Arabic source text

📘 খাবারুল ওয়াহিদি ওয়া হুজজিয়্যাতুহু (আহমাদ বিন আব্দুল ওয়াহহাব আল-শানকীতি)

📘 خبر الواحد وحجيته (أحمد بن عبد الوهاب الشنقيطي)

📘 খাবারুল ওয়াহিদি ওয়া হুজজিয়্যাতুহু (আহমাদ বিন আব্দুল ওয়াহহাব আল-শানকীতি)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
كان لتلك الصحبة ما ميز المجتمع المدني عن غيره، بما اكتسبه من علم وأدب وأخلاق، أخذها أصحاب ذلك المجتمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً.
وطبيعي أن يستوطن المدينة من الصحابة زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يستوطن غيرها، وكان في مقدّمتهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، كما كانت المدينة مجتمع الصحابة في عصر الخلفاء الراشدين، خصوصاً أهل السبق والشورى الذين كان الخليفة يستبقيهم عنده عوناً له على تدبير شؤون الأمة الإسلامية، واستعانة بعلمهم، واسترشاداً بآرائهم ومشورتهم، وقد استمرّوا على ذلك إلى أن انتقل بعضهم إلى الأمصار الإسلامية بعد وفاة عمر رضي الله عنهم أجمعين-، فلا عجب أن تكون المدينة أغنى من أي مصر آخر في الحديث، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان فيها أكثر أيام التشريع، كما كان فيها الخلفاء الراشدون، وكانت حاضرة الخلافة في أيام ثلاثة منهم تصدر منها الآراء في المسائل الفقهية، كما كان المدنيّون أكثر الناس تمكناً من مشاهدة التشريع العملي، فهم أعرف الناس بما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم في وضوئه وصلاته، وما كما يحكم به، وما كان يفعله كبار الصحابة. وكان كل جيل يتلقى ذلك عمن قبله، فأخذ التابعون عن الصحابة وبعض التابعين عن بعض، فكان لتلك الثروة التي توارثوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر في تثبيت قواعد الفقه بصفة عامة، وفي الفقه المدني بصفة خاصة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)

ومن تلك القواعد عمل أهل المدينة الذين أخذ عنهم مالك بن أنس، وعليهم تعلم وتفقه، فكان فقهه وأصوله يعتمدان على فقه وأصول أهل المدينة، لأنه عاش فيها وعن علمائها أخذ، فكان رحمه الله-أعلم أهل المدينة بتلك الثروة.
قال ابن المديني: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة وهم:
- محمد بن مسلم بن شهاب لأهل المدينة.
- وعمرو بن دينار لأهل مكة.
- وقتادة بن دعامة السدوسي، وأبو الخطاب، ويحيى بن أبي كثير، وأبو نصر لأهل البصرة.
- وأبو إسحاق عمرو بن عبد الله بن عبيد، وسليمان بن مهران لأهل الكوفة ثم إن علم هؤلاء صار لأصحاب التصانيف ممن صنف، وكان لأهل المدينة مالك بن أنس1.
وقال: "وأصحاب زيد بن ثابت كانوا يأخذون عنه، ويفتون بفتواه، منهم من لقيه ومنهم من لم يلقه اثنا عشر رجلاً: سعيد بن--------------------------------------------
1 انظر تفاصيله في العلل لابن المديني ص: 39-40، مع تصرف، تحقيق مصطفى الأعظمي. المكتب الإسلامي. سنة: 1392هـ/1972م.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 273)

المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصمة بن ذؤيب، وخارجة بن زيد، وسليمان بن يسار، وأبان بن عثمان، وعبيد الله بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وأبو سلمة بن عبد الرحمن.... قال: ولم يكن بالمدينة بعد هؤلاء أعلم بهم من ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وأبي الزناد، وبكير بن عبد الله الأشج، ث م لم يكن أحد أعلم بهؤلاء بمذهبهم من مالك ابن أنس"1.
ولقد كان اعتبار مالك إجماع أهل المدينة أصلاً من أصول الأحكام اتباعاً لسلفه من أهل المدينة، حيث إن هذا المفهوم ظهر مبكراً، ويدل لذلك ما ذكره القاضي عياض عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: "إذا رأيت أهل المدينة على شيء فاعلم أنه السنة".
وقال ابن عمر: "لو أن الناس إذا وقعت فتنة ردوا الأمر فيها إلى أهل المدينة، فإذا أجمعوا على شيء يعني فعلوه صلح الأمر، ولكنهم إذا نعق ناعق تبعه الطاس".--------------------------------------------
1 العلل لابن المديني ص: 48.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 274)

