له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ". وفي رواية: " من تعلق تميمة فقد أشرك " 1.
..................................................................................................
ولابن أبي حاتم عن حذيفة، أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} 2.
{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 3
قوله: "فلا أتم الله له " دعاء عليه، وكذلك قوله: "فلا ودع الله له " أي لا جعله في دعة وسكون.
قوله: " ولابن أبي حاتم أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه "، وتلا قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} 4.
ابن أبي حاتم هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس المرادي التميمي الحنظلي صاحب الجرح والتعديل والتفسير وغيرها، مات سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. وحذيفة هو ابن اليمان واسم اليمان حسيل بمهملتين مصغر، ويقال حسل بكسر ثم سكون، العبسي بالموحدة، حليف الأنصار صحابي جليل من السابقين، ويقال له صاحب السر، وأبوه صحابي أيضا. مات حذيفة في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين.
قوله: "رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه وتلا قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} 5.--------------------------------------------
1 الأولى رواها أحمد في " المسند " 4/ 154 ، وابن حبان (1413) " موارد "، والحاكم 4/ 417 وفيها ضعف. والرواية الثانية رواها أحمد في " المسند " 4/ 156 ، ورواها أيضا الحاكم 4 / 417 ، وهو حديث صحيح. قوله: "تعلق" أي علق وتعلق بها قلبه ، وقد جاءت في ابن حبان: "علق" وكذا في " مجموعة التوحيد " طبعة المنار ، وما أثبتناه موافق للمسند و "فتح المجيد". انظر "الأحاديث الصحيحة " رقم (492) .
2 سورة يوسف آية: 106.
3 سورة آل عمران آية: 18.
4 سورة يوسف آية: 106.
5 سورة يوسف آية: 106.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ في لبس الحلقة والخيط ونحوهما لمثل ذلك.
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح. فيه شاهد لكلام
..................................................................................................
فيه دليل على أن هذا شرك، وأن الصحابة رضي الله عنهم يستدلون بالآيات التي نزلت في الشرك الأكبر على الأصغر لدخوله في الشرك المنهي عنه في الآيات والأحاديث عموما وخصوصا لما قد عرفت أنه ينافي كمال الإخلاص. إذا كان مثل هذا، وقد خافه صلي الله عليه وسلم على الصحابة، كما تقدم في قوله: " أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر " 1، فإذا كان يقع مثل هذا في تلك القرون المفضلة، فكيف يؤمن أن يقع ما هو أعظم منه؟ لكن لغلبة الجهل به وقع منهم أعظم مما وقع من مشركي العرب وغيرهم في الجاهلية، مما قد تقدم التنبيه عليه حتى إن كثيرا من العلماء في هذه القرون اشتد نكيرهم على ما أنكر الشرك الأكبر، فصاروا هم والصحابة رضي الله عنهم في طرفي نقيض، فالصحابة ينكرون القليل من الشرك، وهؤلاء ينكرون على من أنكر الشرك الأكبر، ويجعلون النهي عن هذا الشرك بدعة وضلالة، وكذلك كانت حال الأمم مع الأنبياء والرسل جميعهم فيما بعثوا به من توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له وحده، والنهي عن الشرك به، وقد بعث الله تعالى خاتم رسله محمدا صلي الله عليه وسلم بذلك كما بعث به من قبله، فعكس هؤلاء المتأخرون ما دعا إليه رسول الله صلي الله عليه وسلم مشركي العرب وغيرهم، فنصر هؤلاء ما نهى عنه من الشرك غاية النصرة، وأنكروا التوحيد الذي بعث به غاية الإنكار، فإنه صلي الله عليه وسلم لما قال لقريش: " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا "2 عرفوا معناها الذي وضعت له وأريد منها فقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} 3 الآيات. وقال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} 4، وفي صحيح البخاري وغيره في سؤال هرقل لأبي سفيان عن النبي صلي الله عليه وسلم قال له: فماذا يأمركم؟ قلت: يقول: "اعبدوا الله وحده لا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم". ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والصلة5.--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه ص (33) .
2 أحمد (3/492) .
3 سورة ص آية: 5.
4 سورة الصافات آية: 35.
5 البخاري رقم (7) في بدء الوحي: باب رقم (6) ، ورقم (51) في الإيمان: باب رقم (38) ، وفي كتب وأبواب أخر ، ومسلم رقم (1773) في الجهاد: باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام ، والترمذي رقم (2718) في الاستئذان: باب ما جاء كيف يكتب لأهل الشرك ، وأحمد في " المسند" 1 / 262 - 263 ، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
الصحابة: إن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
الثالثة: أنه لم يعذر بالجهالة.
