ولا يخفى أن قوله: "ما زاد على الأربعة صالح لأن يكون خبره خبراً متواتراً" أنه رأى لبعض العلماء، وقد تقدم إبطاله آنفاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 109)
أقسام التواتر:
المتواتر قسمان:
أ- تواتر في اللفظ: وهو ما تواتر عليه رواته في اللفظ نحو: حديث أبي هريرة رضي الله عنه "من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"1.
2- معنوي: وهو ما اتفق رواته في المعنى دون اللفظ، كأحاديث الشفاعة2، وأحاديث رؤية المؤمنين لله يوم القيامة، وغير ذلك3.
ما يفيده الخبر المتواتر:
اتفق العقلاء أن الخبر المتواتر بشروطه يفيد العلم بصدقه، وخالفت--------------------------------------------
1 صحيح البخاري 1/38، وصحيح مسلم 1/7 فما بعدها، أبو داود 2/287، ابن ماجة 1/9.
2 صحيح البخاري 9/179، فما بعدها، وصحيح مسلم 1/117 فما بعدها.
3 انظر تفاصيله في أصول الحديث ومصطلحه، د. محمّد عجاج الخطيب ص: 301، الإحكام لابن حزم 1-4/94 فما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 110)
السمنية1 والبراهمة2 في ذلك، حيث قالوا: "لا علم في غير الضروريات إلا بالحواس دون الأخبار".
وما ذكروه من نفي إفادة الخبر المتواتر للعلم مكابرة وخلاف باطل لا يستحق قائله الجواب عليه. فإنا نجد من أنفسنا العلم الضروري بالبلاد النائية، والأمم الخالية، والقضايا الماضية بما يرد علينا من الأخبار، كما نجد العلم بالمحسوسات من غير فرق بينهما فيما يعود إلى الجزم بالعلم بالصدق في كل ذلك. وليس ذلك إلا بالأخبار قطعاً، ومن أنكر حصول العلم بذلك، فقد سقطت مكالمته وظهر جنونه أو مجاحدته.--------------------------------------------
1 السمنية بضم السين وفتح الميم طائفة تعبد الأصنام، دهرية تقول بالتناسخ، وتنكر حصول العلم بالأخبار، تنسب إلى صنم يسمى سمن أو بلد يسمى سمونات. انظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص: 98، والمسودة لآل تيمية ص: 234، وتعليق عبد الرؤوف سعد علي، على شرح تنقيح الفصول للقرافي ص: 350.
2 البراهمة: طائفة من طوائف الهند تنكر النبوات أصلاً، وتنسب إلى رجل يقال له: برهام، قرر لهم استحالة النبوات، بأن ما يأتي به الرسول إن كان معقولاً، فالعقل كافٍ في إدراكه، ولا حاجة إلى الرسول، وإن كان غير معقولٍ فلا يقبل، لأن في قبوله خروجاً عن حد الإنسانية إلى البهيمية، وإن الله حكيم يستحيل عليه أن يتعبد المخلوقات بما لا تدركه العقول، وإن العقل دل على أن للعالم صانعاً، والحكيم لا يتعبد الخلق بما تستقبحه العقول. انظر: الملل والنحل للشهرستاني مع الفصل 5/174-176.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 111)
أقوال العلماء في نوع العلم الحاصل به:
1- أن الخبر المتواتر يفيد العلم النظري، وهو ما كان عن نظر واستدلال، وهذا منقول عن الكعبي، وأبي الحسين البصري.
2- أنه يفيد العلم الضروري، وهو الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه، وهذا هو المعتمد، وبه قال الجمهور.
احتج الجمهور على كون العلم الحاصل بخبر التواتر ضرورياً، بأنه لو كان نظرياً لما حصل لمن لا يكون من أهل النظر كالصبيان المراهقين. وكثير من العوام، إذ النظر ترتيب أمور معلومة، أو مظنونة ليتوصل بها إلى علوم، أو ظنون، وليس في الصبيان، ولا العوام أهلية لذلك، فلوكان نظرياً لما حصل لهم العلم به، فلما حصل لهم به العلم علمنا أنه غير نظري1.
الثاني الآحاد.
