"الفتح "، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره بحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، فذلك ظن الذين كفروا {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} 1، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده.
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله ويستغفره من ظنه بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك: هل أنت سالم؟
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيا
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران.
الثانية: تفسير آية الفتح.
الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر.
الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.--------------------------------------------
1 سورة ص آية: 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 241)
60- باب ما جاء في منكري القدر
وقال ابن عمر: " والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر "ثم استدل بقول النبي صلي الله عليه وسلم: " الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " 1 رواه مسلم.
............................................................................................
قوله: "باب ما جاء في منكري القدر " أي من الوعيد قوله: "قال ابن عمر: والذي نفس ابن عمر بيده " حديث ابن عمر هذا أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن " يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميدي حاجين أو معتمرين فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق الله لنا عبد الله بن عمر داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليّ، فقلت: أبا عبد الرحمن إنه ظهر قبلنا أناس يقرءون القرآن، ويتقفرون العلم يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، ثم قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند رسول الله صلي الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلي الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، ثم قال يا محمد أخبرني عن الإسلام، قال: الإسلام؟ أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"قال:--------------------------------------------
1 رقم (8) في الإيمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ، وأبو داود رقم (4695) في السنة: باب في القدر ، والترمذي رقم (2613) في الإيمان: باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان ، والنسائي 8/97 في الإيمان: باب نعت الإسلام ، وابن ماجه رقم (63) : باب في الإيمان.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 242)
وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: " يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني! سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني "1.
وفي رواية لأحمد: " إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة " 2.
وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار ".
...............................................................................................
صدقت، قال فأخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال فانطلق فلبثنا مليا ثم قال: يا عمر أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: إنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم " 3.
قوله: "عن عبادة بن الصامت " حديثه هذا رواه أبو داود، ورواه الإمام أحمد بكماله. قال: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا ليث عن معاوية عن أيوب بن زياد، حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة، حدثني أبي قال: " دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، قال: أجلسوني ثم قال: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: أن تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، يا بني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار "رواه الترمذي بسنده المتصل إلى عطاء بن أبي رباح، وفي هذا الحديث بيان--------------------------------------------
1 تقدم تخريجه ص () رقم () .
2 الترمذي: تفسير القرآن (3319) ، وأحمد (5/317) .
3 مسلم: الإيمان (8) ، والترمذي: الإيمان (2610) ، والنسائي: الإيمان وشرائعه (4990) ، وأبو داود: السنة (4695) ، وابن ماجه: المقدمة (63) ، وأحمد (1/27 ،1/28 ،1/52 ،2/107) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 243)
وفي " المسند " و " السنن " عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب، فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلي الله عليه وسلم "1 حديث صحيح رواه الحاكم في " صحيحه " 2.
.......................................................................................................
شمول علم الله وإحاطته بما كان ويكون، كما في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ} 3 الآية، والآيات في إثبات القدر كثيرة، وقد استدل العلماء على ثبات القدر بشمول القدرة والعلم كما في الآية. قال الإمام أحمد: القدر قدرة الرحمن. وقال بعض الأئمة في نفاة القدر: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا.
قوله: "وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي " أبو بسر بالسين المهملة والباء المضمومة، ويقال أبو بشر بالشين المعجمة وكسر الباء، وبعضهم صحح الأول، واسمه عبد الله بن أبي فيروز، ولفظ أبي داود قال: " لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار. فأتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت، قال: فحدثني عن النبي صلي الله عليه وسلم مثل ذلك " وأخرجه ابن ماجه.--------------------------------------------
1 المسند 5/182 - 183 و 185 و 189، وأبو داود رقم (4699) في السنة: باب في القدر ، وابن ماجه رقم (77) في المقدمة: باب في القدر ، وابن حبان رقم (1817) "موارد"، وهو حديث صحيح كما قال الألباني في " صحيح ابن ماجه" رقم (62) .
2 الحذاق من المحدثين لا يطلقون لفظ الصحيح على " المستدرك" لكثرة الأحاديث الضعيفة والمنكرة الواقعة فيه ، وإنما يقولون: أخرجه الحاكم في " مستدركه.
3 سورة الطلاق آية: 12.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 244)
فيه مسائل:
الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر.
الثانية: بيان كيفية الإيمان به.
الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به.
الرابعة. الإخبار بأن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به.
الخامسة: ذكر أول ما خلق الله.
السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى قيام الساعة.
السابعة: براءته صلي الله عليه وسلم ممن لم يؤمن به.
الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء.
التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل عنه الشبهة، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم فقط.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
61- باب ما جاء في المصورين
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة "1 أخرجاه.
..............................................................................................
وهذه الأحاديث وما في معناها حجة على نفاة القدر من المعتزلة وغيرهم، ومن مذهبهم تخليد أهل المعاصي في النار، وهذا الذي اعتقدوه من أكبر الكبائر وأعظم البدع، وكثير منهم وافقوا الجهمية في نفي صفات الرب تعالى وتقدس.
قوله: "باب ما جاء في المصورين "، أي من الوعيد، وقد ذكر النبي صلي الله عليه وسلم العلة،--------------------------------------------
1 البخاري رقم (5953) في اللباس: باب نقض الصور، ورقم (7559) في التوحيد: باب قوله تعالى: (والله خلقكم وما تعملون) ، ومسلم رقم (2111) في اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة ، وأحمد في " المسند" 2/232 و 259 و 391 و 451 و 527.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 245)
و " لهما " عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله "1.
و" لهما " عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة نفس يعذب بها في جهنم " 2.
و" لهما " عنه مرفوعا: " من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ " 3.
ولمسلم عن أبي الهياج قال: " " قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني
.....................................................................................................
وهي المضاهاة بخلق الله ; لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فلا يجوز أن يشبه بشيء من خلقه سبحانه لما فيه من المضاهاة بخلق الله.
قوله: "ولمسلم عن أبي الهياج "، أبو الهياج هو الأسدي حيان بن حصين. و "علي " هو أمير المؤمنين.
قوله: " ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته ".--------------------------------------------
1 البخاري رقم (2479) في المظالم: باب هل تكسر الدنان التي فيها خمر ، ورقم (5954- و5955) في اللباس: باب ما وطئ من التصاوير ، ورقم (5961) باب من لم يدخل بيتا فيه صورة ، ومسلم رقم (2107) (91) في اللباس: باب تحريم صورة الحيوان ، و"الموطأ" 2/996 في الاستئذان: باب ما جاء في الصور والتصاوير ، والنسائي 8/213 في الزينة: باب التصاوير ، وباب ذكر أشد الناس عذابا ، وأحمد في " المسند" 6/36 و 83 و 219.
2 البخاري رقم (2225) في البيوع: باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح ، ورقم (5963) في اللباس: باب من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ وما هو بنافخ ، ورقم (7042) في التعبير: باب من كذب في حلمه ، ومسلم رقم (2110) في اللباس والزينة: باب تحريم تصوير الحيوان وأحمد في " المسند" 1/308 والنسائي 8/ 215 في الزينة: باب ذكر ما يكلف أصحاب الصور يوم القيامة.
3 البخاري رقم (5963) في اللباس: باب من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، ومسلم رقم (2110) (100) في اللباس والزينة: باب تحريم تصوير الحيوان ، والترمذي رقم (1751) في اللباس: باب ما جاء في المصورين ، وأحمد في "المسند" 1/216 و 241 و 246 من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 246)
عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته"1.
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ الشديد في المصورين.
الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله لقوله: " ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي ".
الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم، لقوله: " فليخلقوا ذرة أو شعيرة".
الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا.
الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة صورها نفسا يعذب بها في جهنم.
السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح.
السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت.
.....................................................................................................................
فهذا ما صح عن النبي صلي الله عليه وسلم من إنكار هذه الأمور وإزالتها: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} 2 فأكثروا التصوير واستعملوه وأكثروا البناء على القبور وزخرفوها وجعلوها أوثانا. وزعموه دينا وهو أعظم المنكرات وأكبر السيئات، تعظيما للأموات وغُلوا، وعبادة لغير الله بأنواع العبادة التي هي حق الله على عباده.
قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "ومن جمع بين سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم في القبور وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهم مضادا للآخر مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا".--------------------------------------------
1 مسلم رقم (969) في الجنائز: باب الأمر بتسوية القبر ، وأبو داود رقم (3218) في الجنائز: باب في تسوية القبر ، والترمذي رقم (1049) في الجنائز: باب ما جاء في تسوية القبور ، والنسائي 4/88 و 89 في الجنائز: باب تسوية القبور إذا رفعت ، وأحمد في " المسند" 1/96 و 129 من حديث علي رضي الله عنه.
