاب العقل ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر وإنما هو نور فهو كالعلم".
وعن بعضهم أنه قال: "هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات".
وعن أبي بكر بن فورك أنه قال: "هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح".
وعن بعضهم أنه: "ما حسن معه التكليف".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
ثم قال القاضي: "ومعنى ذلك كله متقارب ولكن ما ذكرناه أولى لأنه مفسر خلافا لما حكي عن قوم من الفلاسفة أنه اكتساب وقال قوم: "هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض" وعن قوم "هو مادة وطبيعة".
وقال آخرون: "هو جوهر بسيط".
قلت: وبعض هذه الأقوال التي خالفها هي نحو من الأقوال التي جعلها متقاربة.
فإن من قال: "هو العلم الذي يمتنع به من فعل القبيح" لم يحد العقل الذي هو مناط التكليف الذي يفرق به بين العاقل والمجنون الذي حدوه هم وجعلوه ضربا من العلوم الضرورية بل هذا العقل هو من مناط النجاة والسعادة وهو من العقل الممدوح الذي صنفت الكتب في فضله.
والذي حدوه أولا قد يفعل صاحبه أنواع القبائح ويكون ممن قيل فيه {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
وهذا العقل الممدوح قد يكون اكتسابا.
وأيضا من قال: "هو عرض مخالف لسائر العلوم والأعراض" فقوله موافق لقول من قال: "هو قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات" وقول أحمد: "هو غريزة" يتناول هذه القوة ولهذا فرق بين ذلك وبين العلم.
وأبو الحسن التميمي قال: "هو كالعلم" ولم يقل هو من العلم فهنا أمور:
أحدها: علوم ضرورية يفرق بها بين المجنون الذي رفع القلم عنه وبين العاقل الذي جرى عليه القلم فهذا مناط التكليف.
والثاني: علوم مكتسبة تدعو الإنسان إلى فعل ما ينفعه وترك ما يضره فهذا أيضا لا نزاع في وجوده وهو داخل فيما يحمد بها عند الله من العقل ومن عدم هذا ذم وإن كان من الأول وما في القرآن من مدح من يعقل وذم من لا يعقل يدخل فيه هذا النوع وقد عدمه من قال: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} .
الثالث: العمل بالعلم يدخل في مسمى العقل أيضا بل هو من أخص ما يدخل في اسم العقل الممدوح.
وهذان النوعان لم ينازع الأولون في وجودهما ولا في أنهما يسميان عقلا ولكن قالوا كلامنا في العقل الذي هو مناط التكليف للفرق بين العاقل والمجنون وهذان لا يدخلان في ذلك فالنزاع فيهما لفظي.
الأمر الرابع:
الغريزة التي بها يعقل الإنسان فهذه مما تتوزع في وجودها فأنكر كثير من الأولين أن يكون في الإنسان قوة يعلم بها غير العلم أو قوة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
يبصر بها غير البصر أو قوة يسمع بها غير السمع وجعلوا إثبات ذلك من جنس قول الفلاسفة والطبائعية الذين يجعلون في الإنسان قوى يفعل بها وقد بالغ في ذلك طوائف منهم القاضي أبو بكر بن العربي في العواصم والقواصم وأصل ذلك تقريرهم أن الله خالق كل شيء ولا خالق غيره وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة وهو أحسن ما امتاز به الأشعري عن طوائف المتكلمين وبالغ في ذلك حتى جعل أخص أوصاف الرب القدرة على الاختراع وزعم أن هذا معنى الإلهية وفي الأصل رد على القدرية القائلين بأن الله تعالى لم يخلق أفعال الحيوان وعلى الفلاسفة وأتباعهم من أهل النجوم والطبع القائلين بفاعل غير الله لكن زاد من زاد منهم في ذلك أشياء ليست من السنة بل تخالف السنة حتى ردوا بدعة ببدعة فدخل بعضهم في إثبات الجبر الذي أنكره السلف والأئمة حتى توسل بذلك قوم إلى إسقاط الأمر والنهي والوعد والوعيد وأنكر من أنكر منهم ما جعله الله تعالى من
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
الأسباب حتى خرجوا عن الشرع والعقل وقالوا إن الله يحدث الشبع والري عند وجود الأكل والشرب لا بهما وكذلك يحدث النبات عند نزول المطر لا به ونحو ذلك وهذا خلاف ما جاء به الكتاب والسنة قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} وقال الله تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} وقال تعالى: {وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً} وقال تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} وقال: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ} ومثل هذا كثير ونفى هذه الأسباب أن تكون أسبابا في الأمور المخلوقة هو شبيه بنفي طوائف من المتصوفة ونحوهم لما يأمرون به من أعمال القلوب وغيرها من الأمور المشروعة نظرا إلى القدر ودعوى التوكل كما بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع.
ولهذا قال من نظر إلى هذين الانحرافين كأبي حامد وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهما في كتاب التوكل "إعلم أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
والسلف والأئمة متفقون على إثبات هذه القوى فالقوى التي بها يعقل كالقوي التي بها يبصر والله تعالى خالق ذلك كله كما أن العبد يفعل ذلك بقدرته بلا نزاع منهم والله تعالى خالقه وخالق قدرته فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
والحول اسم لكل تحول من حال إلى حال والقوة عام في كل قوة على الحول فنفي القوة كنفي الحول وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع فيما يقع من الاشتباه والنزاع في قدرة العبد هل هي مؤثرة في الفعل أو في بعض صفاته؟ أو غير مؤثرة بحال.