الآحاد جمع أحد، وهو بمعنى الواحد، وهمزة أحد مبدلة من واو، فأصلها وحد، وربما جاءت على الأصل كما في قول نابغة ذبيان:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا … بذي الجليل على مستأنس وحد2--------------------------------------------
1 انظر تفاصيل ذلك في الإحكام للآمدي 2/15، ومختصر ابن الحاجب مع شروحه 2/52، وإرشاد الفحول مع شرح العبادي للورقات ص:46-47، ونخبة الفكر مع شرحها لابن حجر ص: 3-4.
2 انظر البيت في كتاب مختارات الشعر الجاهلي 1/150.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 112)
ويجمع الواحد على أحدان، والأصل وحدان، فقلبت الواو همزة لانضمامها.
قال الهذلي:
يحمى الصريبة أحدان الرجال له
صيد ومجتريء باللين هماس1
وأما تعريف خبر الآحاد عند الأصوليين فقد اختلفوا فيه:
فقيل: "ما أفاد الظن". وهذا التعريف غير مطرد ولا منعكس.
أما عدم الاطراد، فلأن القياس يفيد الظن، وهو ليس بخبر.
أما عدم الانعكاس، فهو فيما إذا أخبر واحد بخبر لم يفد الظن.
وقيل: "ما لم يصل إلى حد التواتر، وإن روته جماعة". وهذا التعريف كما ترى شامل للخبر الذي لم يترجح جانب الصدق فيه.
وأجيب عنه بأن المقصود تعريف الخبر الذي يعتد به في الأحكام، ولا يكون متواتراً.
وعلى هذا يصح أن نعرفه: بأنه الخبر الذي لم ينته إلى حد التواتر، ولم يقصر عن درجة الاحتجاج به، وإن روته جماعة، وعليه فالمشهور منه، إذ لا واسطة بين المتواتر والآحاد.--------------------------------------------
1 انظر لسان العرب لابن منظور 3/447-448، والقاموس المحيط 1/283.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 113)
وخالفت الحنفية، فجعلت القسمة ثلاثية: متواتراً، ومشهوراً، وآحاداً.
المشهور عند الحنفية:
عرفت الحنفية المشهور بأنه ما كان من الآحاد في الأصل ثم تواتر في القرن الثاني والثالث، وهو عندهم يفيد علم طمأنينة، وبمنزلة المتواتر في الاحتجاج به، ويضلل جاحده ولا يكفر، وهو دون المتواتر، وفوق الآحاد، ومثلوا له: بحديث المسح على الخفين1، وحديث الرجم2.
وعرف صاحب مراقي السعود خبر الآحاد بقوله:
وخبر الآحاد مظنون عرا … عن القيود في الذي تواترا
والمستفيض منه وهو أربعة … أقله وبعضهم قد رفعه
عن واحد وبعضهم عما يلي … وجعله واسطة قوله جلي3--------------------------------------------
1 صحيح البخاري 1/60، وصحيح مسلم 1/156 فما بعدها، والموطأ 1/36.
2 انظر: المختصر لابن الحاجب مع شروحه 2/55، والإحكام للآمدي 2/31، وكشف الأسرار 2/368، والمنار وحواشيه ص: 618-619، السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص: 180.
3 فتح الودود شرح مراقي السعود ص: 219 فما بعدها.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 114)
المشهور عند المحدثين:
عرفه ابن حجر بأنه: "ما له طوق محصورة بأكثر من اثنين، سمي بذلك لوضوحه، وهو المستفيض على رأي جماعة، سمي بذلك لانتشاره من فاض الماء يفيض، ومنهم من غاير بين المستفيض والمشهور: بأن المستفيض ما يكون في ابتدائه وانتهائه سواء، والمشهور أعم من ذلك، وهو يشمل ما له إسناد واحد فصاعداً، وما ليس له إسناد أصلاً"1.--------------------------------------------
1 شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر ص: 5.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 115)
الباب الأول: فيما يفيد خبر الواحد
الفصل الأول: في أن خبر الواحد العدل إنما يفيد الظن فقط
…
الباب الأول فيما يفيده خبر الواحد
اختلف العلماء فيما يفيده خبر الواحد العدل1 الضابط2 عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى من انتهى إليه من صحابي أو غيره.--------------------------------------------
1 العدل في اللغة: التوسط، واصطلاحاً يراد به هنا المسلم البالغ العاقل الذي له ملكة تحمله على ملازمة التقوى، والمروءة، وذلك بأن لا يرتكب كبيرة، ولا يصر على صغيرة، ويترك من المباحات ما يقدح في المروءة.
