طاعته، وقطعاً للعذر في متابعته، وأمرنا الله سبحانه وتعالى باتباع الصراط المستقيم … "1.
فالشيطان عدو للإنسان همه إفساد العقائد وتخريب الإيمان، فمن لم يحصن نفسه منه بذكر الله واللجأ إليه والإستعاذة به صار مرتعاً للشيطان يسول له فعل المعاصي ويرغبه في ارتكاب المناهي ويؤزه لارتكاب الفواحش أزاء، فيا ضيعة دينه ويا فساد إيمانه إن استسلم له.
قال ابن القيم رحمه الله:"وإياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك وإرادتك فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تداركه، ويلقي إليك أنواع الوساوس والأفكار المضرة، ويحول بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت الذي أعنته على نفسك بتمكينه من قلبك وخواطرك فملكها عليك"2.
وضرب رحمه الله مثلا بديعا لذلك ينطبق عليه تمام الإنطباق فقال في موضع آخر من كتبه:"وإذا أردت لذلك مثالا مطابقاً فمثله مثل كلب جائع شديد الجوع، بينك وبينه لحم أو خبز، وهو يتأملك ويراك لا تقاومه وهو أقرب منك، فأنت تزجره وتصيح عليه، وهو يأبى إلا التحوم عليك، والغادرة على ما بين يديك"3.
ومراده رحمه الله بهذا المثل أن يوضح مدى خطر الشيطان على الإنسان إذا لم يستعذ بالله منه ولم يلجأ إلى الله من شره بالدعوات النافعة والأذكار المباركة.--------------------------------------------
1 ذم الوسواس (ص 46) ، وانظر أيضاً مقدمة ابن القيم لكتابه إغاثة اللهفان (10/1) .
2 الفوائد (ص 309) .
3 التبيان في أقسام القرآن (ص 419) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
فمن عشى عن ذلك وأعرض لازمه الشيطان تلك الملازمة يسول له ويملي حتى يذهب بإيمانه، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ* وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ} 1.
ثانياً- الدنيا وفتنها:
فهذا ثاني الحوامل الخارجية التي تؤثر في إيمان الإنسان بالنقص.
فإن من أسباب نقص الإيمان وضعفه الاشتغال بعرض الحياة الدنيا الزائل، وشغل الأوقات فيها والانهماك في طلبها، والجري خلف ملذاتها وفتنها ومغرياتها، فمتى عظمت رغبة العبد فيها وتعلق قلبه بها ضعفت الطاعة عنده ونقص الإيمان بحسب ذلك.
قال ابن القيم رحمه الله:"وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة"2.
ولهذا فإن الله الحكيم الخبير ذم في كتابه الدنيا وبين خستها وحقارتها في غير ما آية من القران الكريم.
قال سبحانه: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ--------------------------------------------
1 سورة الزخرف، الآيات: 36، 37، 38.
2 الفوائد (ص 180) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} 1.
وقال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} 2.
وقال تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا مَتَاعٌ} 3.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُون * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} 4.
وفي هذه الآيات أعظم وعيد لمن رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها وغفل عن آيات الله ولم يرج لقاءه.
وقال تعالى ذاماً من رضي بالدنيا من المؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ} 5.
وقال صلى الله عليه وسلم:"فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها،--------------------------------------------
1 سورة الحديد، الآية: 20.
2 سورة الكهف، الآيتان: 45- 46.
3 سورة الرعد، الآية: 26.
4 سورة يونس، الآية: 7.
5 سورة التوبة، الآية: 38.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
وتهلككم كما أهلكتهم"متفق عليه1 وفي لفظ لهما:"تلهيكم كما ألهتهم" 2.
وغيرها من النصوص وهي كثيرة، فلا بد لمن أراد لإيمانه النمو والقوة والسلامة من الضعف والنقص أن يجاهد نفسه في البعد عن الدنيا وفتنها ومغرياتها وملهياتها وما أكثرها3.
ولا يتم له ذلك ولا يتحقق إلا بعد النظر في أمرين:
الأول: النظر في الدنيا وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها ونقصها وخستها وألم المزاحمة عليها والحرص عليها، وما في ذلك من الغصص والنغص والأنكاد.