قال: وقال مالك: "كان ابن مسعود يسأل بالعراق عن شيء فيقول فيه، ثم يقدم المدينة، فيجد الأمر على غير ما قال. فإذا رجع لم يحط راحلته ولم يدخل منزله حتى يرجع إلى ذلك الرجل، فيخبره بذلك"1.
مثاله: قال يحيى عن مالك عن غير واحد إن عبد الله بن مسعود استفتى وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد الابنة إذا لم تكن الابنة مست، فأرخص في ذلك. ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال، وإنما الشرط في الربائب فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارق امرأته. انظر الموطأ مع الزرقاني:4 ص 28،ط الحلبي. تحقيق إبراهيم عطوه عوض. فسلك مالك طريقهم في اعتبار إجماع أهل المدينة على أنه "ضرب من طريق النقل والحكاية الذي يؤثره الكافة عن الكافة وعملت به عملاً لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم"2وما كان هذا حاله فهو حجة.--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك1/61-62.
2 نفس المصدر1/68.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 275)

أما مكانة هذا العمل، ومدى تقديم المالكية له على خبر الواحد العدل فهذا ما قصدت بالترجمة له في هذا الفصل، وما أريد أن أبينه إن شاء الله.
مكانة عمل أهل المدينة، ومدى تقديمه على خبر الواحد
نسب إلى مالك رحمه الله تقديم عمل أهل المدينة على خبر الواحد العدل، لاعتبار أن إجماع أهل المدينة من الصحابة والتابعين حجة.
فقيل: ذلك محمول على إجماعهم في المنقولات المستمرّة كالأذان، والإقامة والصاع والمدّ.
وقيل محمول على أن روايتهم مقدّمة على رواية غيرهم، وصحح ابن الحاجب التعميم. وهذا الإجماع: إما أنه في مقام إجماع الأمة، وإما أنهم إذا أجمعوا على شيء صار إجماعاً وإن خالفهم غيرهم، خلافاً للجمهور الذين لا يرون الإجماع إلا لمجموع الأمة.
واستدل لذلك بما يأتي:

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 276)

1- قوله صلى الله عليه وسلم: "إن المدينة طيبة، تنفي خبثها كما ينفى الكير1 خبث الحديد"، والخطأ خبث وقد نفي عنهم، ونفيه عنهم يوجب متابعتهم2 كما استدلوا بالأحاديث الدالة على فضل المدينة.
وأجيب عن الحديث الذي استدلوا به بأنه وإن دل على خلوص المدينة من الخبث، فليس فيه ما يمنع أن يكون الخارج عنها خالصاً من الخبث ولأن إجماعهم دون غيرهم لا يكون حجة، لأنهم بعض الأمة، وبأن تخصيصها بالذكر في الحديث وغيره من الأحاديث الدالة على فضلها--------------------------------------------
1 الكير بكسر الكاف، وسكون التحتانية، وفيه لغة أخرى بضم الكاف، والمشهور بين الناس أنه الزق الذي ينفخ فيه. وأكثر أهل اللغة على أنه حانوت الحداد والصائغ اهـ من فتح الباري شرح صحيح البخاري4/88. المكتبة السلفية.
2 انظر مختصر ابن الحاجب مع شروحه2/35، الإحكام للآمدي1/221، شرح تنقيح الفصول للقرافي ص: 334.
والحديث أخرجه البخاري بلفظ: " المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" وفي رواية: " أنها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديث" انظر فتح الباري4/87، 96، وانظر الأحاديث الواردة في فضل المدينة فيه من ص: 87 فما بعدها. ولم أر فيها ما يدل على اعتبار إجماع أهل المدينة حجة.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)