قال ابن عاصم معرفاً له في منظومته:
العدل من يجتنب الكبائر … ويتقي في الأغلب الصغائرا
وما أبيح وهو في العيان … يقدح في مروءة الإنسان
انظر: تحفة الحكام في نكت العقود والأحكام لابن عاصم ص: 9، الناشر عبد الحميد أحمد حنفي. مصر. مطبعة الفجالة الجديدة، وانظر تفاصيل ذلك كله في الأحكام للآمدي2/64 فما بعدها، ومختصر ابن الحاجب2/63، ومذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص:113، مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة.
2 الضبط حفظ الراوي مرويه، بحيث يكون حافظاً إن حدث من حفظه، ضابطاً لكتابه إن حدث فمنه، عالماً بما يحيل المعنى إن روى به، ويعرف بقلة مخالفته للثقات. قال صاحب طلعة الأنوار معرفاً للضابط من غيره:
كذاك لا يقبل إلا من ضبط … من زايل الخطأ كثيراً والغلط
بالضابطين اعتبرن فإن غلب … وفق فضابط وإلا يجتنب
انظر: تدريب الراوي1/301، ومذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص:112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 117)
فمن قائل: إنه يفيد العلم، وهؤلاء منهم من قال: يفيد العلم على اطراد، ومنهم من قال: يفيده لا على اطراد.
وذهب البعض الآخر إلى أنه إنما يفيد العلم بانضمام القرائن غير اللازمة للتعريف.
وقالت طائفة أخرى: إنه إنما يفيد الظن، واستدلت كل طائفة بأدلة واعترض على كل طائفة من مخالفيها. وها أنا أذكر ذلك إن شاء الله في الفصول الآتية:
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 118)
الفصل الأول: في أن خبر الواحد العدل إنما يفيد الظن فقط
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن خبر الواحد العدل، لا يفيد إلا الظن، واستدلوا على ذلك بأدلة، أهمها ما يأتي:
1- قالوا: لأنا نعلم ضرورة أنا لا نصدق كل خبر نسمعه.
2- أنه لو أفاد العلم لأدى إلى تناقض المعلومين، فيما لو أخبر ثقة آخر بضد ما أخبر به الأول.
3- أنه لو أفاد العلم، لحصل العلم بنبوة من يخبر بكونه نبيا من غير حاجة إلى معجزة دالة على صدقه.
4- لو أفاد العلم، لجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به، لكونه بمنزلتها في إفادة العلم.
5- لو أفاد العلم، لوجب تخطئة مخالفه بالاجتهاد، وتفسيقه وتبديعه، فيما يفسق فيه ويبدع.
6- لو أفاد العلم، لوجب الحكم بالشاهد الواحد من غير حاجة إلى شاهد آخر، ومن غير افتقار إلى تزكية.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 119)
7- قالوا: لجواز الكذب، والغلط على الراوي، لكونه غير معصوم1، لأن صفة كل خبر واحد هي أنه يجور عليه الكذب والوهم2.
الأجوبة عن أدلة الجمهور:
أما عن الأول: فإن المخالفين لا يقولون: بإفادة خبر كل واحد العلم، بل يشترطون لإفادة الخبر العلم أن يرويه العدل الضابط على مثله حتى ينتهي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى من انتهى به إليه. ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله:"ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أموراً:
منها: أن يكون من حدث به ثقة في دينه؟ معروفاً بالصدق في حديثه، عاقلاً، لما يحدث به، عالماً بما يحيل معاني الحديث من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدت به على المعنى، لأنه إن حدث به على المعنى وهو غير عالم بها يحيل معناه، لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام. فإن أداه بحروفه، فلم يبق وجه يخاف فيه إحالته--------------------------------------------
1 انظر تفاصيله في روضة الناظر لابن قدامة ص: 52. القاهرة، المطبعة السلفية ومكتبتها، شارع الفتح بالروضة، والمستصفى مع فواتح الرحموت 1/145، ومختصر ابن الحاجب مع شروحه2/56، والإحكام للآمدي2/32 فما بعدها، ومذكرة أصول الفقه للشيخ محمّد الأمين الشنقيطي ص:130.
