Arabic source text

📘 ইবনুল কাইয়্যিম আল-জাওজিয়্যাহ ওয়া জুহুদুহু ফী খিদমাতিস সুন্নাহ আন-নাবাবিয়্যাহ ওয়া উলূমিহা (জামাল ইবনে মুহাম্মদ আস-সাঈদ)

📘 ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها (جمال بن محمد السيد)

📘 ইবনুল কাইয়্যিম আল-জাওজিয়্যাহ ওয়া জুহুদুহু ফী খিদমাতিস সুন্নাহ আন-নাবাবিয়্যাহ ওয়া উলূমিহা (জামাল ইবনে মুহাম্মদ আস-সাঈদ)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله"1.
ففي هذا الكلام منه رحمه الله بيان للفرق بين تَفَرُّدِ الثقة بما لم يروه غيره - مع كونه ممن يحتمل تفرده -: فهذا مقبول، وبين تفرد الثقة بما يخالفه فيه الثقات: فهذا الذي يكون شاذاً مردوداً، وهذا الفرق سبق بيانه واضحاً في كلام ابن الصلاح وغيره.
ويؤكد هذا المعنى في مناسبة أخرى، فيقول رحمه الله: "والتَّفَرُّدُ الذي يُعَلَّلُ به: هو تفرد الرجل عن الناس بوصل ما أرسلوه، أو رفع ما وقفوه، أو زيادة لفظة لم يذكروها.
وأما الثقة العدل: إذا روى حديثاً وتفرد به، لم يكن تفرده علة، فكم قد تفرد الثقات بسنن عن النبي صلى الله عليه وسلم عملت بها الأمة"2.
ويشير مرة إلى أن تفرد الثقة - إذا لم يخالف - لا يضر، فيقول في حديث السعاية، وما قيل من تفرد ابن أبي عروبة به: "ثم لو قدر تفرد سعيد به لم يضره"3.
فتخلص من ذلك: أن ابن القَيِّم رحمه الله قد حرر بكلامه هذا: معنى الشاذ، وصورته الصحيحة، وبيّن الفرق بين التفرد الذي يعد شذوذاً وما لا يكون كذلك.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (1/29- 30) .
2 تهذيب السنن: (3/224) .
3 تهذيب السنن: (5/399) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 442)

ومع ذلك، فكأنه رحمه الله أراد التنزل مع من يسمي تفرد الثقة غير المخالف "شاذاً"، فذهب إلى القول: بأن ذلك وإن سمي شاذاً، فإنه ليس بمردود بل هو محتج به.
وقد سبق أن هذا المعنى وقع في تعريف الحاكم رحمه الله للشاذ، فهو عنده: تفرد الثقة دون متابع.
قال ابن القَيِّم رحمه الله: " … فأما إذا روى الثقة حديثاً منفرداً به، لم يرو الثقات خلافه: فإن ذلك لا يُسمى شاذاً، وإن اصطلح على تسميته شاذاً بهذا المعنى، لم يكن هذا الاصطلاح مُوجباً لرده، ولا مُسوِّغاً له".1
وقال مرة في حديث صيام ست شوال: "فإن قيل: مداره على عمر بن ثابت الأنصاري، لم يروه عن أبي أيوب غيره، فهو شاذ، فلا يحتجُّ به.
قيل: ليس هذا من الشاذ الذي لا يحتج به، وكثير من أحاديث الصحيحين بهذه المثابة، كحديث الأعمال بالنيات"2.
وذلك محمول - كما تَقَدَّمَ - على التنزل منه رحمه الله مع المخالفين، وإلا فقد سبق تأكيده على أن هذا ليس شاذاً، ونقلنا كلامه في ذلك، والله أعلم.--------------------------------------------
1 إغاثة اللهفان: (1/296) .
2 تهذيب السنن: (3/313) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 443)

