أنه مظنة لذلك"1.
ثانياً: ما قَرَّرَه النووي رحمه الله من أن: معرفة بعض الفُسَّاِق بهذا العلم، لا يتنافى مع إخباره صلى الله عليه وسلم بحمل العدول إياه؛ فإنَّ معرفتهم بهذا العلم غيرُ داخلة في هذا الحمل. هذا على فرض صحة تسمية ما يحمله هؤلاء الفساق علماً.
فَتَلَخَّص من ذلك: أن ما ذهب إليه ابن القَيِّم رحمه الله من ثبوت العدالة لكل من عرف بحمل هذا العلم، والاشتغال به، قد يكون مقبولاً إذا حُمل على ما تقدم ذكره. ومع ذلك فإن ما ذهب إليه الجمهور، من أنه لابُدَّ - لإثبات العدالة - من التنصيص على ذلك، أو الاعتماد على الشهرة والاستفاضة: هو الأقرب إلى الاحتياط، ولذلك قال ابن أبي الدم2 - في رَدِّهِ على ابن عبد البر-: "وهو غير مرضي عندنا؛ لخروجه عن الاحتياط"3. والله أعلم.
ويلتحق بمسألة ثبوت العدالة مسألة أخرى وهي:
إذا روى العدل عن رجل وَسَمَّاهُ، هل تُعْتَبُر روايتهُ عنه تعديلاً له؟--------------------------------------------
1 فتح المغيث: (1/297) .
2 العلامة، شهاب الدين إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم، الهمداني الحموي الشافعي. حَدَّث بالقاهرة وكثير من بلاد الشام، وولي قضاء حماة، وكان إماماً في المذهب الشافعي، توفي سنة (642هـ) .
له ترجمة في سير أعلام النبلاء (23/25) ، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة (2/124) .
3 فتح المغيث: (1/296) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 531)
في المسألة ثلاثة أقوال1:
الأول: أنه ليس بتعديل له؛ لأنه يجوز أن يروي عن غير عدل، وهذا هو قول أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم، وصححه ابن الصلاح2، وقال النووي: "هو الصحيح"3.
الثاني: أنه تعديل له مطلقاً، وهذا قول بعض أهل الحديث، وبعض أصحاب الشافعي. واحتجوا لهذا القول: بأن العدل لو كان يَعْلَم فيه جرحاً لَذَكَرَهُ. وَرَدَّهُ الخطيب، فقال: "وهذا باطل؛ لأنه يجوز أن يكون العدل لا يعرف عدالته، فلا تكون روايته عنه تعديلا ولا خبراً عن صدقه، بل يروي عنه لأغراض يقصدها. كيف وقد وُجِدَ جماعة من العدول الثقات رووا عن قوم أحاديث أَمْسَكوا في بعضها عن ذكر أحوالهم، مع علمهم بأنها غير مرضية، وفي بعضها شهدوا عليهم بالكذب في الرواية، وبفساد الآراء والمذاهب"4.
ثم ساق رحمه الله أمثلة مما وقع فيه ذلك.
الثالث: التفصيل؛ فإن كان ذلك العدل الذي روى عنه لا يروي إلا عن عدول، كانت روايته تعديلاً، وإلا فلا. وهذا المختار عند الأصوليين: كالسيف الآمدي، وابن الحاجب وغيرهما5. قال السخاوي: "بل وذهب إليه جمع من المحدثين، وإليه ميل الشيخين، وابن خزيمة في--------------------------------------------
1 شرح الألفية: (1/320-321) .
2 مقدمة ابن الصلاح: (ص53) .
3 التقريب: (ص13) .
4 الكفاية: (ص 150-151) .
5 شرح ألفية العراقي: (1/321-322) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 532)
صحاحهم، والحاكم في مستدركه … "1.
وقد اختار ابن القَيِّم رحمه الله القول الثاني: وهو أن ذلك يكون تعديلاً له مطلقاً؛ فإنه قال:
" … ورواية العدل عن غيره تعديل له، ما لم يعلم فيه جرح"2.