وقد وقع تسمية هذه القوة عقلا في كلام طوائف منهم أبو المعالي الجويني ذكر في أصول الفقه أن العقل معنى يدرك به العلم وجملة صفات الحي وكان يقول في التعليق أنه تثبيت سمة إدراك النفس.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
وقد خالفه صاحبه أبو القاسم الأنصاري وقال: "هذا فيه نظر فاعلموه وقال المحققون من أئمتنا: العقل هو العلم بدليل أنه يقال عقلت وما علمت أو علمت وما عقلت وإن كان فرق بين اللفظين ففي إطلاق أهل العرف وتقييدهم وهذا كما أن العالم في الحقيقة ذو العلم سواء كان العلم علم الشريعة والدين أو غيره من العلوم وإذا أطلق مطلق فقال: رأيت العلماء أو جاءني عالم فلا يفهم من إطلاقه أصحاب الحرف والصناعات بل لا يفهم منه إلا علماء الشريعة.
وكذلك العقل إذا أطلق فإنما يراد به عقل التكليف وهو ما به يمكن التمييز والاستدلال على ما وراء المحسوس ويخرج به صاحبه عن حد المعتوهين وتسمية العقلاء عاقلا وهذا قول أبي الحسن وإنما قاله لأن النحل تراه ينسج أشكالا مسدسة يعجز عنها كثير من العقلاء وكذلك غير النحل من البهائم والجعل فلهذا قال العاقل من تسميه العقلاء عاقلا.
والعقل المقيد يتناول جنس العلم فلهذا قال الشافعي رحمة الله عليه "الحمام أعقل الطائر" عنى به أكيس الطير.
وقد ذكر أبو بكر بن فورك عن الأئمة في العقل أقوالا ثم زيفها وحملها على محامل.
فنقل عن الشافعي وأبي عبد الله بن مجاهد أنهما قالا: "العقل آلة التمييز".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
وحكى عن أبي العباس القلانسي قال: "العقل قوة التمييز".
وعن الحارث المحاسبي أنه قال: "العقل أنوار وبصائر".
ثم قال: "الوجه أن لا يصح ما ينقل عن هؤلاء الآئمة فإن الآلة تستعمل في الأجسام المبنية واستعمالها في الأعراض مجاز على أنا نقول كل حاسة من الحواس آلة التمييز وليس عقلا ولا المؤمنون بها عقلاء والكفار معهم عقول ومعهم آلة التمييز ثم لا يميزون بين الحق والباطل.
فإن قالوا: أردنا بذلك انه يصح بها التمييز والاستدلال والكفار يصح منهم ذلك.
قلنا: هذا يبطل بالدليل والنظر وقول الرسول والمفتي فإن كان واحد ممن ذكرناه يميز به بين الأحكام وليس ذلك من العقل في شيء فإن صحت هذه الحكاية فإن المعنى بها ما يقع به التمييز ويمكن معه الاستدلال على ما وراء المحسوس والخلاف يرجع إلى
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
العبارة قال: والشافعي رحمه الله تعالى لم يسلك مسالك المتكلمين ولم يراع ما راعوه وكذلك لا يعقل من القوة إلا القدرة.
والقلانسي أطلق ما أطلقه توسعا في العبارة وكذلك المحاسبي إذ العقل ليس ببصيرة ولا نور ولكن يستفاد به الأنوار والبصائر".
قال أبو القاسم الأنصاري: "ولا اختلاف بين أصحابنا في المعنى فقد سمى الله تعالى الإيمان نورا فقال: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ} .
وشيخنا الإمام -يعني أبا المعالي- أطلق ما أطلقه توسعا ولو كان العقل معنى يدرك به العلم فما العلم الذي يدرك به العقل وكيف يتميز أحدهما عن الآخر؟ لا سيما والعلم عنده خارج عن قبيل الاعتقاد".
قلت: لا يخفى ما في هذا الكلام من الغض عن الأئمة الذين هم أحق بالحق منهم وكلامهم سديد فإن القوة التي جعل الله بها العلم والعمل لم ينكرها من العقلاء إلا من وافق هؤلاء على نفيها.
وقول الشافعي وأحمد والمحاسبي ومن وافقهم قول واحد وإنما رد قولهم بالباطل.
فأما قوله: "إن الآلة إنما تستعمل في الأجسام وهي من الأعراض مجاز" فيقال له: هذا ممنوع ثم الشافعي إنما استعملها مقيدة بالإضافة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 266)
فلو كانت عند الإطلاق لا تتناول إلا جسما لكانت مع الإضافة التي ذكرها كقولهم: "أبرة الذراع" وأرنبة الأنف وإنسان العين وقلب الأسد وقلب العقرب ونحو ذلك مما أحدثت فيه الإضافة فمن الناس من يقول هذا مجاز.
والمحققون يعلمون أن هذا وضع جديد لم يستعمل فيه اللفظ في غير موضوعه إذ هذا المضاف لم يكن موضوعا لغير هذا المعنى ثم هب أن ذلك مجاز فأي عيب في ذلك إذا ظهر المقصود ومن الذي قال إن الحد والدليل لا يستعمل فيهما المجاز المقرون بما يبين معناه دع ما ليس حدا.
وأما قوله: فعلى طريقة من يفرق بين الحد والرسم وأما من يجعل المقصود بالحد هو التمييز بين المحدود وغيره كما هو مذهب المتكلمين فالجميع يسمى عنده حدا.
وأما قوله: "كل حاسة من الحواس آلة التمييز فليس كذلك لأن الحاسة لا يميز بها بين الأشياء بل مجرد السمع الذي يدرك الصوت لا يميز بين الصوت وغيره بل يحس الصوت.
ثم الحكم على الصوت بأنه غير اللون يعرف بغير الحاسة وهو العقل وبه يعرف غلط الحس إذا الأحول يرى الواحد اثنين والممرور يجد الحلو مرا لكن العقل به يميز سلامة الحس من فساده إذ
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)