Arabic source text

📘 ইবনুল কাইয়্যিম আল-জাওজিয়্যাহ ওয়া জুহুদুহু ফী খিদমাতিস সুন্নাহ আন-নাবাবিয়্যাহ ওয়া উলূমিহা (জামাল ইবনে মুহাম্মদ আস-সাঈদ)

📘 ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها (جمال بن محمد السيد)

📘 ইবনুল কাইয়্যিম আল-জাওজিয়্যাহ ওয়া জুহুদুহু ফী খিদমাতিস সুন্নাহ আন-নাবাবিয়্যাহ ওয়া উলূমিহা (জামাল ইবনে মুহাম্মদ আস-সাঈদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
"وقد تَفَرَّدَ الوليدُ بن مسلم بإسناده ووصله، وخَالَفَهُ مَنْ هو أحفظ منه وأجلُّ - وهو الإمام الثبت: عبد الله بن المبارك - فرواه عن: ثور، عن رجاء، قال حُدِّثْتُ عن كاتب المغيرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا اختلف عبد الله بن المبارك والوليد بن مسلم، فالقول ما قال عبد الله"1.
فقد رجح الإرسال هنا: لكون راويه أتقن وأحفظ من الآخر.
أما حينما يكون الذي وصل الحديث أو رفعه ثقة متقن، ولا يقلُّ عن الذي أرسله حفظاً وإتقاناً، فإن ابن القَيِّم رحمه الله يحكم بتقديم زيادة الثقة؛ فإنه قال في حديث: " لا نكاح إلا بولي " الماضي: "وَصْلُه زيادةٌ من ثقة ليس دون من أرسله، والزيادةُ إذا كان هذا حالها، فهي مقبولة"2.
فاتَّضَحَ من ذلك طريقةُ ابن القَيِّم رحمه الله في هذا الباب، واختياره في ذلك، حيث إنَّه اختارَ طريقة أئمة الشأن في تعاملهم مع تعارض الوصل والإرسال؛ وذلك أنهم يدورون مع القرائن التي تُرَجِّح عندهم أحد الجانبين على الآخر، ولا يلتزمون في ذلك حكماً ثابتاً يطبقونه على كل حالة من هذه الحالات.
وقد قَرَّرَ ابنُ القَيِّم في أكثر من مناسبة - كما مضى - أن هذه الطريقة هي الصواب، وكان رحمه الله مُطَبِّقاً لذلك في كلِّ الأحاديث التي بحثها من هذا القبيل.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (1/126) .
2 تهذيب السنن: (3/31) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 421)

وهكذا كان موقفه رحمه الله فيما يتعارض فيه الوقف والرفع: فيقدم الرفع تارة إذا كان مَنْ رَفَعَهُ ثقة متقن، فيكون من باب زيادة الثقة1. وتارة يرجح الوقف إذا كانت هناك مرجحات، ككثرة الواقفين، وكونهم أشهر وأعلم بحديث الشيخ2، إلى غير ذلك من المرجحات، والله أعلم.--------------------------------------------
1 انظر مثلاً: تهذيب السنن: (4/96) .
2 انظر مثلاً: تهذيب السنن: (3/252) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 422)

‌‌المبحث السابع: الْمُنْقَطِعُ
تعريفه: هو ما سقط من إسناده راوِِ واحد قبل الصحابي، من أي موضع كان السقط1. وكذا لو سقط من إسناده اثنان، لكن لا على التوالي2.
وهذا هو الأكثر في استعمالهم، كما صَرَّح به الخطيب وغيره3.
ومن المسائل المتفرعة عن نوع المنقطع:
العَنْعَنَةُ، أو: الإسناد الْمُعَنْعَن:
إذا قال الراوي في حديثه: عن فلان، من غير بيان للتحديث والإخبار والسماع، فما حكم هذا الإسناد؟ اختلف في ذلك:
- فقال بعضهم: هو من قبيل المنقطع والمرسل حتى يتبين اتصاله.
- والصحيح الذي عليه العمل: أنه من قبيل الإسناد المتصل، هذا الذي ذهب إليه الجمهور من أئمة الحديث وغيرهم، وأودعه المشترطون للصحيح في تصانيفهم، بل ذهب البعض إلى إجماع أهل النقل على ذلك4، وذلك بشرطين:--------------------------------------------
1 فتح المغيث: (1/153) .
2 تدريب الراوي: (1/208) .
3 فتح المغيث: (1/155) .
4 مقدمة ابن الصلاح: (ص 29) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 423)

