تعريف الخبر عند النحويين
عرف النحويون الخبر بأنه هو الجزء الذي تحصل الفائدة به مع المبتدأ غير الوصف، فخرج فاعل الفعل، لأنه ليس مع المبتدأ، وخرج فاعل الوصف الذي يسد مسد الخبر. وقد عرفه ابن مالك في ألفيته وبين أنواعه بقوله:
والخبر الجزء المتم الفائدة … كالله بَرٌّ والأيادي شاهدة
ومفرداً يأتي ويأتي جملة … حاوية معنى الذي سيقت له
وأورد ابن عقيل على ابن مالك في تعريفه هذا الفاعل من نحو قام زيد، فإنه يصدق على زيد أنه الجزء المتمم للفائدة، وليس بخبر1.
وأجيب عنه بأن دلالة المقام والتمثيل بقوله: "كالله بَرٌّ والأيادي شاهدة" يدلان على اعتبار كون الجزء المتمم للفائدة مع المبتدأ وغير الوصف2.
وهذا التعريف كما ترى لا ينطبق على تعريف الخبر عند الأصوليين والبلاغيين، وذلك لأنه خاص بالنحويين، ولذا فهو شامل عندهم لنوعي الكلام: الخبر، والإنشاء. وأقرب من هذا التعريف إلى التعريفات السابقة تعريف موفق الدين بن يعيش حيث قال: "واعلم أن--------------------------------------------
1 انظر: تفاصيله في ضياء السالك إلى أوضح المسالك لمحمّد عبد العزيز النجار1/180، وشرح ابن عقيل لألفية ابن مالك 1/201-202.
2 منهج السالك إلى ألفية ابن مالك للأشموني 1/90-91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 29)
خبر المبتدأ هو الجزء المستفاد الذي يستفيده السامع، ويصير مع المبتدأ كلاماً تاماً والذي يدل على ذلك أنه به يقع التصديق والتكذيب، ألا ترى أنك لو قلت: عبد الله منطلق، فالصدق والكذب إنما وقعا في انطلاق عبد الله، لا في عبد الله، لأن الفائدة في انطلاقه، وإنما ذكر عبد الله وهو معروف عند السامع، ليسند إليه الخبر الذي هو الانطلاق"1.
غير أنه يرد عليه ما أسلفت من أن الخبر عندهم شامل لنوعي الكلام: الخبر، والإنشاء.--------------------------------------------
1 شرح المفصل لموفق الدين يعيش بن علي بن يعيش 1/87.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 30)
الخبر عند المحدثين
يرى بعض المحدثين أن الخبر مرادف للحديث مراعاة لمدلول اللفظ اللغوي في اللفظين، فيطلقان على المرفوع1 والموقوف والمقطوع2 فيشمل ماجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والصحابي، والتابعي.
ويدل لذلك قول الحافظ ابن حجر في شرح نخبة الفكر: "الخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث"3.
ويفرق البعض الآخر بينهما بأن "الحديث ماجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخبر ما جاء عن غيره"، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ وماشاكلها الإخباري، ولمن يشتغل بالسنة النبوية المحدث.
وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر من غير عكس"4.
هل لاختلاف العلماء في تعريف الخبر أثر؟--------------------------------------------
1 المرفوع هو: ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، سواء كان بإسناد متصل أم لا. والموقوف هو: ما انتهى إلى الصحابي. والمقطوع هو: ما انتهى إلى التابعي. انظر: شرح نخبة الفكر لابن حجر ص: 30 وتدريب الراوي للسيوطي 1/183-194.
2 تدريب الراوي للسيوطي 1/42.
3 شرح نخبة الفكر لابن حجر ص: 3.
4 نفس المصدر ص: 3.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 31)
لم يترتب على اختلاف العلماء في تعريف الخبر أثر، وغاية ما هناك أن الأصوليين أرادوا الدقة في الحد فصعبوه بما أورده بعضهم على بعض من استشكالات، وبما أجاب به البعض الآخر عن تلك الاستشكالات كما هو واضح مما نقلته عنهم.