وقال مرة في حديث رواه أبو إسحاق السبيعي، عن العالية في بيع العينة:
"وأما العالية: فهي امرأة أبي إسحاق السبيعي، وهي من التابعيات، وقد دَخَلَت على عائشة، وروى عنها أبو إسحاق، وهو أعلمُ بها … ولا سيما عند من يقول: رواية العدل عن غيره تعديل له، والكَذِبُ لم يكن فاشياً في التابعين فُشُوّه فيمن بعدهم"3.
ويدلُّ كلامه رحمه الله في أكثر من مناسبة على اختياره هذا المذهب وقوله به، فمن أمثلة ذلك:
أنه رحمه الله استدل على ثقة "سعد بن سعيد"4برواية جماعة من الأَجِلَّةِ عنه، فقال رحمه الله رداً على من ضَعَّفَه -: " … لكنه ثقة صدوق … روى عنه: شعبة، وسفيان الثوري، وابن عيينة، وابن جريج، وسليمان بن بلال، وهؤلاء أئمة هذا الشأن"5.--------------------------------------------
1 فتح المغيث: (1/313) .
2 زاد المعاد: (5/181) .
3 تهذيب السنن: (5/105) .
4 الأنصاري، صدوق سيئ الحفظ. التقريب: (231) .
5 تهذيب السنن: (3/311) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 533)
ومن أمثلة ذلك أيضاً: أنه رد تضعيف مغراء العبدي1 بقوله: "قد روى عنه أبو إسحاق السبيعي على جلالته"2.
فهذا هو اختيار ابن القَيِّم رحمه الله في هذه المسألة، وقد تَقَدَّمَ ضعف هذا المذهب وعدمُ صحته، وذلك لأمور، منها:
1- جوازُ أن يكون العدل لا يَعْرِفُ عَدَالة من روى عنه، فلا تكون روايته عنه تعديلاً له ولا خبراً عن صدقه.
2- أن العدل قد يَرْوِي عَمَّن تكون حالُهُ غير مرضية - مع علمه بحاله - ومع ذلك يمسك عن ذكر ذلك وبيانه. أشار إلى هذين الوجهين الخطيب كما تقدم.
3- وأمر ثالث ذكره أبو بكر الصيرفي، وهو: أن الرواية تعريف - أي مطلق تعريف - تزول جهالة العين بها بشرطه. أما العدالة: فلا تثبت إلا بالخبرة، ومجرد الرواية عنه لا تدل على الخبرة3.
ولكن: إذا كان العدل قد عُرِفَ بأنه لا يَرْوِي إلا عن ثقة عنده، فهل تكون روايته عَمَّنَ روى عنه تعديلاً له؟
تقدم عند الكلام على المذهب الثالث في هذه المسألة: أن جماعة ذهبوا إليه من الأصوليين والمحدثين، قال الخطيب البغدادي: "إذا قال--------------------------------------------
1 الكوفي، أبو المخارق، مقبول. التقريب: (542) .
2 الصلاة: (ص119) .
3 فتح المغيث: (1/313) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 534)
العَالِمُ: كل من أروي عنه وأُسَمِّيه فهو عدلٌ رضاً مقبولُ الحديثِ، كان هذا القول تعديلاً منه لكل من روى عنه وسماه"1.
وقال الحافظ ابن حجر: "من عرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة، فإنه إذا روى عن رجل وصف بكونه ثقة عنده، كمالك، وشعبة، والقطان، وابن مهدي، وطائفة ممن بعدهم"2.
وابن القَيِّم رحمه الله قد أخذ بهذا القول وأَعْمَلَه؛ فإنه قال في داود بن الحصين: "وروى عنه مالك، وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده"3.
وقد جاء عن الإمام مالك رحمه الله ما يفيد ذلك، فقد سأله بشر بن عمر الزهراني عن رجل؟ فقال: "رأيته في كتبي؟ " قال: لا. قال: "لو كان ثقة لرأيته في كتبي"4.