وآخر ذلك الزوال والانقطاع مع ما يعقب من الحسرة والأسف، فطالبها لا ينفك من هم قبل حصولها، وهم في حال الظفر بها، وغم وحزن بعد فواتها.
والثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ولا بد، ودوامها وبقائها، وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات، والتفاوت الذي بينه--------------------------------------------
1 البخاري (6/ 258، 7/320 فتح) ومسلم (4/ 2274) من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه.
2 البخاري (11/ 243 فتح) ومسلم (4/ 2274) .
3 وانظر لزاماً ما كتبه ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر (ص 25 وما بعدها) في بيان ما الذي يذم من الدنيا وما الذي لا يذم فإن نعيم الدنيا بحد ذاته لا يذم مطلقاً، فإن الله قد تمدح به في القرآن الكريم في غير موضع، وإنما الذي يذم منها هو فعل الجهال والعصيان والإشتغال بها عن الآخرة واستعمال نعيمها في غير مرضاة الله تعالى.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 258)
وبين ما ها هنا، فهي كما قال سبحانه: {وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} 1 فهي خيرات كاملة دائمة، وهذه خيالات ناقصة منقطعة مضمحلة.
فإذا تأمل في هذين الأمرين وأحسن النظر فيهما هداه ذلك لإيثار الآخرة الباقية على الدنيا الفانية، وأكبر عون له في تحقيق ذلك النظر في حال الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته هو وأصحابه من نبذهم لها وراء ظهورهم، وصرفهم عنها قلوبهم، واطراحهم لها، فهم لم يألفوها، وهجروها ولم يميلوا إليها وعدوها سجناً لا جنة، فزهدوا فيها حقيقة الزهد، ولو أرادوها لنالوها منها كل محبوب، ولو صلوا منها إلى كل مرغوب، فقد عرضت عليه مفاتيح كنوزها فردها، وفاضت على أصحابه، فآثروا بها ولم يبيعوا حظهم من الآخرة بها، وعلموا أنها معبر وممر لا دار مقام ومستقر، وأنها دار عبور لا دار سرور وأنها سحابة صيف تنقشع عن قليل، وخيال طيف ما استتم حتى آذن بالرحيل2.
كما قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} 3.
وقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} 4.
وقال: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} 5.--------------------------------------------
1 سورة الأعلى، الآية: 17.
2 انظر الفوائد لابن القيم (ص 176-178) .
3 سورة الشعراء، الآيات 205- 207.
4 سورة يونس، الآية: 45.
5 سورة الروم، الآية: 55.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 259)
وغيرها من النصوص.
فالله المسئول أن يغيث قلوبنا بالإيمان، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
ثالثاً- قرناء السوء:
فهم أضر الناس على إيمان الشخص وسلوكه وأخلاقه، فمخالطتهم ومصاحبتهم سبب عظيم من أسباب نقص الإيمان وضعفه.
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل" 1.--------------------------------------------
1 أخرجه أبو داود. (13/179عون) والترمذي (4/589) وأحمد (2/ 303) وعبد بن حميد في"المنتخب من المسند" (ص 418) والحاكم (4/171) والخطابي في العزلة (ص 56) وابن بطة في الإبانة (2/431) والخطيب في تاريخه (4/115) والبغوي في شرح السنة (13/70) وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/236) والذهبي في السير (8/189) عن زهير بن محمد حدثنا موسى بن وردان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره.
وقال الترمذي والبغوي:"حسن غريب" وقال النووي في رياض الصالحين (ص 174) "إسناده صحيح". ونقل حكمه المناوي في فيض القدير (4/ 52) .
قلت: وفي إسناده زهير بن محمد فيه ضعف كما في التقريب (1/ 264) .لكن للحديث طريق أخرى يتقوى بها، من رواية صدقة بن عبد الله عن إبراهيم بن محمد الأنصاري عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه به.
أخرجه الحاكم (4/ 171) وابن عساكر في" المجلس الثالث والخمسين من الأمالي" كما في السلسلة الصحيحة للألباني (2/ 634) وقال الحاكم:"صحيح إن شاء الله" ووافقه الذهبي.