‌‌المبحث العاشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد
الاعتبار: "هو الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد". قاله الحافظ ابن حجر1.
ذلك أن الأئمة يأتون إلى الحديث الذي يُظن كونه فرداً، فينظرون: هل وافق راويه أحد غيره على روايته أم لا؟ وذلك بالبحث والتفتيش في: الصِّحَاح، والجوامع، والمسانيد، والمعاجم، والفوائد، والمشيخات وغيرها. فهذا النظر والتفتيش يسمى "اعتباراً".
فإن وُجِدَ أحد شارك هذا الراوي فرواه عن شيخه، أولم يوجد ولكن وُجد من رواه عن شيخ شيخه، وهكذا حتى الصحابي، فعند ذلك يُسمى حديث هذا المُشارك: "متابعة". وكلما بَعدت المشاركة عن ذلك الراوي الذي اعتبرت روايته، كلما كانت المتابعة أنقص وأقصر.
فإن فُقِدَت المتابعة بهذا المعنى، ولكن وُجِدَت رواية هذا الحديث أو معناه عن صحابي آخر، فهو: "الشاهد".
فعُلِمَ بذلك أن الاعتبار: هو عملية البحث والتفتيش عن متابع أو شاهد للحديث الذي يُظن أنه فردٌ، فإن فُقِدَتْ المتابعاتُ والشواهدُ فالحديث بذلك يكون فرداً2.--------------------------------------------
1 النكت على ابن الصلاح: (2/681) .
2 انظر: التقييد والإيضاح: (ص109- 111) ، وتدريب الراوي: (1/241- 245) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 445)

ومن المسائل المتعلقة بهذا الباب:
المسألة الأولى: هل يتقوَّى الحديث الضعيف بتعدد طرقه؟
جمهور أئمة الحديث على أن الحديث الضعيف يَتَقَوَّى بمجيئه من طرق أخرى، قال الإمام الزركشى: "وَشَذَّ ابنُ حزم عن الجمهور، فقال: ولو بلغت طرق الضعيف ألفاً لايقوى … "1.
وقال ابن دقيق العيد: "قد عُلِمَ أن تَضَافَرُ الرواةِ على شيء، ومتابعة بعضهم لبعض في حديث: مِمَّا يَشُدُّهُ ويقويه، وربما التحق بالحسن وما يحتجُّ به"2.
ولقد كان ابن القَيِّم رحمه الله موافقاً للجمهور في القول بتقوية الضعيف بتعدد طرقه.
ومن أقواله رحمه الله في ذلك:
أنه قال في أحاديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء فيها من أمرهصلى الله عليه وسلم بما يفيد الوجوب، قال: "الدليل الرابع - يعني من أدلة الوجوب -:ثلاثة أحاديث كل منها لا تقوم به الحجة عند انفراده، وقد يقوي بعضها بعضاً عند الاجتماع"3.--------------------------------------------
1 البحر الذي زخر: (3/1075) .
2 المصدر السابق: (3/1080) .
3 جلاء الأفهام: (ص199) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 446)

وقال رحمه الله عند كلامه على مقدار زكاة الفطر: "وفيه عن النبي صلى الله عليه وسلم آثار مرسلة ومسندة يقوي بعضها بعضاً"1.
وقال في حديث اعتداد أم سلمة رضي الله عنه وقول النبي صلى الله عليه وسلم لها في الصَّبِر: "لا تجعليه إلا بالليل، وتنزعيه بالنهار" قال:
"وَذَكَرَ أبو عمر في "التمهيد" له طرقاً يشدُّ بعضها بعضاً"2.
فهذه بعض الأقوال لابن القَيِّم فيما يتعلق بتقوية الضعيف واعتضاده بتعدد الطرق.
المسألة الثانية: كتابة الحديث الضعيف للاعتبار به، دون اعتماد عليه.
كثير من الأئمة يكتبون الحديث الضعيف ويخرجونه في كتبهم في باب المتابعات والشواهد، دون أن يكون الاعتماد عليه.
قال الإمام أحمد رحمه الله: "ابن لهيعة ما كان حديثه بذاك، وما أكتب حديثه إلا للاعتبار والاستدلال، إنما قد أكتب حديث الرجل كأني أستدل به مع حديث غيره يشده، لا أنه حجة إذا انفرد"3.
وقال النووي رحمه الله: "وإنما يفعلون هذا - يعني إدخال الضعفاء في المتابعات والشواهد - لكون التابع لا اعتماد عليه، وإنما--------------------------------------------
1 زاد المعاد: (2/19) .
2 زاد المعاد: (5/703) .
3 شرح علل الترمذي: (ص112) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 447)