أحدهما: أن يكون الْمُعَنْعِنُ غير معروف بالتدليس.
الثاني: أن يثبت اللقاء بين الراوي المعنعن وشيخه، ولو مرة واحدة، كما ذهب إلى ذلك: البخاري، وشيخه علي بن المديني، وغيرهما من النقاد1.
واكتفى الإمام مسلم في الحكم لذلك بالاتصال: بأن يكون الراوي المعنعن وشيخه متعاصرين، مع إمكان اللقاء، وبالغ في خطبة "صحيحه"2 في الرد على من قال باشتراط ثبوت اللقاء، وأنه قول مخترعٌ لم يُسْبَق قائله إليه.
وقد أخذ ابن القَيِّم رحمه الله في هذه المسألة بمذهب الإمام مسلم رحمه الله، فكان يحكم على الإسناد المعنعن بالاتصال بمجرد تحقق المعاصرة بين الراوي وشيخه، وإمكان لقائهما، ولم ير أنه يلزم في ذلك ثبوت اللقاء بينهما، يتضح ذلك من كلامه في مناسبات عدة، فمن ذلك:
أن الطحاوي أعل حديث ابن عباس رضي الله عنه في القضاء باليمين مع الشاهد: بأن قيس بن سعد لا يُعْلَم حدث عن عمرو بن دينار بشيء، فقال ابن القَيِّم رحمه الله:
"هذه عِلَّة ٌباطلة؛ لأن قيساً ثقة ثبت، غير معروف بتدليس. وقيسٌ وعمرو مكِّيَّان في زمان واحد، وإن كان عمرو أسن وأقدم وفاة منه. وقد روى قيس عن عطاء ومجاهد، وهما أكبر وأقدم موتاً من عمرو ابن دينار"3.--------------------------------------------
1 نزهة النظر: (ص 64) .
(1/29- 35) .
3 تهذيب السنن: (5/227) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 424)

فابن القَيِّم رحمه الله في هذا المثال يكتفي - للحكم باتصال هذا السند - بكون قيس وعمرو عاشا في زمان واحد، وأن لقاءهما ممكن غير مستبعد، هذا مع كون قيس بن سعد ثقة ثبت ولا يُعرف بتدليس.
وما قاله ابن القَيِّم هنا من أن قيساً غير معروف بتدليس: غير كافِِ للحكم بالاتصال؛ إذ قد يكون المعاصر غير مُدَلِّس، ولكنه يرسلُ إرسالاً خفياً، ولذلك قال الحافظ ابن حجر: "وقيل: يُشترط في حمل عنعنة المعاصر على السماع: ثبوت لقائهما … ولو مرة واحدة، ليحصل الأمن في باقي العنعنة عن كونه من المرسل الخفي، وهو المختار"1.
ولما أعلَّ البخاري رحمه الله حديث عقبة بن عامر في: " لَعْن الْمُحَلِّل والْمُحَلَّل له"، بأن الليث بن سعد لم يسمعه من مشرح بن هاعان، وكذا أعلَّه أبو زرعة بقوله:"لم يسمع الليث من مشرح شيئاً … "، ردَّ ذلك ابن القَيِّم بقوله: "فإن الليث كان معاصراً لمشرح، وهو في بلده، وطلب الليث العلم وجمعه لم يمنعه أن لا يسمع من مشرح حديثه عن عقبة بن عامر وهو معه في البلد"2.
فهكذا كان ابن القَيِّم رحمه الله يذهب في هذه المسألة إلى الحكم للسند بالاتصال بمجرد المعاصرة مع إمكان اللقاء.
والذي يظهر - والله أعلم - أن ما ذهب إليه البخاري، وشيخه--------------------------------------------
1 نزهة النظر: (ص 64) .
2 إعلام الموقعين: (3/46) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 425)

