المشاركة الاصطلاء وإنما يصطلي بالنار من معه النار لا من يسمع خبرها وإن كان أول منازل الأنبياء الترقي إلى العالم المقدس عن كدورة الحس والخيال فمثال ذلك المنزل الوادي المقدس وإن كان لا يمكن وطء ذلك الوادي المقدس إلا باطراح الكونين أعني الدنيا والآخرة والتوجه إلى الواحد الحق وكانت الدنيا والآخرة متقابلتين متحاذيتين وهما عارضان للجوهر النوراني البشري يمكن اطراحهما مرة والتلبس بهما مرة أخرى.
فمثال اطراحهما عند الإحرام للمتوجه إلى كعبة القدس خلع النعلين بل يترقى إلى الحضرة حضرة الربوبية مرة أخرى ونقول: إن كان لتلك الحضرة شيء بواسطته تنتقش العلوم المفضلة من الجواهر القابلة لها فمثاله القلم وإن كان في تلك الجواهر القابلة لها ما بعضها سابقة التلقي ومنها ما ينتقل إلى غيرها فمثاله اللوح المحفوظ والكتاب والرق المنشور وإن كان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 208)
فوق الناقش للعلوم شيء هو مسخر فمثاله اليد وإن كان لهذه الحضرة المشتملة على اليد واللوح والقلم والكتاب ترتيب منظوم فمثاله الصورة الأنسية وإن كان يوجد للصورة الأنسية نوع ترتيب على هذه المشاكلة فهي على صورة الرحمان وفرق بين أن يقال: "على صورة الرحمن" وبين أن يقال: "على صورة الله" لأن الرحمة الإلهية هي التي صورت الحضرة الإلهية بهذه الصورة.
ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في العالم فهو نسخة من العالم مختصرة.
وصورة آدم -أعني هذه الصورة- مكتوبة بخط الله تعالى وهو الخط الالهي الذي ليس برقم وحروف إذ تنزه خطه عن أن يكون رقما وحروفا كما تنزه كلامه عن أن يكون صوتا ولفظا وقلمه عن أن يكون خشبا أو قصبا ويده عن أن تكون لحما وعظما ولولا هذه الرحمة لعجز الآدمي عن معرفة ربه إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه فلما كان هذا في آثار الرحمة كان على صورة الرحمان
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 209)
لا على صورة الله فإن حضرة الإلهية غير حضرة الرحمة وغير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية ولذلك أمر بالعياذ بجميع هذه الحضرات فقال: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ} .
ولولا هذا المعنى لكان قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمان" غير منظوم لفظا بل كان ينبغي أن يقول: "على صورته" واللفظ الوارد في الصحيح "الرحمان" ولأن تمييز حضرة الملك من حضرة الربوبية يستدعي شرحا طويلا فلنتجاوزه ويكفيك من الأنموذج هذا القدر فإن هذا بحر لا ساحل له وإن وجدت في نفسك نفورا عن هذه الأمثال فآنس قلبك بقوله تعالى: {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} الآية وأنه كيف ورد في التفسير أن الماء هو المعرفة والقرآن والأودية القلوب".
ثم قال: "خاتمة واعتذار.
لا تظنن من هذا الانموذج وطريق ضرب المثال رخصة مني في
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 210)
رفع الظواهر واعتقادا في إبطالها حتى أقول مثلا لم يكن مع موسى نعلان ولم يسمع الخطاب بقوله: "فاخلع نعليك" حاشا لله فإن إبطال الظواهر رأي الباطنية الذين نظروا بالعين العوراء إلى أحد العالمين ولم يعرفوا الموازنة بينهما ولم يفهموا وجهه.