ولكن هل هذه القاعدة على عمومها في حق كل من قيل فيه إنه لا يروي إلا عن ثقة؟؟
قال الحافظ الذهبي رحمه الله عقب مقالة مالك هذه: "فهذا القول يعطيك بأنه لا يروي إلا عَمَّن هو عنده ثقة، ولا يلزم من ذلك أنه يروي عن كل الثقات، ثم لا يلزم مما قال أن كل من روى عنه، وهو--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص154) .
2 لسان الميزان: (1/15) .
3 رسالة في الأحاديث الموضوعة: (ق48/ ب)
4 مقدمة الجرح والتعديل: (ص24) ، وسير أعلام النبلاء: (8/71-72) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 535)
عنده ثقة، أن يكون ثقة عند باقي الحفاظ، فقد يخفى عليه من حال شيخه ما يظهر لغيره، إلا أنه - بكل حال - كثير التَّحَرِّي في نقد الرجال"1.
ولهذا قال السخاوي رحمه الله: "من كان لا يروي إلا عن ثقة - إلا في النادر -: الإمام أحمد … ومالك، ويحيى القطان"2. فاحترز بقوله: "إلا في النادر.
فظهرَ من ذلك أن هذه القاعدة أغلبية، وليست كُلِّيَّة في حق من قيل ذلك في حقه، وإذا كان كذلك فلا يصحُّ الاعتماد عليها في الحكم بعدالة كل من روى عنه واحد من أولئك الأئمة.
ويتلخص من ذلك: أن القول الأول - وهو عدم اعتبار رواية العدل تعديلا لمن روى عنه - هو الصواب والأقرب للاحتياط، كما تقدم بيانه. وأن القول الثاني - وهو الذي اختاره ابن القَيِّم - غير صحيح، والأخذ به ينافي الاحتياط في الرواية. وأما القول الثالث: فهو تَوَسُّطٌ بين القولين، لكن يراعى تقييده وعدم إطلاقه، فيحمل على الغالب في حق من قيل فيه، ولذلك فإنه لا يعمل به بمجرده دون مراعاة أقوال الأئمة الآخرين في الرجل، وغير ذلك من الاعتبارات، كما هو واضح في كلام الذهبي المتقدم، والله أعلم.--------------------------------------------
1 سير أعلام النبلاء: (8/72) .
2 فتح المغيث: (1/314) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 536)
المطلب الرابع: إذا خالف رأي أو الراوي أو فتواه روايته، هل يوجب ذلك القدح في روايته؟
…
المطلب الرابع: إذا خالفَ رأي الراوي أو فتواه روايته، هل يوجب ذلك القدح في روايَتِهِ؟
وهذه المسألة لها تعلق بالمسألة التي سبقتها - وهي: هل رواية العدل عمن سماه تعديل له؟ - وكذلك هنا: هل فتوى العالم وفق حديث، أو عمله بمقتضاه يوجب تصحيحاً لهذا الحديث، وتعديلاً لرواتِهِ؟؟ وهل عمله أو فتواه على خلافه يوجب ضعفاً لروايته، وقدحاً في رواته؟؟
والذي يعنينا في هذا المقام هو مسألة: مخالفة فتوى الراوي أو عمله لروايته، هل يوجب ذلك ضعفَ روايته؟؟
فقد تناول ابن القَيِّم هذه القضية في مناسبات عدة، واختار: أن ذلك غير قادح ولا مؤثر في صحة حديثه، وبالتالي في عدالة رواته.
قال رحمه الله في فتوى ابن عباس رضي الله عنهما: ألا يصوم أحد عن أحد، مع أنه راوي حديث الصيام عن الميت1:
"فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته؛ فإن روايته معصومة، وفتواه غير معصومة"2.
ثم يذكر ابن القَيِّم بعض الأسباب التي قد تحمل الراوي على ترك العمل بروايته، فيقول:--------------------------------------------
1 صحيح مسلم: (2/804) ح 1148، ك الصيام، باب قضاء الصيام عن الميت.