ابن المديني هو الراجح، وما ذهب إليه مسلم رحمه الله من انعقاد الإجماع على خلافه: غير مُسَلّمٍِ له، بل عمل أكثر الأئمة المتقدمين على مذهب البخاري.
وقد أشار ابن رجب رحمه الله إلى أن مذهب البخاري هذا هو مقتضى كلام الإمام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، وغيرهم من أعيان الحفاظ، قال: "بل كلامهم يدل على اشتراط ثبوت السماع، كما تقدم عن الشافعي رضي الله عنه … "1. ثم قال - بعد أن نقل أمثلة كثيرة من كلام هؤلاء الأئمة تدل على اشتراطهم اللقيّ-:
"فإذا كان هذا قول هؤلاء الأئمة الأعلام - وهم أعلم أهل زمانهم بالحديث وعلله وصحيحه وسقيمه، مع موافقة البخاري وغيره - فكيف يصح لمسلم رحمه الله دعوى الإجماع على خلاف قولهم، بل اتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا، يقتضي حكاية إجماع الحُفَّاظِ الْمُعْتَدِّ بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يُعْرَفُ عن أحد من نظرائهم، ولا عَمّن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم … "2.
وسبق ابنَ رجب إلى الاعتراض على مسلم في ذلك: ابنُ الصلاح رحمه الله؛ إذ قال: "وفيما قاله مسلم نظرٌ، وقد قيل: إن القول الذي رَدَّهُ مسلمٌ هو الذي عليه أئمة هذا العلم: عليّ بن المديني والبخاري وغيرهما"3.--------------------------------------------
1 شرح علل الترمذي: (ص272) .
2 شرح علل الترمذي: (ص278) .
3 مقدمة ابن الصلاح: (ص 31) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 426)

وقد نقل الإجماع على مذهب البخاري حافظا المشرق والمغرب: الخطيب1 وابن عبد البر2.
وبَيَّنَ الحافظ ابن حجر رحمه الله في عِدَّة مناسبات رُجحانَ مذهب البخاري، فقال: "وهو المختار، تبعاً لعلي بن المديني، والبخاري، وغيرهما من النقاد"3. وقال في مكان آخر - بعد أن بَيّن الباعث للبخاري على اشتراط ذلك -: "فتبيّن رجحان مذهبه"4. ونقل عنه السيوطي رحمه الله قوله:
"من حَكَمَ بالانقطاع مطلقاً: شَدَّدَ، ويليه من شَرَطَ طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة: سَهَّل، والوسطُ - الذي ليس بعده إلا التعنت -: مذهب البخاري ومن وافقه … "5.
فَتَبَيّنَ من ذلك: أن ما ذهبَ إليه ابن القَيِّم رحمه الله من الحكم بالاتصال بمجرد المعاصرة: مرجوحٌ، وأنَّ الراجح هو اختيار البخاري ومن وافقه: من اشتراط ثبوت اللقاء؛ إذ إن ذلك مقتضى الاحتياط، والله تعالى أعلم.--------------------------------------------
1 انظر: فتح المغيث: (1/160) .
2 التمهيد: (1/12 - 13) .
3 نزهة النظر: (ص 64) .
4 النكت على ابن الصلاح: (2/596) .
5 تدريب الراوي: (1/216) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 427)

‌‌المبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس
وينقسم إلى قسمين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ.
أولاً: تدليس الإسناد: وهو "أن يروي المحدث عمّن قد سمع منه ما لم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه". قاله ابن القطان1.
وعَرَّفَهُ ابن حجر بقوله: "أن يروي عمن لقيه شيئاً لم يسمعه منه بصيغة مُحْتَمِلة، ويلتحق به: من رآه ولم يجالسه"2.
وهذا النوع هو الذي غلبت تسميته بـ "تدليس الإسناد" وسماه بعضهم: "تدليس السماع"3.
ويلحق بهذا النوع ما يسمى بـ "تدليس التسوية"، وصورته - كما قال الحافظ العراقي -: "أن يجيء المدلس إلى حديث سمعه من شيخ ثقة، وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وذلك الشيخ الضعيف يرويه عن شيخ ثقة، فيعمد الْمُدَلِّس - الذي سمع الحديث من الثقة الأول - فَيُسْقِطُ منه شيخ شيخه الضعيف، ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها، فيصير الإسناد كله ثقات، ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه، لأنه قد سمعه منه، فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل"4.--------------------------------------------
1 انظر (نكت ابن حجر على ابن الصلاح) : (2/614) .
2 طبقات المدلسين: (ص25) .
3 انظر: جامع التحصيل: (ص 110) .
4 التقييد والإيضاح: (ص96) ، وانظر: إتحاف النبيل: (2/31- 42) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 429)