الاعتماد على من قبْله"1.
قال السخاوي - عقب نقله كلام النووي هذا -: "ولا انحصار له في هذا، بل قد يكون كل من المُتابِعِ والمتابَع لا اعتماد عليه، فباجتماعهما تحصل القوة"2.
فالحاصل: أن الأئمة رحمهم الله يكتبون حديث الضعيف - ضعفاً قريباً- متابعةً واستشهاداً، ويكون اعتمادهم على الرواية الأصلية إن كانت مما يصلح لذلك، أو يكون الاعتماد على مجموع الروايتين معاً إذا كان كل منهما لا ينتهض للحجة بانفراده.
وقد أشار ابن القَيِّم رحمه الله إلى جواز كتابة الحديث الضعيف وذكره في المتابعات والشواهد، دون أن يكون الاعتماد عليه وحده، فمن ذلك:
ما جاء عنه في حديث بلال بن الحارث، وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: "إنه من أحيا سنةً من سنتي قد أميتت بعدي، فإن له من الأجر مثل من عمل بها … ". وقد رُوِيَ من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وضَعَّفَهُ بعضهم،
فقال ابن القَيِّم رحمه الله: "لكن هذا الأصل ثابت من وجوه: كحديث: " من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه" …--------------------------------------------
1 شرح صحيح مسلم: (1/34) .
2 فتح المغيث: (1/205) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 448)

وحديث: " من دل على خير، فله مثل أجر فاعله" وهو حديث حسن".
قال: "فهذا الأصل محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالحديث الضعيف فيه بمنزلة الشواهد والمتابعات، فلا يَضُرُّ ذكره"1.
وقال أيضاً - عند ذكره أحاديث الفطر بالحجامة -: "إن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم بتصحيح بعضها … والباقي إما حسن يصلح للاحتجاج به وحده، وإما ضعيف فهو يصلح للشواهد والمتابعات، وليس العمدة عليه"2.
فظهر بذلك: موافقةُ ابن القَيِّم رحمه الله لأئمة هذا الشأن في جواز ذكر الضعيف في المتابعات والشواهد، دون الاعتماد عليه.--------------------------------------------
1 مفتاح دار السعادة: (1/76) .
2 تهذيب السنن: (3/247 - 248) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 449)

‌‌المبحث الحادي عشر: الموضوع
الخبر الموضوع: هو الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم المُختلق، المصنوع1. أي: أن واضعه اختلقه وصنعه2.
والموضوع شرُّ أنواعِ الضعيف، كما قال الخطَّابي3، وتبعه ابن الصلاح4رحمهما الله تعالى.
ولقد كان لابن القَيِّم رحمه الله اهتمام خاص بما يتعلق بالحديث الموضوع، والكشف عنه، وبيان خطره، والتحذير منه، ويتضح ذلك جليًّا في كتابه النافع (المنار المنيف) ، إذ ضمَّنه جملة من الضوابط التي يعرف بها كون الحديث موضوعاً، مع التنبيه على الكثير من الأحاديث الموضوعة، وبيان حالها، وذكر المتَّهم بها، وقد مضى بيان ذلك واضحاً5.
ومن المسائل المتعلقة بالحديث الموضوع مما تناوله ابن القَيِّم رحمه الله:
المسألة الأولى: حكم رواية الحديث الموضوع أو الاستشهاد به.
لا يجوز - عند أهل العلم بالحديث وغيرهم - ذكر الحديث الموضوع - برواية وغيرها - لمن عَلِمَ حاله، إلا مقروناً ببيان أمره6.--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح: (ص47) ، وفتح المغيث: (1/248) .
2 شرح ألفية العراقي: (1/261) .
3 معالم السنن: (1/11) .
4 مقدمة ابن الصلاح: (ص47) .
(ص 300 - 309) . وانظر ما يأتي في (ص 460 - 469) .
6 فتح المغيث: (1/249- 250) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 451)

