فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة" 1 فقال عمر: لو لم نسمع فيه لقضينا بغيره. وقال غيره: إن كدنا نقضي في مثل هذا برأينا"2.
ورجع عمر بالناس عن الشام لما بلغه خبر الطاعون بخبر عبد الرحمن بن عوف3، وقال في المجوس: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" 4.
وقال ابن عمر: كنا نخابر، ولا نرى بذلك بأساً حتى زعم رافع أن رسول الله نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك5.
وأما ما اعترض به المخالف من توقف بعض الصحابة في العمل بخبر الآحاد، فسيأتي الجواب عنه في الفصل الآتي بعد هذا إن شاء الله.--------------------------------------------
1 العبد أو الأمة.
2 الرسالة ص: 185.
3 الرسالة ص: 186.
4 نفس المصدر ص: 186.
5 نفس المصدر ص: 192.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
الفصل الثاني: في ذكر أدلة منكري العمل بخبر الآحاد والرد عليها
ذهب قوم من أهل البدعة من الرافضة1،ومن المعتزلة إلى منع العمل بخبر الآحاد، ومنعه الفاشاني وابن أبي داود، وحكى عن النهرواني وإبراهيم بن إسماعيل بن علية، والأصم، والشيعة. وأهم ما استدلوا به ما يأتي:
1- من الكتاب: قوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 2،وقوله جل شأنه: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} 3،--------------------------------------------
1 هم: الذين رفضوا زيد بن علي بن الحسين رضي الله عنه، لما سألوه عن أبي بكر وعمر فأثنى عليهما خيراً، فانصرفوا عنه، فقال: "رفضتموني"، فسموا بذلك. وقيل: لرفضهم إمامة أبي بكر وعمر. وقالوا: "إن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على إمامة علي وأظهر ذلك، وأن أكثر أصحابه ضلوا بترك الاقتداء به بعد وفاته". انظر الملل والنحل للشهرستاني مع الفصل1/86، المقالات لأبي الحسن1/87، ومذكرة الأديان والفرق والمذاهب العاصرة لعبد القادر شيبة الحمد ص:137، مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة.
2 سورة الإسراء آية: 36.
3 سورة البقرة آية: 169.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
وقوله تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ} 1، {وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} 2.
قالوا: ذكر ذلك في معرض الذم، وهو يقتضي التحريم، والعمل بخبر الآحاد عمل بغير علم.
2- قالوا: لو جاز التعبد به في الفروع، لجاز في الأصول والعقائد، وهو خلاف الإجماع بيننا وبينكم، فكما لا يقبل في العقائد، لا يقبل في الفروع.
3- قالوا: توقف النبي صلى الله عليه وسلم في خبر ذي اليدين حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم عن اثنتين، وهو قوله: "أقصرت الصلاة أم نسيت" حتى أخبره أبو بكر وعمر ومن كان في الصف، فصدقه، فأتم وسجد للسهو، ولو كان خبر الواحد حجة لأتم النبي صلى الله عليه وسلم من غير توقف ولا سؤال.
4- وَرَدَ عن عدد من الصحابة ردّ خبر الآحاد، فردَّ أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة، وردّ عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى رواه معه أبو سعيد الخدري، وردّ أبو بكر وعمر خبر عثمان في إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رد الحكم بن--------------------------------------------
1 سورة النجم آية:28.
2 سورة النجم آية: 28.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
أبي العاص، وردّ علي خبر أبي سنان الأشجعي في المفوضة، وأنه كان لا يقبل خبر الواحد حتى يحلفه سوى أبي بكر، وردّت عائشة خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه1.
الأجوبة عن تلك الأدلة:
أما عن الأوّل: فإن المراد من الآيات من الشاهد عن الجزم بالشهادة فيما لم يبصر ولم يسمع، والفتوى بما يرو ولم ينقله العدول، وبأن وجوب العمل بخبر الآحاد معلوم بالإجماع، وهو دليل قاطع، وأن إنكارهم للعمل به حكم بغير علم. والحكم بغير علم باطل، ولأن تجويز الكذب والخطأ لو كان مانعاً من العمل لمنع العمل بشهادة الاثنين والأربعة والرجل والمرأتين، وقد دل النص القرآني على وجوب الحكم--------------------------------------------
1 انظر تفاصيله في الإحكام للآمدي2/60 فما بعدها، كشف الأسرار2/370، نزهة المشتاق شرح اللمع ص:424-425، المعتمد لأبي الحسين البصري المعتزلي2/604، والمستصفى للغزالي1/153، المسودة لآل تيمية ص:238، السنة ومكانتها للدكتور مصطفى السباعي ص:168، إرشاد الفحول للشوكاني ص:48-49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
بها مع جواز الكذب والخطأ فيها، وإذا كنا متفقين على العمل بها، فما صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالعمل1.