ولتدليس الإسناد صور أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر1.
ثانياً: تدليس الشيوخ: وهو: "أن يصف شيخه بما لم يشتهر به من اسم أو لقب أو كنية أو نسبة"2.
قال الحافظ العلائي: " … فهو يختلف باختلاف الأغراض:
فمنهم من يُدَلِّس شيخه لكونه ضعيفاً أو متروكاً حتى لا يُعْرَف ضعفه إذا صَرَّح باسمه.
ومنهم من يفعلُ ذلك لكونه كثير الرواية عنه كي لا يتكرر ذكره كثيراً … "3.
قال ابن حجر فيمن يفعل ذلك لإخفاء ضعف شيخه: "وهو خيانةٌ ممن تعمّده"4.
ومن المسائل التي تعرض لها ابن القَيِّم رحمه الله فيما يتعلق بالتدليس:
المسألة الأولى: في حكم حديث المُدَلِّس.
اختلف أهل العلم في قبول خبر من عُرف بالتدليس - وبخاصة ما يتعلق بتدليس الإسناد - على أقوال:--------------------------------------------
1 انظر: طبقات المدلسين: (ص25) .
2 طبقات المدلسين: (ص 26)
3 جامع التحصيل: (ص118- 119) .
4 طبقات المدلسين: (ص26) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 430)

أحدها: أن خبره مردود مطلقاً غير مقبول. عزاه الخطيبُ لفريق من الفقهاء وأصحاب الحديث1.
الثاني: القبول مطلقاً. عزاه الخطيب - أيضاً- إلى خلقِِ كثير من أهل العلم.
وذلك أنهم لم يروا التدليس من باب الكذب، ولا أنه ينقض عدالته2.
الثالث: التفصيل: فمن كان لا يُدَلِّس إلا عن ثقة قُبِلَ تدليسه، وإلا فلا. عزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث3.
الرابع: يُقبل ممن كان وقوعه منه نادراً، وأما من غَلَبَ ذلك على حديثه: فلا4.
الخامس: التفصيل أيضاً، فيُقبَل من المُدَلِّس الثقة إذا صرَّح فيه بالسماع، وأما ما رواه بلفظ محتمل فلا، وهذا هو المعتمد.
قال السخاوي: "وممن ذهب إلى هذا التفصيل: الشافعي، وابن معين، وابن المديني"5. وقَرَّرَ العلائي: أنه "الصحيح الذي عليه جمهور أئمة الحديث والفقه والأصول"6. وصححه الحافظ الخطيب7، وكذا--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص515) .
2 الكفاية: (ص515) .
3 التمهيد: (1/17) .
4 فتح المغيث: (1/181- 182) .
5 فتح المغيث: (1/182) .
6 جامع التحصيل: (ص111) .
7 الكفاية: (ص515) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 431)

صححه ابن الصلاح1.
ونفى ابن القطان الخلاف في ذلك، فقال: "إذا صَرَّحَ المُدَلِّس الثقة بالسماع: قُبِلَ بلا خلاف، وإن عنعن: ففيه الخلاف"2.
وقد كان ابن القَيِّم يذهب إلى هذا التفصيل في حقِّ المدلسين، وجاءت عباراته صريحة في هذا المعنى في أكثر من مناسبة، فمن ذلك:
قوله في حق محمد بن إسحاق: "إن ابن إسحاق ثقة لم يُجْرَح بما يوجب ترك الاحتجاج به … إنما يُخَاف من تدليسه، وهنا قد صرح بسماعه للحديث من محمد بن إبراهيم التيمي، فزالت تهمة تدليسه"3. قال ذلك في حديث أبي مسعود في صفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة.
وقال في حديث ابن إسحاق - أيضاً-:حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة طلاق ركانة بن عبد يزيد: "وقد زالت تهمة تدليس ابن إسحاق بقوله: حدثني"4. وقال عنه مرة:"والذي يُخاف من ابن إسحاق: التدليس، وقد قال: حدثني"5.--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح: (ص35) .
2 فتح المغيث: (1/182) .
3 جلاء الأفهام: (ص6) .
4 إغاثة اللهفان: (1/287) .
5 إعلام الموقعين: (4/350) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 432)

