"الذي في الصحيحين: أنه قرأ سورة البقرة … وقصة قراءته بـ (اقتربت) لم تُذْكَر في الصحيح، والذي في الصحيح أولى بالصحة منها"1.
5- تقديم خبر الْمُثْبتِ على خبرِ النَّافي؛ لأن المثبت معه زيادة علم خَفِيَتْ على النافي.
قال ابن القَيِّم في حديث جابر في الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان واحد وإقامتين، وما جاء في حديث أسامة بن زيد من قوله: "أُقِيْمت الصلاة فصلَّى المغرب … ثم أقَيِّمت العشاء فصلاها" قال في حديث أسامة هذا: " … وسكت عن الأذان … بل لو نفاه جملة، لَقُدِّمَ عليه حديث من أَثْبَتَهُ؛ لِتَضَمُّنِهِ زيادة خفيت على النافي"2.
وقال رحمه الله في الأحاديث التي تثبت سجوده صلى الله عليه وسلم في المفصل، والأحاديث التي تنفي ذلك: "فلو تعارض الحديثان من كل وجه، وتقاوما في الصحة، لَتَعَيَّنَ تقديم حديث أبي هريرة؛ لأنه مثبتٌ معه زيادةُ علمٍ خفيت على ابن عباس"3.
6- أن يكون أحد الحديثين قد اختلفت الرواية فيه، والآخر لم--------------------------------------------
1 الصلاة: (ص 191 - 192) .
2 تهذيب السنن: (2/402) .
3 زاد المعاد: (1/364) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 507)
تختلف، فَيُقَدَّمُ الذي لم يختلف على غيره1.
قال ابن القَيِّم رحمه الله في ترجيح حديث بُسْرَة في نقض الوضوء بِمَسِّ الذَّكَر على حديث طَلْق في عدم النقض:
"أن طلقاً قد اختلفت الرواية عنه، فروي عنه: "هل هو إلا بضعة منك؟ " وروى أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه مرفوعاً: "من مسَّ فرجه فليتوضأ"" 2
7- الترجيح بكثرة عدد الرواة لأحد الخبرين.
قال الحازمي: "وهي مؤثرة في باب الرواية؛ لأنها تقرب مما يوجب العلم، وهو التواتر"3. وقال السيوطي: "لأن احتمال الكذب والوهم على الأكثر أبعد من احتماله على الأقل"4.
وقد رَجَّحَ ابن القَيِّم رحمه الله بالكثرة، فقال في أحاديث النقض بمس الذكر أيضاً: "أن رواة النقض أكثر … فإنه من رواية: بسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وأبي أيوب، وزيد بن خالد"5.
وبعد، فهذه أبرز الْمُرَجِّحَات التي وقفتُ عليها في كلامِ ابن القَيِّم وأبحاثه في الترجيح بين الأخبار.--------------------------------------------
1 وانظر: الاعتبار: (ص15) .
2 تهذيب السنن: (1/135) .
3 الاعتبار: (ص11) .
4 تدريب الراوي: (2/198) .
5 تهذيب السنن: (1/135) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 508)
المبحث السابع عشر: معرفة من اختلط من الرواة الثقات
الْمُخْتَلِطِ:
هو سيء الحفظ الذي يكون سوء الحفظ طارئاً عليه؛ لكبره، أو لذهاب بصره، أو لاحتراق كتبه، أو عَدَمِها: بأن كان يعتمدها فَرَجَعَ إلى حفظه فساء1.
وحقيقة الاختلاط:
"فساد العقل، وعدمُ انتظام الأقوالِ والأفعال: إما بِخِرَف أو ضرر، أو مرض، أوعرض: من موتِ ابن أو سرقة مالٍ كالمسعودي، أو ذهاب كتب: كابن لهيعة، أو احتراقها: كابن الملقن". قاله السخاوي2.