ويجاب عن الثاني: بأنه قد دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة2،على العمل بالخبر متى صح وتوفرت فيه شروط القبول فيما تضمنه من فروع وأصول من غير تفريق. وما ادعاه المخالف من إجماع على عدم قبول خبر الآحاد في العقائد، يحتاج إلى إثبات حتى يكون إجماعاً قطعياً تقوم به الحجة3،ويقدم على خبر الآحاد. أما ولم يرد غير دعوى مجردة عن الدليل فلا يترك العمل بالحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما دل عليه سواء كان أصولاً أو فروعاً،--------------------------------------------
1 انظر المستصفى1/154 فما بعدها، الإحكام للآمدي2/46، المختصر لابن الحاجب مع شروحه2/57، تيسير التحرير3/86.
2 انظر المستفصى1/148، نهاية السول شرح منهاج الوصول2/138، المنار مع حواشيه ص: 621، الإحكام للآمدي2/57، المعتمد لأبي الحسن2/591، مختصر الصواعق المرسلة1-2/524، العدة لأبي يعلى ص: 129، فليم عند الدكتور عبد الوهّاب أبو سليمان.
3 الإجماع القطعي هو: الإجماع القولي المشاهد المنقول بعدد التواتر. مذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين ص:315.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
لأنه مقتضى ما دلت عليه آيات الكتاب وأحاديث السنة، وما نقل من إجماع الأمة.
قال ابن حزم: "فإن جميع أهل الإسلام كانوا على قبول خبر الواحد الثقة عن النبي صلى الله عليه وسلم يجري على ذلك كل فرقة في عملها، كأهل السنة والخوارج والشيعة والقدرية حتى حدث متكلمو المعتزلة بعد المائة من التاريخ، فخالفوا الإجماع في ذلك"1.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله عن الإمام الشافعي والإمام أحمد -رحمهما الله- إنكارهما على من رد أخبار الآحاد بدعوى الإجماع، مما يوهم القارئ إنكارهما لوقوعه، وإنما حملهما على ذلك ما ابتليا به ممن كان يرد عليهم السنة الصحيحة بدعوى إجماع الناس على خلافها. وليس مرادهما منع وقوع الإجماع. فذلك خلاف واقعهما. "قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله: من ادعى الإجماع فقد كذب، لعل الناس قد اختلفوا. هذه دعوى بشر المريسي والأصم"2.
ومنع ابن القيم تصور وقوع إجماع الأمة على خلاف سنة إلا أن تكون هناك سنة معلومة ناسخة فيكون الإجماع على القول بالسنة--------------------------------------------
1 الإحكام لابن حزم1-4/103.
2 مختصر الصواعق المرسلة1-2/528.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
الناسخة، وإما أن تتفق الأمة على عدم العمل بحديث لا ناسخ له فهذا لم يقع أصلاً، ونسبته للأمة قدح فيها1.
ويجاب عن الثالث: "بأنه عليه السلام إنما توقف في خبر ذي اليدين لتوهمه غلطه لبعد انفراده بمعرفة ذلك دون من حضره من الجمع الكثير. ومع ظهور الوهم في خبر الواحد يجب التوقف فيه، فحيث وافقه الباقون على ذلك ارتفع حكم الأمارة الدالة على وهم ذي اليدين، وعمل بموجب خبره. كيف وأن عمل النبي صلى الله عليه وسلم بخبر أبي بكر وعمر وغيرهما مع خبر ذي اليدين عمل بخبر من لم ينته إلى حد التواتر، وهو موضع النزاع وفي تسليمه تسليم المطلوب"2.