كما إن إبطال الأسرار مذهب الحشوية فالذي يجرد الظاهر حشوى والذي يجرد الباطن باطني والذي يجمع بينهما كامل لذلك قال عليه السلام: "للقرآن ظاهر وباطن وحد ومطلع" وإنما نقل هذا عن علي بن أبي طالب موقوفا عليه بل أقول فهم موسى من الأمر بخلع النعلين اطراح الكونين فامتثل الأمر ظاهرا بخلع النعلين وباطنا باطراح العالمين فهذا هو الاعتبار أي العبور من الشيء إلى غيره ومن الظاهر إلى السر وفرق بين من سمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 211)
الملائكة بيتا فيه كلب " فيقتني الكلب في البيت ويقول: ليس الظاهر مرادا بل المراد تخلية بيت القلب عن كلب الغضب فإنه يمنع المعرفة التي هي من أنوار الملائكة إذ الغضب غول العقل وبين من يمتثل الأمر في الظاهر ثم يقول الكلب ليس كلبا لصورته بل لمعناه وهو السبعية والضراوة وإذا كان حفظ البيت الذي هو مقر الشخص والبدن واجبا عن صورة الكلب فلأن يجب حفظ بيت القلب وهو مقر الجوهر الحقيقي الخاص عن شر الكلبية أولى فأنا أجمع بين الظاهر والسر جميعا فهذا هو الكامل وهو المعنى بقولهم: "الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه" ولذلك ترى الكامل لا تسمح نفسه بترك حد واحد من حدود الشرع مع كمال البصيرة وهذه مغلطة بسببها وقع
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 212)
بعض السالكين في إباحة وطى بساط الأحكام ظاهرا حتى أنه ربما ترك أحدهم الصلاة وزعم أنه دائما في الصلاة بسره وهذا أسوأ بغلطه من الحمقى الإباحية الذين تأخذهم الترهات كقول بعضهم: "إن الله غني عن عملنا" وقول بعضهم: "إن الباطن مشحون بالخبائث وليس يمكن تزكيتها ولا مطمع في استئصال الغضب والشهوة" لظنه أنه مأمور باستئصالهما وهذه حماقات.
وقد أبطلنا جميع ذلك في كتاب (إلجام العوام ومنشأ الرسالة في أحكام الزيغ والضلالة) .
وأما ما ذكرناه فهو كبوة جواد وهفوة سالك جره الشيطان فدلاه
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 213)
بحبل غرور وأرجع إلى حديث النعلين فأقول ظاهر خلع النعلين منبه على ترك الكونين فالمثال في الظاهر حق وأداؤه إلى السر الباطن حقيقة ولكل حق حقيقة وأهل هذه المرتبة هم الذين بلغوا درجة الزجاجة كما سيأتي معنى الزجاجة لأن الخيال الذي من طينته يتخذ المثال صلب كثيف يحجب الأسرار ويحول بينك وبين الأنوار ولكن إذا صفى حتى صار كالزجاج الصافي صار غير حائل عن الأنوار بل صار مع ذلك حافظا للأنوار عن الانطفاء بعواصف الريح وسيأتيك قصة الزجاجة.
فاعلم أن العالم الكثيف الخيالي السفلي صار في حق الأنبياء زجاجة ومشكاة للأنوار ومصفاة للأسرار ومرقاة إلى العالم الأعلى وبهذا تعرف أن المثال الظاهر حق ووراءه سر وقس على هذا الطور والنار وغيرهما".
قلت: ليس المقصود هنا الكلام المفصل على ما في هذا الكلام وأمثاله فإن علماء المسلمين قد بينوا من ذلك ما فيه كفاية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 214)
وقد تكلمنا في غير هذا الموضع على ما شاء الله تعالى من ذلك.
والكلام الجملي إن مثل هذا الكلام يشتمل على أمور باطلة من جهة النقل كقوله: "إن في الصحيح: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمان" وقوله: "على صورته" ليس في الصحيح" فهذا من أبين الباطل فإن اللفظ الذي في الصحيح من غير وجه "على صورته".
وأما قوله: "على صورة الرحمان" فيروى عن ابن عمر وفيه كلام قد ذكرناه مع ما قاله عامة طوائف الناس في هذا الحديث في غير هذا الموضع ويشتمل على أمور باطلة وهي في أنفسها مخالفة للشرع والعقل مثل ما فيه من أن ملكا من الملائكة وهو العقل الفعال مبدع لجميع ما تحته من المخلوقات أو أن الملائكة يسمونها العقول والنفوس أبدع بعضها بعضا أو أن عالم الشهادة هو المحسوسات وعالم الغيب المعقولات أو أن تفسير القرآن هو مثل تعبير الرؤيا وأمثال ذلك مما ليس
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 215)
هو من قول المسلمين واليهود والنصارى بل من أقوال الملاحدة من الصابئين والفلاسفة والقرامطة.
وفيها ما هو من جنس الإشارة والاعتبار الذي سلكه الفقهاء والصوفية كما في قوله: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب" فإذا قيس على تطهير القلب عن الأخلاق الخبيثة كان هذا من جنس إشارات الصوفية وقياس الفقهاء.