حكم رواية الْمُخْتَلِطِ:
الحكم في ذلك يكون باعتبار الرواة عن الْمُخْتَلِطِ:
- فمن أخذ عنه قبل الاختلاط: قُبِلَ حديثه.
- ومن أخذ عنه بعد الاختلاط، أو أشكل أمره، فلم يُدْرَ أخذ عنه بعد الاختلاط أو قبله: لم يُقْبل حديثه.--------------------------------------------
1 نزهة النظر: (ص51) .
2 فتح المغيث: (3/331) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 509)
كذا قال غير واحد من أهل العلم1.
ولكن إذا تُوبِع الْمُخْتَلِطِ - فيما روي عنه بعد الاختلاط - أو فيما لم يتميز من حديثه - فَوُجِدَ لروايته أصلٌ من غير طريقه: بأن وَافَقَهُ ثقة، أو مَنْ يَصْلُحُ حديثه للاعتبار: قُبِلَتْ روايته2.
وقد أشار ابن القَيِّم رحمه الله إلى أن الْمُخْتَلِطَ يُقْبَل حديثه إذا كان الراوي له أَخَذَ عنه قبل الاختلاط، فقال - في حديث لسعيد الجُريري من رواية يزيد بن هارون عنه - وقد أخذ عنه بعد الاختلاط -:
"إن حماد بن سلمة قد تابع يزيد بن هارون على روايته … وسماع حماد منه قديم"3. يعني: فيكون مقبولاً.
وقال في حديث أبي هريرة مرفوعاً: " من صَلَّى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه" - وقد روى من طريق: ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة -:
"وهذا الحديث حسن؛ فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه، وسماعُهُ منه قديمٌ قبل اختلاطِهِ، فلا يكون اختلاطه موجباً لرد ما حَدَّثَ به قبل الاختلاط"4.--------------------------------------------
1 انظر: مقدمة ابن الصلاح: (ص195) ، وتدريب الراوي: (2/372) .
2 انظر: نزهة النظر: (ص 51 - 52) .
3 تهذيب السنن: (3/426) .
4 زاد المعاد: (1/501) . وانظر: تهذيب السنن: (4/325) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 510)
وقال في حديث السِّعَاية - وقد روى من طريق سعيد بن أبي عروبة -:
"وسعيدٌ وإن كان قد اختلط في آخر عمره، فهذا الحديث من رواية: يزيد بن زريع، وعبدة، وإسماعيل، والجِلَّة عن سعيد، وهؤلاء أعلم بحديثه، ولم يرووا عنه إلا ما كان قبل اختلاطه؛ ولهذا أخرج أصحاب الصحيح حديثهم عنه"1.
فهكذا نجدُ ابن القَيِّم رحمه الله يُقَرِّرُ ما ذهبَ إليه أئمة هذا الشأن: من قبول رواية الْمُخْتَلِطِ إذا كانت من رواية من أَخَذَ عنه قبل اختلاطه، ويؤكد أن ما وُجِدَ من ذلك في "الصحيحين" فإنه محمول على هذا2.
وأما إذا كانت رواية الْمُخْتَلِطِ لم تأت إلا من طريق من أخذ عنه بعد اختلاطه، فإن ابن القَيِّم رحمه الله لم يرَ رَدَّ ذلك مطلقاً، ولا جعله عِلَّةً دائماً، بل يرى أنه لابد من ضبطه بضابطٍ، فقال مرة في رواية يزيد بن هارون، عن سعيد الجريري، وقد روى عنه بعد الاختلاط: "هذا إنما يكون علة إذا كان الراوي ممن لا يُمَيِّزُ حديث الشيخ صحيحه من سقِيمه. وأما يزيد بن هارون وأمثاله إذا رووا عن رجل قد وقع في حديثه بعض الاختلاط، فإنهم يميزون حديثه وينتقونه"3.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (5/399) .
2 وانظر: تدريب الراوي: (2/380) .