ويجاب عن الرابع: بأن ما ذكره المخالف اعتراف بقبول خبر الآحاد لأن شهادة محمد بن مسلمة مع المغيرة، وشهادة أبي سعيد مع أبي موسى لا تنقل الخبر عن كونه آحاداً، لأن خبر الاثنين خبر آحاد، وأن ما توقفوا فيه إنما كان لأمور اقتضت ذلك من وجود معارض، أو فوات شرط، لا لعدم الاحتجاج بها في جنسها مع كونهم متفقين على العمل بها، بدليل قبولهم لها بعد الاستظهار، لأن تلك الأحاديث لم تخرج بالاستظهار--------------------------------------------
1 انظر تفاصيله في نفس المصدر1-2/528.
2 الإحكام للآمدي2/62.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
عن كونها آحاداً، وهم قبلوها بعد الاستظهار، ولذا قال عمر لأبي موسى: "إني لم أتهمك، ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم "1.
وبين رضي الله عنه سبب رده لخبر فاطمة بنت قيس بقوله: "لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها صدقت أم نسيت" 2،فقوله: "نسيت" صريح في سبب الرد3.
قال الغزالي: "الذي رويناه قاطع في عملهم، وما ذكرتموه رد لأسباب عارضة تقتضي الرد، ولا تدل على بطلان الأصل، كما أن ردهم بعض نصوص القرآن، وتركهم بعض أنواع القياس، ورد القاضي بعض أنواع الشهادات لا يدل على بطلان الأصل"4.
وأما رد عائشة رضي الله عنها خبر ابن عمر رضي الله عنهما فلأنه عارض القطعي، حيث استدلت بقوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} 5.فهي لم ترده لكونه خبر واحد.--------------------------------------------
1 المستصفى للغزالي1/154.
2 المستصفى للغزالي1/154.
3 انظر الإحكام للآمدي2/61، المستصفى1/154.
4 المستصفى1/153.
5 فتح الباري شرح صحيح البخاري13/235، والآية من سورة فاطر آية: 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
"وعلى الجملة فلم يأت من خالف في العمل بخبر الواحد بشيء يصلح للتمسك به، ومن تتبع عمل الصحابة من الخلفاء وغيرهم، وعمل التابعين فتابعيهم بأخبار الآحاد وجد ذلك في غاية الكثرة، بحيث لا يتسع له إلا مصنف بسيط، وإذا وقع من بعضهم التردد في العمل به في بعض الأحوال، فذلك لأسباب خارجة عن كونه خبر واحد من ريبة في الصحة، أو تهمة في الراوي، أو وجود معارض راجح ونحو ذلك"1.--------------------------------------------
1 إرشاد الفحول ص:49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
الفصل الثالث: في العمل بخبر الواحد العدل في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية
اتفق العلماء على العمل بخبر الواحد العدل في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية. واختلفوا في حكم العمل به.
فمنهم من قال: يجب العمل به في الكل، ومنهم من قال: يجوز العمل به فيها، ومنهم من فصل فقال: يجب العمل به في الفتوى والشهادة ويجوز في الأمور الدنيوية وإليك تفاصيل ذلك:
قال البيضاوي: "اتفقوا على الوجوب في الفتوى والشهادة، والأمور الدنيوية"1،وقرر الأسنوي ذلك بقوله: "اتفق الكل على وجوب العمل بخبر الواحد في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية كإخبار طبيب أو غيره بمضرة شيء مثلاً، وإخبار شخص عن المالك أنه منع من التصرف في ثماره بعد أن أباحها، وشبه ذلك من الآراء والحروب ونحوها. قال: "وهذه العبارة التي ذكرها المصنف ذكرها صاحب الحاصل"2.--------------------------------------------
1 نهاية السول شرح منهاج الوصول مع البدخشي2/230.
2 نفس المصدر2/231.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
وقال ابن السبكي: "يجب العمل به في الفتوى والشهادة إجماعاً، وكذا سائر الأمور الدنيوية"،وتابعه على الوجوب في الكل الجلال المحلي، والبناني والشيخ حسن العطار في حاشيتيهما عليه، فلم يفرقوا بين المذكورات في الحكم1.
