شيء نقلاً أو عملاً متصلاً من عندهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته، هذا من أبين الباطل"1.
ووافقه ابن القيم في ما كان نقلاً فقال: "بل نقلهم للصاع والمد والوقوف والأخابر وترك زكاة الخضروات حق، ولم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تخالفه البتة. ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك كله بحضرة الرشيد لما ناظره مالك وتبين له الحقّ، فلا يلحق بهذا عملهم من طريق الاجتهاد، ويجعل ذلك نقلاً متصلاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم،وتترك له السنن الثابتة، فهذا لون وذلك لون، وبهذا التمييز والتفصيل يزول الاشتباه ويظهر الصواب"2.
وقال أيضاً: "وهذا العمل حجة يجب اتباعها، وسنة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين، وإذا ظفر العالم بذلك قرت عينه، واطمأنت إليه نفسه"3.
وقال ابن تيمية: "والتحقيق أن مسألة إجماع أهل المدينة، أن منه ما هو متفق عليه بين المسلمين، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين،--------------------------------------------
1 إعلام الموقّعين لابن القيم2/423.
2 نفس المصدر2/423-424.
3 نفس المصدر2/421.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)
ومنه مالا يقول به إلا بعضهم. وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب:
الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم،مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد، وكتركهم صدقة الخضروات، والأحباس. فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء. وأما الشافعي وأحمد وأصحابهما، فهذا حجة عندهم بلا نزاع كما هو حجة عند مالك، وذلك مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان رضي الله عنه. فهذا حجة في مذهب مالك، وهو المنصوص عن الشافعي. قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: "إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء، فلا تتوقف في قلبك ريباً أنه الحق". وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنّه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها.
المرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان: كحديثين وقياسين، جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة. فيه نزاع.
فمذهب مالك والشافعي، أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه لا يرجح بعمل أهل المدينة، ولأصحاب أحمد وجهان:
أحدهما: وهو قول القاضي أبي يعلى وابن عقيل أنه لا يرجح.
الثاني: وهو قول أبي الخطاب وغيره أنه يرجح به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)
قيل هذا هو المنصوص عن أحمد، ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو الغاية، وكان يبني على مذهب أهل المدينة، ويقدّمه على مذهب أهل العراق تقديماً كثيراً1.
فهذه مذاهب من نقلت عنهم توافق مالكاً في حجية ما كان نقلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من العمل القديم قبل مقتل عثمان رضي الله عنه، ويوافقه أغلبهم في ترجيح الخبر على الخبر الآخر بعمل أهل المدينة.
أما العمل المتأخر، فالجمهور لا يعتبرونه حجة على غيرهم من العلماء، لأن المدينة لم تجمع علماء المسلمين لا قبل الهجرة، ولا بعدها، لأن العصمة لم تضمن لهم دون غيرهم.
المرتبة الرابعة: قال ابن تيمية: العمل المتأخر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعها أم لا؟ فالذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة شرعية.
هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك، كما ذكر ذلك القاضي عبد الوهاب في--------------------------------------------
1 مجموع فتاوى شيخ الإسلام20/303-310، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمّد بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي، الطبعة الأولى سنة: 1382هـ بأمر جلال الملك سعود بن عبد العزيز، وصحة عمل أهل المدينة ص:13-21، معه تصرف واختصار.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)
كتابه أصول الفقه، وغيره، ذكر أن هذا ليس إجماعاً ولا حجة عند المحققين من أصحاب مالك، وربما جعله حجة بعض أهل المغرب من أصحابه، وليس معه للأئمة نص ولا دليل، بل هم أهل تقليد.
قلت: ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة، وهو في الموطّأ إنما يذكر الأصل المجتمع عليه عندهم، فهو يحكي مذهبهم.
وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير؟ إلى الإجماع القديم وتارة لا يذكر"1.
وقال ابن عقيل: "وعندي أن إجماعهم حجة فيما طريقه النقل، وإنما لا يكون حجة في باب الاجتهاد، لأن معنا مثل ما معهم من الرأي، وليس لنا مثل ما معهم من الرواية، ولاسيما نقلهم فيما تعم به بلواهم، وهم أهل نخيل وثمار، فنقلهم مقدم على نقل غيرهم، لاسيما في هذا الباب"2.