أما غيرهم فكان طابع تعريفه البساطة والوضوح، ولذا لم يورد عليه مثل ما أورد على الأصوليين من الاستشكالات.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 32)
هل الخبر منحصر في الصدق والكذب؟
اختلف الناس في الخبر هل هو منحصر في الصدق والكذب؟ أم أنه غير منحصر فيهما؟ بل منه ما ليس بصدق ولا كذب، وهو واسطة. تم إن القائلين بأنه منحصر في الصدق والكذب، اختلفوا في تفسير الصدق والكذب.
فقالت طائفة: صدق الخبر مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر سواء كان ذلك الاعتقاد صواباً أم خطأ، وكذبه عدم مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر، فقول القائل السماء تحتنا معتقداً ذلك، صدق، وكذلك قوله: السماء فوقنا غير معتقد لذلك، كذب.
واستدلوا لذلك بأمرين:
الأول: أن من أخبر عن أمر يعتقده، ثم ظهر خلافه، لا يقاله في حقه إنه كاذب، ولكن يقال: أخطأ، بدليل ما روي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها قالت فيمن هذا شأنه: "ما كذب، ولكنه أخطأ ووهم." ورد بأن المنفى هنا تعمد الكذب، بدليل تكذيب الكافر الكتابي إذا قال: الإسلام باطل، وتصديقه إذا قال: الإسلام حق.
الثاني: قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 33)
1 فإن الله تعالى كذبهم في قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه} وإن كان مطابقاً للواقع، لعدم مطابقته لاعتقادهم.
وأجيب عما استدلوا به بما يأتي:
1 بأن المعنى: نشهد شهادة واطأت قلوبنا فيها ألسنتنا، فالتكذيب راجع إلى الشهادة باعتبار تضمنها خبراً كاذباً، لكونها لم تكن عن اعتقاد، بدليل تأكيد الجملة في قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّه} بإن، واللام، وكونها اسمية.
2 أو أن المعنى لكاذبون في تسمية هذا الإخبار شهادة، لأن الشهادة هي الإخبار بما يطابق الاعتقاد، فإن خلا عن الاعتقاد لم يكن شهادة.
3 أو أن المراد: لكاذبون في قولهم: {إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} عند أنفسهم، لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه2.
وقال الجمهور: صدق الخبر مطابقة حكمه للواقع، وهو الخارج الذي يكون مطابقاً لنسبة الخبر، وكذبه عدم مطابقته للنسبة التي تكون في الخارج، وهذا هو المشهور، وعليه التعويل.--------------------------------------------
1 سورة المنافقون آية: 1.
2 انظر تفاصيله في: شروح التلخيص 1/174-181، مطبعة البابي الحلبي وشركاه بمصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 34)
وأنكر الجاحظ1 انحصار الخبر في الصدق والكذب، وأثبت الواسطة، وزعم أن صدق الخبر مطابقته للواقع مع اعتقاد المطابقة، وكذبه عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد أنه غير مطابق، وغيرهما ليس بصدق ولا كذب، وهي أربعة:
المطابقة مع اعتقاد عدم المطابقة، أو بدون الاعتقاد أصلاً، وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة، أو بدون الاعتقاد أصلاً، ليس بصدق ولا كذب. بدليل قوله تعالى: {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} 2
وجه الاستدلال بالآية: أن الكفار عقلاء من أهل اللسان عارفون باللغة، حصروا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، بالبعث على ما يدل عليه تعالى: {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} 3 في الافتراء والإخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو، وليس إخباره حالة الجنة كذباً، لأنهم جعلوه قسيم الافتراء، ولا صدقاً لأنهم اعتقدوا عدم صدقه، فمرادهم--------------------------------------------
1 هو: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ، الأديب المعتزلي، وإليه تنسب فرقة الجاحظية منهم، له تصانيف كثيرة منها: كتاب الحيوان، والبيان والتبيين وأدب الجاحظ وغيرها. ولد بالبصرة سنة: 162هـ، وفلج في آخر عمره. توفي بالبصرة سنة: 255هـ انظر: الأعلام للزركلي 5/239
2 سورة سبأ آية: 8.