3 تهذيب السنن: (3/426 - 427) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 511)
وهذا الكلام منه رحمه الله فيه إطلاق لابد من ضبطه وتقييده، فَيُقَالُ: يُقبل حديث من روى عن الْمُخْتَلِطِ في الاختلاط: إذا كان ممن يَنْتَقِي من حديثه، ويميزُ بين الصحيح والسقَيِّم، بتصريحه أو نحو ذلك، كما كان من حال وكيع بن الجراح مع سعيد بن أبي عروبة، فقد قال له يحيى بن معين: تُحَدِّثُ عن سعيد بن أبي عروبة، وإِنَّمَا سمعت منه في الاختلاط؟ قال: رأيتني حدثت عنه إلا بحديث مُسْتَوٍ؟ 1. فهذا التصريح من وكيع رحمه الله يدل على أنه ينتقي من حديثه، وأما من لم يصرِّح بذلك، ولم يأت عنه دليل آخر يفيد ذلك: فإن الأمر بالنسبة له محل توقف، والله أعلم.--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص 217) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 512)
الفصل الثاني: آراء ابن القيم وإفاداته ومنهجه في الجرح والتعديل
المبحث الأول: آراء ابن القيم في الجرح والتعديل
المطلب الأول: في جواز الجرح، وأنه ليس من الغيبة المحرمة.
…
الفصل الثاني: آراء ابن القَيِّم وإفاداته ومنهجه في الجرح والتعديل
ويتضمن هذا الفصل: عرضُ آراء ابن القَيِّم رحمه الله وإفاداته في علم "الجرح والتعديل" وقواعده، ومقارنة ذلك بآراء الأئمة الآخرين المعنيين بهذا الفن.
وقد وُجِدت هذه الآراء، وتلك الإفادات مبثوثةً في أثناء كتبه، وذلك عند بحثه ومعالجته للقضايا الحديثية، ونقده للأسانيد وحكمه عليها.
فإنه رحمه الله في أثناء تناوله لرجال الأسانيد، وكلامه فيهم جرحاً وتعديلاً، كان رُبَّمَا دَعَتْهُ الحاجة إلى ذكر قاعدة من قواعد الفن، وبيان رأيه فيها، وذلك: إما لتأييد حكمه على رجل، أو لرد تُهْمَةٍ ألصقت بآخر، أو لغير ذلك من الأغراض التي تبعث على الاستشهاد بقواعد هذا الفن.
والغَرَضُ من عرضِ ذلك: التعريفُ بمكانة ابن القَيِّم رحمه الله في هذا الباب، ومدى تَمَكُّنِهِ منه، وإِلْمَامِهِ بقواعده، وكيفية تطبيقه لتلك القواعد في أثناء تعامله مع النصوص الحديثية، وحكمه على أسانيدها.
ومن أغراض ذلك أيضاً: تأكيد أن ابن القَيِّم رحمه الله قد بَنَى كلامه في الرجال - جرحاً وتعديلاً - على قواعد هذا الفن وأسسه، فلم يكن مجرد ناقل لكلام الأئمة في الرجال دون تمحيص ودراية، بل كان رحمه الله على وعي تام، وإدراك كامل لمعاني كلامهم، ومدلولات ألفاظهم، والضوابط التي كانت تحكم كلامهم في الرجال جرحاً وتعديلاً.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 515)
وقد جعلت الكلام في هذا الفصل من خلال مبحثين:
المبحث الأول: آراء ابن القَيِّم في الجرح والتعديل.
المبحث الثاني: منهجه في الجرح والتعديل.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 516)
المطلب الأول: في جواز الجرح، وأنه ليس من الغيبة المحرمة
أكثر علماء السَّلف على جواز الكلام في الرواة جرحاً وتعديلاً، وذلك صوناً للأحاديث النبوية عن أن يُدْخَل فيها ما ليس منها، قال ابن أبي حاتم رحمه الله: "ولما كان الدين هو الذي جاءنا عن الله عز وجل، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل الرواة، حق علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن النَّاقِلَةِ، والبحث عن أحوالهم، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية … وأن يُعْزَل عنهم الذين جَرَحَهُم أهل العدالة، وكشفوا لنا عن عَوْرَاتِهِم … "1.