2 الروح: (ص 184) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 537)
"ويجوز أن يكون قد نسي الحديث، أو تَأَوَّلَه، أو اعتقد له معارضاً راجحاً في ظنه"1.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها، في أن الْحُرَّةَ تَعْتَدُّ بثلاث حيض، وأنها خالفت ذلك، فقالت: "الأَقْرَاء: الأطْهار". فقد خالف رأيها روايتها، قال ابن القَيِّم رحمه الله: "ليس هذا بأول حديث خالفه راويه، فَأُخِذَ بروايته دون رأيه"2.
وقد ساق رحمه الله في (إعلام الموقعين) 3 ما يزيد على عشرين مثالاً لمخالفة رأي الراوي وفتواه لروايته، وقُدِّمَت في كل ذلك روايتُهُ على رَأْيِه.
وما ذهب إليه ابن القَيِّم رحمه الله في هذه المسألة موافق لما ذهب إليه أئمة هذا الشأن:
فقد قال الخطيب البغدادي: "إذا روى رجل عن شيخ حديثاً يقتضي حُكماً من الأحكام، فلم يعمل به، لم يكن ذلك جرحاً منه للشيخ؛ لأنه يحتمل أن يكون ترك العمل بالخبر:
- لخبر آخر يعارضه، أو عموم، أو قياس.--------------------------------------------
1 الروح: (ص 184) .
2 زاد المعاد: (5/611-612) .
(3/ 38-39) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 538)
- أو لكونه منسوخاً عنده.
- أو لأنه يرى أن العمل بالقياس أولى منه، وإذا احتمل ذلك لم نجعله قدحاً في راويه"1.
وقال ابن الصلاح: " … وكذلك مخالفته للحديث، ليست قدحاً منه في صحته، ولا في راويه"2.
وقد خالف في ذلك ابن رجب الحنبلي رحمه الله، فإنه قال في آخر كتابه (شرح علل الترمذي) 3: "قاعدة - في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه". ثم قال: "قد ضَعَّفَ الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا". ثم ذكر أمثلة لذلك.
وقد حَقَّقَ ابن القَيِّم رحمه الله أن في ذلك عن الإمام أحمد روايتين، وذكر أن الراجح عنده في ذلك: الأخذ برواية الراوي دون رأيه، فقال رحمه الله: "وأصل مذهبه، وقاعدته التي بنى عليها: أن الحديث إذا صحَّ لم يَرُدَّه لمخالفة راويه له، بل الأخذ عنده بما رواه، كما فعل في رواية ابن عباس وفتواه في بيع الأَمَةِ، فأخذ بروايته: أنه لا يكون طلاقاً، وترك رأيه"4.--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص 186) .
2 مقدمة ابن الصلاح: (ص53) .
(ص529) .
4 إعلام الموقعين: (3/35) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 539)
وقال مرة: "والمشهور عنه: أن العِبْرَة بما رواه الصحابي لا بقوله، إذا خالف الحديث … "1.
فهذا ما يتعلق بالإمام أحمد رحمه الله، وأن عنه في ذلك روايتين، المشهور منهما ما وافق رأى الأكثرين، وهو الذي اختاره ابن القَيِّم رحمه الله.
وأما غيره من الحفاظ الذين قال عنهم ابن رجب إنهم "أكثر الحفاظ": فلم يتبين لي من هم؟ وأما الأحاديث التي ضَعَّفُوها، فإنهم - والله أعلم - لم يضعفوها لمجرد مخالفة راويها لها، بل قد يكونوا ضعفوها لكونها ضعيفة في نفسها، فإذا صح - مع ذلك - عن راويها العمل على خلافها، تَأَكَّدَ حينئذ ضعفها، أما أن تكون هذه الروايات صحيحة في نفسها، ثم يَرُدُّونها لمخالفة راويها لها، ويقدحون بذلك في صحتها: فلا.