قال الخطيب البغدادي رحمه الله: "يجب على المحدث أن لا يروي شيئاً من الأخبار المصنوعة، والأحاديث الباطلة الموضوعة، فمن فعل ذلك بَاء بالإثم المُبين، ودخل في جملة الكذّابين"1.
وأما من رواه مبيناً حاله، وذكره منبِّهاً على وضعه: فإن ذلك جائز، قال الخطيب رحمه الله: "ومن روى حديثاً موضوعاً على سبيل البيان لحال واضعه، والاستشهاد على عظيم ما جاء به، والتعجب منه، والتنفير عنه: ساغ له ذلك، وكان بمثابة إظهار جرح الشاهد في الحاجة إلى كشفه والإبانة عنه"2.
وقد تناول ابن القَيِّم رحمه الله هذه المسألة المهمة، فأكد عدم جواز ذكر الحديث الموضوع إلا مع بيان حاله.
فقال عن حديث عوج بن عنق الطويل: "وليس العجب من جُرْأَةِ مثل هذا الكَذَّاب على الله، إنما العجبُ ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم: من التفسير وغيره، ولا يبيِّن أمره"3.
وقد أَوْرَدَ مرة حديثين موضوعين باطلين في فضل "الأرز" ومدحه، ثم قال: "ذكرناهما تنبيهاً وتحذيراً من نسبتهما إليه صلى الله عليه وسلم"4.--------------------------------------------
1 فتح المغيث: (1/250) .
2 فتح المغيث: (1/250- 251) .
3 المنار المنيف: (ص77) .
4 زاد المعاد: (4/285) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 452)

فَنَبَّهَ بذلك على ما يلزم العالم من واجب البيان للحديث الموضوع والتحذير منه.
المسألة الثانية: بيان عظم جناية الوضاعين على الإسلام.
لا شك أن خطر الوضاعين على شريعة الإسلام عظيم، وهل هناك جناية أعظم من الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم؟
وقد نَبَّهَ ابن القَيِّم رحمه الله على عظم جناية هؤلاء الوضاعين، وكبير جرمهم، فقد أورد رحمه الله حديث تكليم حمار النبي صلى الله عليه وسلم يعفور له، وبيّن أنه باطل موضوع، ثم ذكر أن مثل هذه الأحاديث قد فتحت باباً عظيماً للزنادقة للطعن في الدين، فقال: "هذه الأحاديث وأمثالها هي التي جرأت الزنادقة والملاحدة على الطعن في الإسلام، والقدح في الدين.
فالجناية على الإسلام بالوضاعين والكذابين، تضاهي الجناية عليه من الزنادقة والطاعنين"1.
المسألة الثالثة: بيان الشبهة التي يتعلق بها بعض الوضاعين، والرد عليها.
والمقصود في هذا المقام خاصة: أولئك الذين حملهم التدين الناشيء عن الجهل على وضع الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم، يحتسبون بذلك بزعمهم، ويتقربون إلى الله بجهلهم.--------------------------------------------
1 الموضوعات: (ق 43/ب) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 453)