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة بل تضر؛ لقوله: " لا تزيدك إلا وهنا".
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
السادسة: التصريح بأن من تعلق شيئا وكل إليه.
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحمى من ذلك.
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
العاشرة: أن تعليق الودع عن العين من ذلك.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة أن الله لا يتم له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له، أي لا ترك الله له.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
8- باب ما جاء في الرقى والتمائم
في " الصحيح " عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع
..................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في الرقى والتمائم " أي من النهي عما لا يجوز من ذلك.
قوله: في الصحيح " عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه أنه كان مع النبي صلي الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت "هذا الحديث في الصحيحين واسم أبي بشير قيس بن عبيد قاله ابن سعد. وقال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، وهو صحابي شهد الخندق ومات بعد الستين، ويقال إنه جاوز المائة.
قوله: "فأرسل رسولا " هو زيد بن حارثة، روى ذلك الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال الحافظ. قوله: "أن لا يبقين " بفتح الياء والقاف ويحتمل أن يكون بضم الياء
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
رسول الله صلي الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت1.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك "2 رواه أحمد وأبو داود.
..................................................................................................
المثناة وكسر القاف، والوتر بفتحتين واحد أوتار القوس، وكان أهل الجاهلية إذا اخلولق الوتر أبدلوه بغيره، وقلدوا به الدواب اعتقادا منهم بهذا أنه يدفع عن الدابة العين، ولهذا أمر صلي الله عليه وسلم بقطع الأوتار التي علقت على الإبل، لما كان أهل الجاهلية يعتقدون ذلك فيها.
قوله: "أو قلادة إلا قطعت " يحتمل أن ذلك شك من الراوي، ولأبي داود "ولا قلادة" بغير شك، فعلى هذه الرواية تكون أو بمعنى الواو.
قال البغوي في شرح السنة: "تأول مالك أمره عليه السلام بقطع القلائد على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون تلك الأوتار والتمائم والقلائد ويعلقون عليها العوذ يظنون أنها تعصمهم من الآفات، فنهاهم النبي صلي الله عليه وسلم عنها وأعلمهم أن الأوتار لا ترد من أمر الله شيئا". قال أبو عبيد: "كانوا يقلدون الإبل أوتارا لئلا تصيبها العين، فأمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بإزالتها إعلاما لهم بأن الأوتار لا ترد شيئا".
قوله: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك " رواه أحمد وأبو داود " ولفظ أبي داود عن زينب امرأة عبد الله--------------------------------------------
1 رواه البخاري رقم (3005) في الجهاد: باب ما قيل في الجرس ونحوه في أعناق الابل ، ومسلم رقم (2115) في اللباس والزينة: باب كراهية قلادة الوتر في رقبة البعير ، وأبو داود رقم (2552) في الجهاد: باب تقليد الخيل بالأوتار ، وأحمد في " المسند " 5 / 216 ، ومالك في " الموطأ " 2 / 937 في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: باب ما جاء في نزع المعاليق والجرس من العنق.
2 رواه أبو داود رقم (3883) في الطب: باب في تعليق التمائم ، وابن ماجه (3530) في الطب: باب تعليق التمائم ، وأحمد في (المسند) 1/ 381 ، والحاكم 4 / 418 وصححه ووافقه الذهبي وهو كما قالا. انظر " الأحاديث الصحيحة " رقم (331) . قال الخطابي: التولة: ضرب من السحر ، قال الأصمعي: وهو الذي يحبب المرأة إلى زوجها. وأما الرقى فالمنهي عنه ما كان منها بغير لسان العرب فلا يدرى ما هو؟ ولعله قد يدخله سحر أو كفر، فأما إذا كان مفهوم المعنى ، وكان فيه ذكر الله تعالى ، فإنه مستحب متبرك به ، والله أعلم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: " من تعلق شيئا وكل إليه " 1 رواه أحمد والترمذي.
التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين، لكن إذا كان المعلق من القرآن، فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه.
الرقى: هي التي تسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم من العين والحمى.
والتولة: شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
..................................................................................................