إنما هو لبيان شرفها، وما اشتملت عليه من صفات موجبة لذلك، ولا تأثير للبقاع في الإجماع1.
2- أن المدينة دار هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وموضع قبره، ومهبط وحيه، ومستقرّ الإسلام، ومجمع الصحابة، وفيها خرج العلم، ومنها صدر، فلا يجوز أن يخرج الحق عن قولها2.
وأجيب عنه بأن اشتمالها على تلك الصفات الموجبة لفضلها، لا يدل على انتفاء الفضيلة عن غير أهلها، ولا على الاحتجاج بإجماع أهلها، فمكة اشتملت على أمور موجبة لفضلها كالبيت العظيم، والمقام وزمزم… ولم يدل ذلك على الاحتجاج بإجماع أهلها، لأن الاعتبار بعلم العلماء واجتهاد المجتهدين، وليس للبقاع أثر في ذلك3.--------------------------------------------
1 انظر الإحكام للآمدي1/221، الأحكام لابن حزم1-4/554، كشف الأسرار3/242.
2 الإحكام للآمدي1/221، الأحكام لابن حزم1-4/553، كشف الأسرار3/241، والتقرير والتحبير شرح تحرير الكمال3/100، ومختصر ابن الحاجب2/35.
3 الإحكام للآمدي1/221-222، والأحكام لابن حزم1-4/554.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)

3- أن أهل المدينة شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، وكانوا أعرف بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم من غيرهم، فوجب أن لا يخرج الحقّ عنهم1.
وأجيب عنه بأن شهودهم التنزيل، لا يدل على انحصار أهل العلم فيها، والمعتبرين من أهل الحل والعقد، ومن تقوم الحجة بقولهم، فإنهم كانوا منتشرين في البلاد، ومفترقين في الأمصار، وكلّهم فيما يرجع إلى النظر والاعتبار سواء2.
4- قالوا: إنهم شهدوا آخر العمل من النبي صلى الله عليه وسلم وعرفوا ما نسخ وما لم ينسخ3.
وأجيب عنه بأن الخارجين من الصحابة عن المدينة شهدوا من ذلك كالذي شهده المقيم بها منهم سواء كعليّ وابن مسعود وأنس وغيرهم ولا فرق4.--------------------------------------------
1 الأحكام لابن حزم1-4/553، والإحكام للآمدي1/221.
2 الأحكام لابن حزم1-4/554، والأحكام للآدي1/222، والمستصفى1/187، وإعلام الموقعين لابن القيم2/408.
3 الأحكام لابن حزم1-4/553.
4 نفس المصدر1-4/555.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)

5- أن من خرج من الصحابة عن المدينة اشتغل بالجهاد. وكان ابن مسعود إذا أفتى بفتيا أتى المدينة فيسأل عنها، فإن أفتى بخلاف فتياه، رجع إلى الكوفة وفسخ ما عمله1.
وأجيب عنه بأن الخروج إلى الجهاد لم يمنع من تعليم الدين، فالتعليل به قول باطل، وأما ما وقع من ابن مسعود فإنما جاء في مسألتين فقط، فأمر عمر بفسخ ذلك، وهو الخليفة، فلم يمكن ابن مسعود خلافه2.
6- أن رواية أهل المدينة مقدّمة على رواية غيرهم، ولأن أخلافهم تنقل عن أسلافهم، فيخرج نقلهم عن خبر الظن إلى اليقين، فكان إجماعهم حجة على غيرهم3.
وأجيب عنه بأن تمثيلهم الاجتهاد بالرواية في التقديم، تمثيل من غير دليل، موجب للجمع بين الرواية والدراية، لأن الرواية مستندها السماع ووقوع الحوادث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرته، ولما كان أهل المدينة أعرف بذلك، وأقرب إلى معرفة المروي كانت روايتهم أرجح. وأما--------------------------------------------
1 نفس المصدر1-4/562.
2 نفس المصدر1-4/562.
3 المختصر لابن الحاجب2/35، والتقرير والتحبير3/100، وتيسير التحرير3/245، والإحكام للآمدي1/221.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)