قلت: فيه صدقة بن عبد الله ضعيف كما في التقريب (1/366) وإبراهيم بن محمد الأنصاري، ذو مناكير كما في الضعفاء للذهبي (1/60) .
فالإسنادان كلاهما ضعيف، إلا أن ضعفهما ليس شديداً، فيكون الحديث حسناً بمجموعهما، وبهذا حسنه الألباني حفظه الله في سلسلته.
وقال العجلوني في كشف الخفاء (2/363) بعد أن أشار إلى بعض من خرجه:"وقد تساهل ابن الجوزي فأورده في الموضوعات ومن ثم خطأه الزركشي، وتبعه في الدرر، وقال الحافظ في اللآلىء:"والقول ما قال الترمذي"، يعني أن الحديث حسن" ا. هـ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 260)
قال ابن عبد البر"وهذا معناه والله أعلم أن المرء يعتاد ما يراه من أفعال من صحبه، والدين العادة فلهذا أمر ألا يصحب إلا من يرى منه ما يحل ويجمل فإن الخير عادة.
وفي معنى هذا الحديث قول عدي بن زيد:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه … فكل قرين بالمقارن مقتدى
وقول أبي العتاهية:
من ذا الذي يخفى عليك … إذا نظرت إلى خدينه
وهذا كثير جدا، والمعنى في ذلك ألا يخالط الإنسان من يحمله على غير ما يحمد من الأفعال والمذاهب، وأما من يؤمن منه ذلك فلا حرج فيه صحبته"1.
وقال أبو سليمان الخطابي"قوله:"المرء على دين خليله" لا معناه لا تخالل إلا من رضيت دينه وأمانته، فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه، ولا تغرر بدينك ولا تخاطر بنفسك فتخالل من ليس مرضياً في دينه ومذهبه.
قال سفيان بن عيينة: وقد روى في هذا الحديث انظروا إلى فرعون--------------------------------------------
1 بهجة المجالس (2/751) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 261)
معه هامان، انظروا إلى الحجاج معه يزيد بن أبي مسلم شر منه، انظروا إلى سليمان بن عبد الملك صحبه رجاء بن حيوة فقومه وسدده.
ويقال: إن الخلة مأخوذة من تخلل المودة القلب وتمكنها منه: وهي أعلى درج الإخاء، وذلك أن الناس في الأصل أجانب، فإذا تعارفوا ائتلفوا فهم أوداء، وإذا تشاكلوا فهم أحباء، فإذا تأكدت المحبة صارت خلة"1.
وقد قيل:"الناس كأسراب القطا"لما جبلوا عليه من تشبه بعضهم ببعض ومحاكات بعضهم لأفعال بعض. ولهذا كان المبتديء بالخير وبالشر له مثل، من تبعه من الأجر والوزر2.
قال بعض الحكماء:"عمادة المودة المشاكلة، ركل ود عن غير تشاكل فهو سريع التصرم"3.
قلت: وإنما جاء النهي عن مخالطة قرناء السوء والتحذير من مجالستهم، لأن طباع الإنسان مجبولة على الإقتداء والتشبه بمن يقارن، فمجالسة طلاب العلم تحرك في النفس الحرص على طلب العلم، ومجالسة الزهاد تزهد في الدنيا، ومجالسة المبتدعة وأهل الأهواء تردي في مهاوي البدع، ومجالسة الحريص على الدنيا تحرك في النفس الحرص على الدنيا، وهكذا.
فلهذا لزم المرء أن يختار من القرناء والخلطاء من يكون له في خلطتهم خير ونفع، وأن يحذر أشد الحذر من قرناء السوء.--------------------------------------------
1 العزلة (ص 56) .
2 انظر الاستقامة لابن تيمية (2/255) .
3 العزلة للخطابي (ص 62) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 262)
ومن تأمل حال السلف وتدبر سيرهم علم ذلك، ورأى شدة حذرهم وتحذيرهم من رفقاء السوء من فساق ومبتدعة وغيرهم1.
قال أبو الدرداء:"من فقه الرجل مدخله وممشاه وألفه"ثم قال أبو قلابة: بعد أن روى هذا الأثر عن أبي الدرداء: ألا ترى إلى قول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه … فإن القرين بالمقارن يقتدي2
وقال الأصمعي عن هذا البيت:"لم أر بيتا أشبه بالسنة منه"3.
