51- باب "دعاء الله بأسمائه الحسنى وترك من عارض من الجاهلين الملحدين"
قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} 1.
......................................................................................................
قوله: " باب قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} " الآية.
أراد - رحمه الله تعالى - بهذه الترجمة الرد على من يتوسل بذوات الأموات، وأن المشروع هو التوسل بالأسماء والصفات والأعمال الصالحة، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر "2 أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان.
وأخرجه الجرجاني عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن شعيب بسنده مثله وزاد بعد قوله يحب الوتر: " هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواحد، الأحد، الماجد، الفرد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرءوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المعطي، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور " 3.--------------------------------------------
1 سورة الأعراف آية: 180.
2 البخاري رقم (6410) في الدعوات: باب لله عز وجل مائة اسم غير واحد ، ومسلم رقم (2677) في الذكر والدعاء: باب في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها.
3 الترمذي رقم (3502) ، وابن ماجه رقم (3861) من رواية الأعرج عن أبي هريرة مرفوعا ، وسنده ضعيف، قال الحافظ ابن كثير في " التقسير": "والذي عول عليه جماعة من الحفاط أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه ، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك ، أي أنهم جمعوها من القرآن ، كما روى جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبو زيد اللغوي والله أعلم". انظر " جامع الأصول رقم (2145) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 225)
ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس {يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} : يشركون. وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز. وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها.
......................................................................................................
ثم قال الترمذي ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء الحسنى إلا في هذا الحديث، والذي عند بعض الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج، هذا ما ذكره العماد ابن كثير في تفسيره ثم قال: ليعلم أن الأسماء ليست منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: " ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري، وذهاب حزني وجلاء همي وغمي، إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحا، فقيل: يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها " 1 2، وقد أخرجه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه. وقال قتادة في قوله تعالى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} قال: يشركون. وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: " الإلحاد: التكذيب ".
قلت: والشرك تكذيب من المشرك لما أنزله الله في كتابه وبعث به رسوله كما جرى من قريش وغيرهم مع النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه، وكما جرى من المشركين من هذه الأمة فلم يأخذوا بالآيات المحكمات في تحريم الشرك والنهي عنه، بل كذبوا بالصدق واعتمدوا على الكذب على الله وعلى كتابه ورسوله.--------------------------------------------
1 أحمد (1/452) .
2 أحمد في المسند 1/391 و 452، وصححه ابن حبان رقم (2372) " موارد" وقال الحاكم 1/509: "حديث صحيح على شرط مسلم ، إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه فإنه مختلف في سماعه من ابيه" اهـ. وقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة. فالحديث صحيح كما قال الألباني في " الأحاديث الصحيحة" رقم (199) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 226)
وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول من القصد والميل. قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -:
وحقيقة الإلحاد فيها الميل بالإش … راك والتعطيل والنكران
وأسماء الرب تعالى كلها أسماء وأوصاف دلت على كماله جل وعلا، والذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة متقدمهم ومتأخرهم إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلي الله عليه وسلم على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} 1، وأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى حذوه، فكما أنه يجب العلم بأن لله ذاتا حقيقة لا تشبه شيئا من ذوات المخلوقين، فله صفات حقيقة لا تشبه شيئا من صفات المخلوقين، فمن جحد شيئا مما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله، أو تأوله على غير ما ظهر من معناه فهو جهمي قد اتبع غير سبيل المؤمنين.. قال العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فائدة جليلة ما يجري صفة أو خبرا على الرب تعالى أقسام:
أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات كقولك: ذات وموجود.
الثاني: ما يرجع إلى صفات منعوتة كالعليم والقدير والسميع والبصير.
الثالث: ما يرجع إلى أفعاله كالخالق والرازق.
الرابع: التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتا إذ لا كمال في العدم المحض، كالقدوس السلام.
الخامس: ولم يذكره أكثر الناس وهو الاسم الدال على جملة أوصاف عديدة لا يختص بصفة معينة، بل دال على معان نحو المجيد العظيم الصمد، فإن المجيد من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال ولفظه يدل على هذا، فإنه موضوع للسعة والكثرة والزيادة، فمنه استمجد المرخ والعقار، وأمجد الناقة: علفها. ومنه {ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ} 2 صفة للعرش لسعته وعظمته وشرفه، وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمنا صلي الله عليه وسلم؛ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك--------------------------------------------
1 سورة الشورى آية: 11.