2 سورة البقرة آية: 59.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 247)
62- باب ما جاء في كثرة الحلف
وقول الله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} 1.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب " 2 أخرجاه.
وعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله
......................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في كثرة الحلف "، أي من النهي عنه والوعيد.
قوله: "وقول الله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ}
قال ابن جرير: أي لا تتركوها بغير تكفير، وذكر غيره عن ابن عباس: يريد لا تحلفوا. وقال آخرون: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} عن الحنث، فلا تحنثوا. والمعنى يعم القولين.
قوله: "عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه " 3 رواه الطبراني بسند صحيح.
"أخرجاه ". أي البخاري ومسلم وخرجه أبو داود والنسائي. والمعنى أنه قد يحلف على ثمن السلعة بزيادة على ما اشتريت به أو سميت به، فيأخذها المشتري لظنه أنه صدق. وهذا وإن كان فيه زيادة فهو يمحق البركة، كما جاء في الحديث، والواقع يشهد بصحته، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وإن تزخرفت الدنيا للعاصي فعاقبتها اضمحلال وذهاب.
قوله: "وعن سلمان " وسلمان لعله سلمان الفارسي أبو عبد الله، أسلم مقدم--------------------------------------------
1 سورة المائدة آية: 89.
2 البخاري رقم (2087) في البيوع: باب يمحق الله الربا ويربي الصدقات ، ومسلم رقم (1606) في المساقاة: باب النهي عن الحلف في البيع ، وأبو داود رقم (3335) في البيوع والإجارات: باب كراهية اليمين في البيع، والنسائي 7/ 246 في البيوع: باب المنقق سلعته بالحلف الكاذب. قوله: "للكسب" في البخاري: "للبركة"، وفي مسلم: "للربح". قوله: " منفقة للسلعة": أي سبب لنفاق المتاع ورواجها في ظن الحالف. قوله: " ممحقة للربح" أي سبب لمحق البركة وذهابها ، إما بتلف يلحقه في ماله ، أو بإنفاقه في غير ما يعود نفعه إليه في العاجل ، أو ثوابه في الآجل.
3 رواه الطبراني في "الكبير" والبيهقي في "شعب الإيمان" من حديث سلمان رضي الله عنه، وهو حديث صحيح ، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 4/78، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة ورجاله رجال الصحيح. انظر" صحيح الجامع" رقم (3067) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 248)
بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه "3 رواه الطبراني بسند صحيح.
............................................................................................................
النبي صلي الله عليه وسلم المدينة وشهد الخندق، روى عنه أبو عثمان النهدي وشرحبيل بن السمط وغيرهما، قال النبي صلي الله عليه وسلم " سلمان منا أهل البيت "1. "إن الله يحب من أصحابي أربعة: عليا وأبا ذر وسلمان والمقداد "2 أخرجه الترمذي. توفي سلمان في خلافة عثمان، ويحتمل أنه سلمان بن عامر بن أوس الضبي.
قوله: " لا يكلمهم الله " هذا وعيد شديد في حقهم؛ لأنه قد تواتر أنه يكلم أهل الإيمان ويكلمونه في عرصات القيامة، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة أظهر شيء وأبينه، وفيه الرد على الجهمية والأشاعرة نفاة الكلام.
قوله: {وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} 3 وهذا من تمام العقوبة عليهم وفي هذا الوعيد الشديد ما يزجر من له عقل عن هذه الأعمال السيئة ونحوها.
قوله: " أشيمط زان " صغره تحقيرا له وذلك لأن داعي المعصية ضعف حقه، فدل على أن الحامل له على الزنا محبته المعصية والفجور وعدم خشيته لله، وكذلك العائل المستكبر ليس له ما يحمله على الكبر، فدل على أنه خلق له فعظمت العقوبة في حقه لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي.
قوله: " ورجل جعل الله بضاعته "بنصب الاسم الشريف يعني اليمين بالله عز وجل جعله بضاعة له لكثرة استعماله.--------------------------------------------
1 رواه الطبراني في " الكبير"، والحاكم 3/598 من طريق ابن أبي فديك عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده ، وقال الذهبي: سنده ضعيف. وقال الألباني في " ضعيف الجامع": رقم (3272) : ضعيف جدا.