ومنه ما هو من جنس القياس الفاسد كما ذكر من أن موسى أمر مع خلعه للنعلين بخلع الدنيا والآخرة وأن ما ينزل على قلوب أهل المعرفة من جنس خطاب تكليم موسى وتكليمه بهذا باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها وهو مبسوط في غير هذا الموضع وما فيه من تعظيم الأمر
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 216)
والنهي وقتل من يبيح المحرمات كلام حسن فإن أبا حامد هو في علم المعاملة والأمر والنهي كلامه من جنس كلام أمثاله من أهل التصوف والفقه وأما ما سماه هو علم المكاشفة فكلامه فيه ألوان فتارة يذكره بصوت أهل الفلسفة وتارة بصوت الجهمية وتارة بصوت هو من تصويت أهل الحديث والمعرفة وتارة يطعن على هؤلاء وتارة يذكر ما هو غير ذلك.
وكلامنا في هذا الجواب إنما كان على فساد ما احتجوا به في قوله: "أول ما خلق الله العقل" فبينا فساد كلامهم من وجوه:
الأول: أن كلام ابن الجوزي على حديث العقل قد تقدم حيث بدأنا بالحديث وذكرنا ما قال فيه أئمة العلم وانقضى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 217)
الثاني: أن هؤلاء لا يجعلون العقول والنفوس التي يثبتها الفلاسفة من عالم الخلق بل يفسرون عالم الخلق بعالم الأجسام بناء على أن الخلق التقدير وأن الأجسام هي ذوات المقدرات.
ويقولون: بناء على أصل هؤلاء الفلاسفة والذين وافقهم عليه هؤلاء أن العقول والنفوس ليست أجساما بل هي عالم الأمر عندهم كما يقولون ما يذكره أبو حامد في مواضع الفرق بين عالم الملك والملكوت والجبروت.
ويفسرون عالم الملك: بعالم الأجسام.
وعالم الملكوت: بعالم النفوس لأنها باطن للأجسام.
وعالم الجبروت: بالعقول لأنها غير متصلة بالأجسام ولا متعلقة بها ومنهم من يعكس.
وقد يجعلون الإسلام والإيمان والإحسان مطابقا لهذه الأمور ومعلوم أن ما جاء في الكتاب والسنة من لفظ الملكوت كقوله تعالى: {بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} .
وقوله صلى الله عليه وسلم في ركوعه: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة " لم يرد به هذا باتفاق المسلمين ولا دل كلام أحد من السلف والأئمة على التقسيم الذي يذكرونه بهذه الألفاظ وهم يعبرون بهذه العبارات المعروفة عند المسلمين عن تلك المعاني التي تلقوها عن الفلاسفة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 218)
وضعا وضعوه ثم يريدون أن ينزلوا كلام الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على ما وضعوه من اللغة والاصطلاح وهذا لو كانت تلك المعاني التي يذكرها الفلاسفة صحيحة ما جاز بل كان من الكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم أنه يقال أنه أرادها فكيف وأكثر تلك المعاني باطلة ومضطربة وما يذكرونه من الأقيسة العقلية على ثبوتها أقيسة ضعيفة بل فاسدة وقد اعترف أساطين الفلاسفة بأنها لا تفضي إلى اليقين وكل منهم يعبر عن المعاني الفلسفية بعبارات إسلامية ومنهم من لا يبين لأكثر الناس أن مراده ذلك ومنهم من يزعم أن تلك المعاني حصلت له بطريق الكشف والمشاهدة كما يزعمه صاحب الفتوحات المكية وأشباهه وقد يقول عن الملائكة أنوار في أنوار وأنوار في ظلال وأنوار في ظلمه.
والأول هي العقول.
والثاني هي: النفوس الفلكية.
والثالث: النفوس الطبيعية.
ومعلوم أن الملائكة الذين وصفهم الله تعالى في الكتاب والسنة لا ينطبقون على هذه العقول العشرة والنفوس التسعة التي يذكرونها كما قد بسطنا الكلام في ذلك في غير هذا الموضع.
ولهذا يؤول بهم الأمر إلى أن يجعلوا الملائكة والشياطين أعراضا تقوم بالنفس ليس أعيانا قائمة بنفسها حية ناطقة ومعلوم بالاضطرار أن هذا خلاف ما أخبرت به الرسل واتفق عليه المسلمون وإن كان قد يعني بالشيطان العاتي المتمرد من كل نوع وقد يعني به بعض الناس عرضا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 219)
وهذا كما يجعلون كلام الله ما يفيض على نفس النبي من غير أن يثبتوا لله تعالى كلاما خارجا عما في نفس النبي، وعند التحقيق فلا فرق عندهم بين الفيض على نفس النبي وسائر النفوس إلا من جهة كونها أصفى وأجمل وحينئذ فيكون القرآن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهذا حقيقة قول الوحيد الذي قال في القرآن: {إِنْ هَذَا إِلَاّ قَوْلُ الْبَشَرِ} كما قد بينا في غير هذا الموضع.