2 سورة البروج آية: 15.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 227)
فيه مسائل:
الأولى: إثبات الأسماء.
الثانية: كونها حسنى.
الثالثة: الأمر بدعائه بها.
الرابعة: ترك من عارض من الجاهلين الملحدين.
الخامس:. تفسير الإلحاد فيها.
السادسة: وعيد من ألحد.
......................................................................................................
أنت الغفور الرحيم فهو راجع إلى التوسل بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه، ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي: " ألظوا بياذا الجلال والإكرام "1 ومنه: " اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام "2، فهذا سؤال له وتوسل إليه بأسمائه وصفاته فما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعا عند المسئول، وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد.
السادس: صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو الغني الحميد، الغفور القدير، الحميد المجيد. وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن؛ فإن الغنى صفة كمال والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غنائه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما، وكذلك الغفور القدير، والحميد المجيد، والعزيز الحكيم فتأمله فإنه من أشرف المعارف.--------------------------------------------
1 روي من حديث ربيعة بن عامر اخرجه أحمد 4/177، ورواه أيضا البخاري في "الكبير" 2/1/226، والحاكم 1/498 – 499، وقال: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وروي من حديث أنس – رضي الله عنه: أخرجه الترمذي رقم (3533) في الدعوات: باب رقم (92) وهو حدجيث صحيح كما قال الألباني في " الأحاديث الصحيحة" رقم (1536) .
2 تقدم تخريجه ص (45) رقم (1) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 228)
52- باب لا يقال السلام على الله
في " الصحيح " عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " كنا إذا كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام " 1.
......................................................................................................
باب لا يقال السلام على الله
"في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: " كنا إذا كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده " الحديث.
هذا الحديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم عن ابن مسعود، وفي هذا الحديث النهي عن ذلك، وقد " كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا انصرف من الصلاة المكتوبة استغفر ثلاثا وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام "2 وفي الحديث أن هذا هو تحية أهل الجنة لربهم تبارك وتعالى.3--------------------------------------------
1 البخاري رقم (835) في الأدان باب ما يتخير من الدعاء بعد التشهد وليس بواجب ، ومسلم رقم (402) (58) في الصلاة: باب التشهد في الصلاة ، وأبو داود رقم (968) في الصلاة: باب التشهد ، وابن ماجه رقم (899) في إقامة الصلاة: باب ما جاء في التشهد. وتتمة الحديث في البخاري: " … ولكن قولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنكم إذا قلتم أصاب كل عبد في السماء - أو بين السماء والأرض- أشهدأن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدأ عبده ورسوله ، ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو".
2 مسلم رقم (591) في المساجد: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته ، وأبو داود رقم (1513) في الصلاة: باب مايقول الرجل إذا سلم، والترمذي رقم (300) فيه: باب ما يقول إذا سلم من الصلاة ، والنسائي 3/68 في السهو: باب الاستغفار بعد التسليم ، وفي عمل اليوم والليلة رقم (139) ، وابن ماجه رقم (928) في إقامة الصلاة: باب ما يقال بعد التسليم ، والدارمي رقم (1355) في الصلاة: باب القول بعد السلام ، وأحمد في " المسند" 5/275 و 279 من حديث ثوبان رضي الله عنه، ورواه مسلم (592) ، وأبو داود (1512) ، والترمذي (298) ، والنسائي 3/ 69 ، وابن ماجه رقم (924) ، والدارمي (1354) ، وأحمد 6/62 184 و 235 من حديث عائشة رضي الله عنها.
3 روى البخاري رقم (3326) في الأنبياء: باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته ورقم (6227) في الاستئذان: باب بدء السلام ومسلم رقم (2841) في الجنة: باب يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير ، وأحمد 2/ 315 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: "لما خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ، قال: اذهب فسلم على أولئك ، لنفر من الملائكة جلوس ، فاستمع إلى ما يحيونك ، فإنها تحيتك وتحية ذريتك ، فقال: السلام عليكم ، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه: ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم ، قال: فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن".
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 229)
فيه مسائل:
الأولى: تفسير السلام.
الثانية: أنه تحية.
