15- "أن الرسل - صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهم - كانوا يقبلون خبر الواحد، ويقطعون بمضمونه، فقبله موسى من الذي جاء من أقصى المدينة قائلا له: {إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} 1، فخرج بخبره وخرج هارباً من المدينة، وقبل خبر بنت صاحب مدين لما قالت له: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} 2. وقَبِلَ خبر أبيها في قوله: هذه ابنتي، وتزوجها بخبره.
وقبل يوسف الصديق خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك، وقال: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ} 3.
وقبل النبي صلى الله عليه وسلم خبر الآحاد الذين كانوا يخبرونه بنقض عهد المعاهدين له وغزاهم بخبرهم، واستباح دماءهم وأموالهم وسبى ذراريهم.
ورسل الله صلواته وسلامه عليهم، لم يرتبوا على تلك الأخبار أحكامها، وهم يجوزون أن تكون كذباً وغلطاً، وكذلك الأمة لم تثبت الشرائع العامة الكلية بأخبار الآحاد، وهم يجوزون أن يكون كذباً على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفس الأمر، ولم يخبروا عن الرب تبارك وتعالى في أسمائه--------------------------------------------
1 سورة القصص آية: 20.
2 سور القصص آية: 25.
3 سورة يوسف آية: 50.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 170)
وصفاته وأفعاله بما لا علم لهم به، بل يجوز أن يكون كذباً وخطأ في نفس الأمر، هذا مما يقطع ببطلانه كل عالم متبصر"1.
16-"أن السلف الصالح وأئمة الإسلام لم يزالوا يقولون: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا وفعل كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وهذ معلوم في كلامهم بالضرورة.
وفي صحيح البخاري: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدة مواضع وكثير من أحاديث الصحابة يقول فيها أحدهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما سمعه من صحابي غيره، وهذه شهادة من القائل وجزم على الرسول صلى الله عليه وسلم بما نسبه إليه من قول أو فعل، فلوكان خبر الواحد لا يفيد العلم، لكان شاهداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير علم.
17- أن أهل العلم بالحديث لم يزالوا يقولون: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذلك جزم منهم بأنه قاله، ولم يكن مرادهم ما قاله بعض المتأخرين: إن المراد بالصحة صحة السند لا صحة المتن، بل هذا مراد من زعم أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفيد العلم، وإنما كان مرادهم صحة الإضافة إليه، وأنه قال، كما كانوا يجزمون بقولهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ونهى وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحيث كان يقع لهم الوهم في ذلك يقولون: يذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويروى عنه، ونحو ذلك، ومن له خبرة--------------------------------------------
1 مختصر الصواعق المرسلة1-2/503.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 171)
بالحديث يفرق بين قول أحدهم: هذا الحديث صحيح وبين قوله: إسناده صحيح، فالأوّل جزم بنسبة صحته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثاني شهادة بصحة سنده، وقد يكون فيه علة، أو شذوذ، فيكون سنده صحيحاً ولا يحكمون أنه صحيح في نفسه1.
اعتراض الجمهور على القائلين بإفادة خبر الواحد العلم
اعترض الجمهور على القائلين بأن خبر الآحاد العدل المستوفي لشروط القبول يفيد العلم بما سبق أن استدلوا به في الفصل الأوّل على إفادته الظن. وأهم ما اعترضوا به هو:"أنك لو سئلت عن أعدل رواة خبر الواحد أيجوز في حقه الكذب والغلط؟ لاضطررت أن تقول: نعم، فيقال: قطعك إذن بصدقه مع تجويزك عليه الكذب والغلط لا معنى له"2.
وأجيب عنه بأنا وإن كنا لا ندعي عصمة الرواة، إلا أنا نقول: إن الراوي إذا كذب أو غلط أو سها، فلا بد أن يكون في الأمة من يكشف غلطه وكذبه وسهوه، وهذا هو واقع السنة المطهرة بحمد الله، فقد قيض الله لها من جهابذة العلماء ذوي الصدق والورع والتحري من دوّنها في الأسفار، وبين صحيحها، وضعيفها، والموضوع منها. كما صنفوا في--------------------------------------------
1 مختصر الصواعق المرسلة1-2/496-487.