ابن مسعود أن عبد الله رأى في عنقي خيطا فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه، قالت: فأخذه فقطعه ثم قال: أنتم آل عبد الله الأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " إن الرقى والتمائم والتولة شرك "، قال المصنف - رحمه الله تعالى -: "لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله عنه ". والمقصود بيان أن هذه الأمور الشركية وإن خفيت فقد نهى عنها رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه لكمال علمهم بما دلت عليه لا إله إلا الله من نفي الشرك قليله وكثيره؛ لتعلق القلب بغير الله في دفع ضر أو جلب نفع، وقد عمت البلوى بما هو أعظم من ذلك بأضعاف مضاعفة، فمن عرف هذه الأمور الشركية المذكورة في هذين البابين عرف ما وقع مما هو أعظم من ذلك كما تقدم بيانه، وفيه ما كان عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم من التحذير من الشرك والتغليظ في إنكاره، وإن كان من الشرك الأصغر فهو أكبر من الكبائر، وقد تقدم دليله في الباب قبل هذا.
وقوله: "وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا " من تعلق شيئا وكل إليه "رواه أحمد والترمذي " وعبد الله بن عكيم بضم المهملة مصغرا ويكنى أبا معبد الجهني الكوفي. قال--------------------------------------------
1 رواه أحمد في " المسند " 4/ 211 ، والترمذي رقم (2073) في الطب: باب ما جاء في التعاليق وهو حديث حسن كما قال الألباني في " صحيح الترمذي رقم (1691) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله صلي الله عليه وسلم: "يا رويفع! لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا بريء منه " 1.
..................................................................................................
الخطيب: سكن الكوفة وقدم المدائن في حياة حذيفة وكان ثقة.
قوله: " من تعلق شيئا وكل إليه " 2 التعلق يكون بالقلب وينشأ عنه القول والفعل، وهو التفاف القلب عن الله إلى شيء يعتقد أنه ينفعه أو يدفع عنه كما تقدم بيانه في الأحاديث في هذا الباب والذي قبله، وهو ينافي قوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} 3، فإن كان من الشرك الأصغر فهو ينافي كمال التوحيد، وإن كان من الشرك الأكبر كعبادة أرباب القبور والمشاهد والطواغيت ونحو ذلك فهو كفر بالله، وخروج من دين الإسلام، ولا يصح معه قول ولا عمل.
قوله: "وكل إليه " أي وكله الله إليه، إلى ما علق قلبه به من دون الله، ومن وكله الله إلى غيره ضل وهلك، قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن قاسم حدثنا أبو سعيد المؤدب حدثنا من سمع عطاء الخراساني قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت: حدثني بحديث أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال: نعم، أوحى الله إلى داود عليه السلام " يا داود أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن فرجا ومخرجا، أما وعزتي وعظمتي ما يعتصم عبد من عبيدي بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء من يده وأسخت الأرض من تحت قدميه ثم لا أبالي بأي واد هلك "وشاهد هذا في القرآن فتدبر.
قوله: وروى أحمد عن رويفع قال: قال لي رسول الله:صلي الله عليه وسلم " يا رويفع لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمدا بريء منه ". رويفع هو ابن ثابت بن السكن بن عدي بن الحارث الأنصاري نزل--------------------------------------------
1 رواه ابو داوود رقم 36 في الطهارة: باب ما ينهى عنه وما يستنجى به، والنسائي 8/135 في الزينة: باب عقد اللحية، واحمد في المسند 4/108،109، وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح الجامع رقم 7787.
2 الترمذي: الطب (2072) .
3 سورة البقرة آية: 112.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
مصر وولي برقة، له ثمانية أحاديث. قال عبد الغني: ولي طرابلس فافتتح أفريقية سنة سبع وأربعين. وقال ابن يونس: توفي ببرقة سنة ست وخمسين. قوله: "لعل الحياة تطول بك " فقد طالت حياته رضي الله عنه كما أخبر النبي صلي الله عليه وسلم. قوله: "فأخبر الناس أن من عقد لحيته ". قال الخطابي: "أما نهيه عن عقد اللحية فيفسر على وجهين: "أحدهما " ما كانوا يفعلونه في الحرب، كانوا يعقدون لحاهم، وذلك من زي بعض الأعاجم يفتلونها ويعقدونها، قال أبو السعادات: تكبرا أو عجبا. "ثانيهما " أن معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد" انتهى. قلت: ويشبه هذا ما يفعله كثير من فتل أطراف الشارب فيترك أطرافه لذلك وهي بعضه، وفي حديث زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " 1رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال: صحيح. وفي الصحيح: " خالفوا المشركين احفوا الشوارب واعفوا اللحى " 2. وذلك يدل على الوجوب، وذكر ابن حزم الإجماع على أنه فرض فيتعين النهي عن ذلك.
قوله: "أو تقلد وترا " فيه مع ما تقدم أنه شرك لما كانوا يقصدونه بتعليقه على الدواب وغيرها.