وقد اعتنى هؤلاء بوضع أحاديث في الفضائل، والترغيب والترهيب، وكان من الشُّبه التي تعلق بها بعضهم في ذلك قولهم: إن الكذب في الترغيب والترهيب كذب للنبي صلى الله عليه وسلم، لا كذب عليه!!
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "وهذا من كمال جهلهم، وقلة عقلهم، وكثرة فجورهم وافترائهم؛ فإنه عليه السلام لا يحتاج - في كمال شريعته وفضلها- إلى غيره"1.
وقد ألمح ابن القَيِّم رحمه الله إلى شبهتهم هذه، ورد عليها - وذلك عندما أورد بعض الأحاديث التي وضعوها في فضائل سور القرآن- فقال: "وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نكذب عليه.
ولم يعلم هذا الجاهل: أنه من قال عليه ما لم يقل، فقد كذب عليه، واستحق الوعيد الشديد"2.
المسألة الرابعة: بيان أنه من المحال وقوع الكذب والغلط في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم دون كشفه.
إن من تمام حفظ الله عز وجل لهذا الدين: أن هيأ جهابذةً نقاداً، وأئمة أفذاذاً، مَحَّصُوا هذه الأحاديث، وميزوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم من كلام غيره من الكذابين.--------------------------------------------
1 اختصار علوم الحديث: (ص 79) .
2 المنار المنيف: (ص114- 115) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 454)

قيل لعبد الله بن المبارك رحمه الله: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: "يعيش لها الجهابذة {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] "1.
وقد أشار ابن القَيِّم رحمه الله إلى هذا المعنى، وأن الله عز وجل لابد وأن يُقِيمَ في هذه الأمة من ينافح عن دينه، ويذبُّ الكذب عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: " … ونحن لا نَدَّعي عصمة الرواة، بل نقول: إن الراوي إذا كذب، أو غلط، أو سها، فلا بد أن يقوم دليل على ذلك، ولا بد أن يكون في الأمة من يعرف كذبه وغلطه، ليتم حفظه لحججه وأدلته، ولا تلتبس بما ليس منها"2.
ثم بيّن رحمه الله أن لهذه الطائفة تأييداً خاصاً، وتوفيقاً من الله عز وجل، فقال: "والله عز وجل يؤيد من ينافحُ عن رسوله تأييداً خاصاً، ويفتحُ له - في معرفة نقد الحق من الباطل - فتحاً مبيناً، وذلك من تمام حفظه لدينه، وأنه لا يزال من عباده طائفة قائمة بنصرة الحق إلى أن يأتي أمر الله، جعلنا الله منهم بمنّه وكرمه"3.--------------------------------------------
1 الجرح والتعديل: (1/1/18) .
2 مختصر الصواعق: (2/481) .
3 الموضوعات: (ق43/ب) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 455)

المسألة الخامسة: في بيان الأغراض الحاملة للوضاعين على وضع الحديث.
تختلف الأغراض الباعِثَةُ للوضَّاعين على وضع الحديث وتتنوع، ومن ثَمَّ فهم ينقسمون إلى فرق وطوائف عديدة، وذلك بحسب الغرض الحامل لكل طائفة منهم على الكذب.
ومن الأسباب التي ذكرها ابن القَيِّم رحمه الله مما كان باعثاً للوضاعين على وضع الحديث:
1- قوم حملهم على ذلك: الاستخفاف بالدين والطعن فيه، والتنقص للرسول صلى الله عليه وسلم والإضلال للناس، وهم الزنادقة: المبطنون للكفر المظهرون للإسلام، أو: الذين لا يتدينون بدين1.
وقد أشار ابن القَيِّم رحمه الله إلى هذه الطائفة - عند ذكره: أن الحديث الموضوع يشتمل على مجازفات لا يصدر مثلها عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
"وأمثال هذه المجازفات الباردة لا يخلو حال واضعها من أحد أمرين:
إما أن يكون في غاية الجهل والحمق، وإما أن يكون زنديقاً قصد التنقيص بالرسول صلى الله عليه وسلم بإضافة مثل هذه الكلمات إليه"2.--------------------------------------------
1 فتح المغيث: (1/253) .
2 المنار المنيف: (ص 51) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 456)