وجاء عن عبد الله بن مسعود أنه قال:"اعتبروا الناس بأخدانهم فإن المرء لا يخادن إلا من يعجبه".
وعن الأعمش قال:"كانوا لا يسألون عن الرجل بعد ثلاث: ممشاه ومدخله وألفه من الناس".
وقال سفيان:"ليس شيء أبلغ في فساد رجل وصلاحه من صاحب"
وقال قتادة:"إنا والله ما رأينا الرجل يصاحب من الناس إلا مثله وشكله فصاحبوا الصالحين من عباد الله لعلكم أن تكونوا معهم أو مثلهم".
وقال الفضيل:"ليس للمؤمن أن يقعد مع كل من--------------------------------------------
1 انظر في ذلك على سبيل المثال العزلة للخطابي (ص،5 وما بعدها) والإبانة الابن بطة (2/431 وما بعدها) ، وغيرهما.
2 رواه ابن الأعرابي في معجمه (برقم: 1277) ومن طريقه الخطابي في العزلة (ص 59) .
ورواه ابن بطة في الإبانة (2/437، 439) بلفظ مقارب.
3 الإبانة لابن بطة (2/440) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 263)
شاء … "1.
والآثار في هذا كثيرة جدا يطول ذكرها، وإنما انتقيت منها ما فيه البلغة والكفاية، فمن تأمل هذه الآثار المذكورة وغيرها عرف ما في مقارنة أهل السوء والفسق والفجور من الخطر على الدين والخلق، فأنت قد ترى الرجل مستقيما عفيفا صالحاً، فإذا قارن وخالط أهل السوء والفسق وصحبهم أصبح فاسقاً فاجراً مثلهم، وهذه سنة الله في خلقه.
فخلطة الفساق وأهل السوء من أعظم أسباب نقص الإيمان وضعفه بل وربما اضمحلاله وتلاشيه، وذلك بحسب حال هؤلاء في السوء وبحسب خلطته لهم.--------------------------------------------
1 روى هذه الآثار ابن بطة في الإبانة (2/ 439، 452، 476، 480، 481) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 264)
الفصل الرابع
في الإسلام هل يزيد وينقص؟
قبل الشروع في المراد، لا بد أولاً من تعريف الإسلام، ثم على ضوء التعريف يتم بيان هذه المسألة.
فالإسلام لغة: الانقياد والإذعان. وأما في الشرع: فلإطلاقه حالتان:
الحالة الأولى: أن يطلق على الإفراد غير مقترن بذكر الإيمان، فهو حينئذ يراد به الدين كله أصوله وفروعه من اعتقاداته وأقواله وأفعاله، كقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام} 1 وقوله: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً} 2 وقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} 3 وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} 4 ونحو ذلك من الآيات.
الحالة الثانية: أن يطلق مقترنا بالإيمان، فهو حينئذ يراد به الأعمال والأقوال الظاهرة، كقوله تعالى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ--------------------------------------------
1 سورة آل عمران، الآية: 19.
2 سورة المائدة، الآية: 3.
3 سورة آل عمران، الآية: 85.
4 سورة البقرة، الآية: 208.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 267)
الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} 1 الآية، وكقوله صلى الله عليه وسلم لما قال له سعد رضي الله عنه: مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمناً فقال صلى الله عليه وسلم"أو مسلماً"2 يعني أنك لم تطلع على إيمانه وإنما اطلعت على إسلامه من الأعمال الظاهرة، وغير ذلك من الآيات والأحاديث3.
ووجه هذا الجمع والتفريق بين الإسلام والإيمان حال الاجتماع والافتراق يتضح بتقرير أصل عظيم وهو"أن من الأسماء ما يكون شاملاً لمسميمات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات والاسم المقرون به دال على باقيها"4.
فبناء على هذا الأصل يقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق. وعليه فهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، فاجتماعهما في الذكر يقتضي افترقهما في المعنى وافترقهما في الذكر يعنى اجتماعهما فى المعنى.
"والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل، ومن هنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم فإن من حقق الإيمان ورسخ في قلبه قام بأعمال الإسلام فلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام، وليس كل مسلم مؤمناً، فإنه قد يكون--------------------------------------------
1 سورة الحجرات، الآية: 14.
2 تقدم تخريجه (ص 92) .
3 انظر معارج القبول لحافظ حكمي (2/ 24، 25) .
4 جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص 26) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 268)
الإيمان ضعيفاً فلا يتحقق القلب به تحققاً تاماً مع عمل جوارحه أعمال الإسلام، فيكون مسلمًا، وليس بمؤمن الإيمان التام"1.
فالإسلام على ضوء هذا التعريف المتقدم يزيد كما يزيد الإيمان وينقص كما ينقص، أما على الإطلاق الأول فظاهر، لأنه أصبح مرادفاً للإيمان فله حكمه تمامًا من حيث قبول الزيادة والنقصان، وأما على الإطلاق الثاني حال اجتماعه مع الإيمان حيث يكون المراد بالإسلام الأعمال الظاهرة، فالزيادة والنقصان في هذا لا إشكال فيهما ألبتة، لأن الأعمال تزيد وتنقص وتقل وتكثر وتتفاضل، وهذا الأمر ظاهر لكل أحد عياناً بياناً.
ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" 2 فالألف واللام في قوله:"المسلم"للكمال، نحو زيدٌ الرجل أي الكامل في الرجولية، وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلام العرب3.
قال النووي رحمه الله في شرحه لهذا الحديث من صحيح مسلم:" … قالوا: معناه المسلم الكامل، وليس المراد نفي أصل الإسلام عن من لم يكن بهذه الصفة، بل هذا كما يقال: العلم ما نفع أو العالم زيد أي الكامل أو المحبوب، وكما يقال الناس العرب والمال الإبل، فكله على التفضيل لا للحصر، ويدل على ما ذكرناه من معنى الحديث قوله أي المسلمين خير قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده" 4.--------------------------------------------
1 جامع العلوم والحكم (ص 26، 27) باختصار.
2 رواه البخاري (1/ 53 فتح) ومسلم (1/ 65) .
3 انظر فتح الباري لابن حجر (1/53) .
4 شرح صحيح مسلم (2/10) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 269)
وقد بوب النووي لهذا الحديث في صحيح مسلم بـ"باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل". ودلالة الحديث للباب ظاهرة.
وأورد في الباب نفسه حديث عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال:"تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" 1.
فإطعام الطعام، وبذل السلام الواردان في هذا االحديث، وكف الأذى الوارد في الحديث الذي قبله كلها من أعمال الإسلام ومن خصاله الواجبة والإسلام يزيد بزيادتها وينقص بنقصها، فهذا ونحوه مما يدل على أن الإسلام يزيد وينقص.
وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:"بنى الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان" 2 يدل على تفاضل الإسلام، فإن من وفى بهذه الأعمال وأتى بها على الوجه أكمل كمل إيمانه، ومن نقص منها شيئاً نقص إيمانه، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في مناقشته لمحمد بن نصر المروزي فيما ادعاه من ترادف الإسلام والإيمان في كل حال:
"وأما ما ذكره من أن الإسلام ينقص كما ينقص الإيمان فهذا أيضاً حق كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة فإن من نقص من الصلاة والزكاة أو الصوم أو الحج شيئاً فقد نقص من إسلامه بحسب ذلك"3.
وبالمقابل من كمل هذه الأمور وأتى بها على وجهها زاد إسلامه--------------------------------------------
1 أخرجه البخاري (1/ 55 فتح) ومسلم (1/ 65) .
2 أخرجه البخاري (1/ 49 فتح) ومسلم (1/ 45) .
3 الفتاوى (7/ 414) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 270)
وكمل.
والكلام المتقدم مبني على أعدل الأقوال وأصوبها في تعريف الإسلام وإلا فالناس في مسمى الإسلام صاروا إلى ثلاثة أقوال.
1- طائفة جعلت الإسلام هو الكلمة.
2- وطائفة أجابوا بما أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل عليه السلام فجعلوا الإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الاعتقادات الباطنة.