قوله: " أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه " هذا دليل على أن هذا والذي قبله من الكبائر؛ لأن قوله: "إن محمدا بريء منه " يدل على ذلك، وقال النووي رحمه الله تعالى: أي بريء من فعله فهذا التأويل بعيد لعود الضمير إلى "من "، وقد ورد النهي عن الاستنجاء بالروث والعظام في أحاديث صحيحة كما لا يخفى، منها ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن مسعود مرفوعا: " لا تستنجوا بالروث ولا العظام فإنه زاد إخوانكم من الجن "3 ولما روى ابن خزيمة والدارقطني عن أبي هريرة:" نهى أن يستنجى--------------------------------------------
1 الترمذي رقم (2762) في الأدب: باب ما جاء في قص الشارب ، والنسائي 1/ 15 في الطهارة: باب قص الشارب ، وأحمد في " المسند " 4 / 366 و 368 ، وهو حديث صحيح كما قال الألباني في " صحيح الجامع " رقم (6409) .
2 البخاري رقم (5892) في اللباس: باب تقليم الأظفار ، ورقم (5893) باب إعفاء اللحى ، ومسلم رقم (259) في الطهارة: باب خصال الفطرة ، وأبو داود رقم (199) في الترجل: باب في أخذ الشارب ، والترمذي رقم (2764) في الأدب: باب ما جاء في إعفاء اللحية ، والنسائي 1 / 16 في الطهارة: باب إحفاء الشارب وإعفاء اللحى ، وأحمد في " المسند" 2 / 16 ، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
3 مسلم رقم (450) في الصلاة: باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن ، والترمذي رقم (18) في الطهارة: باب ما جاء في كراهية ما يستنجى به ، والنسائي 1 / 37 - 38 فيه: باب النهي عن الاستطابة بالعظم ، وأبو داود رقم (39) في الطهارة: باب ما ينهى عنه أن يستنجى به ، انظر روايات الحديث في " جامع الأصول " رقم (5138) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة "رواه وكيع. وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن.
...........................................................................................
بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران" 1، وعنه: لا يجزي الاستنجاء بهما كما هو ظاهر مذهب أحمد.
قوله: "وعن سعيد بن جبير قال: " من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة "رواه وكيع " هذا عند أهل العلم له حكم الرفع؛ لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي فيكون هذا مرسلا؛ لأن سعيدا تابعي، فعلى هذا يجب النهي عن تعليق التمائم والترغيب في قطعها وأن ذلك مما يجب، وفيه مع ما تقدم أنه شرك، وبيان حال السلف رضي الله عنهم من تعظيم الشرك قليله وكثيره والنهي عنه، فلما اشتدت غربة الإسلام في أواخر هذه الأمة صار إنكار هذا وما هو أعظم منه أعظم المنكرات حتى عند من ينتسب إلى العلم كما لا يخفى، ووكيع هو ابن الجراح بن وكيع الكوفي ثقة إمام صاحب تصانيف منها الجامع وغيره، روى عنه الإمام أحمد وطبقته مات سنه سبع وتسعين ومائة.
قوله: "وله عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن " إبراهيم هو الإمام إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي يكنى أبا عمران ثقة من كبار الفقهاء مات سنة ست وتسعين وله خمسون سنة أو نحوها قوله: "كانوا يكرهون " أراد أصحاب عبد الله ابن مسعود كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ومسروق والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وغيرهم وهم من سادات التابعين، وفي زمانهم كانوا يطلقون الكراهة على المحرم، وهذا القول الصحيح؛ لأن ما كان من غير القرآن قد تقدم النهي عنه بلا ريب، وأما إذا كان من القرآن فيتعين النهي عنه لأمور ثلاثة: "منها " دخوله في عموم المنهي عنه. "ومنها " كونه ذريعة إلى تعليق ما ليس من القرآن فيفضي إلى عدم إنكارها. "الثالث " أن تعليق القرآن يكون سببا في امتهانه فلا بد أن يدخل به الخلاء ونحوه. قال المصنف - رحمه الله تعالى -: والرقى هي التي تسمى العزائم وخص منه الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم من العين والحمة، والتولة هي شيء يصنعونه يزعمون--------------------------------------------
1 الدارقطني 1/56 وقال: إسناده صحيح.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
الثانية: تفسير التولة.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمى ليس من ذلك.
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء: هل هي من ذلك أم لا؟.