فَتَلَخَّص من ذلك: أن اختيار ابن القَيِّم رحمه الله – في هذه المسألة قد وافق اختيار الخطيب، وابن الصلاح، وابن كثير وغيرهم، وهو الصواب، والله أعلم.--------------------------------------------
1 إغاثة اللهفان: (1/293) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 540)
المطلب الخامس: هل يشترطُ ذكر سببِ الْجَرْح والتعديل؟
هل يشترط ذكر سبب الجرح والتعديل؟ وأنه لا بد أن يكون مُفَسَّراً، أم أنهما يقبلان مُبْهَمين غير مفسرين؟ في المسألة مذاهب أربعة:
الأول: يقبلُ التعديل من غير ذكر سببه، وأما الجرح فلا يقبل إلا مفسراً مبين السبب. وهذا مذهب الجمهور من المحدثين وغيرهم.
- أما عدم اشتراط التفسير في التعديل: فلأن أسباب التعديل كثيرة يصعب ذكرها؛ إذ لو طُلب إليه ذلك، للزمه أن يقول في حقِّ الْمُعَدَّل: "يفعل كذا وكذا"، فيعد ما يجب عليه فعله. "وليس يفعل كذا ولا كذا" فيعد ما يجب عليه تركه، وهذا لا شك فيه عُسْرٌ ومشقة. أما الجرح: فإنه يحصل بأمر واحد، فلا يشق في الغالب ذكره1.
- وأما اشتراطه في الجرح: فلأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناءً على ما اعتقده جرحاً، وليس هو بجرح في نفس الأمر، فمطالبته إذن ببيان السبب مزيل لهذا المحذور؛ إذ بالنظر في السبب المذكور يُعْرَف ما إذا كان الجرح قادحاً أم لا2.
ويؤيد ضرورة ذلك: أنه ربما اسْتُفْسِرَ الجارح عن سبب جرحه، فذكر ما لا يصلح جارحاً، فمن ذلك: أن شعبة قيل له: لم تركت حديث--------------------------------------------
1 مقدمة ابن الصلاح: (ص50) ، وشرح ألفية العراقي، له: (1/300) .
2 مقدمة ابن الصلاح: (ص51) ، وفتح المغيث: (1/299) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 541)
فلان؟ فقال: "رَأَيْته يركضُ على بِرْذَوْن، فتركت حديثه"1. ومنه: أن مسلم بن إبراهيم سألوه عن حديث الصالح المُرِّيِّ؟ فقال: "ما يُصْنع بصالح، ذكروه يوماً عند حماد بن سلمة، فامتخط حماد"2.
إلى غير ذلك من الأمثلة التي لا يُعَدُّ الجرح فيها قدحاً في الراوي3.
الثاني: عكس الأول، فيجب بيان سبب العدالة، ولا يجب بيان سبب الجرح، قالوا:
- لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها، فيسارع الناس إلى الثناء على الظاهر4.
الثالث: أنه لا بدَّ من ذكر أسباب الجرح والتعديل معاً، حكاه الخطيب والأصوليون. قالوا:
- فكما يَجْرَحُ الجارح بما لا يقدح، فكذلك الْمُعَدِّل قد يُوَثِّقُ بما لا يقتضي العدالة5؛ كما استدل أحمد بن يونس على عدالة عبد الله العُمَري وثقته بقوله:"لو رأيتَ لحيته، وخضابه، وهيئته، لعرفت أنه ثقة".--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص182) . والبرذون: الدابة، ويطلق على غير العربي من الخيل والبغال، عظيم الخلقة. والجمع: براذين، والأنثى برذونة. (لسان العرب: برذن، والمعجم الوسيط: برذن) .
2 الكفاية: (ص185) .
3 انظر (الكفاية) : (ص181-186) فقد عقد باباً لذلك.
4 شرح ألفية العراقي: (1/303) ، وفتح المغيث: (1/301) .
5 فتح المغيث: (1/302) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 542)
وهذا لا شك مما لا يعتمد عليه في إثبات العدالة، قال الخطيب: "لأن حسن الهيئة مما يشترك فيه العدل والمجروح"1.
الرابع: عكس الثالث، فلا يجب ذكر السبب في واحد منهما، إذا كان الجارح والمعدل عالماً بأسباب الجرح والتعديل، بصيراً مرضياً في أفعاله واعتقاده2.