2 الإحكام للآمدي2/107.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 120)
الحديث، حافظاً إذا حدث به من حفظه حافظاً لكتابه إن حدث من كتابه، إذا شرك أهل الحفظ في الحديث، وافق حديثهم، بريئاً من أن يكون مدلساً، يحدث عن من لقي مالم يسمع منه، ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي. ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه، حتى ينتهي بالحديث موصولاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من انتهى به إليه دونه، فإن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه، ومثبت عن من حدث عنه، فلا يستغنى في كل واحد منهم عن وصفت"1.
ونقل الخطيب البغدادي إجماع أهل العلم على أنه لا يقبل إلا خبر العدل2.
وكتب مصطلح الحديث طافحة بأنه لا يقبل من الحديث إلا ماتوفرت فيه الشروط المعتبرة لقبول الرواية الَانفة الذكر في قول الشافعي رحمه الله.--------------------------------------------
1 الرسالة للإمام الشافعي ص:160، الطبعة الأولى سنة: 1388هـ – 1969م. مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، تحقيق محمّد سيد كيلاني. وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص: 10، تحقيق نور الدين العتر، الناشر المكتبة العلمية للنمنكاني بالمدينة.
2 انظر: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص: 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 121)
فكيف يسوغ والحالة هذه أن يساوى بين العدل وغيره؟ حتى يقال: لأنا نعلم ضرورة أنا لا نصدق كل خبر نسمعه، كيف؟ وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ} 1، فهذه الآية نصت على وجوب التبين في خبر الفاسق، وهي تدل بمفهوم الشرط على وجوب قبول خبر العدل المعتبر عند الأصوليين عدا الأحناف، وهم وإن خالفوا في حجية مفهوم الشرط، فقد استدلوا بالآية على وجوب قبول خبر الواحد العدل. فقالوا: "أمر بالتبين، وعلل بمجيء الفاسق بالخبر، إذ ترتيب الحكم على الوصف المناسب يشعر بالعلية ولوكان كون الخبر من أخبار الآحاد مانعاً من القبول، لم يكن لهذا التعليل فائدة، إذ علية الوصف اللازم، تمنع من علية الوصف العارض"2.
وأجابوا عن الثاني: بأنه يمتنع أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من كل وجه، بحيث لا يكون مع أحدهما ما يرجح به على الآخر3.--------------------------------------------
1 سورة الحجرات آية: 6.
2 كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري شرح البزدوي 2/372-373، طبعة جديدة بالأوفست، سنة: 1394هـ – 1974م. دار الكتاب العربي، بيروت.
3 المسودة لآل تيمية ص: 306، تحقيق محمّد محي الدين عبد الحميد. مطبعة المدني. القاهرة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 122)
فإن فرض وجود خبرين متناقضين،؟ وكانا صدرا معاً، فكل واحد منهما قرينة كذب الآخر، وإلا بان تقدم أحدهما على الآخر، فالمتأخر ناسخ للمتقدم.
قال ابن حزم:"وكذلك نقطع ونبت في كل خبرين صحيحين متعارضين، وكل آيتين متعارضتين، وكل اثنين متعارضين لم يأت نص بيّن بالناسخ منهما، فإن الحكم الزائد على الحكم المتقدم من معهود الأصل هو الناسخ، وأن الموافق لمعهود الأصل المتقدم، هو المنسوح قطعاً يقيناً للبراهين التي قدمنا1 من أن الدين محفوظ، فلو جاز أن يخفى فيه ناسخ من منسوخ، أو أن يوجد عموم لا يأتي نص صحيح بتخصيصه، ويكون المراد به الخصوص، لكان الدين غير محفوظ، ولكانت الحجة غير قائمة على أحد في الشريعة، بل بالعمل بما لم يأمر الله تعالى قط به، وهذا باطل مقطوع على بطلانه"2.
وأجاب ابن حزم عما لوكان أحد النصين حاظراً لما أبيح في النص الآخر بأسره، أو كان أحدهما موجباً، والآخر مسقطاً لما وجب في النص الآخر فقال:"الواجب في هذا النوع أن ننظر إلى النص الموافق لما كنا--------------------------------------------
1 ما أشار إليه لخصه هنا، وسيأتي في الدليل التاسع من أدلة إفادة الخبر للعلم في الفصل الآتي بعد هذا إن شاء الله.