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وترا.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
التاسعة: أن كلام إبراهيم" النخعي "لا يخالف ما تقدم من الاختلاف، لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
9- باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما
وقول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى. تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى} 1 الآيات.
..................................................................................................
أنه يحبب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته. قال الحافظ: التولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها وهو ضرب من السحر والله أعلم.
قوله: "باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما " كبقعة وقبر ومشهد ونحو ذلك، ومن اسم شرط والجواب محذوف تقديره فقد أشرك بالله.
قوله: وقول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى. وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى} الآيات.
هذه الأوثان الثلاثة هي أعظم أوثان أهل الجاهلية من أهل الحجاز، فاللات لأهل الطائف ومن حولهم من العرب، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة لبني هلال، وقال ابن هشام:--------------------------------------------
1 سورة النجم آية: 19-22.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)
عن أبي واقد الليثي قال: " خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم إلى حنين ونحن
..................................................................................................
كانت لهذيل وخزاعة. واللات بتخفيف التاء في قراءة الجمهور، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح ورويس عن يعقوب بتشديد التاء، فعلى الأولى قال الأعمش: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز، وقال ابن كثير: اللات كانت صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف له أستار وسدنة، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف وهم ثقيف ومن تبعها، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. قاله ابن هشام1. وعلى الثانية قال ابن عباس: كان رجلا يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره، ذكره البخاري2.
"قلت ": ولا منافاة بين ما ذكره البخاري وغيره من عبادتهم الصخرة التي كان يلت السويق عليها باسمه وعبادة قبره لما مات، وأما العزى فقال ابن جرير: كانت صخرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أحد: لنا العزى ولا عزى لكم. قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم "3. ومناسبة هذه الآية للترجمة أن عبادة المشركين للعزى، إنما كان بالتفات القلوب رغبة إليها في حصول ما يرجونه ببركتها من نفع أو دفع ضر، فصارت أوثانا تعبد من دون الله، وذلك من شدة ضلال أهل الشرك وفساد عقولهم كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} 4، فصار عبادة القبور وعبادة الشجر والحجر هو شرك المشركين، وقد جرى ذلك وما هو أعظم منه في أواخر هذه الأمة.
قوله: "عن أبي واقد " هو صحابي مشهور مات سنة ثمان وستين، وله خمس وثمانون سنة قوله: "خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم " يشير إلى أهل مكة ممن إسلامه قريب إذ ذاك.--------------------------------------------
1 الذي في " تفسير القرطبي " قال هشام - يعني ابن الكلبي المؤرخ -: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار - أي اللات.
2 البخاري رقم (4859) في تفسير سورة النجم: باب قوله تعالى: (أفرأيتم اللات والعزى) دون قوله: فلما مات عكفوا على قبره.
3 البخاري رقم (3039) في الجهاد: باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب ، ورقم (3986) و (4043) و (4067) و (4561) ، وأحمد في " المسند " 4 / 293 من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما.
4 سورة يونس آية: 18.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 64)
حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، قلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " الله أكبر! إنها السنن،
..................................................................................................
قوله: "إلى حنين " هو اسم واد بشرقي مكة معروف قاتل فيه صلي الله عليه وسلم هوازن كما قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً} 1. والوقعة مشهورة عند أهل المغازي والسير وغيرهم، وما جرى فيها من النصر وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم كما في الآية الكريمة: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً} 2.
قوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر، يشير إلى أهل مكة الذين أسلموا قريبا، فلذلك خفي عليهم هذا الشرك المذكور في الحديث بخلاف من تقدم إسلامه.
قوله: "وللمشركين سدرة يعكفون عندها " عبادة لها وتعظيما وتبركا لما كانوا يعتقدونه فيها من البركة. قوله: "يقال لها ذات أنواط " هو برفع التاء كما لا يخفى. قوله: "ينوطون بها أسلحتهم" أي يعلقونها.
قوله: " فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم "3 أي للمشركين "ذات أنواط " ظنوا أن النبي صلي الله عليه وسلم لو جعل لهم ذلك لجاز اتخاذها لحصول البركة لمن اعتقدها فيها. وأنواط جمع نوط وهو مصدر سمي به المنوط. قوله: "فقال النبي صلي الله عليه وسلم الله أكبر " تعظيما لله تعالى عن أن يجعل له شريك في عبادته التي هي حقه على عباده كما قال تعالى: {وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 4 وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ} 5 وهو الإخلاص، والشرك ينافي ذلك، وتقدم معنى الحنيف وتضمنت هاتان الآيتان وما في معناهما التوحيد الذي دلت عليه "لا إله إلا الله " نفيا وإثباتا كما تقدم بيانه، فمن التفت قلبه إلى غير الله لطلب نفع أو دفع ضر فقد أشرك، والقرآن كله في تقدير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه.