والأصل في ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي استأذن عليه: "ائذنوا له فبئس رجل العشيرة". قال الخطيب رحمه الله: "ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل: بئس رجل العشيرة؛ دليل على أن إخبار المخبر بما يكون في الرجل من العيب على ما يوجب العلم والدين من النصيحة للسائل؛ ليس بغيبة". قال: "وكذلك أئمتنا في العلم بهذه الصناعة، إنما أطلقوا الجرح فيمن ليس بعدل؛ لئلا يتغطى أمره على من لا يخبره فيظنه من أهل العدالة فيحتج بخبره … "2.
وكذلك حديث فاطمة بنت قيس لما استشارته في خطبة معاوية وأبي جهم لها، فقال لها صلى الله عليه وسلم: "أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه،--------------------------------------------
1 مقدمة الجرح والتعديل: (ص5) . وانظر مقدمة ابن الصلاح: (ص193) معرفة الثقات والضعفاء من رواة الحديث.
2 الكفاية: (ص83 - 84) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 519)
وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحى أسامة بن زيد … " الحديث. قال الخطيب: "في هذا الخبر دلالة على إجازة الجرح للضعفاء على جهة النصيحة؛ لتجنب الرواية عنهم، وليعدل عن الاحتجاج بأخبارهم … "1.
وقال المعلمي اليماني: "أول من تكلم في أحوال الرجال القرآن، ثم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أصحابه"2.
وقد عَبَّر ابن القَيِّم رحمه الله عن مذهب الجمهور في ذلك، فقال - عند كلامه على الفوائد المستنبطة من قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك -: "ومنها: جوازُ الطعْنِ في الرَّجُلِ - بما يَغْلُب على اجتهادِ الطاعن - حَمِيَّة3، أو ذبًّا عن الله ورسوله، ومن هذا: طعنُ أهلِ الحديث فيمن طَعَنُوا فيه من الرواة، ومن هذا: طعنُ ورثةِ الأنبياء، وأهلِ السنة في أهل الأهواء والبدع، لله لا لحظوظهم وأغراضهم"4.
ويشير ابن القَيِّم رحمه الله بذلك إلى قول رجل من بني سلمة في كعب بن مالك: "يا رسول الله، حَبَسَه بُرْدَاهُ، ونظره في عطفه، وذلك حين قال النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك: "ما فعل كعب؟ " 5.--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص84 - 85) .
(4) علم الرجال وأهميته: (ص18) .
3 الْحَمِيَّة: الأنفة. (المصباح المنير: 1/153) .
4 زاد المعاد: (3/575) .
5 صحيح البخاري: ك المغازي، باب حديث كعب بن مالك …ح4418. فتح الباري: (8/114) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 520)
وقد أكد الأئمة رحمهم الله جواز ذلك، وبيان الغرض الباعث عليه، وردوا على من منع ذلك وعابه، وهاك بعض أقوالهم في ذلك:
قال الإمام الترمذي رحمه الله: "وقد عاب بعض من لا يفهم على أهل الحديث الكلام في الرجال، وقد وجدنا غير واحد من الأئمة من التابعين قد تكلموا في الرجال … ". ثم ساق رحمه الله جملة من هؤلاء الأئمة، وأقوالهم فيمن جرحوهم، ثم قال: "وإنَّمَا حملهم على ذلك عندنا - والله أعلم - النصيحة للمسلمين، لا يُظَنُّ بهم أنهم أرادوا الطعن على الناس أو الغِيبة، إنما أرادوا عندنا: أن يُبَيِّنُوا ضعف هؤلاء لكي يُعْرَفوا". ثم ساقَ بإسناده إلى يحيى القطان رحمه الله، أنه قال: "سألت سفيان الثوري، وشعبة، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة: عن الرجل تكون فيه تهمة أو ضعف، أَسْكُتُ أو أُبَيِّن؟ قالوا: بَيِّنَ"1.