2 الترمذي رقم (3720) في المناقب: باب مناقب علي وقال: هذا حديث حسن غريب ، وأحمد 5/351، وابن ماجه (149) في المقدمة: باب فضل سلمان وأبي ذر ، وصححه الحاكم 3/130 وقال: صحيح على شرط مسلم ، وتعقبه الذهبي فقال: ما خرج مسلم لأبي ربيعة. فالحديث ضعيف.
3 سورة البقرة آية: 174.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 249)
وفي " الصحيح " عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ - ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن "1.
.........................................................................................................
قوله: "وفي الصحيح " أي صحيح مسلم وخرجه أبو داود والترمذي ورواه البخاري بلفظ "خيركم".
قوله: " خير أمتي قرني "لكثرة الخير فيهم وقلة الشر، وشدة الإنكار على من خالف الحق وابتدع كالخوارج والقدرية والجهمية ونحوهم " ثم الذين يلونهم " فُضِّلوا على من بعدهم لظهور الإسلام فيهم وكثرة العلم والعلماء، وأما القرن الثالث فظهرت فيهم البدع لكن أنكرها العلماء، وتصدى كثير منهم لإنكارها والرد على من قالها وهم كثيرون.
قوله: "فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا " هذا شك من راوي الحديث عمران بن حصين، ثم ذكر ما وقع بعد الثلاثة من الجفاء في الدين وكثرة الأهواء فقال: " ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون "لاستخفافهم بأمر الشهادة، وعدم تحريهم الصدق وكذلك لقلة دينهم وضعف إسلامهم.
قوله: "ويخونون ولا يؤتمنون " يدل على أن الخيانة قد غلبت على كثير منهم أو--------------------------------------------
1 البخاري رقم (2651) في الشهادات: باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد ، ورقم (3650) في فضائل أصحاب النبي: باب فضائل أصحاب النبي ، ورقم (6428) في الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ، ورقم (6695) في الأيمان والنذور: باب إثم من لا يفي بالنذر، ومسلم رقم (2535) في فضائل الصحابة: باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، والترمذي رقم (2222) في الفتن: باب ما جاء في القرن الثالث ، ورقم (2303) في الشهادات: باب خير القرون ، وأبو داود رقم (4657) في السنة: باب فضل أصحاب رسول الله ، والنسائي 7/17 و 18 في الأيمان والنذور: باب الوفاء بالنذر ، وأحمد في " المسند" 4/426 و 427 و 436 و 440 من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه. وفي الباب عن ابن مسعود وعمر بن الخطاب والنعمان بن بشير وبريدة الأسلمي رضي الله عنهم.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 250)
"وفيه" عن ابن مسعود أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته "1.
.......................................................................................................
أكثرهم. " وينذرون ولا يوفون " أي لا يؤدون ما وجب عليهم، فظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف إسلامهم وعدم إيمانهم.
قوله: " ويظهر فيهم السمن " لرغبتهم في الدنيا وشهواتها، وقلة الإيمان باليوم الآخر، وفي حديث أنس: " لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم "2 قال أنس: سمعته من نبيكم صلي الله عليه وسلم، فما زال الشر يزيد في الأمة حتى ظهر فيهم الشرك والبدع في كثير منهم، حتى فيمن انتسب إلى العلم ويتصدر للتعليم والتصنيف، فحدث التفرق والاختلاف في الدين، وحدث الغلو في أهل البيت من بني بويه في المشرق لما كان لهم دولة، وبنوا المساجد على القبور وغلوا في أربابها، وظهرت دولة القرامطة، وظهر فيهم الكفر والإلحاد في شرائع الدين، ومذهبهم معروف، وظهر فيهم من البدع ما يطول عَدُّه، وكثر الاختلاف والخوض في أصول الدين، وما زال أهل السنة على الحق، ولكن كثرت البدع والأهواء حتى عاد المعروف منكرا والمنكر معروفا، نشأ على هذا الصغير وهرم عليه الكبير.
قوله: "وفيه عن ابن مسعود أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم " الحديث. في هذا الحديث أن خير القرون ثلاثة من غير شك.
قوله: "ثم يجيء قوم " إلخ. وذلك لضعف الإيمان والرغبة في الدنيا، وأخذها بالقلوب وكثرة المعاصي والذنوب.--------------------------------------------
1 البخاري رقم (2652) في الشهادات: باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد ، ورقم (3651) في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رقم (6429) في الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ورقم (6658) في الأيمان والنذور: باب إذا قال: أشهد بالله أو شهدت بالله ، ومسلم رقم (2533) في فضائل الصحابة: باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ، والترمذي رقم (3858) في المناقب: باب ماجاء في فضل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم.