وقال الآمدي: "ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك يعني السماع من النبي صلى الله عليه وسلم وأقرب إلى معرفة المروي، كانت روايتهم أرجح.--------------------------------------------
1 صحة عمل أهل المدينة ص:21-22، الفتاوى20/310-311.
2 المسودة ص: 333.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)
وأما الاجتهاد فطريقه النظر والبحث بالقلب، والاستدلال على الحكم وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن"1.
وقال ابن القيم: "وهذا الأصل قد نازعهم فيه الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، ولا فرق بين عملهم وعمل أهل الحجاز والشام، فمن كانت السنة معهم، فهم أهل العمل المتبع، وإذا اختلف علماء المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتباع السنة، ولا تترك السنة لكون عمل بعض المسلمين على خلافها، أو عمل بها غيرهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها، لتركت السنن، وصارت تبعاً لغيرها، فإن عمل بها ذلك الغير عمل بها وإلا فلا. والسنة هي العيار2 على العمل، وليس العمل عياراً على السنة. ولم تضمن لنا العصمة قط في عمل مصر من الأمصار، دون سائرها"3.
فكانت المالكية هدفاً لمخالفيهم نتيجة لأخذهم بعمل أهل المدينة، لتوسع بعضهم في هذا الباب حتى قيل عليهم مالم يقولوه.--------------------------------------------
1 الإحكام للآمدي1/222.
2 عاير بينهما معايرة وعياراً بالكسر، قدرهما ونظر ما بينهما. وقال الليث بن سعد: "العيار ما عايرت به المكاييل، فالعيار صحيح تام واف". تقول: عايرته أي: سويته، وهو العيار والمعيار. انظر تاج العروس3/431، في باب (ع ور) .
3 إعلام الموقعين لابن القيم2/407-408.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)
قال القاضي عياض: "وكثر تحريف المخالف فيما نقل عن مالك، من ذلك سوى ما قدمناه، فحكى أبو بكر الصيرفي وأبو حامد الغزالي أن مالكاً يقول: لا يعتبر إلا إجماع أهل المدينة دون غيره، وهذا مالا يقوله هو، ولا أحد من أصحابه. وحكى بعض الأصوليين أن مالكاً يرى إجماع الفقهاء السبعة بالمدينة إجماعاً، ووجه قوله بأنه لعلهم كان عنده أهل الاجتهاد في ذلك الوقت دون غيرهم، وهذا مالم يقله مالك ولا روي عنه. وحكى بعضهم عنا أنا لا نقبل من الأخبار إلاّ ما صححه عمل أهل المدينة وهذا جهل أو كذب، لم يفرقوا بين قولنا: يرد الخبر الذي في مقابلة عملهم، وبين من لا يقبل منه إلاّ ما وافقه عملهم"1.
وعلى أصلهم هذا ردوا كثيراً من أخبار الآحاد لمعارضتها عمل أهل المدينة. منها حديث خيار المجلس الثابت بحديث الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "البيعان بالخيار مالم يتفرقا" 2 لعمل أهل المدينة بخلافه3.--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك للقاضي عياض1/71-72.
2 صحيح البخاري3/80، صحيح مسلم5/9.
3 حاشية العطار على المحلى على جمع الجوامع2/161.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)
وأجاب القاضي عياض عن هذه الدعوى "بأن قول مالك هذا ليس مراده به ردّ البيعين بالخيار، وإنما أراد بقوله ما قال في بقية الحديث وهذا قوله: "إلا بيع الخيار" فأخبر أن بيع الخيار ليس له حد عندهم، لا يتعدى إلاّ قدر ما تختبر فيه السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات فيرجع فيه إلى الاجتهاد، والعوائد في البلاد وأحوال المبيع. وإنما ترك العمل بالحديث لغير هذا، بل تأول التفرق فيه بالقبول وعقد البيع، وأن الخيار لهما ما داما متراوضين ومتساومين.
وهذا هو المعنى المفهوم من المُتَفَاعِلَيْنِ، وهما المتكلفان للأمر الساعيان فيه، وهذا يدلّ أنه قبل تمامه، ويعضده قوله: "لا يبع أحدكم على بيع أخيه "، وهذا أيضاً في المُتَسَاوِمَيْنِ. فقد سماه بيعاً قبل تمامه وانعقاده.