3 سورة سبأ آية: 7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 35)
بكونه أخبر حالة الجنة غير الصدق، وغير الكذب، ليكون ذلك بزعمهم بعض الخبر، فثبتت الواسطة1.
ورد بأن معنى: {أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} أي أم لم يفتر، فعبر عن عدم الافتراء بالجنة، لأن المجنون لا افتراء له، لأن الكذب ما كان عن عمد، والمجنون لا عمد له، فالثاني ليس قسيماً للكذب، بل لما هو أخص منه، أعني الافتراء. وإن سلم فقد لا يكون خبراً، فيكون هذا حصراً للكذب بزعمهم في نوعيه: الكذب عن عمد، والكذب لا عن عمد2.
وأيضا ً"أنهم إنما حصروا أمره بين الكذب والجنة، لأن قصد الدلالة به على مدلوله شرط في كونه خبراً، والمجنون ليس له قصد صحيح، فصار كالنائم، والساهي إذا صدرت منه صيغة الخبر، فإنه لا يكون خبراً، وحيث لم يقصدوا صدقه، لم يبق إلا أن يكون كاذباً، أو لا--------------------------------------------
1 انظر تفاصيله في شروح التلخيص 1/182-188، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي السيد محمود 22/110، عنيت بنشره وتصحيحه والتعليق عليه للمرة الثانية إدارة الطباعة المنيرية لمحمّد منير الدمشقي. مصر. والمختصر لابن الحاجب 2/50، وحاشية العطار على شرح المحلى لجمع الجوامع 2/139 فما بعدها، وحاشية البناني على شرح المحلى لجمع الجوامع 2/113 فما بعدها، مطبعة إحياء العلوم العربية لعيسى البابي الحلبي.
2 انظر: شروح التلخيص 1/189-190، وروح المعاني 22/110، وإرشاد الفحول ص: 14، والمختصر لابن الحاجب2/50.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 36)
يكون ما أتى به خبراً، وإن كانت صورته صورة الخبر. أما أن يكون خبراً، وليس صادقاً فيه ولا كاذباً فلا"1.
ووافق الراغب الجاحظ في إثبات الواسطة، وإن زاد عليه اصطلاحاً لم يذهب إليه الجاحظ، وإليك ذلك فيما ذكره البناني قال: "حاصل مذهبه أن ما طابق الواقع مع اعتقاد المطابقة يسمى صدقاً، ومالم يطابق الواقع مع اعتقاد عدم المطابقة يسمى كذبا، ويخص هذين بالصدق، والكذب التامين وما طابق الواقع مع اعتقاد عدم المطابقة، أو طابق الاعتقاد دون الواقع، فيسمى كل منهما صدقاً وكذباً، من جهتين:
فالأول: صدق من جهة مطابقة الواقع، كذب من جهة عدم المطابقة للاعتقاد.
والثاني: صدق من جهة مطابقة الاعتقاد، كذب من جهة عدم مطابقة الواقع، ويسمى الصدق والكذب المشتمل عليهما هذان القسمان بالصدق والكذب غير التامين، لما علم أنه صدق من جهة دون جهة، كذب من جهة دون جهة، فهذه أربعة أقسام، وبقي قسمان وهما: مطابقة الواقع وعدمها مع عدم اعتقاد شيء، وهذان واسطة عنده لا يوصفان بصدق ولا كذب"2.--------------------------------------------
1 الإحكام للآمدي 2/11.
2 حاشية البناني على شرح المحلى لجمع الجوامع 2/112-113، وانظر: حاشية العطار على شرح المحلى2/140.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 37)
وحيث إن الراغب موافق للجاحظ في الدليل، ففي ما تقدم من الرد على ما استدل به الجاحظ كفاية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 38)
الخلاف في تعريف الخبر لفظي:
والخلاف في هذه المسألة لفظي، وذلك لأن العرب إنما وضعت الخبر للصدق دون الكذب، فقول القائل: زيد قائم، معناه عند أهل اللسان العربي حصول القيام منه وصدوره منه في الزمن الماضي، ولم ينقل عن أحد من أئمة اللغة خلاف ذلك.