والراجح من هذه الأقوال: هو القول الأول الذي ذهب إليه الجمهور، قال الخطيب البغدادي: "هو الصواب عندنا، وإليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونُقَّاده، مثل: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري … "3. وقال ابن الصلاح: "التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور". قال: "وأما الجرح فإنه لا يقبلُ إلا مفسراً مبيَّنَ السبب … وهذا ظاهرٌ مقررٌ في الفقه وأصوله"4. وقال العراقي: "هو الصحيح المشهور"5.
وقد اختار ابن القَيِّم رحمه الله مذهب الجمهور، وصرح به في عدة مواضع، فقال في "عبد الحميد بن جعفر":--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص165) .
2 شرح ألفية العراقي: (1/304) ، وتدريب الراوي: (1/308) .
3 الكفاية: (ص179) .
4 مقدمة ابن الصلاح: (ص50-51) .
5 شرح الألفية: (1/300) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 543)
"وثقَهُ يحيى بن معين في جميع الروايات عنه، ووثقه الإمام أحمد أيضاً، واحتج به مسلم في صحيحه، ولم يُحفَظ عن أحد من أئمة الجرح والتعديل تضعيفه بما يوجب سقوط روايته … وحتى لو ثبت عن أحد منهم إطلاق الضعف عليه، لم يقدح ذلك في روايته ما لم يُبَيِّن سبب ضعفه، وحينئذ يُنظر فيه: هل هو قادحٌ أم لا؟ "1.
فابن القَيِّم رحمه الله يؤكد هنا أن الجرح لا يقبلُ إلا مُفَسَّراً، ويذكر تعليل ذلك: بأنه قد لا يكون جرحاً قادحاً مؤثراً، ولا يمكن معرفة ذلك إلا بذكر سببه وتفسيره.
ومثال آخر يقرر فيه ابن القَيِّم رحمه الله هذا القول ويؤكده، فيقول في حق "محمد بن عمرو بن عطاء" - وقد نقل عن يحيى بن سعيد تضعيفه له -: " … تضعيف محمد بن عمرو بن عطاء: ففي غاية الفساد؛ فإنه من كبار التابعين المشهورين بالصدق والأمانة والثقة، وقد وَثقَه أئمة الحديث: كأحمد، ويحيى بن سعيد … وتضعيف يحيى بن سعيد له - إن صحَّ عنه - فهو رواية، المشهور عنه خلافها، وحتى لو ثبت على تضعيفه فأقام عليه، ولم يبينْ سَبَبَهُ لم يُلْتَفت إليه، مع توثيق غيره من الأئمة له … "2.
ويُبْرِزُ لنا ابن القَيِّم رحمه الله ثمرة عدم قبول الجرح إلا--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (1/360) .
2 تهذيب السنن: (1/360) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 544)
مفسراً وفائدته، وأن ذلك هو السبيل لمعرفة ما إذا كان الجرح قادحاً أم لا، فيقول في تضعيف شعبة "للمنهال بن عمرو" بسماعه صوت طنبور من بيته، أو أنه سمع صوت قراءة بالتطريب: "ومعلوم أن شيئاً من هذا لا يقدح في روايته … ولعله مُتَأوِّلٌ فيه … وقد يمكن أن لا يكون ذلك بحضوره، ولا إِذنه، ولا عِلْمه. وبالجملة: فلا يُرَدُّ حديث الثقات بهذا وأمثاله"1.
وقال مرة: "وهذا لا يوجب القدح في روايته، واطِّراح حديثه"2.
ولما ردَّ ابن حزم رواية "أبي الطفيل، وأبي عبد الله الجدلي" بأنهما كانا في جيش المختار3، وأن الجدلي كان حامل رَايَتِه قال ابن القَيِّم رحمه الله يرد عليه: "فَرَدُّ رواية الصاحب، والتابع الثقة بذلك باطل"4.
وقد وافقه الحافظ ابن حجر رحمه الله على أن الجرح بمثل هذا ليس بقادح، فقال: "ولا يقدح ذلك فيهما إن شاء الله"5.