الثالثة: أنها لا تصلح لله.
الرابعة: العلة في ذلك.
الخامسة: تعليمهم التحية التي تصلح لله.
......................................................................................................
قوله: " فإن الله هو السلام " أي هو تعالى سالم من كل نقص ومن كل تمثيل فهو الموصوف بكل كمال، المنزه عن كل عيب ونقص.
قال في "البدائع": السلام اسم مصدر، وهو من ألفاظ الدعاء يتضمن الإنشاء والإخبار، فجهة الخبرية فيه لا تناقض الجهة الإنشائية، وهو معنى السلام المطلوب عند التحية، وفيه قولان مشهوران:
"الأول " أن السلام هنا هو الله عز وجل، ومعنى السلام: نزلت بركته عليكم ونحو هذا، فاختير في هذا المعنى من أسمائه عز وجل اسم السلام دون غيره من الأسماء.
"الثاني " أن السلام مصدر بمعنى السلامة وهو المطلوب المدعو به عند التحية، ومن حجة أصحاب هذا القول أنه يأتي منكرا فيقول المسلم: سلام عليكم، ولو كان اسما من أسماء الله لم يستعمل كذا. ومن حجتهم أنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى، وإنما المقصود منه الإيذان بالسلامة خبرا أو دعاء.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 230)
53- باب قول: اللهم اغفر لي إن شئت
في " الصحيح " عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يقل
...........................................................................................................
قال - رحمه الله تعالى -: وفصل الخطاب أن يقال الحق في مجموع القولين، فكل منهما معه بعض الحق والصواب في مجموعهما، وإنما يتبين ذلك بقاعدة وهي أن حق من دعا الله بأسمائه الحسنى أن يتوسل في كل مطلب، ويسأل بالاسم المقتضي لذلك المطلوب المناسب لحصوله حتى إن الداعي متشفع إلى الله تعالى متوسل به إليه، فإذا قال: رب اغفر لي وتب عليّ إنك التواب الغفور، فقد سأله بأمرين وتوسل إليه باسمين من أسمائه مقتضيين لحصول مطلوبه، فالمقام لما كان مقام طلب السلامة التي هي أهم عند الرجل أتى في لفظها بصيغة اسم من أسماء الله وهو السلام الذي تطلب منه السلامة، وهو مقصود المسلم، فقد تضمن سلام عليكم اسما من أسماء الله تعالى وطلب السلامة منه، فتأمل هذه الفائدة.
وحقيقته البراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب، وعلى هذا المعنى تدور تصاريفه، فمن ذلك قولك: سلمك الله، ومن دعاء المؤمنين على الصراط: اللهم سلم سلم. ومنه سلم الشيء لفلان أي خلص له وحده كما قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ} 1 أي خالصا له وحده لا يملكه معه غيره، ومنه السلم ضد الحرب؛ لأن كل واحد من المتحاربين يخلص ويسلم من أذى الآخر، ولهذا بني فيه على المفاعلة فيقال المسالمة مثل المشاركة، ومنه القلب السليم وهو النقي من الدغل والعيب، وحقيقته الذي قد سلم الله وحده فخلص من دغل الشرك وغله ودغل الذنوب والمخالفات، بل هو المستقيم على صدق حبه وحسن معاملته، وهذا هو الذي ضمن له النجاة من عذابه والفوز بكرامته، ومنه أخذ الإسلام فإنه من هذه المادة؛ لأنه الاستسلام والانقياد له والتخلص من شوائب الشرك، فسلم لربه وخلص له كالعبد الذي سلم لمولاه ليس له فيه شركاء متشاكسون، ولهذا ضرب سبحانه هذين المثلين للمسلم الخالص لربه، وللمشرك به.
باب قول اللهم اغفر لي إن شئت
قوله: " لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت "الحديث، بخلاف العبد فإنه قد يعطي السائل مسألته لحاجته إليه أو لخوفه أو رجائه فيعطيه مسألته وهو كاره، فاللائق--------------------------------------------
1 سورة الزمر آية: 29.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 231)
54- باب لا يقول: عبدي وأمتي
في " الصحيح " عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يقل أحدكم: أطعم ربك، وَضِّئْ ربك، وليقل: سيدي ومولاي ولا يقل: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي، وغلامي " 1 2
................................................................................................