قوله: "السنن " بضم السين أي الطرق يشير إلى الطرق التي تخالف دينه الذي شرعه تعالى لعباده.--------------------------------------------
1 سورة التوبة آية: 25.
2 سورة التوبة آية: 26.
3 الترمذي: الفتن (2180) ، وأحمد (5/218) .
4 سورة يونس آية: 105.
5 سورة الروم آية: 43.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 65)
قلتم- والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ لتركبن سنن من كان قبلكم " رواه الترمذي وصححه1.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم.
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه.
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل.
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
.................................................................................................
قوله: "قلتم- والذي نفسي بيده- " حلف على ذلك تأكيدا لهذا الخبر وتعظيما له "كما قالت بنو إسرائيل لموسى": {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} 2 وإن لم يسموها آلهة، أخبر أن التبرك بالأشجار يجعلها آلهة وإن لم يسموها آلهة؛ ولذلك شبه قولهم هذا بقول بني إسرائيل لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} 3، فظهر بهذا الحديث أن التعلق على الأشجار والأحجار وغيرها لطلب البركة بها شرك في العبادة كشرك عباد الأصنام.
قوله: "لتركبن سنن من كان قبلكم " أي اليهود والنصارى، وقد وقع كما أخبر به صلي الله عليه وسلم في هذه الأمة فركبوا طريق من كان قبلهم ممن ذكرنا كما هو في الأحاديث الصحيحة كحديث: " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " 4 وهو في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفي رواية: " ومن الناس إلا أولئك؟ " 5.--------------------------------------------
1 رواه الترمذي رقم (2181) في الفتن: باب ما جاء " لتركبن سنن من كان قبلكم " ، وقال الترمدي: حديث حسن صحيح ، وهو كما قال ، ورواه أيضا أحمد في " المسند218/5 ، وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة.
2 سورة الأعراف آية: 138.
3 سورة الأعراف آية: 138.
4 البخاري: أحاديث الأنبياء (3456) ، ومسلم: العلم (2669) ، وأحمد (3/84 ،3/89 ،3/94) .
5 سيأتي تخريجه ص (123) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 66)
السابعة: أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يعذرهم، بل رد عليهم بقوله: " الله أكبر إنها السنن، لتتبعن سنن من كان قبلكم "فغلظ الأمر بهذه الثلاث.
الثامنة: الأمر الكبير وهو المقصود: أنه أخبر أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل لما قالوا لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً} 1.
التاسعة: أنه نفي هذا من معنى " لا إله إلا الله" مع دقته وخفائه على أولئك.
العاشرة: أن حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر; لأنهم لم يرتدوا بهذا.
الثانية عشرة: قولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر، فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك.
الثالثة عشرة: ذكر التكبير عند التعجب، خلافا لمن كرهه.
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: " إنها السنن ".
الثامنة عشرة: أن هذا علم من أعلام النبوة؛ لكونه وقع كما أخبر.
التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
العشرون: أنه مقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر. أما " من ربك؟ " فواضح، وأما " من نبيك؟ " فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما " ما دينك؟ " فمن قولهم: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً} 2 إلخ.
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين.
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقولهم: ونحن حدثاء عهد بكفر.--------------------------------------------
1 سورة الأعراف آية: 138.
2 سورة الأعراف آية: 138.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 67)
10- باب ما جاء في الذبح لغير الله
وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ} 1 الآية، وقوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} 2.
..................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في الذبح لغير الله. وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ} الآية.
قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون له أنه أخلص لله صلاته وذبيحته؛ لأن المشركين يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى" انتهى. فالصلوات الخمس هي أعظم فرائض الإسلام بعد الشهادتين.
قوله: "صلاتي " يشمل الفرائض والنوافل، والصلوات كلها عبادة. وقد اشتملت على نوعي الدعاء: دعاء المسألة ودعاء العبادة، فما كان فيها من السؤال والطلب فهو دعاء مسألة، وما كان فيها من الحمد والثناء والتسبيح والركوع والسجود وغير ذلك من الأركان والواجبات هو دعاء عبادة، وهذا هو التحقيق في تسميتها صلاة؛ لأنها اشتملت على نوعي الدعاء الذي هو صلاة لغة وشرعا. قرره شيخ الإسلام وابن القيم - رحمهما الله تعالى -.