وأشار صاحب المراقي إلى ذلك بقوله:
وفي الشهادة وفي الفتوى العمل … به وجوباً اتفاقا قد حصل
كذاك جاء في اتخاذ الأدوية … ونحوها كسفر والأغذية
أي يجب العمل إجماعاً بخبر الواحد العدل في الشهادة بشرطها، وفي الفتوى وحكم الحاكم من لدن محمد إلى الآن من غير نكير من أحد من الصحابة، ولا من التابعين، ولا من تابعيهم، كما جاء الأخذ إجماعاً بخبر الواحد العدل في الأمور الدنيوية كاستعمال الأدوية لمعالجة المرضى، وارتكاب الأسفار إلى البلاد، واستعمال الأغذية اعتماداً على خبر عدل عارف مؤتمن2.--------------------------------------------
1 حاشية البناني على المحلى على جمع الجوامع2/131، وحاشية العطار على المحلى2/158.
2 اتظر فتح الودود شرح مراقي السعود ص:221.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
وأما القول بالجواز فيها كلّها، فقد نقله الأسنوي عن صاحب المحصول حيث قال. إنه قال: "إن الخصوم بأسرهم اتفقوا على جواز العمل بالخبر الذي لا يعلم صحته في الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية"1.
ووجه البدخشي عبارة المحصول بما ينفى الفرق بين العبارتين حيث قال: "إلا أن الظاهر أنه أراد بالجواز معناه الأعم الشامل للوجوب القطعي بتأثيم العامي بترك العمل بقول المجتهد الذي قلده، وتأثيم القاضي بترك الحكم بعد شهادة الشهود العدول"2.لكن بقي عليه حكم الأمور الدنيوية فإنه لم يتعرض لها في التوجيه كما هو ظاهر منه. وفرق القرافي بين المذكورات لا الحكم حيث أجاز العمل به في الأمور الدنيوية، وأوجبه في الفتوى والشهادة فقال: "ومعنى قولي: اتفقوا على أنه حجة في الدنيويات: أنه يجور الاعتماد على قول العدل في الأسفار، وارتكاب الأخطار إذا أخبر أنها مأمونة، وكذلك سقي الأدوية ومعالجة المرضى وغير ذلك من أمور الدنيا، ويجوز، بل يجب الاعتماد على قول المفتي وإن كان قوله لا يفيد عند المستفتين إلا الظن، ولذلك--------------------------------------------
1 نهاية السول شرح منهاج الوصول مع البدخشي2/231.
2 نفس المصدر2/231.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
أجمعت الأمة على أن الحاكم يجب عليه أن يحكم بقول الشاهدين، وإن لم يحصل عنده إلا الظن"1.
قلت: التفصيل الذي ذكره القرافي أولى، لأن العمل بالأحكام واجب، أما العمل به في الأمور الدنيويه، فأصله الجواز ما لم يترتب عليه حكم شرعي كما إذا أخبر طبيب مريضاً أنه إذا لم يستعمل العلاج أدى ذلك إلى هلاكه، فإنه يجب عليه العمل بقوله، لأن الله تعالى قال: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} 2. فالمريض إذا لم يأخذ بقول الطبيب العارف عرض نفسه للتهلكة لعدم أخذه بالأسباب المأمور بها شرعاً، والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
1 شرح تنقيح الفصول ص:358. منشورات مكتبة الكليات الأزهرية. تحقيق طه عبد الرؤوف.
2 سورة البقرة آية: 195.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
الفصل الرابع: في حكم قبول خبر الواحد في الحدود
ذهبت الشافعية والحنابلة وأبو يوسف وأبو بكر الرازي من الحنفية، وأكثر الناس إلى قبول خبر الواحد في كل ما يوجب الحد، ويسقط بالشبهة1.
وقال صاحب التحرير: "ومنعه الكرخي وأبو عبد الله البصريَ وأكثر الحنفية2،وما ذكره من قوله: "وأكثر الحنفية" يعكره ما قال الراهوي وهو: "ما يندريء بالشبهات كالحدود والكفارات ذهب جمهور العلماء وأكثر أصحابنا إلى أن إثبات الحدود بأخبار الآحاد جائز، وهو المنقول عن أبي يوسف في الأمالي، واختاره الجصاص، وتبعه المصنف، وذهب الكرخي إلى أنه لا يجوز، وإليه مال فخر الإسلام وشمس الأئمة وصاحب التنقيح"3.--------------------------------------------
1 انظر الإحكام للآمدي2/106.
2 التقرير والتحبير شرح تحرير الكمال2/276.