الاجتهاد فطريقه النظر والبحث بالقلب والاستدلال على الحكم، وذلك مما لا يختلف بالقرب والبعد، ولا يختلف باختلاف الأماكن1.
7- أن من الممتنع أن يخفي حكم النبي صلى الله عليه وسلم على الأكثر، وهم الذين بها، ويعلمه الأقل، وهم الخارجون عنها، وأن العادة تقتضي بأن مثل هذا الجمع المنحصر من العلماء الأحقين بالاجتهاد، لا يجمعون إلا عن راجح.
فإن قيل لا نسلم بذلك، لأنهم بعض الأمة، ويجوز أن يكون متمسك غيرهم راجحاً، فرب راجح لما يطلع عليه البعض.
قلنا لا نقول: العادة قاضية باطلاع الكل، فيرد ذلك، بل اطلاع الأكثر، والأكثر كاف في تتميم الدليل، فإذا وجب اطلاع الأكثر، امتنع أن لا يطلع عليه من أهل المدينة أحد، ويكون ذلك الأكثر غيرهم، وما فيه أحد منهم، والاحتمالات البعيدة لا تنفي الظهور2.
وأجيب عنه بأن ذلك ممكن لو وجدت مسألة رويت من طريق كل من بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم، وأفتى بها كل من بقي--------------------------------------------
1 الإحكام للآمدي1/222، والمختصر لابن الحاجب2/36.
2 مختصر ابن الحاجب مع شروحه2/35-36، الأحكام لابن حزم1-4/553.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 281)

بالمدينة من الصحابة، وأما ولا يوجد هذا أبداً، ولا في مسألة واحدة، فممكن أن يغيب حكم النبيصلى الله عليه وسلم عن النفر من الصحابة، ويعلمه الواحد والأكثر منهم، وقد يمكن أن الذي حضر ذلك الحكم يخرج عن المدينة، ويمكن أن يبقى بها، ويمكن خلاف ذلك. ولا فرق1.
وبالرجوع إلى احتجاج مالك بإجماع أهل المدينة، واستدلاله عليه، نرى أنه يحكى إجماعهم فقط، فيقول في الموطأ: "الأمر المجتمع عليه عندنا كذا، ولم ينقل عنه أن إجماعهم حجة قاطعة لازمة لجميع الأمة، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولذا فإنه كتب إلى الليث بن سعد يقول له: "إنه بلغني أنك تفتي الناس بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندنا، وببلدنا الذي نحن فيه، وأنت في إمامتك وفضلك ومنزلتك من أهل بلدك، وحاجة من قبلك إليك، واعتمادهم على ما جاءهم منك، حقيق بأن تخاف على نفسك، وتتبع ما ترجو النجاة باتباعه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ--------------------------------------------
1 الأحكام لابن حزم1-4/555.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 282)

وَالأَنْصَارِ} 1الآية. وقال تعالى: {فَبَشِّرْ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} 2.
فإنما الناس تبع لأهل المدينة، إليها كانت الهجرة، وبها نزل القرآن وأحل الحلال، وحرم الحرام، إذ رسول الله بين أظهرهم يحضرون الوحي والتنزيل، ويأمرهم فيطيعونه، ويسن لهم فيتبعونه، حتى توفاه الله واختار له ما عنده، صلوات الله عليه ورحمته وبركاته، ثم قام من بعده أتبعُ الناسِ له من أمته ممن ولي الأمر من بعده، فما نزلت بهم مما علموا أنفذوه، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم، وإن خالفهم مخالف، أو قال: امرؤ غيره أقوى منه وأولى ترك قوله، وعمل بغيره. ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل، ويتبعون تلك السنن، فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به، لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون: هذا العمل ببلدنا،--------------------------------------------
1 سورة التوبة آية: 100.
2 سورة الزمر آية: 17، 18.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 283)