وقال بعض أصحاب الحديث: منسوخ بقوله في الحديث الآخر "إذا اختلف المتبايعان، فالقول ما قال البائع، ويترادان" 1،ولو كان لهما الخيار لما احتاجا إلى تحالف وتخاصم، وقد يكون قول مالك عن طريق--------------------------------------------
1 الدارقطني3/20-21، بألفاظ متفقة مع هذا في المعنى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)
الترجيح لأحد الخبرين بمساعدة عمل أهل المدينة لما خالفهم كما تقدم. وقد قال بالخيار والعمل به كثير من أصحابنا ابن حبيب"1.
وأجيب عنه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن الترجيح لا يصار إليه ما أمكن الجمع، وهو هنا ممكن بين الأدلة المذكورة من غير تعسف ولا تكلف2.
قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على ثبوت هذا الحديث، وقال به أكثرهم، وردّه مالك وأبو حنيفة وأصحابهما، ولا أعلم أحداً ردّه غيرهم".
وقال بعض المالكية: رفعه مالك بإجماع أهل المدينة على ترك العمل به، وذلك أقوى عنده من خبر الواحد كما قال أبو بكر بن عمرو ابن حزم: إذا رأيت أهل المدينة أجمعوا على شيء فاعلم أنه الحق.
وقال بعضهم: لا تصحّ هذه الدعوى، لأن سعيد بن المسيب وابن شهاب روي عنهما نصاً ترك العمل به، وهما من أجل فقهاء المدينة ولم يرد عن أحد من أهلها نصاً ترك العمل به إلا عن مالك وربيعة بخلف عنه، وأنكر ابن أبي ذئب، وهو من فقهائها في عصر مالك عليه ترك--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك1/72.
2 فتح الباري شرح صحيح البخاري4/330.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)
العمل به حتى جرى في ذلك قول فحش، حمله عليه الغضب لم يحسن مثله عنه، وهو قوله: من قال: البيعان بالخيار حتى يتفرقا، استتيب"1.
وذكر ابن حجر "أنه قال به ابن عمر ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم ابن أبي ذئب كما مضى. وهؤلاء من أكابر علماء أهل المدينة في أعصارهم ولا يحفظ عن أحد من علماء المدينة القول بخلافه سوى ربيعه"2.
يتضح مما تقدم أن مالكاً رحمه الله لم يترك العمل بالحديث في إثبات خيار المجلس، لأن أهل المدينة أجمعوا على عدم إثبات خيار المجلس، وإنما ترك العمل بخيار المجلس، لأنه أول التفرق الوارد في الحديث بالتفرق بالأقوال، وعلى هذا فهو خارج عن الموضوع، لأنه ليس من باب تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد، ويؤيد ذلك ما سبق نقله عن القاضي عياض من أن مالكاً إنما أراد أن بيع الخيار ليس له حد عندهم لا يتعداه إلا بقدر ما تختبر فيه السلعة، وذلك يختلف باختلاف المبيعات، فيرجع فيه إلى الاجتهاد والعوائد في البلاد وأحوال المبيع، وذكر أن أئمة المالكية فسروا التفرق في الحديث بالتفرق بالأقوال وعقد البيع.--------------------------------------------
1 الزرقاني على الموطّأ4/282.
2 فتح الباري4/330.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)
وأما ما نقل عن بعض المالكية من أن مالكاً ترك العمل بالحديث لإجماع أهل المدينة على ترك العمل به، وذلك عنده أقوى من خبر الواحد. فهو منقوض من وجهين:
الأول: ما تقدم من أنه إنما تركه لتفسيره التفرق في الحديث بالتفرق بالأقوال.
الثاني: أنه كيف يدعي إجماع أهل المدينة على ترك العمل بالحديث مع مخالفة من ذكروا؟
وقد اشتد إنكار ابن عبد البر وابن العربي على من زعم من المالكية أن مالكاً ترك العمل به لكون عمل أهل المدينة على خلافه.
قال ابن عبد البر: "إنما يأخذ به مالك، لأن وقت التفرق غير معلوم فأشبه بيوع الغرر كالملامسة"1.
ومنها: ردهم للأخبار الواردة في السجود في ثانية الحج عند قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} 2. وفي السجدة التي في آخر--------------------------------------------
1 نفس المصدر4/330.
2 سورة الحج آية: 77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)
سورة النجم عند فوله تعالى: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} 1. وفي التي في إذا السماء انشقت عند قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} 2،ولا في القلم عند قوله تعالى،: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} 3، تقديماً لعمل أهل المدينة على الأخبار الواردة فيها. وادعوا أن الأخبار الواردة فيها منسوخة لعدم عمل أهل المدينة بها.