قوله: "ونسكي " قال الثوري عن السدي عن سعيد بن جبير "نسكي" ذبحي، وكذلك قال الضحاك. قوله: "ومحياي ومماتي " أي ما آتيه في حياتي وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح "لله رب العالمين " خالصا لوجهه، "لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " أي من هذه الأمة، وهذا قول أئمة التفسير، والمقصود أن هذه الآية دلت على أن أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغير الله كائنا من كان، فمن صرف منها شيئا لغير الله فقد وقع فيما نفاه تعالى من الشرك بقوله: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} 3 والقرآن كله في تقرير هذا التوحيد في عبادته وبيانه ونفي الشرك والبراءة منه.
قوله: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} 4 قال شيخ الإسلام: "أمره أن يجمع بين هاتين العبادتين وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن وقوة اليقين وطمأنينة القلب إلى الله وإلى عدته عكس أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين--------------------------------------------
1 سورة الأنعام آية: 163-164.
2 سورة الكوثر آية: 2.
3 سورة الأنعام آية: 79.
4 سورة الكوثر آية: 2.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 68)
عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلي الله عليه وسلم بأربع كلمات: " لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن
..................................................................................................
لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر، ولهذا جمع بينهما في قوله: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} 1 الآية" اهـ. وقد قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} 2 الآية.
قوله: "عن علي رضي الله عنه " وعلي بن أبي طالب هو الإمام أبو الحسن الهاشمي ابن عم النبي صلي الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنهما كان من أسبق السابقين الأولين، ومن أهل بدر وبيعة الرضوان، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ورابع الخلفاء الراشدين، ومناقبه مشهورة رضي الله عنه قتله ابن ملجم الخارجي في رمضان سنة أربعين.
قال أبو السعادات: أصل اللعن الطرد والإبعاد من الله.
قوله: "من ذبح لغير الله " قال شيخ الإسلام: قوله: "وما أهل به لغير الله " ظاهره أنه ما ذبح لغير الله مثل أن يقال هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإذا حرم ما قيل فيه باسم المسيح والزهرة فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، فعلى هذا لو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم وإن قال فيه بسم الله كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال.. إلخ، ومن ذلك الذبح للجن.
قوله: " لعن الله من لعن والديه "يعني أباه وأمه وإن علوا، وفي الصحيح أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه " 3.
قوله: " لعن الله من آوى محدثا "وهو بفتح الهمزة ممدودة أي ضمه إليه وحماه--------------------------------------------
1 سورة الأنعام آية: 162.
2 سورة المائدة آية: 3.
3 البخاري رقم (5973) في الأدب: باب لا يسب الرجل والديه ، ومسلم رقم (90) ، والترمذي رقم (1903) ، وأبو داود رقم (5141) ، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 69)
الله من غير منار الأرض " رواه مسلم1.
وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب. قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟!
..................................................................................................
وأما "محدثا " فقال أبو السعادات: يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول. فمعنى الكسر من نصر جانيا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين أن يقتص منه، والفتح هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضى به والنصر. فإنه إذا ارتضى بالبدعة وأقر فاعلها ولم ينكر عليه فقد آواه، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه فكلما كان الحدث في نفسه أكبر كانت الكبيرة أعظم".
قوله: " لعن الله من غير منار الأرض "بفتح الميم علامات حدودها وهي التي توضع لتمييز حق الشركاء إذا اقتسموا ما بينهم في الأرض والدور، قال في النهاية: أي معالمها وحدودها "قلت " وذلك بأن يرفع ما جعل علامة على تمييز حقه من حق شريكه فيأخذ من حق شريكه بعضه فهذا ظلم عظيم، وفي الحديث: " من ظلم شبرا من الأرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة "2 فما أجهل أكثر الخلق حتى وقعوا بجهلهم وظلمهم فيما يضرهم في دنياهم وأخراهم، وذلك لضعف الإيمان بالمعاد والحساب على الأعمال والجنة والنار نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
قوله: "عن طارق بن شهاب " البجلي الأحمسي أبو عبد الله، قال أبو داود: رأى النبي صلي الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا. قال الحافظ: إذا ثبت أنه لقي النبي صلي الله عليه وسلم فهو صحابي، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه فروايته عنه مرسل صحابي وهو مقبول على الراجح، وكانت وفاته على ما جزم به ابن حبان سنة ثلاث وثمانين، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: قال الإمام--------------------------------------------
1 رواه مسلم (1978) (43) ، و (44) ، و (45) في الأضاحي: باب تحريم الذبح لغير الله ولعن فاعله ، والنسائي 7 / 232 في الضحايا: باب من ذبح لغير الله.