2- وصنف آخر، كان قصدهم من وضع الحديث: شغل الناس بالخير وصرفهم عن الشر بزعمهم، فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، والفضائل: كفضائل سور القرآن سورة سورة، وغير ذلك.
وقد أشار ابن القَيِّم رحمه الله إلى هذه الطائفة وصنيعها، فذكر ما قاموا به من وضع أحاديث فضائل السور، ثم قال: "وقد اعترف بوضعها واضعها، وقال: قصدت أن أشغل الناس بالقرآن عن غيره. وقال بعض جهلاء الوضاعين في هذا النوع: نحن نكذب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نكذب عليه. ولم يعلم هذا الجاهل: أنه من قال عليه ما لم يقل، فقد كذب عليه واستحق الوعيد الشديد"1. وهذه الطائفة غالباً ما ينسبون إلى الزهد والصلاح، ولذا فهم أعظم هذه الطوائف خطراً؛ لثقة الناس بهم2.
وقد أشار بعض الأئمة رحمهم الله إلى حال هؤلاء القوم وسوء صنيعهم وكذبهم في الحديث النبوي، من ذلك قول يحيى بن سعيد القطان رحمه الله: "ما رأيت الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث"3.
3- وطائفة ثالثة من أصحاب الأهواء والبدع، وضعوا الحديث نصرةً لمذاهبهم، وتعصباً لِنِحَلِهم، وتأييداً لبدعهم: كالروافض، والخوارج، وغيرهم.--------------------------------------------
1 المنار المنيف: (ص114 - 115) .
2 انظر: ألفية الحديث وشرحها - للعراقي: (1/266)
3 الجامع للخطيب البغدادي: (2/199) . وانظر أيضاً: مقدمة صحيح مسلم مع شرح النووي: (1/94) ، والتمهيد: (1/52) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 457)

قال ابن القَيِّم رحمه الله: "وأما ما وضعه الرافضة في فضائل علي: فأكثر من أن يعد". ثم نقل عن الخليلي قوله: إنهم وضعوا ثلثمائة ألف حديث، ثم قال: "ولا تستبعد هذا؛ فإنك لو تتبعت ما عندهم من ذلك لوجدت الأمر كما قال"1.
ومن ذلك أيضاً: ما أشار إليه رحمه الله من وضع أهل البدع أحاديث في الاكتحال والتطيب يوم عاشوراء، وذكر أن ذلك كله كذب من وضع المبتدعة، تأييداً لبدعهم2.
4- وطائفة من هؤلاء كانوا من أصحاب المصالح الدنيوية، والأغراض الشخصية، فوضعوا أحاديث لتحقيق تلك المصالح، وتحصيل تلك الأغراض.
قال ابن القَيِّم رحمه الله يصف بعض هذه الطوائف: "وكل حديث في الصخرة فهو كذب مفترى، والقدم الذي فيها كذب موضوع، مما عملته أيدي الْمُزَوِّرين، الذين يُرَوِّجُون لها ليكثر سواد الزائرين"3.
ويشير بذلك إلى الأحاديث التي وُضعت في فضل الصخرة ببيت المقدس.
وبعد، فهذه بعض الأغراض التي ذكرها ابن القَيِّم رحمه الله مما حمل بعض الناس على وضع الحديث.--------------------------------------------
1 المنار المنيف: (ص116) .
2 المنار المنيف: (ص111- 113) .
3 المنار المنيف: (ص87) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 458)