2 مذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص: 103.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 172)
الرواة مصنفات مكنتنا ومن يأتي بعدنا إلى يوم القيامة من التمكن من معرفة صحة ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان العلماء اليوم يمكنهم الحكم على الحديث بالصحة حتى يقول أحدهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما بالك بمن أفنى معظم أوقاته وأيامه مشتغلاً بالحديث والبحث عن سيرة النقلة والرواة، ليقف على رسوخهم في هذا العلم وكبير معرفتهم به، وصدق ورعهم في أقوالهم وأشعالهم، وشدة حذرهم من الطغيان والزلل، وما بذلوه من شدة العناية في تمهيد هذا الأمر والبحث عن أحوال الرواة، والوقوف على صحيح الأخبار وسقيمها، وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمة واحدة يتقولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك، وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم، وأدوا كما أدى إليهم، وكانوا في العناية والاهتمام بهذا الشأن ما يجل عن الوصف ويقصر دونه الذكر، فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم وعرف حالهم وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه1.
قال ابن حزم: "فنقول لمن قال: إن خبر الواحد العدل عن مثله مبلغاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يوجب العلم، وأنه يجوز فيه الكذب والوهم، وأنه غير مضمون الحفظ، أخبرونا هل يمكن عندكم أن تكون شريعة فرض أو--------------------------------------------
1 مختصر الصواعق المرسلة1-2/507.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 173)
تحريم أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومات عنها وهي باقية لازمة للمسلمين غير منسوخة، فجهلت حتى لا يعلمها علم يقين أحد من أهل الإسلام في العالم أبداً، وهل يمكن عندكم أن يكون حكم موضوع بالكذب أو بخطأ بالوهم قد جاز ومضى واختلط بأحكام الشريعة اختلاطاً لا يجوز أن يميزه أحد من أهل الإسلام في العالم أبداً، أم لا يمكن عندكم شيء من هذين الوجهين؟ فإن قالوا: لا يمكننا أبداً، بل قد أمنا ذلك، صاروا إلى قولنا وقطعوا أن كل خبرٍ رواه الثقة عن الثقة مسنداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الديانة فإنه حق قد قاله عليه السلام كما هو، وأنه يوجب العلم، ونقطع بصحته، ولا يجوز أن يختلط به خبر موضوع أو موهوم فيه لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم قط اختلاطاً لا يتميز الباطل فيه من الحق أبداً.
وإن قالوا: بل كل ذلك ممكن، كانوا قد حكموا بأن الدين دين الإسلام قد فسد وبطل أكثره واختلط ما أمر الله تعالى به مع مالم يأمر به اختلاطاً لا يميزه أحد أبداً. وأنهم لا يدرون أبداً ما أمرهم به الله تعالى مما لم يأمرهم به، ولا ما وضعه الكاذبون والمستخفون مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالظن الذي هو أكذب الحديث، والذي لا يغني من الحق شيئاً. وهذا انسلاخ من الإسلام، وهدم للدين، وتشكيك في الشرائع"1.--------------------------------------------
1 الإحكام لابن حزم1-4/110-111.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 174)
هذا، وإن مما استدل به القائلون بإفادة خبر الواحد العلم، ما استدل به الجمهور على وجوب العمل به، مما سيأتي تفصيله - إن شاء الله- في باب وجوب العمل به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 175)
العلم بمعنى الظاهر:
ذهب بعض القائلين بإفادة خبر الواحد العلم إلى أن المراد بالعلم فيه هو العلم الظاهر، وممن نقل عنه ذلك الحسين بن علي الكرابيسي، وأبو بكر القفال، وصرح به السرخسي أثناء استدلاله على وجوب العمل بخبر الواحد حيث قال: "فإنه عندنا عمل هو ثابت من حيث الظاهر، ولكنه غيرمقطوع به، وقد سمى الله تعالى مثله علماً، فقال: {وَمَا شَهِدْنَا إلَاّ بِمَا عَلِمْنَا} 1، وإنما قالوا ذلك سماعاً من مخبر أخبرهم به، وقال: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} 2وإنما قالت ذلك باعتبار غالب الرأي واعتماد نوع من الظاهر، فدل على أن مثله علم لا ظن إنما الظن عند خبر الفاسق، ولهذا أمر الله بالتوقف في خبره، وبين المعنى فيه بقوله: {أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ} 3فيكون بالتوقف في خبره ذلك بياناً أن من اعتمد خبر العدل--------------------------------------------
1 سورة يوسف آية: 81.