ولهذا يقولون: إنه لم يسجد لآدم إلا الملائكة الأرضية ويعنون بالسجود انقياد هذه القوى للبشر كما في جواهر القرآن.
قال: "وأما الأفعال فبحر متسع أكنافه ولا ينال بالاستقصاء أطرافه بل ليس في الوجود إلا الله وأفعاله فكل ما سواه فعله لكن القرآن اشتمل على الخلق منها الواقع في عالم الشهادة كذكر السموات والكواكب والأرض والجبال والبحار والحيوان والنبات وإنزال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 220)
الماء الفرات وسائر أصناف النبات والحيوان وهي التي ظهرت للحس وأشرف أفعاله وأعجبها وأدلها على جلالة صانعها مالا يظهر للحس بل هو من عالم الملكوت وهي الملائكة الروحانية والروح والقلب أعني العارف بالله تعالى من جملة أجزاء الآدمي فإنها أيضا من جملة عالم الغيب والملكوت وخارج عن عالم الملك والشهادة ومنها الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنسان وهي التي سجدت لآدم عليه السلام.
ومنها الشياطين المسلطة على جنس الإنسان وهي التي امتنعت عن السجود لآدم.
ومنها الملائكة السماوية وأعلاهم الكروبيون وهم العاكفون في حظيرة القدس لا التفات لهم إلى الآدميين بل لا التفات لهم إلى غير الله تعالى لاستغراقهم بجمال الحضرة حضرة الربوبية وجلالها فهم قاصرون عليه لحاظهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ولا تستبعد أن يكون في عباد الله من يشغله جلال الله تعالى عن الالتفات إلى آدم وذريته ولا يستعظم الآدمي إلى هذا الحد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله أرضا بيضاء تسير الشمس فيها ثلاثين يوما هي مثل أيام الدنيا ثلاثين مرة مشحونة خلقا لا يعلمون أن الله تعالى خلق آدم وإبليس" رواه ابن عباس فاستوسع مملكة الله تعالى".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 221)
قلت: فهذا الكلام سيعظمه في بادئ الرأي أو مطلقا من لم يعرف حقيقة ما جاء به الرسول ولم يعلم حقيقة الفلسفة التي طبق هذا الكلام عليها وعبر عنها بعبارات المسلمين.
فأما قول القائل: "إن القرآن اشتمل على الخلق وهي التي ظهرت للحس" وأشرف أفعال الله ما لم يظهر للحس يعني ولم يشتمل القرآن عليه فهذا مع ما فيه من الغض بالقرآن وذكر اشتماله على القسم الناقص دون الكامل وتطرق أهل الإلحاد إلى الاستخفاف بما جاءت به الرسل هو كذب صريح يعلم صبيان المسلمين أنه كذب على القرآن.
فإن في القرآن من الأخبار عن الغيب من الملائكة والجن والجنة والنار وغير ذلك ما لا يخفى على أحد وهو أكثر من أن يذكر هنا وفي القرآن من الأخبار بصفات الملائكة وأصنافهم وأعمالهم ما لا يهتدي هؤلاء إلى عشره إذ ليس عندهم من ذلك إلا شيء قليل مجمل بل الرسول إنما بعث ليخبرنا بالغيب والمؤمن من آمن بالغيب.
وما ذكره من المشاهدات فإنما ذكره آية ودلالة وبينة على ما أخبر به من الغيب فهذا وسيلة وذلك هو المقصود.
ثم يقال: إنه إنما ذكر الوسيلة يا سبحان الله؟ إذا لم يكن الإخبار عن هذا القسم في هذا الكتاب الذي ليس تحت أديم السماء كتاب أشرف منه وعلم هذا لا يؤخذ عن الرسول الذي هو أفضل خلق الله تعالى في كل شيء في العلم والتعليم وغير ذلك أيكون ذكر هذا في كلام أرسطو وذويه وأصحاب رسائل إخوان الصفا وأمثال هؤلاء الذين يثبتون ذلك بأقيسة مشتملة على دعاوى مجردة لا نقل صحيح ولا عقل صريح بل تشبه الأقيسة الطردية الخالية عن التأثير وتعود عند التحقيق إلى خيالات لا حقيقة لها في الخارج كما سننبه عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 222)
وكذلك روح الإنسان وقلبه في الكتاب والسنة من الإخبار عن ذلك ما لا يكاد يحصيه إلا الله تعالى.