3 حاشية الراهوي على المنار ص: 649.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
استدل المانعون بأن في اتصال الخبر بالنبي صلى الله عليه وسلم شبهة، وهي احتمال الكذب، فلا يقام الحد به لحديث "ادرؤوا الحدود بالشبهات" أخرجه أبو حنيفة1.--------------------------------------------
1 ذكر الشيخ محمّد إسماعيل العجلوني من الطعن في هذا الحديث ما نصه: "ادرؤوا الحدود بالشبهات "قال في الأصل: "رواه الحارثي في مسند أبي حنيفة عن ابن عباس مرفوعاً، وأخرجه ابن السمعاني عن عمر بن عبد العزيز، فذكر قصة طويلة فيها قصة شيخ وجدوه سكراناً فأقام عليه عمر الحدّ ثمانين، فلما فرغ قال: يا عمر، ظلمتني فإنني عبد فاغتم عمر ثم قال: إذا رأيتم مثل هذا في سمته وهيئته وعلمه وفهمه وأدبه فاحملوه على الشبهة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ادرؤوا الحدود بالشبهات ".
قال شيخنا يعني الحافظ ابن حجر: "وفي إسناده من لا يعرف انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث مسند الفردوس: اشتهر على الألسنة والمعروف في كتب الحديث أنه من قول عمر بن الخطاب بغير لفظه انتهى. وعزاه في الدرر إلى الترمذي بلفظ: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". وأخرجه ابن أبي شيبة عن عمر بلفظ: "لأن أخطئ الحدود بالشبهات أحب إليّ من أن أقيمها بالشبهات".
وأخرجه ابن حزم في الإيصال بسند صحيح. وأخرجه مسدد عن ابن مسعود أنه قال: "ادرؤوا الحدود عن عباد الله عز وجل ". ورواه البيهقي عن عاصم بلفظه: " ادرؤوا الحدود بالشبهات، وارفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم " وقال: إنه أصح ما فيه. وأخرج الترمذي والحاكم والبيهقي وأبو يعلى عن عائشة مرفوعاً بلفظ: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن أخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". ثم قال في المقاصد: ورويناه عن عليّ مرفوعاً بلفظ: " ادرؤوا الحدود، ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود ". وفيه المختار بن نافع منكر الحديث.
وأخرجه ابن ماجه بسند فيه ضعف عن أبي هريرة مرفوعاً: " ادرؤوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً ". وقال النجم: "ورواه ابن عدي في جزء له من حديث مصر والجزيرة عن ابن عباس بزيادة: "وأقيلوا الكرام عثراتهم إلا في حدّ من حدود الله تعالى" ثم قال: "وقال عمر ابن الخطاب: "لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحبّ إليّ من أن أقيمها بالشبهات" انتهى من كشف الخفا ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس1/71-72. الطبعة الثانية، دار التراث العربي، بيروت. سنة: 1351هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 265)
وخبر الواحد إنما يفيد الظن. وعدم إفادة القطع شبهة فيدرأ بها الحد1.
ويجاب عن الحديث الذي استدلوا به بأن كل طرقه ضعيفة. وأيضاً أن المراد بالشبهة التي يُدْرَأُ بها الحد: الشبهة في نفس السبب، لا المثبتة للسبب وإلا لو كان المراد بها الشبهة في مثبت السبب لانتفت الشهادة وظاهر الكتاب في الحدود لانتفاء القطع فيها، إذ احتمال الكذب في الشهادة، واردة غير ظاهر الكتاب فيه تخصيص وإضمار ومجاز قائم لكن الحد يجب بها اتفاقاً2.
استدل الجمهور بما يأتي:
1- قالوا: خبر عدل ضابط جازم روى في حكم عملي، فتقبل روايته في الحدود كما تقبل في غير الحدود من العمليات.
2- أن الاتفاق حاصل على ثبوت الحدود بالبينات، وهي أخبار آحاد، فكذلك تثبت بخبر العدل، ولا يلتفت إلى احتمال الكذب فيه، كما لا يلتفت إلى احتمال الكذب في البينات.--------------------------------------------
1 انظر تفاصيله في: التقرير والتحبير2/276، تيسير التحرير3/88، المنار مع حواشيه ص:649.
2 انظر: التقرير والتحرير شرح التحرير2/276.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
ويدل على عدم الالتفات إلى احتمال الكذب في البينات حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما أنا بشر1وإنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" 2.