2 البخاري رقم (2453) في المظالم: باب إثم من ظلم شيئا من الأرض ، ورقم (3195) في بدء الخلق: باب ما جاء في سبع أرضين ، ومسلم رقم (1610) في المساقاة: باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها ، وأحمد في " المسند " 6/ 64 و 79 و 252 و 259 من حديث عائشة رضي الله عنها. قوله: " طوقه" قال الخطابي: "له وجهان: أحدهما أن معناه أنه - يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر ، ويكون كالطوق في عنقه ، لا أنه طوق حقيقة. الثاني معناه أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين ، أي فتكون كل أرض في تلك الحالة طوقا في عنقه" اهـ. (الفتح 5 / 104) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 70)
قال: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، قال ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب، فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة " 1 رواه أحمد.
..................................................................................................
أحمد - رحمه الله تعالى -: حدثنا أبو معاوية الأعمش عن سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال: " دخل الجنة رجل في ذباب" الحديث.
قوله: "في ذباب " أي من أجله. قوله "قالوا وكيف ذلك يا رسول الله؟ " كأنهم - والله أعلم - تقالوا هذا العمل وتقريب الذباب للصنم، فبين لهم النبي صلي الله عليه وسلم أن من فعل هذا وما هو أعظم منه وجبت له النار.
قوله: " مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا، فقالوا لأحدهما: قرب، فقال: ليس عندي شيء أقرب، قالوا له: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا، فخلوا سبيله فدخل النار "؛ لأنه قصد غير الله بقلبه أو انقاد بعمله فوجبت له النار، ففيه معنى حديث مسلم الذي تقدم في باب الخوف من الشرك عن جابر مرفوعا: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " 2 فإذا كان هذا فيمن قرب للصنم ذبابا فكيف بمن يستسمن الإبل والبقر والغنم ليتقرب بنحرها وذبحها لمن كان يعبده من دون الله من ميت أو غائب أو طاغوت أو مشهد أو شجر أو حجر أو غير ذلك؟ وكان هؤلاء المشركون في أواخر هذه الأمة يعدون ذلك أفضل من الأضحية في وقتها الذي شرعت فيه، وربما اكتفى بعضهم بذلك عن أن يضحي لشدة رغبته وتعظيمه ورجائه لمن كان يعبده من دون الله، وقد عمت البلوى بهذا وما هو أعظم منه.
قوله: " وقالوا للآخر: قرب قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل، فضربوا عنقه فدخل الجنة "ففيه معرفة قدر الشرك في قلوب أهل الإيمان ونفرتهم عنه وصلابتهم في الإخلاص كما في حديث أنس الذي في البخاري وغيره الآتي إن شاء الله--------------------------------------------
1 رواه أحمد في كتاب "الزهد" صقحة (15) عن طارق بن شهاب عن سلمان الفارسي رضي الله عنه وهو موقوف صحيح ، وفي كتاب "الزهد" سليمان بدل سلمان وهو خطأ.
2 تقدم تخريجه ص (35) رقم (1) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 71)
فيه مسائل:
الأولى: تفسير {إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي} 1.
الثانية: تفسير {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} 2.
الثالثة: البداءة بلعنة من ذبح لغير الله.
الرابعة: لعن من لعن والديه، ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك.
الخامسة: لعن من آوى محدثا، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق لله فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك.
السادسة: لعن من غير منار الأرض، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك من الأرض وحق جارك، فتغيرها بتقديم أو بتأخير.
السابعة: الفرق بين لعن المعين، ولعن أهل المعصية على سبيل العموم.
الثامنة: هذه القصة العظيمة، وهي قصة الذباب.
التاسعة: كونه دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده، بل فعله تخلصا من شرهم.
العاشرة: معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين، كيف صبر ذلك على القتل، ولم يوافقهم على طلبتهم، مع كونهم لم يطلبوا منه إلا العمل الظاهر.
الحادية عشرة: أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرا لم يقل: " دخل النار في ذباب ".
تعالى: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان "وفيه " وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار " 3، وفيه تفاوت الناس في الإيمان؛ لأن هذا الرجل الذي قرب الذباب لم يكن له عمل يستحق به دخول النار قبل ما فعله مع هذا الصنم كما هو ظاهر الحديث، والله أعلم.--------------------------------------------
1 سورة الأنعام آية: 162.
2 سورة الكوثر آية: 2.
3 تقدم تخريجه ص (48) رقم (2) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 72)