وقال رحمه الله في حديث عَنْعَنَ فيه بقية بن الوليد - وهو حديث ذمِّ القدرية وأنهم مجوس هذه الأمة -: "لو قال بقيةُ: حدثنا الأوزاعي. مشى حال الحديث، ولكن عَنْعَنَهُ مع كثرة تدليسه"1. وقال عنه مرة: "وإنما نُقِمَ عليه التدليس، مع كثرة روايته عن الضعفاء والمجهولين، وأما إذا صرح بالسماع: فهو حجة"2.
ومع تقرير ابن القَيِّم رحمه الله لمذهب الجمهور، وعمله بمقتضاه في عدة مناسبات - كما سبق نقل أمثلة لذلك - فإنه يذهب إلى استثناء بعض المدلسين من هذه القاعدة، فيرى: أن من كان لا يدلس إلا عن ثقة، فإنه تقبل عنعنته، ولا يطالب بإظهار السماع والتحديث.
وقد مضى معنا أن هذا أحد المذاهب في المسألة، وأن ابن عبد البر حكاه عن أكثر أئمة الحديث، وجزم به الذهبي رحمه الله3.
فكأن ابن القَيِّم رحمه الله جمع بين هذين المذهبين في العمل، فيرى: أن حديث المدلس لا يقبل منه إلا ما صَرَّحَ فيه بالسماع، إلا فيمن كان لا يُدَلِّس عن الضعفاء، وكان لا يُدَلِّسُ إلا عن ثقة.
ومما قاله في هذا الصدد:
"وأبو الزبير وإن كان فيه تدليس، فليس معروفاً بالتدليس عن الضعفاء، بل تدليسه من جنس تدليس السلف، لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح، وإنما كثر هذا النوع من التدليس في المتأخرين"4.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (7/60) .
2 تهذيب السنن: (1/129) .
3 الموقظة: (ص 45) .
4 زاد المعاد: (5/457) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 433)

ويؤكد رحمه الله هذا المعنى في حق أبي الزبير، فيقول في مناسبة أخرى: "وأكثرُ أهلِ الحديث يَحْتَجُّونَ به إذا قال: عن، ولم يُصَرِّح بالسماع، ومسلم يُصَحِّح ذلك من حديثه … "1.
ولكن، لعل ابن القَيِّم رحمه الله أراد بعبارته الأولى أن ينفي عن أبي الزبير تدليس اسم شيخه الضعيف تغطية لحاله، وهو ما يعرف: "بتدليس الشيوخ" كما مرّ، فإن مناسبة كلام ابن القَيِّم هذا: أن أبا الزبير قال في إسناد الحديث الذي ذكره ابن القَيِّم: "عن رجل صالح من أهل المدينة". فقال ابن القَيِّم ما قال دفعاً لتوهم قيام أبي الزبير بذلك في حق شيخه المذكور.
وأما قوله رحمه الله عن السلف: "لم يكونوا يدلسون عن متهم ولا مجروح": فلعله يشير بالسلف هنا إلى التابعين خاصة، وأبو الزبير منهم، فهل يسلم له أن التابعين لم يقع منهم التدليس عن الضعفاء؟؟
فقد ذهب إلى ذلك أيضاً: الحاكم رحمه الله، فرأى أن التابعين بأسرهم لم يكونوا يدلسون إلا عن ثقة، نقل ذلك عنه العلائي2، ثم اعترضه بقوله:
"وهذا لا يتم إلا بعد ثبوت أن من دَلَّسَ من التابعين لم يكن--------------------------------------------
1 زاد المعاد: (5/226) .
2 جامع التحصيل: (ص115- 116) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 434)

وعلى هذا، فإنَّ إطلاق ابن القَيِّم القول بذلك في حق التابعين غير مُسَلّم، ويَرِدُ عليه ما أورده العلائي على أبي عبد الله الحاكم.
فتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم رحمه الله يذهب إلى أن خبر المدلس لا يحتج به إلا إذا صرح بالسماع، وقد يُستثنى من ذلك عنده: من عُرِفَ بأنه لا يدلس إلا عن ثقة.
المسألة الثانية: حكم ما وجد في "الصحيحين" من عنعنة المدلسين.
تَعَرَّضَ ابن القَيِّم رحمه الله لهذه المسألة، فقال في حديث أطيط العرش، وما أُعِلَّ به من عنعنة ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة: " … فإنه قد لقي يعقوب وسمع منه، وفي الصحيح قطعة من الاحتجاج بعنعنة المدلس: كأبي الزبير عن جابر، وسفيان عن عمرو بن دينار، ونظائر كثيرة لذلك"2.
فظاهرُ كلام ابن القَيِّم: الحكم بالاتصال لعنعنة الْمُدَلِّس إذا كان لقي من عنعن عنه، وسمع منه. ويستدل لذلك بما وجد في "الصحيحين" من الاحتجاج بعنعنة المدلسين.
أما الحكم على عنعنة الشخص بالاتصال لكونه لقي من--------------------------------------------
1 جامع التحصيل: (ص 116) .
2 تهذيب السنن: (7/98) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 435)