وقال الخطيب البغدادي: "وقد أَنْكَرَ قومٌ لم يتبحروا في العلم قولَ الحفاظ من أئمتنا، وأولي المعرفة من أسلافنا: إن فلاناً الراوي ضعيف، وفلاناً غير ثقة، وما أشبه هذا من الكلام، ورأوا ذلك غيبةً لمن قيل فيه … "2. قال: "وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ لأن أهل العلم أجمعوا على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصدوق المأمون على ما يخبر به، وفي ذلك دليل على جواز الجرح لمن لم يكن صدوقاً في روايته،--------------------------------------------
1 علل الترمذي: انظر جامع الترمذي: (5/738 - 739) .
2 الكفاية: (ص81) باب وجوب تعريف المزكِّي ما عنده من حال المسئول عنه.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 521)
مع أن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وَرَدَتْ مُصَرِّحَةً بتصديق ما ذكرنا، وبضدِّ قول من خالفنا"1.
والآثار عن أئمة السلف رحمهم الله في جواز ذلك - بل ووجوبه - كثيرة لا تُحْصَى2.
ولقد أحسنَ ابن القَيِّم رحمه الله بدقيق فهمه، وحسن استنباطه، حينما استدل بهذه القصة على جواز ذلك؛ إذ إن كلام الرجل في كعب ابن مالك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرته – ذَبًّا عن الله ورسوله وغَضَباً لهما: لو كان ذلك من الغيبة المحرمة، لما سكتَ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أقرَّه، فدلَّ ذلك - أوضح دلالة - على جوازه لمصلحة شَرْعِيَّةٍ، ولا شك أن بيان حال نقلة السُّنن، وحملة الآثار من أعظم تلك المصالح.
فالحاصل: أن ابن القَيِّم - رحمه الله تعالى - قد وافق أئمة الحديث والجَرْحِ والتعديل في هذه المسألة، وهي: جوازُ جَرْحِ الرواة، وكشف عيوبهم، وبيان ضعفهم، نصيحة لله ورسوله، وذَبًّا عن شريعة الإسلام.--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص83) .
2 راجع للوقوف عليها: شرح علل الترمذي: (ص76 - 81) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 522)
المطلب الثاني: هل يثبتُ الجَرْحُ والتَّعْدِيْلُ بقولِ الواحد؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال ثلاثة:
أولها: أنه لا يقبل في جرح الرواة وتعديلهم أقل من اثنين، قياساً على الشهادات.
ثانيها: أنه يكفي في الجرح والتعديل قول الواحد، في الرواية والشهادة على السواء.
ثالثها: التفريق في ذلك بين الرواية والشهادة: فيقبلُ في جرح الرواة وتعديلهم قول الواحد، ولا يقبل في الشهادة إلا اثنان1.
والرَّاجِح هو المذهب الثالث، نَقَلَهُ الخطيب عن كثير من أهل العلم، ثم قال: "والذي نَسْتَحِبُّهُ: أن يكون من يُزَكِّي الْمُحَدِّثَ اثنين للاحتياط، فإن اقْتُصِرَ على تزكية واحد: أَجَزَأَ"2. وقال ابن الصلاح: "وهو الصحيح الذي اختاره الحافظ أبو بكر الخطيب وغيره … ؛ لأن العدد لم يُشْتَرَطْ في قبول الخبر، فلم يشترط في جرح راويه وتعديله، بخلاف الشهادات"3. ورجحه كذلك: العراقي4، وابن حجر5، والسخاوي6.--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص 160-161) . ومقدمة ابن الصلاح: (ص52) .
2 الكفاية: (ص 161) .
3 مقدمة ابن الصلاح: (ص52) .
4 شرح الألفية: (1/295) .
5 نزهة النظر مع النخبة: (ص72) .