المسألة السادسة: العلامات التي يُعرف بها كون الحديث موضوعاً.
تناول الأئمة رحمهم الله عند كلامهم على الحديث الموضوع - بعض العلامات التي تدل على كون الحديث موضوعاً، وذلك مما يقع في متنه دون إسناده، بحيث ترشد هذه العلامات الناظرَ فيه إلى أنه ليس من كلام النبيصلى الله عليه وسلم.
ولكن ليس ذلك بمقدور كل أحد، وإنما تميزت بذلك طائفة معينة من الأئمة، هيأهم الله لذلك، واختصهم بخصائص ليست لغيرهم، أولئك: هم جهابذةُ الحديث وأطباؤه، وصيارفته ونقاده.
قال ابن القَيِّم رحمه الله في بيان صفة هذه الطائفة، والأسباب التي أوصلتهم إلى هذه المرتبة:
"وإنما يعلم ذلك - يعني كون الحديث موضوعاً -: من تَضَلَّع1 في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالط للرسول صلى الله عليه وسلم كواحد من أصحابه"2.--------------------------------------------
1 تَضَلَّعَ الرجل: امتلأ ما بين أضلاعه شبعاً ورياً. (لسان العرب: ص2599، مادة: ضلع) .فمراد ابن القَيِّم هنا: من تَشَبَّعَ بمعرفة السنن حتى امتلأ من هذه المعرفة، وصار له فيها شأن.
2 المنار المنيف: (ص44) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 459)

ولقد أسهم ابن القَيِّم رحمه الله في هذا الجانب إسهاماً فَعَّالاً، وشارك بجهد نافع؛ذلك أنه رحمه الله قد سئل عن إمكان معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير نظر في إسناده.
فأجاب - بعد أن بين أهمية هذا السؤال وعظم قدره - بجملة من الضوابط والدلائل التي يعرف بها ذلك1فجاءت كلماته نافعة في بابها، مفيدة لمن طالعها ونظرها.
فمن هذه الضوابط والعلامات التي ذكرها ابن القَيِّم رحمه الله:
1- اشتمال الحديث على مجازفات باردة لا يمكن أن يقول مثلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والْمُجَازَفَة: هي إرسال الكلام إرسالاً من غير قانون. ويُقَالُ لمن كان هذا شأنه: جازف في كلامه2.
فقصد ابن القَيِّم بذلك: أن يكون الحديث مشتملاً على كلام مبالغ فيه، وتهويلات لا ضابط لها.
ويكثر هذا النوع من المجازفات الفارغة في أحاديث الترغيب والترهيب، وقد مثَّل ابن القَيِّم لذلك بأحاديث، منها:
- حديث: " من صلى الضحى كذا وكذا ركعة، أعطي ثواب سبعين نبياً".--------------------------------------------
1 انظر: المنار المنيف: (ص50 - 102) .
2 المصباح المنير: (1/99) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 460)

قال ابن القَيِّم: "وكأن هذا الكذاب الخبيث لم يعلم أن غير النبي لو صَلَّى عُمْرَ نوحٍ عليه السلام لم يعط ثواب نبيٍّ واحد".1
- وحديث: " من صلى بعد المغرب ست ركعات، لم يتكلم بينهن بشيء عدلن له عبادة اثنتي عشرة سنة " 2.
إلى غير ذلك من المبالغات الكثيرة التي نسجها الكذابون على هذا المنوال3.
2- أن يكون الحديث مما يكذبه الحس.
كأن يكون الحديث مشتملاً على أمر يشهد الواقع المحسوس المشاهد بكذبه، ومن أمثلة ما وضع من هذا القبيل:
- حديث: " الباذنجان شفاء من كل داء " 4.
- وحديث: " الباذنجان لما أكل له " 5.--------------------------------------------
1 المنار المنيف: (ص50) ، وانظر (الموضوعات) لابن الجوزي (2/416- 417) ح992، فقد ذكر حديثاً طويلاً في ثواب من صلى الضحى يوم الجمعة، وفيه: "والذي بعثني بالحق إن له من الثواب كثواب إبراهيم، وموسى ويحيى وعيسى … ". ثم حكم بوضعه. أما اللفظ الذي ذكره ابن القَيِّم رحمه الله: فلم أقف عليه.
2 المنار المنيف: (ص47) ، وأورده ابن طاهر في (معرفة التذكرة في الأحاديث الموضوعة) : (ص219ح824) . ورواه ابن حبان في (المجروحين) (2/83) في ترجمة عمر بن راشد اليمامي، قال: "كان ممن يروي الموضوعات عن ثقات أئمة…". ثم قال: "وهو الذي روى عن يحيى بن أبي كثير … " فساق هذا الحديث.
3 المنار المنيف: (ص44- 51) .
4 انظر: الفوائد المجموعة (ص167) ح36 من كتاب الأطعمة والأشربة، وتذكرة الموضوعات (ص148) .
5 انظر: تذكرة الموضوعات: (ص148) ، والمصنوع: (ص73ح75) ، وكشف الخفاء (ح874) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 461)