ثم قوله بعد ذلك: "ومنها الملائكة الأرضية الموكلة بجنس الإنسان وهي التي سجدت لآدم" وزعم أن ملائكة السموات والكروبيين لم يسجدوا لآدم هو أبعد قول عن أقوال المسلمين واليهود والنصارى فإن القرآن قد أخبر أنه سجد الملائكة كلهم أجمعون فأتى بصيغة العموم ثم أكدها تأكيدا بعد تأكيد.
فليت شعري إذا أراد المتكلم الأخبار عن سجود جميع الملائكة هل يمكنه أبلغ من هذه العبارة لكن من يفسر الملائكة بقوى النفوس لا يستبعد أن يقول مثل هذا والملائكة السماوية عندهم هي النفوس الفلكية.
والكروبيون على اصطلاحهم: هم العقول العشرة.
ومعلوم أن هذا كله ليس من أقوال أهل الملل اليهود والنصارى فضلا عن المسلمين.
وقول القائل: "إن أولئك لا يلتفتون إلى الآدميين" هو من أقوال الفلاسفة الضالين.
والمشهور عند أهل السنة والجماعة أن الأنبياء والأولياء أفضل من جميع الملائكة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 223)
وقد قال عبد الله بن سلام: "ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم" فقيل له: يا أبا يوسف ولا جبرائيل ولا ميكائيل؟ فقال: "يا ابن أخي أو تعرف ما جبرائيل وميكائيل إنما جبرائيل وميكائيل خلق مسخر مثل الشمس والقمر ما خلق الله خلقا أكرم عليه من محمد".
وثبت بالإسناد الذي على شرط الصحيح عن عبد الله بن عمر أنه قال: "قالت الملائكة: يا ربنا قد جعلت لبني آدم الدنيا يأكلون منها ويشربون فاجعل لنا الآخرة كما جعلت لهم الدنيا فقال: "لا أفعل" ثم أعادوا عليه فقال: "لا أفعل" ثم أعادوا عليه فقال: "وعزتي لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 224)
وروى هذا عبد الله بن احمد في كتاب السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد مرسل والمرسل يصلح للاعتضاد بلا نزاع وقد تكلمت عن هذه المسألة بكلام مبسوط كتبناه من سنين كثيرة.
وأما قوله: "ومنها الشياطين المسلطة على جنس الإنسان وهي التي امتنعت عن السجود" فغلط أيضا فأنه لم يؤمر بالسجود من جنس هؤلاء إلا إبليس ولم يؤمر بالسجود لآدم أحد من ذريته فكيف يوصفون بالامتناع المذكور؟
وإذا كان رب العباد يسمع كلام عباده ويجيب دعاءهم عند المسلمين فأي نقص على الملائكة إذا استغفروا لهم؟
بل كان من قولهم: "إن الله لا يجيب داعيا ولا يقدر على تغيير ذرة
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
في العالم وإنما دعاء العباد تصرف نفوسهم في هيولي العالم وأن العالم لازم لذاته لا يمكنه دفعه عن هذا اللزوم بل أئمتهم على أنه لا يشعر بأعيان خلقه وإذا كانوا كذلك لم يستنكر لهم أن يقولوا في ملائكته هذا.
وأما قوله: "مستغرقون بجمال الحضرة وجلالها".
فهذا الكلام من جنس الطامات فإن هذا من جنس ما يسميه بعض الصوفية الفناء وهو استغراق القلب في الحق حتى لا يشعر بغيره ومعلوم باتفاق الناس أن حال البقاء أكمل من الفناء وهذه حال الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
ومعلوم أن الرسل أفضل الخلق وهم يدعون العباد إلى الله تعالى ويعلمونهم ويجاهدونهم ويأكلون الطعام ويمشون في الأسواق فلو كانت تلك الحال أكمل لكان من لم يرسل أكمل من الرسل.
وهذا خلاف دين المسلمين واليهود والنصارى لكنه يوافق دين غالية الصابئة من المتفلسفة الذين يفضلون الفيلسوف على النبي والرسول وحال
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)