عنعن عنه وسمع منه: فهذا في غير المدلسين باتفاق العلماء، وقد مضى معنا البحث في ذلك.
وأما المدلس إذا عنعن: فالصحيح - كما مضى قبل قليل - أنه لا يحتج به إلا إذا صرح بالتحديث، بل إن ابن القَيِّم رحمه الله يذهب إلى ذلك، كما سبق نقله عنه.
أما أن يكون ثبوت اللقاء سبباً للحكم بالاتصال فيما عنعنه المدلس: فلا.
وأما ما وجد في "الصحيحين" من عنعنة المدلسين، وإخراجهما ذلك على سبيل الاحتجاج، واستناد ابن القَيِّم رحمه الله على ذلك في الحكم لما وُجِدَ في غيرهما بالاتصال: فقد قال غير واحد من أهل العلم بأن ذلك محمول على ثبوت السماع عندهما في هذا المعنعن من جهة أخرى، "ولو لم نقف نحن على ذلك: لا في المستخرجات - التي هي مظنة لكثير منه - ولا في غيرها" كما قال السخاوي1.
وممن صَرَّح بذلك من الأئمة: ابن الصلاح2، وتبعه النووي رحمه الله فقال: "وما كان في الصحيحين وشبههما3 عن المدلسين بـ "عن": محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى"4. ووافقهما الحافظ ابن حجر رحمه الله، لكنه أشار إلى تقييد ذلك بما كان عندهما على--------------------------------------------
1 فتح المغيث: (1/183) .
2 كما في (النكت) لابن حجر: (2/635) .
3 يعني: من الكتب التي اشترط أصحابها الصحة.
4 التقريب: (ص9) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 436)

سبيل الاحتجاج، أما ما أخرجاه من عنعنة المدلسين في المتابعات، فقد يحصل في مثله نوع من التساهل1.
وأما ما مَثَّل به ابن القَيِّم رحمه الله:
فأما أبو الزبير عن جابر: فلابد من تقييد ذلك"بصحيح مسلم"؛ لأن البخاري لم يخرج له إلا متابعة.
ثم إن الأئمة قد احتملوا عنعنة أبي الزبير عن جابر إذا كانت من رواية الليث بن سعد عنه؛لأنه أعلم له على الأحاديث التي سمعها من جابر2.
وأما ما كان في "صحيح مسلم" من ذلك، وليس من رواية الليث عنه: فقد قال الحافظ العلائي رحمه الله: "كأن مسلماً- رحمه الله اطلع على أنها مما رواه الليث عنه، وإن لم يروها من طريقه"3.
وأما سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: فإن ابن عيينة لم يكن يدلس إلا عن ثقة، وقال ابن حبان: "وهذا شيء ليس في الدنيا إلا لسفيان ابن عيينة"4.
وعلى كل حال، فلابد من حمل ما وقع في "الصحيحين"من ذلك على ما تقدم من كلام الأئمة، تحسيناً للظن بكتابيهما، ولإجماع الأمة على صحة ما وقع فيهما.--------------------------------------------
1 النكت على ابن الصلاح: (2/635- 636) .
2 انظر (الميزان) : (4/37) .
3 جامع التحصيل: (ص 126) .
4 جامع التحصيل: (ص 116) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 437)

فهذا ما يجاب به عن تخريج أصحاب "الصحيحين" لعنعنة المدلس في مقام الاحتجاج، وأما إجراء هذا الحكم على ما وقع من ذلك خارج كتابيهما - كما هو ظاهر كلام ابن القَيِّم رحمه الله قياساً عليهما: فغير مسلّم؛ لما تقدم من أن "للصحيحين" في ذلك خصيصة ليست لغيرهما، لتقدم كتابيهما على غيرهما، ولتلقي الأمة لهما بالقبول.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 438)