فهذا الحديث كما ترى نص في ورود الاحتمال في البينات، وأن الاحتمال فيها لا يمنع من إيجاب الحكم بها كما هو محل الاتفاق، فيكون إيجاب الحدود بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى.--------------------------------------------
1 قال ابن حجر: "لعل السرّ في إنما أنا بشر" امتثال قول الله تعالى: {قل إنما أنا بشر} الآية، سورة الكهف آية: 110 أي: في إجراء الأحكام على الظاهر الذي يحتوي فيه جميع المكلفين، فأمر أن يحكم بمثل ما أمروا أن يحكموا به، ليتم الاقتداء به، وتطيب نفوس العباد للانقياد إلى الأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن اهـ من فتح الباري13/175.
2 البخاري مع فتح الباري شرح صحيح البخاري13/172.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
قال ابن حجر: "والحديث حجة لمن أثبت أنه قد يحكم بالشيء في الظاهر ويكون الأمر في الباطن بخلافه، ولا مانع من ذلك إذ لا يلزم محال عقلاً ولا نقلاً"1.
3- استدلوا "بدلالة النص الذي ورد في زنا ماعز، فإن حد الزنا ثابت في غير ماعز بدلالة هذا النص مع أنه فيه شبهة"2.
"ولا عبرة بالشبهة بعد ما ثبت كون الحديث حجة على الإطلاق بالدلائل القطعية"3.
4- المشهور جواز القياس في الحدود قال الأزميري: "وقد يستدل عليه بما أوجب أبو يوسف حد الزنا باللواط بدلالة نص الزنا، مع أن مواضع الشبهة مخصوصة عنه، والعام المخصوص دليل فيه شبهة، والدلالة الظنى ظنى أيضاً –هكذا-،فإذا جوز إثباته فبالخبر الواحد أولى، إذ القياس يعارض العام المخصوص دون الخبر الواحد"4.
وعقده صاحب المراقي بقوله:--------------------------------------------
1 فتح الباري13/174.
2 حاشية الأزميري على مرآة الأصول2/230، الناشر أحمد خلوصي، سنة: 309هـ. دار الطباعة العامرة.
3 حاشية أنوار الحلك على المنار ص: 649.
4 حاشية الأزميري على مرآة الأصول ص: 230-231.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
والحدوالكفارة التقدير … جوازه فيها هو المشهور
والضمير في"جوازه" راجع إلى القياس وإذا جاز فيها القياس فخبر الواحد أولى منه 1.
5- "أن الحدود شرع عملي من الشرائع فجاز إثباتها بخبر الواحد كسائر الشرائع، واحتمال مجرد الشبهة مع صحة الخبر غير معتبر في سقوط الحدود، إذ لو كان ذلك الاحتمال شبهة، لكان احتمال كذب الشاهد وغلطه ونسيانه على ما شهد به شبهة"2.
والحق الذي يجب اتباعه هو: قبول الخبر متى صح وسلم من معارض راجح سواء كان في الحدود، أم في غيرها، لأن ذلك هو مقتضى ما دل عليه ظاهر القرآن الكريم والسنة المطهرة، وإجماع السلف الصالح، فلا يعدل عن العمل بالحديث الصحيح إلا لدليل أقوى منه، والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
1 مذكرة الأصول للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص: 146.
2 حاشية الأزميري على مرآة الأصول ص:2/131.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
الفصل الخامس: خبر الواحد وعمل أهل المدينة
مقدمة
حظيت المدينة بما لم تحظ به مدينة أخرى، فقد اختارها الله دار هجرة النبيصلى الله عليه وسلم ومهبط الوحي وموضع قبره، ومستقرّ الإسلام، ومجمع الصحابة، وفيها نزل أكثر الأحكام الشرعية، وفيها بدأ تطبيق الأحكام في العبادات، والمعاملات من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وبيع، وأنكحة ومواريث، وجهاد، وحدود، وأقضية، إلى غير ذلك من أحكام الشرع إلى أن أكمل الله الدين الإسلامي للأمة الإسلامية. ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتلقون تلك الأحكام من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدة حياته في حله وترحاله وفي جميع أوقاته، فكانوا أشد الناس حرصاً على اتباعه في كلّ ما يصدر عنه صلى الله عليه وسلم،إذ كان بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعون، ويسن لهم فيتبعون حتى توفاه الله، واختار له ما عنده، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته1.ثم--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضي عياض1/14، تحقيق أحمد بكير محمود، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)