قال الدردير بعد أن ذكر مواضع سجود التلاوة: "لا ثانية الحج عند قوله تعالى: واركعوا واسجدوا إلخ، ولا في النجم لعدم سجود فقهاء المدينة وقرائها فيها،ولا في الانشقاق ولا القلم، ت قديم للعمل على الحديث لدلالته على نسخه".--------------------------------------------
1 سورة النجم آية: 62.
2 سورة الانشقاق آية: 21.
3 سورة العلق آية: 19.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)
قال الدسوقي: "قوله تقديماً للعمل أي عمل أهل المدينة في ترك السجود في هذه المواضع الأربعة. وقوله على الحديث أي الدال على طلب السجود فيها"1.
قال الأبي عند الكلام على قول خليل في مختصره في قوله: "لا ثانية الحج والنجم والانشقاق والقلم" لعدم سجود فقهاء المدينة وقرائها فيها، وعملهم مقدّم على الحديث الصحيح، لدلالته على نسخه عند تعارضهما، لأنهم أعلم الأمة بآخر ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأشدها حرصاً على اتباعه صلى الله عليه وسلم "2.
واستدل الخرشي على عدم السجود فيها بما نقله عن الذخيرة من "أن إجماع فقهاء المدينة وقرائها على ترك السجود فيها مع تكرر القراءة ليلاً ونهاراً يدلّ على النسخ إذ لا يجمعون على ترك سنة … قال: تقديماً للعمل على الحديث"3.--------------------------------------------
1 الدسوقي على الشرح الكبير1/307-308. دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.
2 جواهر الإكليل شرح مختصر خليل1/71.
3 الخرشي على مختصر خليل1/350، الطبعة الثانية، الأميرية، مصر.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)
وحمل الأخبار الواردة فيها على النسخ عند مالك، وأن الذي استقر من أمره صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة1.
وأيدوا ذلك بما رواه أبو داود عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسجد في شيء من المفصل2 منذ تحول إلى المدينة3.
وبما ورد من إنكار أبي سلمة وأبي رافع على أبي هريرة لما سجد في "إذا السماء انشقت"،حتى قال له أبو سلمة: "لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها"،فدل على أن الناس تركوه، وجرى العمل على تركه"4.--------------------------------------------
1 نفس المصدر1/350.
2 المفصل: ما يلي قصار السور، سمي مفصلاً لكثرة الفصول التي بين السور بسم الله الرحمن الرحيم. وقيل: لقلة المنسوخ فيه. وآخره {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} . وفي أوّله اثنا عشر قولاً:
أحدها: الجاثية، وثانيها القتال، وثالثها الحجرات، ورابعها ق…وقيل غير ذلك. انظر البرهان في علوم القرآن للإمام بدر الدين محمّد بن عبد الله الزركشي1/245، الطبعة الثانية، عيسى البابي الحلبي وشركاه.
3 الزرقاني على الموطّأ2/197.
4 انظر تفاصيله في نفس المصدر2/194.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)
ويجاب عمّا استدلوا به بما يأتي:
أمّا عن دعوى الإجماع، فيجاب عنها بما رواه أبو عمر بما حاصله: "أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفى صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده"1.
وأما دعوى النسخ فإن إثبات النسخ يحتاج إلى دليل، ولم يذكروا من الدليل غير ما ادعوه من إجماع أهل المدينة، وسبق آنفاً ما ورد من قول أبي عمر: "أي عمل يدعى مع مخالفة المصطفىصلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين بعده".