‌‌المبحث التاسع: الشَّاذ
تعريفه: اخْتُلِفَ في تعريف الحديث الشاذ على أقوال، أرجحها: أنه: مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه. قال الحافظ ابن حجر: "وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح"1. وإلى هذا ذهب الشافعي رحمه الله، وجماعة من أهل الحجاز2.
وعلى هذا المذهب: لابد أن يتوافر للحكم بالشذوذ شرطان:
الأول: أن يكون الْمُتَفَرِّد ثقة.
الثاني: أن يكون هذا المتفرد مخالفاً لمن هو أرجح منه: لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من المرجحات.
وقد حَدَّ الخليلي الشاذ: بمطلق التفرد، ولم يقيده بالمخالفة، ولا بكون المتفرد ثقة3.
وذهب الحاكم إلى تقييد الشاذ: بتفرد الثقة، ولكنه لم يشترط فيه المخالفة4.
والراجح هو التعريف المتقدم أولاً، كما مضى في كلام ابن حجر، ورجحه أيضاً ابن كثير5.--------------------------------------------
1 انظر: (نخبة الفكر مع نزهة النظر) : (ص35) .
2 مقدمة ابن الصلاح: (ص36) ، ونكت ابن حجر على ابن الصلاح: (2/653) .
3 مقدمة ابن الصلاح: (ص36) .
4 معرفة علوم الحديث: (ص119) .
5 اختصار علوم الحديث: (ص58) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 439)

وقد حَرَّرَ ابن الصلاح أن الشاذ المردود على قسمين:
أحدهما: الحديث الفرد الذي خالف راويه من هو أولى منه في الحفظ والضبط.
الثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط ما يكون جابراً لما يوجبه التفرد من النكارة والضعف1.
وهذا الذي حرره ابن الصلاح في حد الشاذ وصفته قال به ابن القَيِّم رحمه الله؛ فإنه قال - عند كلامه على صفة الراوي المقبول وشروط قبول خبره -: "أن لا يشذ عن الناس: فيروي ما يخالفه فيه من هو أوثق منه وأكبر، أو يروي ما لا يتابع عليه، وليس ممن يُحتمل ذلك منه: كالزهري، وعمرو بن دينار، وسعيد بن المسيب، ومالك، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة ونحوهم؛ فإن الناس إنما احتملوا تفرد أمثال هؤلاء الأئمة بما لا يتابعون عليه للمحل الذي أحلهم الله به من الإمامة والإتقان والضبط.
فأما مثل: سفيان بن حسين، وسعيد بن بشير، وجعفر بن برقان، وصالح بن أبي الأخضر ونحوهم: فإذا انفرد أحدهم بما لا يتابع عليه فإن أئمة الحديث لا يرفعون به رأساً. وأما إذا روى أحدهم ما يخالف الثقات فيه، فإنه يزداد وهناً على وهن"2.--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح: (ص37) .
2 الفروسية: (ص 53 - 54) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 440)

وهذا الكلام من ابن القَيِّم رحمه الله يُحَدِّدُ بوضوحٍ صفة الحديث الشاذ بقسميه المتقدم بيانهما عند ابن الصلاح، فقد بيّن رحمه الله أن الشاذ هو:
1- أن يروي الثقة ما يخالفه فيه من هو أوثق وأكبر.
2- أو: ينفرد بما لا يتابع عليه، وليس هو ممن يحتمل تفرده، وذلك لقلة ضبطه، وعدم تمام حفظه. وهذا بخلاف تفرد الثقة الضابط، فإنه مقبول محتج به.
ويؤكد ابن القَيِّم رحمه الله هذا المعنى ويزيده وضوحاً، فيذكر أن التفرد أنواع، وأنه ليس كل تفرد يكون الحديث بموجبه شاذاً، فيقول رحمه الله:
"التفرد نوعان:
1- تفرد لم يُخَالَف فيه من تفرد به؛ كتفرد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين1، وأشباه ذلك.
2- وتفردٌ خُولِفَ فيه المتفرد، كتفرد همام بهذا المتن2 على هذا الإسناد؛ فإن الناس خالفوه فيه، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتماً من وَرِق. فهذا هو المعروف عن ابن جريج عن الزهري، فلولم يرو هذا عن ابن جريج، وتفرد همام بحديثه، لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه.--------------------------------------------
1 يشير إلى تفرد مالك بحديث: " دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة وعلى رأسه المغفر". وتفرد عبد الله بن دينار بحديث: "النهي عن بيع الولاء وهبته".
2 وهو حديث: "وضع النبي صلى الله عليه وسلم خاتمه إذا دخل الخلاء".

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 441)