"ولقد أحسن من قال: إن مدلول الخبر هو الصدق، إنما الكذب احتمال عقلي، ألا يرى أنه إذا قيل لك من أين علمت أن زيداً قائم؟ تقول له: سمعته من فلان"1.
واحتمال الخبر للصدق والكذب إنما هو من جهة المتكلم، لا من جهة الوضع اللغوي، لأن المتكلم قد يستعمله صدقاً على وفق الوضع، وقد يستعمله كذباً على خلافه.
ومن هنا كان الخبر لا يخرج عن كونه صدقاً، أو كذباً، للإجماع على أن اليهودي إذا قال: الإسلام حق حكمنا بصدقه، وإذا قال: خلافه حكمنا بكذبه.
فالخبر لا يعرى البتة عن الصدق والكذب، فما ثبت صدقه لا يصح كذبه بعد، وما ثبت كذبه، لا يصح صدقه بعد، لاستحالة ارتفاع الواقع2.--------------------------------------------
1 حاشية العطار على المحلى على جمع الجوامع 2/142.
2 انظر تفاصيله في الفروق للقرافي1/24، وحاشية ادرار الشروق على أنواء الفروق لابن الشاط قاسم بن عبد الله1/19، وحاشية السعد على شرح العضد للمختصر2/51، وإرشاد الفحول ص: 44.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 39)
أقسام الخبر:باعتبار ما علم صدقه، وما علم كذبه، وما لا يعلم صدقه ولا كذبه
الأول: ما علم صدقه، وهو نوعان: متفق عليه، ومختلف فيه.
المتفق عليه وهو:
1- ما علم صدقه بالضرورة، مثل: الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، أو الاستدلال، نحو: العالم حادث.
2- خبر الله تعالى، لأن الصدق صفة كمال، والكمال واجب له تعالى، والكذب صفة نقص، وهو محال عليه سبحانه.
3- خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فيما يخبر به عن الله لدلالة المعجزة على صدقه.
4- خبر كل الأمة، لأنها لا تجتمع على ضلالة، لثبوت عصمتها.
5- كل خبر يوافق ما أخبر الله تعالى عنه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم، أو الأمة.
6- الخبر المتواتر، وسيأتي الكلام عليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 40)
وأما المختلف فيه، فمنه:
خبر من أخبر بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه، فقيل عدم إنكاره دليل صدقه، وقد عده الغزالي1 من المعلوم صدقه، فقال: "كل خبر صح أنه ذكره المخبر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن غافلا عنه فسكت عليه، لأنه لو كان كذباً لما سكت عنه. ولا عن تكذيبه، ونعني به ما يتعلق بالدين"2.
ونفى الآمدي صحته، لأنه من الجائز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم غير سامع له، بل ذاهل عنه، وإن غلب على الظن السماع وعدم الغفلة، فمن الجائز أن لا يكون فاهماً لما يقول! وإن غلب على الظن فهمه، وكان متعلقاً بالدين وقدر كونه كاذباً فيه، فيحتمل أن يكون قد بينه له، أو علم أن إنكاره عليه ثانياً غير منجع فيه، فلم ير في الإنكار عليه فائدة، ورأى المصلحة في إهماله إلى وقت آخر.--------------------------------------------
1 هو: محمّد بن محمّد بن محمّد أحمد أبو حامد الغزالي، الإمام الجليل الأصولي الفيلسوفي المتصوف، كان أبوه يغزل الصوف ويبيعه، له مصنافات كثيرة منها: المستصفى في علم الأصول والمنخول فيه أيضاً، وشفاء الغليل في مسالك التعليل، وإحياء علوم الدين وغيرها، ولد سنة: 450هـ. وتوفي سنة: 505هـ. انظر: الفتح المبين في طبقات الأصوليين 2/8، ومقدمة المنخول لمحمّد حسن هيتو ص: 19 فما بعدها. الطبعة الأولى.