قال ابن القَيِّم رحمه الله: " … ولو أكل الباذنجان للحمى والسوداء الغالبة، وكثير من الأمراض لم يزدها إلا شِدَّة، ولو أكله فقيرٌ ليستغني لم يفده الغنى، أو جاهلٌ ليتعلم لم يفده العلم"1.
فهذه الأحاديث وأمثالها مما يكذبها الواقع، وتدل المشاهدة والحقائق المقررة على خلافها.
3- سماجة الحديث، وكونه مما يُسْخَرُ منه.
والسَّمَاجُة: نقيض الملاحة، وسَمُجَ الشيء، فهو سَمْجٌ، وَسَمِجٌ: قَبُحَ2.
ومن الأمثلة التي أوردها ابن القَيِّم رحمه الله على هذا الأمر:
- حديث: " لو كان الأرز رجلاً لكان حليماً … " 3.
- حديث: " لا تسبوا الديك؛ فإنه صديقي … " 4.
4- مخالفة الحديث لصريح القرآن.
- كحديث مقدار الدنيا، " وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة" 5.--------------------------------------------
1 المنار المنيف: (ص51) .
2 لسان العرب: (ص2087. مادة: سمج) ، والمصباح المنير: (1/287) .
3 المنار المنيف: (ص54) ، وانظر المصنوع (148ح252) ، وتذكرة الموضوعات (ص148) ، وتمييز الطيب من الخبيث (ص 135) .
4 المنار المنيف: (ص55) ، وانظر: الموضوعات لابن الجوزي (3/133ح1347) ، وتنزيه الشريعة (2/249ح60) .
5 المنار المنيف: (ص80) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 462)

فهذا الحديث يناقض نصوص القرآن الكثيرة التي فيها أن الله عز وجل قد اختص بعلم الساعة، ولم يطلع على ذلك أحداً، كقوله تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ} [الأعراف: 187] .
5- مناقضة الحديث لما جاءت به السُّنة الصريحة مناقضةً بَيِّنة.
قال ابن القَيِّم رحمه الله: "فكل حديث يشتمل على فساد، أو ظلم، أو عبث، أو مدح باطل، أو ذم حق، أو نحو ذلك: فرسول الله صلى الله عليه وسلم منه بريء"1.
ومن أمثلة ذلك مما ساقه ابن القَيِّم رحمه الله: الأحاديث الواردة في مدح من اسمه محمد أو أحمد، وأنه من تسمى بذلك لا يدخل النار2.
قال ابن القَيِّم: "وهذا مناقض لما هو معلوم من دينه صلى الله عليه وسلم: أن النار--------------------------------------------
1 المنار المنيف: (ص57) .
2 من أمثلة ذلك: ما يروى عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً: "يُوقف عبدان بين يدي الله عزوجل فيأمر بهما إلى الجنة، فيقولان: ربنا بما نستأهل الجنة ولم نعمل عملاً تجازينا؟! فيقول الله لهما: عبديّ ادخلا الجنة، فإني آليت على نفسي أن لا يدخل النار من اسمه أحمد أو محمد".
أخرجه ابن الجوزي في (الموضوعات) : (1/240- 241ح326) . أخرجه ابن الجوزي، وأورده ابن عراق في (تنزيه الشريعة) : (1/173ح13) . وينظر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك في موضوعات ابن الجوزي - المصدر السابق - الأحاديث رقم (320 - 328) .

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 463)