3- وطائفة جعلوا الإسلام مرادفاً للإيمان1.
والقول بزيادة الإسلام ونقصانه بناء على التعريفين الثاني والثالث للإسلام ظاهر، وإن كانت دعوى الترادف بين الإسلام والإيمان غير صحيحة. لكن على قول من قال إن الإسلام هو الكلمة، وهذا منقول عن الزهري رحمه الله حيث قال:"فنرى أن الإسلام الكلمة والإيمان العمل"وقال بقوله هذا من العلماء حماد بن زيد، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وأحمد بن حنبل رحمهم الله2 فعلى هذا القول الإسلام لا يقبل الزيادة والنقصان، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله"فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها"3.
لكن ينبغي التنبه إلى أن الزهري رحمه الله وكذلك من قال بقوله- لم يرد بذلك أن الإسلام الواجب هو الكلمة وحدها فإنه أجل--------------------------------------------
1 انظر الفتاوى (7/259) وشرح العقيدة الطحاوية (2/488) .
2 انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (4/ 812) .
3 الفتاوى (7/ 259) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 271)
من أن يرى ذلك، وإنما قال ما قال؛ لأن كل من أتى بالشهادتين صار مسلماً متميزاً عن اليهود والنصارى تجزي عليه أحكام الإسلام التي تجري على المسلمين.
ولهذا فإن من أخذ قول الزهري هذا ليحتج به على أن الإسلام لا يقبل الزيادة والنقصان فهو غالط في قوله مخطىء في قصده. قال شيخ الإسلام:"ومن قال إن الإسلام هو الكلمة فقط وأراد بذلك أنه لا يزيد ولا ينقص فقوله خطأ" بل هو أشبه بأقوال المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الإسلام يقبل الزيادة والنقصان، ويتفاضل الناس فيه كتفاضلهم في الإيمان سواء والله أعلم.--------------------------------------------
انظر الفتاوى (7/ 415) .
الفتاوى (7/ 414) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 272)
الباب الثاني: في الأقوال المخالفة لقول أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه
*
الفصل الأول: قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان
…
الفصل الأول
قول من قال الإيمان يزيد وتوقف في النقصان
لقد جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه روايتان، قال في إحداهما: إن الإيمان يزيد أما النقصان فتوقف فيه وطلب من السائل أن يكف عن السؤال عنه، لأنه لم يجد عليه دليلاً من كتاب الله.
أما الرواية الأخرى: فقد جاءت عنه من طرق متعددة صحيحة، قال فيها: إن الإيمان يزيد وينقص، كقول أهل السنة والجماعة سواء.
ولهذا خصصت هذا الفصل لدراسة الرواية الواردة عنه رحمه الله في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، وذكر ما قاله أهل العلم من تعليلات لقوله هذا، وبيان الصواب منها، مع ذكر الروايات الأخرى الثابتة عنه في أن الإيمان يزيد وينقص.
ولنبدأ أولاً بالرواية الأولى التي فيها قوله أن الإيمان يزيد وتوقف في النقصان، فهذه الرواية جاءت عنه من ثلاث طرق:
الأولى- من طريق عبد الله بن وهب
قال: سئل مالك بن أنس عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل، قلت أيزيد وينقص؟ قال: قد ذكر الله سبحانه في غير آي من القران أن الإيمان يزيد، فقلت له: أينقص؟ قال: دع الكلام في نقصانه وكف عنه. فقلت
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 277)
بعضه أفضل من بعض؟ قال: نعم1.
الثانية- من طريق ابن القاسم2:
قال ابن عبد البر:"وقد يزيد، روى ابن القاسم عن مالك أن الإيمان ووقف في نقصانه"3.
ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية4.
وقال القاضي عياض:"قال ابن القاسم: كان مالك يقول: الإيمان يزيد، وتوقف عن النقصان، وقال: ذكر الله زيادته في غير موضع فدع الكلام في نقصانه وكف عنه"5.--------------------------------------------
1 ذكر هذه الرواية ابن عبد البر في الانتقاء (ص 33) قال:- قال"الدولابي" وأخبرنا يونس بن عبد الأعلى قال: نا ابن وهب … فذكره. وهذا إسناد صحيح.