وهذا الذي مضى عليه من مضى منا، لم يكونوا من ذلك على ثقة، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم"1.
فإن قيل: فقد جاء في هذه الرسالة ما يدل على أن مالكاً يرى أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة، وذلك في قوله: "إنما الناس تبع لأهل المدينة".
أجيب عنه بأن مالكاً لا يرى في هذا تخصيص الإجماع بأهل المدينة، وأن إجماعهم إجماع قاطع لا تجوز مخالفته، وإنما أوضح رحمه الله مكانة أهل المدينة، وأنهم قدوة لغيرهم لما اختصوا به من ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاهدة الوحي وتطبيق الأحكام… وغاية ما يدل عليه أن عمل أهل المدينة حجة عنده، ولا يلزم من كونه حجة عنده أن يكون إجماعاً بمنزلة إجماع الأمة، ولو كان مالك يرى إجماع أهل المدينة لازماً للأمة لما وسعه منع الرشيد من إلزام الناس بالموطأ، حتى قال له: "قد تفرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاد، وصار عند كل طائفة منهم علم ليس عند غيرهم". وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولم يقل قط في--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك1/64-65.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 284)

موطّئه ولا غيره: "لا يجوز العمل بغيره"، بل يخبر إخباراً مجرداً أن هذا عمل أهل بلده"1. وقد رد القاضي عياض وغيره من علماء المالكية ما نسبه إليهم مخالفوهم مما لم يقولوه.
فقال: "اعلموا أكرمكم الله، أن جميع أرباب المذاهب من الفقهاء والمتكلمين وأصحاب الأثر والنظر، أَلْبٌ واحد على أصحابنا على هذه المسألة، مخطئون لنا في زعمهم، محتجون علينا بما سنح لهم حتى تجاوز بعضهم حدّ التعصب والتشنيع إلى الطعن في المدينة وعدّ مثالبها، وهم يتكلمون في غير موضع الخلاف، فمنهم من لم يتصور المسألة، ولا تحقق مذهبنا، فتكلموا فيها على تخمين وحدس، ومنهم من أخذ الكلام فيها من لم يحققه عنا، ومنهم من أطال، وأضاف إلينا ما لا نقوله فيها، كما فعل الصيرفي والمحاملي والغزالي، فأوردوا عنا في المسألة مالا نقوله، واحتجوا علينا بما يحتج به على الطاعنين على الإجماع. وها أنا أفصل الكلام فيها تفصيلاً، لا يجد المنصف إلى جحده بعد تحقيقه سبيلاً، وأبين موضع الاتفاق فيه، والخلاف، إن شاء الله تعالى"2.--------------------------------------------
1 إعلام الموقعين لابن القيم2/410.
2 ترتيب المدارك للقاضي عياض1/67-68.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 285)

مراتب عمل أهل المدينة، ومتى يقدم العمل على خبر الواحد
قال القاضي عياض: "اعلموا أن إجماع أهل المدينة على ضربين: ضرب من طريق النقل والحكاية، الذي تؤثره الكافة عن الكافة وعملت به عملاً لا يخفى، ونقله الجمهور عن الجمهور عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا منقسم إلى أربعة أقسام:
أوّلها: ما نقل شرعاً من جهة النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل، كالصاع والمدّ، وأنه عليه السلام كان يأخذ منهم بذلك صدقاتهم وفطرتهم، وكالأذان والإقامة وترك الجهر بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، وكالوقوف والأحباس. فنقله لهذه الأمور من قوله وفعله كنقل موضع قبره ومسجده ومنبره ومدينته وغير ذلك مما علم ضرورة من أحواله وسيره، وصفة صلاته، من عدد ركعاتها وسجداتها وأشباه هذا. أو نقلهم إقراره عليه السلام لما شاهده منهم، ولم ينقل عنهم إنكاره، كنقل عهدة الرقيق وشبه ذلك. أو نقل تركه لأمور، وأحكام لم يلزمهم إياها مع شهرتها لديهم، وظهورها فيهم، كتركه أخذ الزكاة من الخضروات مع علمه عليه السلام بكونها عندهم كثيرة.
فهذا النوع من إجماعهم في هذه الوجوه حجة يلزم المصير إليها، ويترك ما خالفه من خبر واحد، أو قياس، فإن هذا النقل محقق معلوم،