وأما استدلالهم بأنهم أعلم الأمة بآخر ما كان عليه صلى الله عليه وسلم بحرصهم على اتباعه، فذلك لا يثبت نسخ ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يكفي لردّه. ويدلّ لذلك عدم معارضة أبي سلمة وأبي رافع لأبي هريرة حين بين لهما السنة في ثبوت السجود في {إذا السماء انشقت}
وذلك يدل على عدم إجماع أهل المدينة، إذ كيف يتصوّر إجماع أهل المدينة مع مخالفة الخلفاء الراشدين؟ اللهم إلا أن يراد إجماع فقهائها وقرائها، غير الصحابة، وهم حينئذٍ بعض الأمة، وذلك لا ينسخ ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مما رواه مالك رحمه الله وغيره عن الصحابة من السجود فيها، مما سأورده- إن شاء الله- أثناء الجواب عمّا استدلوا به هنا.--------------------------------------------
1 نفس المصدر2/194.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)
وأما حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما،فيجاب عنه بأن المحدثين ضعفوه "لضعف في بعض رواته، واختلاف في بعض إسناده، وعلى تقرير ثبوته، فالمثبت مقدّم على النافي"1،ويدل على ذلك ما رواه مالك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن "أن أبا هريرة قرأ لهم: إذا السماء انشقت، فسجد فيها، فلمّا انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها"2،وفي لفظ عند البخاري "لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يسجد لم أسجد"3.
ويجاب عن إنكار أبي سلمة وأبي رافع السجود على أبي هريرة بأنهما لم ينازعاه بعد أن أعلمهما بالسنة في هذه المسألة.
قال ابن عبد البر: "أي عمل يدعى مع مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم،والخلفاء الراشدين بعد"4.
وأما ما استدلوا به من قول مالك5 رحمه الله الأمر عندنا أن--------------------------------------------
1 الزرقاني على الموطّأ2/197.
2 الموطّأ مع تنوير الحوالك1/162.
3 صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري2/556، صحيح مسلم مع شرح النووي له5/76-77.
4 فتح الباري شرح صحيح البخاري2/556، وانظر تفاصيل ما قبله فيه.
5 الموطّأ مع تنوير الحوالك1/167.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)
عزائم1 سجود القرآن إحدى عشرة سجدة2، ليس في المفصل منها شيء، وفي رواية لابن بكير وغيره: الأمر المجمع عليه عندنا3.
فيجاب عنه بما نقله المواق عن القاضي عبد الوهاب من أن مالكاً "لم يمنع السجود في المفصل، وإنما منع أن يكون من عزائم السجود التي يعزم على الناس في السجود فيها، ومن أحكام ابن العربي: ثبت في الصحيح أن أبا هريرة قرأ إذا السماء انشقت فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها. وقد قال مالك: إنها ليست من عزائم السجود، والصحيح أنها منه، وهي رواية المدنيين عنه، وقد اعتضد فيها القرآن والسنة"4.--------------------------------------------
1 العزائم: جمع عزيمة. أي: التي يؤمر الناس بالسجود فيها. وسميت عزائم مبالغة في فعل السجود فيها مخافة أن تترك، وقيل: هي المأمورات. وقيل: ما ثبت بدليل شرعي. اهـ العدوي على الخرشي على مختصر خليل المالكي1/350.
2 وهي: التي في آخر الأعراف، والآصال في الرعد، ويؤمرون في النحل، وخشوعاً في سبحان، وبكياً في مريم، وإن الله يفعل ما يشاء في الحجّ، ونفوراً في الفرقان، والعظيم في النمل، ولا يستكبرون في ألم السجدة، وأناب في ص، اهـ من الزرقاني على الموطّأ2/197.
3 المقدّمات لابن رشد1/139. الطبعة الأولى، مطبعة السعادة مصر.
4 التاج والإكليل لمختصر خليل لمحمّد بن يوسف المواق2/61، بهامش مواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب. ملتزم الطبع مكتبة النجاح، طرابلس، ليبيا. الحديث أخرجه البخاري. انظر الفتح2/556.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)
وحتى يتضح عدم الإجماع على عدم السجود فيها، فإنني أسوق من النصوص وأقوال العلماء ما يثبت السجود فيها لكل طالب علم منصف إن شاء الله.
1 قال الربيع1: "قلت للشافعي: فإنا نقول: اجتمع الناس على أن سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء". فقال الشافعي: "إنه يجب عليكم أن لا تقولوا: اجتمع الناس إلا لما إذا لقي أهل العلم، فقيل لهم: اجتمع الناس على ما قلتم إنهم اجتمعوا عليه، قالوا: نعم، وكان أقل قولهم لك أن يقولوا: لا نعلم من أهل العلم مخالفاً فيما قلتم اجتمع الناس عليه، فإما أن تقولوا: اجتمع الناس وأهل المدينة معكم يقولون: ما اجتمع الناس على ما زعمتم أنهم اجتمعوا عليه، فأمران أسأتم النظر بهما لأنفسكم: في التحفظ في الحديث، وأن تجعلوا السبيل إلى من سمع قولكم اجتمع الناس إلى ردّ قولكم، ولاسيما إن كنتم إنما أنتم معتضدون على علم مالك -رحمنا الله وإياه-، وكنتم تروون عن النبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
1 هو: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، الشيخ أبو المؤذن، صاحب الإمام الشافعي، وراوية كتبه، الثقة الثبت في روايته، ولد سنة: 174هـ. وروى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم. توفي سنة: 270هـ. انظر طبقات الشافعية للسبكي2/132-134.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)
أنه سجد في "إذا السماء انشقت" وأن أبا هريرة سجد فيها، ثم تروون عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر من يأمر القراء أن يسجدوا فيها"1.