فالدولابي: هو الإمام الحافظ البارع أبو بشر محمد بن حماد بن سعيد بن مسلم الأنصاري الدولابي، ت310 هـ السير (14/309) ، قال ابن كثير: أحد الأئمة من حفاظ الحديث، البداية والنهاية (11/145) .
ويونس بن عبد الأعلى: هو أبو موسى الصدفى المصري، ثقة من صغار العاشرة مات سنة أربع وستين ومائتين، وهو من رجال مسلم، التقريب (2/385) .
وابن وهب: هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري، ثقه حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومائتين، أخرج له الشيخان وأصحاب السنن التقريب (1/460) والتهذيب (6/65) .
2 هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي أبو عبد الله البصري، الفقيه صاحب مالك، ثقة من كبار العاشرة، مات سنة 291 هـ. التقريب (1/ 495) .
3 التمهيد (9/252) .
4 الفتاوى (7/331) .
5 ترتيب المدارك (2/43) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 278)
ونقله عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء1.
الثالثة- من طريق إسماعيل بن أبي أويس2:
قال: سئل مالك عن الإيمان يزيد وينقص؟ فقال: يزيد (وينقص) 3 وذلك في كتاب الله، فقيل له: وينقص يا أبا عبد الله؟ قال: ولا أزيد أن أبلغ هذا4.
فهذا ما وقفت عليه مما نقل عنه رحمه الله في أن الإيمان يزيد مع التوقف في النقصان، ولم أقف فيما أطلعت عليه من روايات عن الإمام أنه جزم بعدم نقص الإيمان، وإنما الذي ورد عنه في بعض الروايات التوقف في القول بنقص الإيمان، وفرقٌ بين الجزم بنفي الشيء، وبين التوقف فيه. وبهذا يتبين خطأ قول الزبيدي عندما أورد قول مالك هذا (أي: توقفه في النقصان) ثم أورد بعده ما روي عن أبي حنيفة من طريق غسان وجماعة من أصحابه أنه قال:"الإيمان يزيد ولا ينقص". ثم قال الزبيدي:"وهو بعينه قول مالك"5.
قلت: فهذا خطأ بين إذ إن مالكاً رحمه الله إنما جاء عنه التوقف--------------------------------------------
1 السير (8/102) .
2 هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس الإمام الحافظ أبو عبد الله الأصبحي المدني،: كان عالم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه على نقص في حفظه وإتقانه ت 226 هـ السير (10/391) .
3 هكذا في المخطوط، والذي يبدو لي أنها زائدة، كما يظهر ذلك من السياق.
4 ذكر هذه الرواية ابن عبد الهادي في ارشاد السالك (ص 51) فقال: قال ابن الأخضر قال محمد بن سعد حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال سئل مالك … فذكره.
5 اتحاف السادة المتقين (2/256) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 279)
بالنقصان لا الجزم بعدمه، والفرق بين الأمرين ظاهر.
فهو رحمه الله كان متوقفاً في القول بنقص الإيمان لعدم بلوغ النص إليه، ثم لما بلغه ذلك جزم بنقص الإيمان، كما هو ثابت عنه من طرق متعددة.
أما توقفه في النقصان في هذه الرواية فقد ذكر له أهل بعض التعليلات:
ا- فقيل إنه توقف في بعض الروايات عن القول بالنقصان، لأن التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا ينقص؟ إذ لا يجوز نقصان التصديق، لأنه إذا نقص صار شكاً وخرج عن اسم الإيمان، قاله ابن بطال1.
وقال بعض أهل العلم: إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي من المؤمنين بالذنوب2.
3- وقيل: إنه توقف في ذلك لأنه وجد ذكر الزيادة في القرآن ولم يجد ذكر النقص.
قال شيخ الإسلام:"وكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه. لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القران، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا إحدى الروايتين عن مالك"3.--------------------------------------------
1 نقله النووي في شرحه لصحيح مسلم (1/146) .
2 شرح صحيح مسلم للنووي (1/146) وانظر الجامع لابن أبي زيد القيرواني (ص 122) .
3 الفتاوى (7/ 506) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 280)