2 سورة الممتحنة آية: 10.
3 سورة الحجرات آية: 6.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 176)
في العمل به يكون بعلم لا بجهالة، إلا أن ذلك علم باعتبار الظاهر، لأن عدالته ترجح جانب الصدق في خبره"1.
واعترض عليه بأن العلم ليس له ظاهر وباطن، وبأن العلم في الآَية محمول على"الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، وإنما سماه علماً إيذاناً بأنه كالعلم في وجوب العمل به"2.
ونقل الخطيب البغدادي عن القاضي أبي بكر محمد بن الطيب أنه قال:"فأما من قال من الفقهاء: إن خبر الواحد يوجب العلم الظاهر دون الباطن، فإنه قول من لا يحصل علم هذا الباب، لأن العلم من حقه أن لا يكون علماً على الحقيقة بظاهر أو باطن، إلا بأن يكون معلومه على ماهو به ظاهراً وباطناً، فسقط هذا القول".
قال: "وتعلقهم في ذلك بقوله عز وجل: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} 3 بعيد، لأنه أراد تعالى وهو أعلم، فإن علمتموهن في إظهارهن الشهادتين،--------------------------------------------
1 أصول السرخسي1/326-327، وانظر فتح المغيث للسخاوي شرح ألفية العراقي في المصطلح1/21، تحقيق عبد الرحمن عثمان، الناشر المكتبة السلفية لمحمّد عبد المحسن، الطبعة الثانية، مطبعة العاصمة، القاهرة، وتوضيح الأفكار1/26، الطبعة الأولى سنة: 1366هـ. مطبعة السعادة.
2 تفسير البيضاوي ص: 731.
3 سورة الممتحنة آية: 10.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 177)
ونطقهن بهما، وظهور ذلك منهن معلوم يدرك إذا وقع، وإنما سمى النطق إيماناً على معنى أنه دال عليه، وعلم في اللسان على إخلاص الاعتقاد ومعرفة القلب مجازاً واتساعاً، ولذلك نفى الله تعالى الإيمان عمن علم أنه غير معتقد له في قوله: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} 1، أي قولوا أسلمنا فزعاً من أسيافهم"2.
وأجاب عنه الصنعاني بقوله: "كيف يقال: إنه قول من لا يحصل علم هذا الباب؟ على أنه لا يخفى أن من أخبر عن نفسه بأنه حصل له العلم بأي سبب من الأسباب المحصلة له يصدق في نفسه.
وأما حكمه بأنه يحصل لغيره ما حصل له من العلم بذلك السبب، فهذه دعوى على الغير مستندها القياس على النفس واختلاف الإدراكات معلوم، فلا يكاد يستوي اثنان في رتبة.
فالقول: بأن هذا السبب الفلاني مثلاً يفيد العلم أو لا يفيده، لكل من حصل له ليس بمقبول"3.--------------------------------------------
1 سورة الحجرات آية: 14.
2 الكفاية في علم الرواية للخطيب ص: 65.
3 توضيح الأفكار لمحمّد بن إسماعيل الأمير1/28، الطبعة الأولى سنة: 1366هـ. مطبعة السعادة، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 178)
وأما استبعاده التعلق بقوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} فهو خلاف الظاهر، لأن الأصل حمل اللفظ على ظاهره مالم يأت دليل يدل على صرفه عن ظاهره، ولم يذكر ما يصرف اللفظ هنا عن ظاهره، بل في السياق ما يدل على إرادة الظاهر وذلك ما ورد في سياق الآية من ترتيب العلم على الامتحان بالنطق بالشهادتين في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} الَاية.
قال ابن كثير:"فيه دلالة على أن الإيمان يمكن الاطلاع عليه يقيناً"1.
وأما استدلاله بقوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} على اعتبار المجاز في الآية الأولى، فيعكره ما ورد من تفسير الآية الثانية في أحد وجهي التفسير فيها أن المراد بنفي الإيمان في قوله: {لَمْ تُؤْمِنُوا} نفى كمال الإيمان لا نفيه من أصله. وعليه فلا إشكال، لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غيرتام، وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص"2.--------------------------------------------
1 تفسير ابن كثير4/350، الناشر عبد الفتاح عبد الحميد مراد. الحلبي، مصر.