2 البخاري رقم (7068) في الفتن: باب لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه ، والترمذي رقم (2207) في الفتن: باب رقم (35) ، وأحمد في المسند3/132 و 177.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 251)
قال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.
فيه مسائل:
الأولى: الوصية بحفظ الأيمان.
الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة.
الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه.
الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي.
الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون.
السادسة: ثناؤه صلي الله عليه وسلم على القرون الثلاثة، أو الأربعة، وذكر ما يحدث بعدهم.
السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون.
الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
63- باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه صلي الله عليه وسلم
وقول الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} 1 الآية.
........................................................................................................
قوله: "وقال إبراهيم: " كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار " هكذا حال السلف الصالح محافظة منهم على الدين الذي أكرمهم الله به، فلا يتركون شيئا مما يكره إلا أنكروه، وفيه تمرين الصغار على دينهم بالتعليم.
قوله: "باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه وقول الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} الآية ". قال العماد ابن كثير: وهذا مما يأمر الله تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان، ولهذا قال: {وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} .
قوله: {وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان الواردة على حث أو منع.--------------------------------------------
1 سورة النحل آية: 91.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 252)
عن بريدة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، فقال: " اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن
.........................................................................................................
قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} 1 تهديد ووعيد.
قوله: عن "بريدة" هو ابن الحصيب الأسلمي، وهذا الحديث من رواية ابنه سلمان عنه.
قوله: " " كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله تعالى " فيه من الفقه تأمير الأمراء ووصيتهم. قال الحربي: السرية: الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها، والجيش: ما كان أكثر من ذلك. وتقوى الله: التحرز من عقوبته بطاعته.
قوله: "ومن معه من المسلمين خيرا " أي ووصاه بمن معه أن يفعل معهم خيرا من الرفق بهم والإحسان إليهم وخفض الجناح لهم وترك التعاظم عليهم.
قوله: " اغزوا باسم الله " أي اشرعوا في الغزو مستعينين بالله مخلصين له، فتكون الباء في بسم الله للاستعانة بالله والتوكل عليه هنا.
قوله: " قاتلوا من كفر بالله " هذا العموم يشمل جميع أهل الكفر المحاربين من أهل الكتاب وغيرهم، واستثنى منهم من له عهد، وكذلك الذراري والأولاد والنساء والرهبان فلا يقتلون.
قوله: " ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا "الغلول: الأخذ من الغنيمة من غير قسمتها. قال تعالى: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} 2 والغدر: نقض العهد. والتمثيل هنا: التشويه بالقتل، كقطع أنفه وأذنه والعبث به.
قوله: " وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - "الرواية بأو التي هي للشك والمعنى واحد.
قوله: " فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم " منصوب بأجابوا.--------------------------------------------
1 سورة النحل آية: 91.
2 سورة آل عمران آية: 161.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 253)
أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها أخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه،
........................................................................................................
قوله: " ثم ادعهم إلى الإسلام" كذا وقعت الرواية في جميع نسخ كتاب مسلم ثم ادعهم بزيادة ثم.
قوله: " ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين "يعني المدينة إذ ذاك، وهذا يدل على أن الهجرة واجبة على كل من آمن وهو في بلد الشرك، وكذلك إذا ظهرت المعاصي في بلدة، نص عليه الفقهاء في كتبهم. قوله: "فإن هم أبوا أن يتحولوا منها" يعني أن من أسلم ولم يجاهد ولم يهاجر من البداوة لم يعط من الخمس ولا من الفيء شيء.
قوله: " فإن هم أبوا فاسألهم الجزية " فيه حجة لمالك وأصحابه والأوزاعي في أخذ الجزية من كل كافر عربيا كان أو غيره، كتابيا كان أو غيره. وقد اختلف في القدر المفروض من الجزية، فقال مالك: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الوَرِق، وقال الشافعي: دينار على الغني والفقير، وقال أبو حنيفة: على الغني ثمانية وأربعون درهما، والوسط أربعة وعشرون درهما، والفقير اثنا عشر درهما، وهو قول أحمد بن حنبل، وعند مالك وكافة العلماء على الرجال الأحرار البالغين دون غيرهم، وإنما تؤخذ ممن كان تحت قهر المسلمين لا ممن نأى بداره، ويجب تحويل النائي إلى بلاد المسلمين أو حربهم.