6 فتح المغيث (1/290) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 523)
وقد اختار ابن القَيِّم رحمه الله في هذه المسألة رأي الجمهور: وهو الاكتفاء بقول الواحد في الجرح والتعديل.
قال مرة: " … فإن التعديل من باب الإخبار والحُكْم، لا من باب الشهاد ة، ولا سِيَّمَا التعديل في الرواية؛ فإنه يُكْتَفَى فيه بالواحد ولا يزيد عن أصل نصاب الرواية"1.
يعني: لَمَّا كان يُكْتَفَى في قبول الرواية بالواحد، فكذلك تعديلُ رَاوِيهَا وجرحُهُ لا يشترط له أكثر من واحد.
فتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم رحمه الله يوافق اختياره اختيار الجمهور في هذه المسألة، وهي: الاكتفاء في الجرح والتعديل بقول الواحد، وعدم اشتراط أكثر من ذلك فيهما.--------------------------------------------
1 زاد المعاد: (5/456 - 457) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 524)
المطلب الثالث: بماذا تثبت العدالة؟
الصحيح المشهور: أن العدالة تثبتُ بأحد أمرين:
1- فتارةً تثبت بتنصيص الْمُعَدِّلِين على عدالته، وقد تَقَدَّم أنه يُكتفى في ذلك بقول الواحدِ على الصحيح.
2- وتارة تثبت العدالة بالاستفاضة والشهرة، "فمن اشتهرتْ عَدَالَتُهُ بين أهل النقل أو نحوهم من أهل العلم، وشاع الثناء عليه بالثقة والأمانة، اسْتُغْنِي فيه بذلك عن بَيِّنَةٍ شاهدة بعدالته تنصيصاً"1. فمثل: مالك، والثوري، وابن عيينة، وشعبة، والأوزاعي، والليث، وابن المبارك، ويحيى القطان، وأحمد، وابن مهدي، والشافعي، ووكيع، "ومن جَرَى مجراهم في: نباهة الذِّكْرِ، واستقامةِ الأمر، والاشتهارِ بالصِّدق والبصيرةِ والفهم، لا يُسْأَل عن عدالتهم، وإنما يُسْأَل عن عدالةِ من كان في عِدَاد المجهولين، أو أَشْكَلَ أَمْرُهُ على الطالبين"2.
قال ابن الصلاح: "وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه. وممن ذكر ذلك من أهل الحديث: أبو بكر الخطيب الحافظ"3.
وأما ابن القَيِّم رحمه الله: فقد تَوَسَّعَ في إثبات العدالة،--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح: (ص50) .
2 الكفاية: (ص147) .
3 مقدمة ابن الصلاح: (ص50) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 525)
فذهب إلى أنها تثبت لكل من عُرِفَ بحملِ العِلْمِ، والعناية به، واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" 1.
قال ابن القَيِّم رحمه الله: "فأخبر صلى الله عليه وسلم أنَّ العلم الذي جاء به يحمله عُدُولُ أُمَّتِهِ من كلِّ خَلَفٍ، حتى لا يضيعَ ويذهب، وهذا يتضمن تعديله صلى الله عليه وسلم لحملة العلم الذي بُعِثَ به … فكل من حَمَل العلم المشار إليه، لا بد أن يكون عدلاً، ولهذا اشتهر عند الأمة عدالة نَقَلتِهِ وحَمَلَتِهِ، اشتهاراً لا يَقْبَلُ شَكَّاً ولا امتراء، ولا ريب أن من عَدَّلَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُسمعُ فيه جَرْحٌ، فالأئمة الذين اشتهروا عند الأمة بنقل العلم النبوي وميراثه، كلهم عدول بتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا لا يقبل قدح بعضهم في بعض، وهذا بخلاف من اشتهر عند الأمة جَرْحُه والقدحُ فيه: كأئمة البدعِ، ومن جرى مجراهم من المتهمين في الدين، فإنهم ليسو عند الأمة من حملة العلم، فما حَمَل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عدل"2.