2 أصواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن7/638.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 179)
هل معنى هذا أنه يفيد العلم؟
الحق أن ما ذكره الجمهور من احتمال غلط الراوي ووهمه وارد قطعاً لعدم عصمته، وأن جانب صدق الراوي وإن كان راجحاً، وسلم عدم إفادته العلم اليقيني لهذا الاحتمال، فإن العمل بكل ما دل عليه الحديث الصحيح السالم من معارض واجب، سواء كان في الأحكام، أم في العقائد، لأن العمل به هو مقتضى ما دل عليه ظاهر الكتاب العزيز من وجوب طاعة رسول الله لم تؤمنوا، واتباعه في كل ما جاء به، سواء كان في العقائد أم الأحكام كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} 1، فقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسيرها أن الله أمر بطاعته وطاعة رسوله، لأنها طاعة لله وذلك باتباع سنته.
قال: "وذلك أن الله عم بالأمر بطاعته، ولم يخص ذلك في حال دون حال، فهو على العموم حتى يخص ذلك بما يجب التسليم له"2.
وكذلك مثلها من الآيات التي يدل عمومها على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، كقوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا--------------------------------------------
1 سورة النساء آية: 59.
2 جامع البيان في تأويل القرآن5/147.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 180)
فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلَاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} 1. فالأخذ بعمومهما وما كان على مثلهما من آيات القرآن، وهو كثير هو مقتضى ما نقله الجمهور من إجماع السلف2 على العمل بأخبار الآحاد. وما ادعاه المفرق بين ما يعمل به من السنة في الأحكام دون العقائد يحتاج إلى دليل من كتاب أو سنة أو إجماع قطعي، لأن الله تعالى يقول: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 3، والتحاكم هنا إنما هو لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لقوله جل جلاله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} 4، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته صلى الله عليه وسلم هو الرد إلى سنته. ونحن إذا رجعنا إليهما نجد أن ظاهرهما يوجب العمل بكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم من معارض من غير تفريق فيما دل عليه سواء كان في العقائد، أم الأحكام.--------------------------------------------
1 سورة النور آية: 54.
2 الإحكام للآمدي2/57، المعتمد2/591، المستصفى1/148، المنار وحواشيه ص: 621، الأسنوي لى منهاج الصول2/238، وروضة الناظر ص: 53.
3 سورة النمل آية: 64.
4 سورة النساء آية: 59.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 181)
قال ابن كثير في تفسير الآية: "قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله. وهذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} 1. فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق. وماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} ، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمناً بالله، ولا باليوم الآخر"2. وسيأتي لهذا زيادة بيان -إن شاء الله - في أثر الاختلاف3.--------------------------------------------
1 سورة الشورى آية: 10.
2 تفسير ابن كثير1/518.
3 انظر ص: 117 فما بعدها من هذا البحث.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 182)
الفصل الثالث: في إفادته العلم إذا احتف بالقرائن
ذهب بعض العلماء إلى أن خبر الواحد العدل المحتف بالقرائن الزائدة على ما لا ينفك عنه التعريف، أنه يفيد العلم النظري، لأن القرينة قد تفيد الظن مجردة عن الخبر، فإذا اقترن بالخبر المفيد للظن قرينة مفيدة للظن، فإنها تقوم مقام خبر آخر، ثم لا يزال التزايد في الظن بزيادة اقتران القرائن بالخبر إلى أن يحصل العلم كل في خبر التواتر.
وممن اختار هذا القول سيف الدين الآمدي وابن الحاجب، وإمام الحرمين1 والبيضاوي والشيخ أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي وغيرهم2 ومثلوا له بأمثلة:--------------------------------------------
1 هو: عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمّد بن حيوية المكنى بأبي المعالي المعروف بإمام الحرمين لمجاورته مكة والمدينة أربع سنين يدرس ويفتي بهما، الفقيه الأصولي النظار الأديب، له مؤلفات منها: البرهان والورقات في أصول الفقه وغيرهما، توفي سنة: 545هـ، انظر: طبقات الشافعية لابن سبكي7/189-190، الفتح المبين في طبقات الأصوليين1/260-262.