2 الإحكام لابن حزم1-4/123.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 123)
عليه لولم يرد واحد منهما، فنتركه ونأخذ بالآخر، لا يجوز غير هذا أصلاً. وبرهان ذلك أننا على يقين من أننا قد كنا على ما في ذلك الحديث الموافق لمعهود الأصل، ثم لزمنا يقيناً العمل بالأمر الوارد بخلاف ما كنا عليه بلا شك، فقد صح عندنا يقيناً إخراجنا عما كنا عليه، ثم لو لم يصحّ عندنا نسخ ذلك الأمر الزائد الوارد بخلاف معهود الأصل. ولا يجوز لنا أن نترك يقيناً بشك، ولا أن نخالف الحقيقة للظن، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} 1.
وقال: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَاّ يَخْرُصُونَ} 2. وقال تعالى ذاماً لقوم حاكمين بظنهم: {إِنْ نَظُنُّ إِلَاّ ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} 3. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن الظن أكذب الحديث" 4.
ولا يحل أن يقال فيما صح الورود به: هذا منسوخ إلا بيقين، ولا يحل أن يترك أمر قد تيقن وروده خوفاً أن يكون منسوخاً، ولا أن يقول--------------------------------------------
1 سورة النجم آية: 28.
2 سورة الأنعام آية: 116.
3 سورة الجاثية آية: 32.
4 الموطّأ2/7-9، والبخاري عن أبي هريرة8/23.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 124)
قائل: لعله منسوخ، وكيف ونحن على يقين مقطوع به من أن المخالف لمعهود الأصل هو الناسخ بلا شك ولا مرية عند الله تعالى، برهان ذلك ما قد ذكرناه آنفاً من ضمان الله تعالى حفظ الشريعة والذكر المنزل، فلو جاز أن يكون ناسخ من الدين مشكلاً بمنسوخ، حتى لا يدري الناسخ من المنسوخ أصلاً، لكان الدين غير محفوظ والذكر مضيعاً قد تعلقت الحامق هكذا فيه، وحاشا لله من هذا، وقد صح بيقين لا شك فيه نسخ الموافق لمعهود الأصل من النصين بورود النص الناقل عن تلك الحال، إذ ورد ذلك النص. فهذا يقين… ومدّعي خلاف هذا كاذب مقطوع بكذبه إذ لا برهان له على دعواه إلا الظن، والله تعالى يقول: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 1. فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس بصادقٍ أصلاً2.
ويجاب عن الثالث: بأن النبوة أمر في غاية الندرة، ونهاية العظمة، والعادة تحيل صدق مدعيها من غير معجزة دالة على صدقه، والطباع تستبعد وقوع مثل ذلك، لذا كان لا بد لمدعي الرسالة من معجزة دالة على صدقه، لأنه يخبرنا عن الله تعالى، أما من يخبرنا عن الرسول صلى الله عليه وسلم،--------------------------------------------
1 سورة النمل آية: 64.
2 الإحكام لابن حزم1-4/159.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 125)
فإنما يشترط فيه ما اتفق عليه من العدالة والإسلام والحفظ والضبط عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى من انتهى إليه دونه1.
قال السرخسي2:"وما قالوا: إن في هذا إثبات زيادة درجة لخبر غير المعصوم على خبر المعصوم غلط بيّن، فإن الحاجة إلى ظهور المعجزات لثبوت علم اليقين بنبوته، وليكون خبره موجباً علم اليقين، ولا يثبت مثل ذلك بخبر مثل هذا المخبر"3.--------------------------------------------
1 انظر: التقرير والتحبير شرح تحرير الكمال لابن أمير الحاج2/272، الطبعة الأولى. الأميرية ببولاق. مصر. سنة: 1316هـ.