قوله: "ولمسلم: " وليعظم الرغبة " في سؤاله ربه حاجته فإنه يعطي العظائم كرما وجودا وإحسانا " فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه " أي ليس ما أعطى عبده مما سأله عظيم عنده لكمال فضله وجوده، وقد قال بعض الشعراء في مخلوق يمدحه:
وتعظم في عين الصغير صغارها … وتصغر في عين العظيم العظائم
والله تعالى أحق بكل مدحة وثناء.
باب لا يقول: عبدي وأمتي
في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا يقل أحدكم أطعم ربك "الحديث، هذه الألفاظ المنهي عنها وإن كانت تطلق لغة، فالنبي صلي الله عليه وسلم نهى عنها تحقيقا للتوحيد وسدا لذرائع الشرك؛ لما فيها من التشريك في اللفظ؛ لأن الله هو رب العباد جميعهم، فإذا أطلق على غيره ما يطلق عليه تعالى وقع الشبه في اللفظ، فينبغي أن يجتنب هذا اللفظ في حق المخلوق من ذلك، فأرشدهم صلي الله عليه وسلم إلى ما يقوم مقام هذا اللفظ وهو قوله: سيدي ومولاي، وكذلك قوله: " لا يقل أحدكم عبدي وأمتي "؛ لأن العبيد عبيد الله، والإماء إماء الله. قال تعالى: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً} 3 الآية.--------------------------------------------
1 البخاري: العتق (2552) ، ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (2249) ، وأحمد (2/316) .
2 رواه البخاري رقم (2552) في العتق: باب كراهية التطاول على الرقيق وقوله: عبدي أو أمتي، ومسلم رقم (2249) في الألفاظ من الأدب ، وأبو داود رقم (4975- 4976) في الأدب: باب لا يقول المملوك: ربي وربتي ، والنسائي في عمل اليوم والليلة رقم (241- 243) ، وعنه ابن السني رقم (390) ، وأحمد في " المسند" 2/316.
3 سورة مريم آية: 93.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 233)
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي.
الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك.
الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي وفتاتي وغلامي.
الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي.
الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
55- باب لا يرد من سأل بالله
عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن
......................................................................................................
باب لا يرد من سأل بالله
ظاهر الحديث النهي عن رد السائل إذا سأل بالله، ويحتمل أن يكون المراد فيما لا مشقة على المسئول ولا ضرر، فيكون من باب مكارم الأخلاق ومعالي الشيم، وربما كان السائل محتاجا أو مضطرا فيجب أن يعطى ما سأله ويأثم المسئول في منعه، فيؤخذ من ماله أضعاف ما منع على وجه يكرهه، فباعتبار هذه الأمور ينبغي لمن أعطاه الله نعمة أن يؤدي حق الله فيها، ويعطي من سأله من فضول نعمة الله عليه خصوصا إذا سأل بالله تعالى فيكون إعطاؤه تعظيما لمن سأل به وهو الله تعالى.
قوله: " من استعاذ بالله فأعيذوه "تعظيما لله تعالى وتقربا إليه بذلك.
قوله: " ومن دعاكم فأجيبوه "هذا من حقوق المسلم على المسلم ومن أسباب الألفة وسلامة الصدر وإكرام الداعي.
قوله: " ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه "أي ينبغي المكافأة على المعروف وهو من مكارم الأخلاق، وفيه السلامة من البخل وما يذم به.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 234)
لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه " 1 رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
فيه مسائل:
الأولى: إعاذة من استعاذ بالله.
الثانية: إعطاء من سأل بالله.
الثالثة: إجابة الدعوة.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه.
السادسة: قوله: " حتى تروا أنكم قد كافأتموه ".--------------------------------------------
1 النسائي: الزكاة (2567) ، وأبو داود: الأدب (5109) ، وأحمد (2/68) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
56- باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
عن جابر قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة "1 رواه أبو داود.
..................................................................................................................
قوله: " فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له "فيه أن الدعاء يقوم مقام المكافأة في حق من لم يجد ما يكافئ به.
قوله: "حتى تُرُوا " بضم التاء أي تظنوا، وفي رواية أبي نهيك عن ابن عباس: " من سألكم بوجه الله فأعطوه "2.
باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
ذكر فيه حديث جابر رواه أبو داود قال: "قال رسول الله صلي الله عليه وسلم " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ".--------------------------------------------
1 أبو داود: الزكاة (1671) : باب كراهية المسألة بوجه الله عز وجل. وإسناده ضعيف. انظر: "تخريج المشكاة" للألباني رقم (1944) .
2 أبو داود: الأدب (5108) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 235)
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
الثانية: إثبات صفة الوجه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
باب ما جاء في "لو"
…
57- باب ما جاء في اللو
وقول الله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} 1.
....................................................................................................
وهنا سؤال، وهو أنه قد ورد في دعاء النبي صلي الله عليه وسلم عند منصرفه من الطائف حين كذبته ثقيف دعا بالدعاء المأثور: " اللهم أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك العقبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله " 2. والحديث المروي في الأذكار: " اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد "3 وفي آخره: " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السماوات والأرض "ونحوه في الأحاديث المرفوعة، فيحتمل أن هذا فيما يكرهه العبد لا فيما يحبه ويتمناه، ويحتمل غير هذا، والله أعلم.
باب في ما جاء في اللو
أي من الوعيد والنهي عنه عند الأمور المكروهة كالمصائب إذا جرى بها القدر ونحوها.
وقول الله تعالى: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} 4 قاله بعض--------------------------------------------
1 سورة آل عمران آية: 154.
2 رواه ابن هشام في "السيرة " 1/ 420، وابن جرير في " تفسيره" 1/80 بغير سند ، قال الزرقاني في " شرح المواهب اللدنية" 1/ 305: أورده ابن إسحاق في " السيرة" ، ورواه الطبراني في كتاب " الدعاء" من حديث عبد الله بن جعفر ، وقال: وهذا مرسل صحابي؛ لأنه ولد بالحبشة فلم يدرك ما حدث به. وقال الهيثمي في "المجمع" 6/35: وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ، وبقية رجاله ثقات.
3 البخاري: اللباس (5789) ، ومسلم: اللباس والزينة (2088) ، وأحمد (2/267 ،2/390 ،2/413 ،2/456 ،2/467 ،2/493) .
4 سورة آل عمران آية: 154.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 236)
وقوله: {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} 1 الآية.
في " الصحيح " عن أبي هريرة أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجزن، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان " 2.
................................................................................................
المنافقين يوم أحد لخوفهم وجزعهم وخورهم. قال ابن إسحاق: فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: " لقد رأيتني مع رسول الله صلي الله عليه وسلم حين اشتد علينا الخوف أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في صدره قال: فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله عز وجل: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} لقول معتب "رواه ابن أبي حاتم، وقال مجاهد عن جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، يعني أنه هو الذي قال ذلك.
قوله: "في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز " " الحديث، اختصر المصنف هذا الحديث وتمامه: " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير "إلى آخره.
قوله: " احرص على ما ينفعك "أي في دنياك وأخراك، وخص ما ينفع دون ما ليس كذلك مما فيه ضرر أو عدم نفع، وذلك لا يخرج عن الواجب والمستحب والمباح إذا كان نافعا.
قوله: " واستعن بالله "؛ لأنه لا يحصل له ذلك إلا إذا كان مستعينا بالله. قوله: "ولا تعجز " نهاه عن العجز؛ لأنه مما يذم به عقلا وشرعا، فما أكثر ذلك في الناس، فكم فوت الإنسان على نفسه من الخير وهو يقدر عليه إذا رغب فيه واستعان بالله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قوله:--------------------------------------------
1 سورة آل عمران آية: 168.
2 رواه مسلم رقم (2664) في القدر: باب في الأمر بالقوة وترك العجز ، والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله عز وجل ، وأحمد في " المسند " 2/ 366 و 370 ، وابن ماجه رقم (79) و (4618) قوله: "احرص على ما ينفعك " معناه احرص على طاعة الله تعالى والرغبة فيما عنده ، واطلب الإعانة من الله على ذلك ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة ولا عن طلب الإعانة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 237)
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران.
الثانية: النهي الصريح عن قول: لو، إذا أصابك شيء.
الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.
الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.
الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله.
السادسة: النهي عن ضد ذلك وهو العجز.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
58- باب النهي عن سب الريح
عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: " لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح،
....................................................................................................
"وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله "1 لأن ما قدر يكون، فيجب الإيمان بالقدر والتسليم، وأرشده إلى أن يقول: "قدر الله" أي هذا قدر الله، والمبتدأ محذوف وتقديره "هذا قدر الله وما شاء فعل "؛ لأن أفعاله تعالى إنما تصدر عن حكمة وعلم وفضل وعدل {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} 2 قوله: " فإن لو تفتح عمل الشيطان "أي لما فيها من التأسف على ما فات والحزن فيأثم في ذلك وذلك من عمل الشيطان.
باب النهي عن سب الريح
عن أبي بن كعب أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا الريح " الحديث. لأن الريح خلق من خلق الله مدبر، وإنما تهب بمشيئة الله وقدرته، فيرجع السب إلى من خلقها وسخرها، وأرشد النبي صلي الله عليه وسلم أمته إلى أن يقولوا ما ذكر في الحديث، وهو سؤاله تعالى خيرها وخير ما فيها والاستعاذة به من شرها وشر ما فيها، وقد شرع الله لعباده أن يسألوه ما ينفعهم ويستعيذوا به من شر ما يضرهم، وأن يكون ذلك منهم عبودية لله وحده وطاعة له وإيمانا به، وهذه حال أهل التوحيد والإيمان خلافا لحال أهل الشرك والبدع.--------------------------------------------
1 مسلم: القدر (2664) ، وابن ماجه: المقدمة (79) ، وأحمد (2/366 ،2/370) .
2 سورة الكهف آية: 49.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 238)
وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به " 1 2 صححه الترمذي.
فيه مسائل:
الأول:. النهي عن سب الريح.
الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره.
الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة.
الرابعة: أنه قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر.--------------------------------------------
1 الترمذي: الفتن (2252) ، وأحمد (5/123) .
2 الترمذي رقم (2253) فى الفتن: باب ما جاء في النهي عن سب الريح ، والبخاري في " الأدب المفرد " رقم (719) ، وأحمد في " المسند " 5/123، والنسائي في " عمل اليوم والليلة " رقم (933- 934) ، وعنه ابن السني رقم (298) ، وفي سنده حبيب بن أبي ثابت ، وهو ثقه فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس وقد عنعنه ، ولكن للحديث شواهد يقوى بها ، لذا قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ، وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وعثمان بن أبي العاص وأنس وجابر وابن عباس ، فالحديث صحيح كما قال الألباني في " صحيح الجامع " رقم (7192) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
59 - باب "لا يظن بالله ظن السوء إلا المنافقون والمشركون، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته"
قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} 1 الآية.
....................................................................................................
باب قول الله تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} وهذه الآية ذكرها الله تعالى في سياق قوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ} 2 يعني أهل الإيمان والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله تعالى ينصر رسوله صلي الله عليه وسلم وينجز مأموله، ولهذا قال: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} 3 يعني--------------------------------------------
1 سورة آل عمران آية: 154.
2 سورة آل عمران آية: 154.
3 سورة آل عمران آية: 154.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 239)
وقوله: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} 1 الآية.
قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله. وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة
...............................................................................................................
لا يغشاهم النعاس من القلق والجزع والخوف: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} 2 كما قال تعالى: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً} 3، وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة ظنوا أنها الفيصلة، وأن الإسلام قد باد وأهله، وهذا شأن أهل الريب والشك إذا حصل أمر من الأمور تحصل لهم هذه الأمور الشنيعة.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله: وقد فسر هذا الظن الذي لا يليق بالله سبحانه بأن لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل. وفسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله هذا هو ظن السوء {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} 4.
قوله: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} قال ابن جرير في تفسيره: {الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} أي الظانين بالله أن لن ينصرك وأهل الإيمان بك على أعدائك، وأن يظهر كلمته فيجعلها العليا على كلمة الكافرين به، وذلك كان السوء من ظنونهم التي ذكرها الله في هذا الموضع.
وقال ابن كثير: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} أي يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال تعالى: {عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} وهذا الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان هذا ظن السوء؛ لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمه وحمده ووعده الصادق.
فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة فذلك ظن الذين كفروا {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} 5.--------------------------------------------
1 سورة الفتح آية: 6.
2 سورة آل عمران آية: 154.
3 سورة الفتح آية: 12.
4 سورة الفتح آية: 6.
5 سورة ص آية: 27.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 240)