ثم حَدَّدَ رحمه الله مفهوم العدالة، فقال: "ولكن قد يُغْلَط في مُسَمَّى العدالة، فَيُظَنُ أن المراد بالعدل: من لا ذنب له! وليس كذلك، بل هو عَدْلٌ مؤتمن على الدين، وإن كان منه ما يتوب إلى الله منه، فإن هذا لا يُنَافي العدالة، كما لا ينافي الإيمان والولاية"3.--------------------------------------------
1 أخرجه ابن عبد البر في (التمهيد) : (1/59) ، والخطيب في (شرف أصحاب الحديث) (ص29) ، من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وغيرهما، وسيأتي الكلام عليه بعد قليل.
2 مفتاح دار السعادة: (1/163) .
3 المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 526)
فقد تَضَمَّنَ كلام ابن القَيِّم هذا أموراً:
- أنَّ العدالة تثبت لكل من عُرِفَ بحمل العلم النبوي.
- وأنَّ هذه العدالة ثابتةٌ لهذه الطائفة بشهادَتِهِ وخبره صلى الله عليه وسلم.
- وأنَّ هذه العدالةَ لا يُنَافِيهَا الوقوع في الذنوب الصغيرة التي يتوب العبد منها.
وقد سبقَ ابنَ القَيِّم رحمه الله إلى القول بذلك: ابنُ عبد البر، فقال: "كل حامل علم، معروف العناية به، فهو عدل، محمول في أمره أبداً على العدالة، حتى يتبين جرحه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "يحملُ هذا العلم من كل خلف عُدُولُه" 1".
وقد تُعُقِّبَ ابن عبد البر في ذلك، فقال ابن الصلاح: "وفيما قاله اتساع غير مرضي"2.
وبيان المآخذ على ما ذهب إليه ابن القَيِّم - وسبقه إليه ابن عبد البر - من وجوه:
أولها: ضَعْفُ الحديث الذي بنوا عليه هذا القول، وهو حديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله … ". وقد روي مرسلاً ومسنداً3.--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح: (ص50) . وانظر التمهيد: (1/58-59) .
2 مقدمة ابن الصلاح: (ص50) .
3 ينظر دراسة هذا الحديث والكلام عليه: فيما علقته على (البدر المنير) : (1/214-219) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 527)
فقد ضَعَّفَ هذا الحديث: ابن القطان1، والحافظ ابن كثير2، والعراقي3وغيرهم.
وصَحَّحَ الإمام أحمد الرواية المرسلة4. وذهب جماعة إلى أن الحديث يقوى بمجموع طرقه، ويصل إلى درجة الحسن، قال ذلك: العلائي5، والقسطلاني6، والسخاوي7، والقاسمي8، وغيرهم.
وقد مال ابن القَيِّم رحمه الله إلى تقويته أيضاً، فقال: "يُروى عنه من وجوهٍ شَدَّ بعضها بعضاً"9.
ثانيها: أنه على فرض ثبوت هذا الحديث، فإنه لا يصحُّ حَمْلُه على الخبر "لوجودِ من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة … فلم يبق له محمل إلا على الأمر، ومعناه: أنه أمرٌ للثقات بحملِ العلمِ؛ لأن العلم إنما يُقْبَلُ عن الثقات"10.
ويؤيد ذلك: مجيئهُ من بعض الطرق بصيغة الأمر: "ليحمل هذا العلم … " 11.--------------------------------------------
1 التقييد والإيضاح: (ص139) .
2 الباعث الحثيث: (ص94) .
3 التقييد والإيضاح: (ص138) .
4 شرف أصحاب الحديث: (ص29) .
5 بغية الملتمس: (ص34) .
6 إرشاد الساري: (1/4) .
7 الهداية في علم الرواية: (ق16/ب) .
8 قواعد التحديث: (ص49) .