2 انظر: نهاية السول شرح منهاج الوصول2/215،الأحام للآمدي2/32، والمختصر لابن الحاجب مع العضد2/56، غاية الوصول شرح لب الأصول ص: 97.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 183)
منها: أنه لو أخبر واحد بموت ولد الملك المشرف على الموت، وانضم إلى ذلك إحضار الكفن والنعش، وخروج الجنازة مع الصراخ وخروج المخدرات على حالة منكرة مع تغير حال الملك عما كان من عادته من التزام الهيئة، والمحافظة على أسباب المروءة، فإن كل عاقل سمع مثل هذا الخبر، وشاهد هذه القرائن، يحصل له العلم بصدق مخبره، كما يحصل له العلم بصدق خبر التواتر.
ومنها:"إذا أخبر واحد، مع كمال عقله، وحسه بحياة نفسه وكراهيته للألم، وهو في أرغد عيشة، نافذ الأمر، قائم الجاه، أنه قتل من يكافئه عمداً عدواناً، بآلة يقتل مثلها غالباً، ومن غير شبهة له في قتله، ولا مانع له من القصاص، كان خبره مع هذه القرائن موجباً بصدقه عادة.
ومنها: أنه إذا كان بجوار إنسان امرأة حامل، وقد انتهت مدة حملها، فسمع الطلق من وراء الجدار، وضجة النسوان حول تلك الحامل، ثم سمع صراخ الطفل، وخرج نسوة يقلن إنها قد ولدت، فإنه لا يستريب في ذلك، ويحصل له العلم بها قطعاَ"1.
وبهذا نعلم خجل من هجن، ووجل من خوف، باحمرار هذا، واصفرار هذا، ونعلم وصول اللبن إلى جوف الطفل عند ارتضاعه، بكثرة--------------------------------------------
1 الأحكام للآمدي2/37.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 184)
امتصاصه وازدراده، وحركة حلقه، مع كون المرأة شابة نفساء، وبسكون الصبي بعد بكائه إلى غير ذلك من القرا ئن1.
الاعتراضات التي أوردت على ذلك، والإجابة عنها.
1- أن العلم يكون حاصلاً بالقرائن، لا بالخبر.
وأجيب عنه بأن العلم إنما حصل بالخبر مع ضميمة القرائن،"إذ لا يمتنع أن يكون سبب ما وجد من القرائن موت غير ولد الملك فجأة، فإذا انضم إليها الخبر بموت ذلك المريض بعينه، كان اعتقاد موته آكد من اعتقاد موته مع القرائن دون الخبر"2.
2- قال المخالفون:"أدلتكم على امتناع إفادته للعلم بلا قرينة، تأبى كونه مفيداً له بقرينة للزوم الاطراد، وتناقض المعلومين، والقطع بتخطئة مخالفه.
والجواب: أنها لا تتأتى في الخبر مع القرائن. أما الاطراد فلأنه ملتزم في مثله، فإنه لا يخلو عن العلم، وأما تناقض المعلومين فلأن ذلك إذا حصل في قضية، امتنع أن يحصل مثله في نقيضها عادة.--------------------------------------------
1 انظر تفاصيله في الأحكام للآمدي2/36 فما بعدها، والمختصر لابن الحاجب مع العضد2/56، نهاية السول شرح منهاج الوصول مع البدخشي2/215.
2 الأحكمام للآمدي2/38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 185)
وأما تخطئة المخالف قطعاً، فلأنه ملتزم، ولو وقع لم يجز مخالفته بالاجتهاد، إلا أنه لم يقع في الشرعيات"1. وعدّ بعض العلماء من الخبر المحتف بالقرائن المفيد للعلم، ما في الصحيحين سوى ما انتقده الحفاظ عليهما.
قال ابن حجر: "والخبر المحتف بالقرائن أنواع:
منها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر، فإنه احتف به قرائن: منها جلالتهما في هذا الشأن، وتقدمهها في تمييز الصحيح على غيرهما، وتلقي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر، إلا أن هذا يختص بما لم ينتقضه أحد من الحفاظ مما في كتابيهما، وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد النقيضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته"2.--------------------------------------------
1 العضد على المختصر2/56-57.
2 شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر ص: 6-7.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 186)
ونقل السخاوي عن أبي إسحاق الإسفراييني1 قوله: "أهل الصنعة مجمعون على أن الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال، وإن حصل فذلك اختلاف في طرقها، ورواتها، قال: فمن خالف حكمه خبراً منها وليس له تأويل سائغ للخبر نقضنا حكمه، لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول"2 وتلقي الأمة للخبر المنحط عن درجة التواتر بالقبول يوجب العلم النظري"3.