2 أخرج مالك في موطّئه، والبخاري في صحيحه، في سجود {إذا السماء انشقت} ، واللفظ لمالك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قرأ هم {إذا السماء انشقت} ،فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها"2، زاد البخاري قلت: "يا أبا هريرة، ألم أرك تسجد؟ " قال: "لو لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يسجد لم أسجد"3.
والحديث كما ترى نص صريح في ثبوت السجود في {إذا السماء انشقت} " وأن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيها بالمدينة، لتصريح أبي هريرة بذلك، ولأنه رضي الله عنه إنما أسلم بالمدينة.
3 وأخرج مالك أيضاً عن ابن شهاب عن الأعرج "أن عمر بن الخطاب قرأ بالنجم إذا هوى، فسجد فيها، ثم قام فقرأ سورة أخرى"4.--------------------------------------------
1 الأم للإمام الشافعي7/202.
2 الوطّأ مع الزرقاني2/194.
3 صحيح البخاري مع الفتح2/556، صحيح مسلم مع النووي5/76-77، الأم للشافعي7/202.
4 الموطّأ مع الزرقاني2/195.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)
قال الباجي: "فذهب مالك إلى أنها ليست من عزائم السجود، وذهب ابن وهب وابن حبيب إلى أنها من عزائم السجود، وبه قالت أبو حنيفة، والشافعي.
ووجه ما تعلق به مالك: ما روى عن زيد بن ثابت "قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم النجم، فلم يسجدفيها".
ووجه ما قاله ابن وهب: "ما روى عن عبد الله بن مسعود: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد فيها، فما بقي أحد من القوم إلا سجد"، فأخذ رجل من القوم كفا من حصى وتراب، فرفعه إلى وجهه وقال: يكفيني هذا. قال عبد الله: "لقد رأيته قتل بعد كافراً".
وما تعلق به ابن وهب أجرى على أصولها، لأن قول مالك رحمه الله: "إن سجود التلاوة ليس بواجب، ولا يمنع أن يمسك النبي صلى الله عليه وسلم عن السجود حين رآه زيد بن ثابت ترك السجود، ليرى ترك جواز السجود، ويعلم أنه ليس بواجب، وقد فعل ذلك عمر ابن الخطاب، ويحتمل أن يترك ذلك، لأنه لم يكن على طهارة"1.--------------------------------------------
1 المنتقى للباجي1/350. الطبعة الأولى، سنة: 1331هـ. مطبعة السعادة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
4 قال النووي: "وأما قوله: وزعم1 أنه قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والنجم فلم يسجد، فاحتج به مالك -رحمه الله تعالى- ومن وافقه في أنه لا سجود في المفصل، وأن سجدة النجم، وإذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك منسوخة بهذا الحديث، أو بحديث ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة". وهذا مذهب ضعيف، فقد ثبت حديث أبي هريرة رضي الله عنه المذكور بعده2 في مسلم. قال: "سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك"، وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة رضي الله عنه كان سنة سبع من الهجرة فدل على السجود في المفصل بعد الهجرة.
وأما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فضعيف الإِسناد، لا يصح الاحتجاج به.
وأما حديث أبي زيد3 فمحمول على بيان جواز ترك السجود، وأنه سنة، ليس بواجب. ويحتاج إلى هذا التأويل للجمع بينه وبين حديث أبي هريرة4.--------------------------------------------
1 يعني زيد بن ثابت لأنه راوي الحديث. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي5/75.
2 انظر: صحيح مسلم بشرح النووي5/77-78.
3 لعله زيد بن ثابت، لأنه هو راوي الحديث. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي5/75.
4 صحيح مسلم بشرح النووي5/76-77.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)