قوله: " وإذا حاصرت أهل حصن " إلى آخره. فيه حجة لمن يقول من الفقهاء وأهل الأصول: إن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد، وهو المعروف من مذهب مالك وغيره.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 254)
فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ " 1 رواه مسلم.2.
فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه صلي الله عليه وسلم وذمة المسلمين.
الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا.
الثالثة: قوله: " اغزوا بسم الله في سبيل الله ".
الرابعة: قوله: "قاتلوا من كفر بالله".
الخامسة: قوله: "استعن بالله" وحكم العلماء.
السابعة: كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا.
...........................................................................................................
قوله: " وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه " الذمة: العهد، وتخفر: تنقض، يقال: أخفرت الرجل: نقضت عهده، وخفرته: أجرته؛ لأنه لا يؤمن على من أعطى ذمة أن يخفرها، فخفر ذمته أهون من أن يخفر ذمة الله تعالى.--------------------------------------------
1 مسلم: الجهاد والسير (1731) ، والترمذي: الديات (1408) والسير (1617) ، وأبو داود: الجهاد (2612 ،2613) ، وابن ماجه: الجهاد (2858) ، وأحمد (5/352 ،5/358) ، والدارمي: السير (2439) .
2 رقم (1731) في الجهاد باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، وأبو داود رقم (2612) و (2613) في الجهاد باب في دعاء المشركين ، والترمذي رقم (1617) في السير. باب ما جاء في وصيته صلى الله عليه وسلم في القتال ، ورقم (1408) في الديات: باب ما جاء في النهي عن المثلة، والدارمي رقم (2447) في السير: باب في الدعوة الى الإسلام قبل القتال ، وابن ماجه رقم (4858) في الجهاد. باب وصية الإمام ، وأحمد في " المسند " 5/ 352 و 358.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 255)
64- باب ما جاء في الإقسام على الله
عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: ومن ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك "رواه مسلم 1.
وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.
...........................................................................................................
قوله: "باب ما جاء في الإقسام على الله "، ذكر المصنف فيه حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال رسول الله صلي الله عليه وسلم الحديث.
قوله: " يتألى " أي يحلف، والألية بالتشديد: الحلف، وصح من حديث أبي هريرة. ورواه أبو داود عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: " كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة. فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما أو على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار "2.
قوله: "وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد " يشير إلى قوله في هذا الحديث: "إن أحدهما مجتهد في العبادة"، وفيه معنى قوله صلي الله عليه وسلم " إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه "3.--------------------------------------------
1 رقم (2621) في البر والصلة والآداب باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمة الله تعالى.
2 أحمد في المسند 2/323 و 363 ، وأبو داود رقم (4901) في الأدب: باب في النهي عن البغي وإسناده حسن.
3 الترمذي رقم (2320) في الزهد: باب في قلة الكلام، والموطأ 2/985 في الكلام: باب ما يؤمر به من التحفظ في الكلام ، وأحمد في " المسند" 3/469 ، وابن ماجه رقم (3969) في الفتن: باب كف اللسان من الفتنة ، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ، وهو كما قال. انظر: " الأحاديث الصحيحة " رقم (888) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 256)
فيه مسائل:
الأولى: التحذير من التألي على الله.
الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الثالثة: أن الجنة مثل ذلك.
الرابعة: فيه شاهد لقوله ": إن الرجل ليتكلم بالكلمة" إلخ.
الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)
65- باب لا يستشفع بالله على خلقه
عن جبير بن مطعم قال: " جاء أعرابي إلى النبي صلي الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: سبحان الله سبحان الله! فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله
...........................................................................................................
قوله: "باب لا يستشفع بالله على خلقه ".
وذكر الحديث، وسياق أبي داود أتم مما ذكره المصنف ولفظه: عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: " أتى النبي صلي الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس وضاع العيال ونهكت الأموال، فاستسق لنا، فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك، فقال النبي صلي الله عليه وسلم ويحك أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله صلي الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما الله؟ إن عرشه على سماواته كهكذا، وقال بإصبعه مثل القبة، وإنه لئط به أطيط الرحل بالراكب "قال ابن يسار في حديثه: " الله فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته ".
قوله: "ويحك كلمة تقال للزجر ".
قوله: " أتدري ما الله " فيه إشارة إلى قلة علمه بعظمة الله وجلاله.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 257)