2 المستصفى للغزالي مع فواتح الرحموت 1/141، طبعة جديدة بالأوفست الحلبي، عن الأولى، الأميرية سنة: 1322هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 41)
وإن كان في أمر دنيوي، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم لكونه كاذباً فيما أخبر به، أو أنه امتنع عن الإنكار لمانع، أو لعلمه أنه لا فائدة في إنكاره، وعلى هذا فعدم الإنكار لا يدل على صدقه قطعاً، وإن دل عليه ظناً1.
وأجاب عنه الجلال المحلى بقوله: "وأجيب في الديني بأن سبق البيان أو تأخيره لا يبيح السكوت عند وقوع المنكر لما فيه من أفهام تغيير الحكم في الأول، وتأخير البيان عن وقت الحاجة في الثاني.
وفي الدنيوي بأنه إذا كان كاذباً، ولم يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم، يعلمه الله به عصمة له عن أن يقر أحداً على كذب كما أعلمه بكذب المنافقين في قوله: {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ} 2من حيث تضمنه أن قلوبهم وافقت ألسنتهم في ذلك. وإن كان دينياً. أما إذا وجد حامل على الكذب والتقرير كما إذا كان المخبر ممن يعاند النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينفع فيه الإنكار، فلا يدل السكوت على الصدق قولاً واحداً"3.
ومنه خبر من أخبر بحضرة جمع عظيم عن أمر محس وسكتوا عن تكذيبه، والعادة تقضي في مثل ذلك بالتكذيب وعدم السكوت لو كان كذباً.--------------------------------------------
1 انظر: تفاصيله في: الإحكام للآمدي 2/39.
2 سورة المنافقون آية: 1
3 المحلى على جمع الجوامع مع حاشية العطار 2/156.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
فذهب قوم إلى أن ذلك دليل على صدقه قطعاً. وقد عده الغزالي من المقطوع بصدقه حيث قال: "كل خبر ذكر بين يدي جماعة أمسكوا عن تكذيبه والعادة تقضي في مثل ذلك بالتكذيب وامتناع السكوت لو كان كذباً، وذلك بأن يكون للخبر وقع في نفوسهم، وهم عدد يمتنع في مستقر العادة التواطؤ عليه بحيث ينكتم لو تواطؤا ولا يتحدثون به، وبمثل هذه الطريقة ثبتت أكثر أعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ كان ينقل بمشهد جماعات، وكانوا يسكتون عن التكذيب مع استحالة السكوت عن التكذيب على مثلهم، فمهما كمل الشرط وترك النكير كما سبق نزل منزلة قولهم صدقت"1.
وقيل: إنه يفيد الصدق ظناً لجواز أن لا يكون لهم إطلاع على ما أخبر به، ولأن العادة لا تحيل سكوت الواحد أو الاثنين عن تكذيبه، ولاحتمال أن مانعاً منعهم من تكذيبه، ومع هذه الاحتمالات يمتنع القطع بتصديقه وإن كان صدقه مظنوناً2.
الثاني: ما علم كذبه وهو:
الأول: ما يعلم خلافه بضرورة العقل أو نظره أو الحس المشاهد أو أخبار التواتر.--------------------------------------------
1 المستفصى للغزالي مع فواتح الرحموت 1/141.
2 الإحكام للآمدي 2/40 مع تصرف.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
الثاني: ما يخالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة.
الثالث: ما صرح بتكذيبه جمع كثير يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب.
الرابع: ما سكت الجمع الكثير عن نقله، والتحدث به مع جريان الواقعة بمشهد منهم ومع إحالة العادة السكوت عن ذكره لتوفر الدواعي على نقله، كما لو أخبر مخبر بأن أمير البلد قتل في السوق على ملأ من الناس، ولم يتحدث أهل السوق به فيقطع بكذبه، إذ لو صدق لتوفرت الدواعي على نقله، ولإحالة العادة اختصاصه بحكايته1.