9 طريق الهجرتين: (ص619) .
10 فتح المغيث: (1/294- 295) .
11 الجرح والتعديل: (1/1/17) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 528)
وَحَمَلَهُ بعضهم على إرادة الغالب، فقال السخاوي: " … بل لا مانع أيضاً من كونه خبراً على ظاهره، ويُحْمَل على الغالب، والقصد: أنه مَظِنَّةٌ لذلك"1.
على أن ما ذهب إليه ابن القَيِّم رحمه الله ومن قبله ابن عبد البر - قد أَيَّدَهُما فيه جماعة، منهم: ابن الْمَوَّاق، فقال كمقالة ابن عبد البر2.
وقال المزي: "هو في زماننا مرضي، بل ربما يتعين"3.
وقال ابن الجزري: "ما ذهب إليه ابن عبد البر هو الصواب، وإن رَدَّهُ بعضهم"4.
وقال ابن سيد الناس: "لست أراه إلا مرضياً"5.
وقال النووي رحمه الله: "وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بصيانة العلم وحفظه، وعدالة ناقليه، وأن الله - تعالى - يُوَفِّقُ له في كلِّ عصرٍ خَلَفَاً من العدول يحملونه، وينفون عنه التحريف … وهذا تصريح بعدالة حامليه في كل عصر، وهكذا وقع ولله الحمد، وهذا من أعلام النبوة. ولا يَضُرُّ - مع هذا - كون بعض الفُسَّاقِ يَعْرِفُ شيئاً من العلم؛ فإن الحديث إنما هو--------------------------------------------
1 فتح المغيث: (1/295) .
2 التقييد ولإيضاح: (ص139) .
3 فتح المغيث: (1/297) .
4 المصدر السابق.
5 المصدر السابق.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 529)
إخبار: بأن العدول يحملونه، لا أن غيرهم لا يعرفُ شيئاً منه"1.
قال السخاوي - عقب مقالة النووي هذه -: "على أنه يقال: ما يَعْرِفُهُ الفُسَّاقُ من العلم ليس بعلم حقيقة؛ لعدم عَمَلِهِم به … وَصَرَّحَ به الشافعي في قوله:
ولا العلم إلا مع التُّقَى … ولا العَقْلُ إلا مع الأَدَبِ"2
وقال الحافظ الذهبي: "إنه حق - ولا يدخلُ فيه المستور، فإنه غير مشهور بالعناية بالعلم - فكلُّ من اشتهر بين الحفاظ بأنه من أصحاب الحديث، وأنه معروفٌ بالعناية بهذا الشأن، ثم كشفوا عن أخباره فما وجدوا فيه تَلْيِيناً، ولا اتَّفَقَ لهم علم بأن أحداً وَثَّقَهُ: فهذا الذي عَنَاه الحُفَّاظ، وأنه يكونُ مقبول الحديث إلى أن يلوح فيه جَرْحٌ"3.
فظهر بذلك أن ابن القَيِّم رحمه الله له في قوله هذا مُؤَيِّدون، وأنه لم ينفرد بذلك، وأن هذا المذهب قَوَّاهُ جماعة لا يستهان بهم من أئمة هذا الشأن.
وبنظرةٍ فاحصة إلى كلام هؤلاء الأئمة يتبين لنا: أنه لا منافاةَ بين حملِ هذا الحديث على الخبر على الحقيقة، وبين ما وَقَعَ من حَمْل بعض ساقطي العدالة لهذا العلم، وذلك إذا أخذنا في الاعتبار بعض الأمور، منها:
أولاً: أن يُحْمَلَ هذا الخبر على الغالب، أي: غالبُ من يحمل هذا العلم، أو: أَنَّ من يَحْمِلُهُ تغلبُ عليه العدالة، قال السخاوي: "والقصد:--------------------------------------------
1 تهذيب الأسماء واللغات: (1/17) .
2 فتح المغيث: (1/295) .
3 فتح المغيث: (1/297) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 530)