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 286)

موجب العلم القطعي، فلا يترك لما توجبه غلبة الظنون، وإلى هذا رجع أبو يوسف وغيره من المخالفين، ممن ناظر مالكاً، وغيره من أهل المدينة في مسألة الأوقاف والمد والصاع، حين شاهد هذا النقل وحققه. ولا يجب لمنصف أن ينكر الحجة هنا، وهذا الذي تكلم عليه مالك عن أكثر شيوخنا، ولا خلاف في صحة هذا الطريق، وكونه حجة عند العقلاء، وتبليغه العلم يدرك ضرورة، وإنماخالف في تلك المسائل من أهل المدينة من لم يبلغه النقل الذي بها.
قال القاضي عبد الوهاب: "ولا خلاف بين أصحابنا في هذا، ووافق عليه الصيرفي1وغيره من أصحاب الشافعي، كما حكاه الآمدي، وقد خالف بعض الشافعية عناداً، ولا راحة للمخالف في قوله: إن ما هذا سبيله، فهم وغيرهم من أهل الآفاق من البصرة، والكوفة، ومكة--------------------------------------------
1 هو: محمّد بن عبد الله البغدادي الشافعي، المكنى بأبي بكر، الملقب بالصيرفي، الفقيه الأصولي، المتكلم، قيل فيه: إنه كان أعلم خلق الله بالأصول بعد الشافعي، له في الأصول كتاب البيان في دلائل الأعلام على أصول الأحكام، كتاب في الإجماع، وشرح شرح رسالة الإمام الشافعي. توفي بمصر سنة: 330هـ، ترجم له في طبقات السبكي2/169، شذرات الذهب2/325، الأعلام للزركلي7/56. انظر الفتح المبين في طبقات الأصوليين1/180.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 287)

سواء، إذ قد نزل هذه البلاد وكان بها جماعة من الصحابة، ونقلت السنن عنهم، والخبر المتواتر من أي وجه ورد، لزم المصير إليه، ووقع العلم به، فصارت الحجة في النقل، فلم تختص المدينة بذلك، وسقطت المسألة، وهذه من أقوى عمدهم.
فتقول لهم: كذلك نقول لو تصورت المسألة في حق غيرهم، لكن لا يوجد مثل هذا النقل كذلك عند غيرهم، فإن شرط نقل التواتر تساوي طرفيه ووسطه، وهذا موجود في أهل المدينة، ونقلهم الجماعة عن الجماعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو العمل في عصره، وإنما ينقل أهل البلاد غيرها عن جماعتهم، حتى يرجعوا إلى الواحد أو الاثنين من الصحابة، فرجعت المسألة إلى خبر الآحاد، وبالحري أن تفرض المسألة في عمل أهل مكة في الأذان، ونقلهم المتواتر عن الأذان بين يدي النبي عليه السلام بها، لكن يعارض هذا آخر أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي مات عليه بالمدينة، ولهذا قال مالك لمن ناظره في المسألة: ما أدري أذان يوم وليلة، هذا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن فيه من عهده، ولم يحفظ عن أحد إنكار على مؤذن فيه.
النوع الثاني: إجماعهم على العمل من طريق الاجتهاد والاستدلال، وهذا النوع اختلف فيه أصحابنا. فذهب معظمه إلى أنه ليس بحجة، ولا فيه ترجيح، وهذا قول كبراء البغداديين: منهم ابن بكير، وأبو يعقوب الرازي، وأبو الحسن بن

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 288)