وخالفت الشيعة فقالت: إن عدم تواتر الخبر لا يدل على كذبه، لأن العقل يجوّز صدقه. وقد قالوا: بصدق ما رووه في إمامة علي رضي الله عنه من نحو: " من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه"، وما كان مثله مما استدلوا به على خلافته من الأحاديث التي لم تصح عند أهل السنة، ولم تسلم للشيعة، مشبهين لها بما لم يتواتر من آحاد المعجزات، كحنين الجذع2 وتسليم الحجر، وتسبيح الحصى، وغيرها مما--------------------------------------------
1 انظر تصانيفه في: الإحكام للآمدي2/12، فما بعدها، والمستصفى مع فواتح الرحموت1/142، وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص: 355-356.
2 حديث حنين الجذع رواه البخاري ع ابن عمر باب علامات النبوة4/237. وحديث تسليم الحجر رواه مسلم عن جابر بن سمرة باب فضل نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم 7/58-59. وحديث تسبيح الحصى رواه البزار والطبراني في الأوسط عن أبي ذر. انظر: مجمع الزوائد منبع الفوائد للهيثمي 8/298-299.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
لم ينقل بطريق التواتر مع توفر الدواعي على نقلها متواترة، ولم يكن ذلك دليلاً على كذبها.
وأجيب بأن آحاد المعجزات كانت متواترة ثم استغني عن استمرار تواترها بتواتر القرآن المستمر إلى الأبد، بخلاف ما استدلوا به في إمامة علي، فإنه لا يعرفه أهل الحديث فضلاً عن غيرهم، ولوكان حقاً لما خفى على أهل بيعة السقيفة من الصحابة رضي الله عنهم الذين بايعوا أبا بكر، كما بايعه علي رضي الله عنه1.
الثالث: ما لم يعلم صدقه ولا كذبه، وهو ثلاثة أقسام:
الأول: ما ترجح احتمال صدقه كخبر العدل.
الثاني: ما ترجح احتمال كذبه كخبر الفاسق.--------------------------------------------
1 انظر تفاصيله في: شرح المحلى لجمع الجوامع مع حاشية العطار2/147، وروح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني للألوسي6/192 فما بعدها، وحاشية البناني على المحلى2/118-119.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
الثالث: أن يتساوى الأمران كخبر مجهول الحال1.--------------------------------------------
1 انظر: نهاية السول للأسنوي، شرح منهاج الوصول للبيضاوي مع البدخشي2/230 فما بعدها. مطبعة محمّد علي صبيح وأولاده بالأزهر بمصر، والإحكام للآمدي2/12-13، وإرشاد الفحول ص: 46.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
السنة لغة وشرعاً
السنة لغة: الطريقة والسيرة، حسنة كانت أو قبيحة.
قال خالد الهذلي:
فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها … فأول راض سنة من يسيرها
وقال لبيد في معلقته:
من معشر سنت أمم آباؤهم … ولكل قوم سنة وإمامها1
وقد تكرر إطلاق السنة في القرآن بمعنى الطريقة والسيرة، كقوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} 2 وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} 3 وقال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا--------------------------------------------
1 انظر: لسان العرب لابن منظور13/225، وتاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي الإمام أبي الفضل السيد محمّد مرتضى9/244، ومختار الشعر الجاهلي2/399، وشرحه وحققه وضبطه محمّد سيد كيلاني. الطبعة الأولى سنة: 1379هـ – 1959م. وأصول الحديث للدكتور محمّد عجاج الخطيب ص: 17. دار الفكر. الطبعة الثانية سنة: 1391هـ – 1971م.
2 سورة آل عمران آية: 137.
3 سورة النساء آية: 26.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ} 1 وقال تعالى: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلاً} 2والآيات في مثل ذلك كثيرة.
وورد في الحديث لفظ السنة وما تصرف منها، ومنه بمعنى الطريقة والسيرة حديث جرير بن عبد الله: "من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء"3.
وفي الحديث الآخر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ "4.
ونقل الزبيدي عن الأزهري أن السنة الطريقة المحمودة المستقيمة، ولذا قيل فلان من أهل السنة، معناه من أهل الطريقة المحمودة--------------------------------------------
1 سورة الأنفال آية: 38.
2 سورة الكهف آية: 55.
3 صحيح مسلم مع النووي16/226، المطبعة المصرية ومكتبتها بسوق الأوقاف.
4 صحيح مسلم مع النووي16/219-220.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)