2 هو: أبو بكر محمّد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، المعروف بشمس الأئمة الإمام الكبير، الفقيه، الأصولي النظار، أحد فحول الإئمة الكبار وأصحاب الفنون، له مؤلّفات منها: المبسوط في الفقه، وله في الأصول أصول السرخسي. ذكر أبو الوفاء أنه توفي سنة: 490هـ. وقال المراغي: توفي سنة: 483هـ. انظر: مقدمة أصول السرخسي لأبي الوفاء الأفغاني ص: 4 فما بعدها، والفتح المبين في طبقات الأصوليين1/264.
3 أصول السرخسي1/328، وحقّقه أبو الوفاء الأفغاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 126)
وذكر الآمدي: أن تجويز التعبد بخبر الواحد، لابد أن يستند إلى دليل قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع، ولا كذلك المدعي للرسالة، إذا لم تقترن بقوله معجزة دالة على وجوب العمل بقوله1.
فبان بذلك الفرق بين: مدعي الرسالة، وبين خبر الواحد العدل، لأن مدعي الرسالة مشروع عن الله، وناقل خبر الواحد مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويجاب عن الرابع: بأنه استدلال بمحل النزاع، حيث إن من العلماء من قال بأن خبر الواحد العدل ينسخ القرآن والسنة المتواترة، وها أنا أسوق بعض ذلك.
قال ابن حزم:"اختلف الناس في هذا بعد أن اتفقوا على جواز نسخ القرآن بالقرآن، وجواز نسخ السنة بالسنة. فقالت طائفة: لا تنسخ السنة بالقرآن، ولا القرآن بالسنة.
وقالت طائفة: كل ذلك جائز، والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة، والسنة تنسخ بالقرآن والسنة. قال أبو محمد: وبهذا نقول، وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر، والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضاً، وينسخ الآيات من القرآن، وينسخه الآيات من القرآن، وبرهان ذلك ما بيناه في باب الأخبار من هذا الكتاب من وجوب--------------------------------------------
1 الإحكام للآمدي2/46-47.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 127)
الطاعة لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، كوجوب الطاعة لما جاء في القرآن ولا فرق، ولأن كل ذلك من عند الله بقوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَاّ وَحْيٌ يُوحَى} 1. فإذا كان كلامه وحياً من عند الله عز وجل والقرآن وحي، فنسخ الوحي بالوحي جائز، لأن كل ذلك سواء في أنه وحي"2.
وفي المسودة ما لفظه:"وذكر ابن عقيل عن أحمد رواية أخرى بجواز النسخ بأخبار الآحاد احتجاجاً بقصة أهل قباء، وبه قال أهل الظاهر.
قلت: ويحتمله عندي قول الشافعي، فإنه احتج على خبر الراحد بقصة قباء.
قلت: ومن حجة النسخ بخبر الواحد حديث أنس في الخمر إذا أراقها هكذا وكسر الدنان3.--------------------------------------------
1 سورة النجم آية: 3، 4.
2 الإحكام لابن حزم1-4/477.
3 المسودة ص: 206-207، والدنان: بكسر الدال جمع دن بالفتح وهي الخابية اهـ من هدي الساري مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري. ص: 117، كما بإخراجه محب الدين الخطيب.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 128)
وقال والدنا وشيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "والتحقيق الذي لا شك فيه هو جواز وقوع نسخ التواتر بالآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه، والدليل الوقوع.
أما قولهم: إن التواتر أقوى من الآحاد، والأقوى لا يرفع بما هو دونه، فإنهم قد غلطوا فيه غلطاً عظيماً مع كثرتهم وعلمهم. وإيضاح ذلك: أنه لا تعارض ألبتة بين خبرين مختلفي التاريخ لا مكان صدق كل منهما في وقته. وقد أجمع جميع النظار أنه لا يلزم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أما إن اختلفا، فيجوز صدق كل منهما في وقتها. فلو قلت: النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس، وقلت أيضاً: لم يصل إلى بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما قبل النسخ، وبالثانية ما بعده، لكانت كل منهما صادقة في وقتها. ومثال نسخ القرآن بأخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عنه نسخ إباحة الحمر الأهلية مثلاً المنصوص عليها بالحصر الصريح في آية: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً} 1الآية، بالسنة الصحيحة الثابت تأخرحا عنه، لأن الآية من سورة الأنعام، وهي مكية أي نازلة قبل الهجرة بلا خلاف،--------------------------------------------
1 سورة الأنعام آية: 145.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 129)