المنتاب، وأبو الحسن بن القصار، قالوا: لأنهم بعض الأمة، والحجة إنما هي لمجموعها، وهو قول المخالفين أجمع.
ولهذا ذهب القاضي أبو بكر بن الخطيب وغيره، وأنكر هؤلاء أن يكون مالك يقول هذا، أو أن يكون مذهبه، ولا الأئمة أصحابه، وذهب بعضهم إلى أنه ليس بحجة، ولكن يرجح به على اجتهاد غيرهم، وهو قول جماعة من متفقهيهم، وبه قال بعض الشافعية، ولم يرتضه القاضي أبو بكر، ولا محققو أئمتنا وغيرهم.
وذهب بعض المالكية إلى أن هذا النوع حجة كالنوع الأول، وحكوه عن مالك. قال القاضي أبو نصر: "وعليه يدل كلام أحمد بن المعدل، وأبي مصعب، وإليه ذهب القاضي أبو الحسين بن عمر من البغداديين، وجماعة من المغاربة من أصحابنا، ورآه مقدّماً على خبر الواحد والقياس، وأطبق المخالفون أنه مذهب مالك، ولا يصح كذا عنه مطلقاً".
قال القاضي أبو الفضل -رحمه الله تعالى-: "ولا يخلو عمل أهل المدينة مع أخبار الآحاد من ثلاثة وجوه:
1- إما أن يكون مطابقاً لها، فهذا آكد في صحتها إن كان من طريق النقل، وترجيحه إن كان من طريق الاجتهاد بلا خلاف في هذا، إذ لا يعارضه هنا إلا اجتهاد آخر بيّن، وقياسهم عند من يقدم القياس على خبر الواحد وإن كان مطابقاً لخبر يعارضه خبر آخر، كان عملهم مرجحاً

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 289)

لخبرهم، وهو أقوى ما ترجح به الأخبار إذا تعارضت، وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ومن تبعه من المحققين من الأصوليين، والفقهاء من المالكية وغيرهم.
2- وإن كان مخالفاً للأخبار جملة، فإن كان إجماعهم من طريق النقل، ترك له الخبر بغير خلاف عندنا في ذلك، وعند المحققين من غيرنا، على ما تقدم، ولا يجب عند التحقيق تصور خلاف في هذا، ولا التفات إليه، إذ لا يترك القطع واليقين لغلبات الظنون، وما عليه الاتفاق لما فيه من الخلاف، كما ظهر هذا للمخالف المنصف فرجع، وهذه نكتة مسألة الصاع والمد والوقوف وزكاة الخضروات وغيرها.
3- وإن كان اجتماعهم اجتهاداً قدم خبر الواحد عليه عند الجمهور، وفيه خلاف كما تقدم من أصحابنا"1.
والذي يتضح من كلام عياض رحمه الله أنه قسم عمل أهل المدينة إلى قسمين:
قسم اعتبره من طريق النقل المتواتر الذي تؤثره الكافة عن الكافة، وعملت به عملاً لا يخفى، وأنه مبتدأ من رسول اللهصلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، فهذا النوع حجة يلزم اتباعها، وبترك ما خالفها من خبر واحد--------------------------------------------
1 ترتيب المدارك1/68-71.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

أو قياس، لأنه رآه قطعياً موجباً للعلم، فلا يترك لما يوجب غلبة الظنون، ولذا رجع إليه أبو يوسف، وبهذا قال القاضي عبد الوهاب، ووافق عليه الصيرفي من الشافعية.
القسم الثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال، ذكر أنهم اختلفوا فيه، فكان منهم من يرى أنه ليس بحجة، ولا يرجح به، ونسبه إلى أكثر البغداديين، وأنكر أن يكون مذهب مالك، والأئمة من أصحابه تقديمه على الخبر.
وقال: إن بعض المالكية يرى أنه حجة كالنوع الأول وحكوا ذلك عن مالك، وأنه مقدم على خبر الواحد والقياس.
وصحح ابن الحاجب اعتبار عملهم حجة مطلقاً1 سواء كان من طريق النقل، أو من طريق الاجتهاد، خلافاً للجمهور، وأكثر البغداديين من أصحاب مالك.
ولم يتعرض عياض لبيان حال العمل القديم المنقول عن الصحابة -رضى الله عنهم- ولعله ألحقه بالمنقول، لأنه يستحيل "أن يجمعوا على--------------------------------------------
1 مختصر ابن الحاجب مع شروحه2/35.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)