وقال ابن الصلاح: "وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافاً لقول من نفى ذلك محتجاً بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن، وأنما تلقته الأمة بالقبول، لأنه يجب بالظن والظن قد يخطيء، وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قوياً، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أوّلاً هو الصحيح، لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطيء،--------------------------------------------
1 هو: إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني المحدث الفقيه الأوصولي المتكلم الشافعي، المكنى بأبي إسحاق، الملقب بركن الدين، عد من المجتهدين في المذهب، وكان ثقةً ثبتاً في الحديث. من مؤلّفاته: رسالة في الأصول. توفي سنة: 418هـ. انظر: الفتح المبين في طبقات الأصوليين1/228-229.
2 فتح المغيث شرح ألفية الحديث1/51.
3 نفس المصدر1/50.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 187)
والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ، ولهذا كان الإجماع المنبني على الاجتهاد حجة مقطوعاً بها، وأكثر إجماعات العلماء كذلك، وهذه نكتة نفيسة نافعة، ومن فوائدها القول بأن ما انفرد به البخاري أومسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كالدارقطني وغيره وهي معروفة عند أهل هذا الشأن"1.
وتعقب النووي2 ابن الصلاح فقال:"الذي ذكره الشيخ في هذا الموضع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون، فإنهم قالوا: أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن، فإنها آحاد والآحاد إنما تفيد الظن على ما تقرر، ولا فرق بين البخاري ومسلم وغيرهما في ذلك،--------------------------------------------
1 علوم الحديث لابن الصلاح ص: 24-25، تحقيق د. نور الدين العتر.
2 هو: الإمام الحافظ الأوحد القدوة شيخ الإسلام محي الدين أبو زكرياء يحيى بن شرف ابن مرى الحرامي الشافعي صاحب التصانيف النافعة أستاذ المتأخرين وحجة الله على اللاحقين، والداعي إلى سبيل السالفين، ولد رحمه الله سنة: 631هـ، سمع من الرضي بن برهان، وشيخ الشيوخ عبد العزيز بن محمّد الأنصاري وزين الدين عبد الدائم وغيرهم. كان حافظاً للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله رأساً في معرفة المذهب، من مؤلّفاته: شرح صحيح مسلم، رياض الصالحين، الأذكار، وغيرها. توفي بنوى سنة: 676هـ. انظر: مقدمة شرح صحيح مسلم1/هـ-ح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 188)
وتلقي الأمة بالقبول إنما يفيد وجوب العمل بما فيهما، وهذا متفق عليه"1.
وقد أجاب ابن حجر عما ذكره النووي بما نقله عن شيخ الإسلام بن تيمية2 وغيره.
فقال:"الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول تصديقاً له وعملاً بموجبه أفاد العلم عند جماهير العلماء من السلف والخلف، وهو الذي ذكره جمهور المصنفين في أصول الفقه كشمس الأئمة السرخسي وغيره من--------------------------------------------
1 مقدمة شرح صحيح مسلم1/20، المطبعة المصرية ومكتبتها.
2 هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية الحراني الدمشقي، الملقب بتقي الدين، المكنى بأبي العبّاس، الإمام المحقق، والحافظ المجتهد، المحدث، المفسر، الأصولي، النحوي الخطيب، الكاتب، القدوة الزاهد، نادرة عصره، شيخ الإسلام وقدوة الأنام، نقل محمّد حامد الفقي عن ابن سيد الناس في وصف شيخ الإسلام قوله: "إن تكلم في التفسير فهوه حامل رايته، أو في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر الحديث فهو صاحب علمه، وروايته، أو حاضر بالنحل والملل لم ير أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من روايته برز في كل فنّ على أبناء جنسه" اهـ. وقد امتحن رحمه الله في مصر ودمشق فسجن بكل منهما ولم يثنه ذلك عن قول الحق الذي يراه. توفي سنة: 728هـ. مؤلّفاته كثيرة منها: الفتاوى، واقتضاء الصراط المستقيم، والجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، والسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، ومنهاج السنة النبويّة في نقد كلام الشيعة والقدرية. انظر: الفتح المبين في طبقات الأصوليين2/130-133، ومقدمة اقتضاء الصراط المستقيم ص: هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 189)