فهذه الأمثلة وغيرها للجرح غير القادح تُوَضِّح لنا دقة مسلك--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (7/140) .
2 الروح: (ص64) .
3 الذي أرسله إلى مكة ليمنع ابن الحنفية مما أراد به ابن الزبير. (تهذيب التهذيب 12/148) .
4 تهذيب السنن: (1/117) .
5 تهذيب التهذيب: (12/149) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 545)
الجمهور في اشتراط تفسير الجرح، وبيان سببه.
وإذا عرفنا رأيَ ابن القَيِّم رحمه الله وطريقته في هذه المسألة، وأنه مع الجمهور في ضرورة تفسير الجرح، وأن التعديل يقبل على الإبهام، فإنه لا يفوتنا أن ننبه على أمر مهم، وهو:
هل يُطْلب تفسير الجرح دائماً، وفي كل راوٍ مُجَرَّح، أم أن هناك ضابطاً لهذا الأمر؟
هذا ما أجاب عنه ابن القَيِّم رحمه الله حين قال: "وهذا إنما يُحْتَاج إليه - يعني طلب تفسير الجرح - عند الاختلاف في توثيق الرَّجُل وتضعيفه، وأما إذا اتَّفَق أئمة الحديث على تضعيف رجل، لم يُحْتَج إلى ذكر سبب ضعفه. هذا أولى ما يُقَال في مسألة التضعيف المطلق"1.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله مثل ذلك، إذ قال: "فإنْ خلا المجروح عن التعديل: قُبِل الجرح فيه مُجْمَلاً غير مبين السبب، إذا صَدَرَ من عارف على المختار؛ لأنه إذا لم يكن فيه تعديل فهو في حَيِّزِ المجهول، وإعمال قول الْمُجَرِّح أولى من إهماله"2. وقال مرة: " … فوجه قولهم: إن الجرح لا يقبل إلا مفسراً: هو فيمن اخْتُلِفَ في توثيقه وتجريحه"3.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (1/360) .
2 نزهة النظر: (ص73) .
3 لسان الميزان: (1/ 16) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 546)
وهذا الضابط الذي وَضَعَه ابن القَيِّم رحمه الله لاشتراط تفسير الجرح، والتفصيل الذي فَصَّلَهُ، ووافقه عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله، استحسنه غيرُ واحد، وعدَّه اللَّكنوي قولاً خامساً في المسألة1، بعد أن قال: " … لكنه تحقيق مستحسن، وتدقيق حسن"2.
فتلخص من ذلك: أن ابن القَيِّم قد وافق الجمهور على عدم قبول الجرح إلا مفسراً، ثم أضاف إلى ذلك ضابطاً حسناً، وتفصيلاً دقيقاً، في مسألة طلب تفسير الجرح، وهو: أنه يستغنى عن طلب التفسير في حالة الاتفاق على التضعيف، وهو نفسه الذي عبر عنه الحافظ ابن حجر "بالخلوِّ من التوثيق"، وقد جاء ذلك لبيان أن التفسير لا يشترط طلبُهُ على الإطلاق.
وقد تضمن كلامه رحمه الله الإشارة إلى حالة تعارض أقوال المعدلين والمجرحين في الراوي، فيطلب حينئذ تفسير الجرح للترجيح، وسيأتي الكلام على تعارض الجرح والتعديل في المطلب التالي.--------------------------------------------
1 فقد مضى أن في مسألة اشتراط ذكر سبب الجرح والتعديل أربعة أقوال. (انظر ص 541) .
2 الرفع والتكميل: (ص110) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 547)
المطلب السادس: في تعارض الجرح والتعديل
إذا تعارض الجرحُ والتعديل في راو، فَجَرَحَهُ جماعة، وعَدَّلَه آخرون، فللعلماء في ذلك أربعة أقوال:
الأول: أن الجرح مُقَدَّم مطلقاً، سواء زاد عدد الْمُعَدِّلين على الْمُجَرِّحين، أو نقص عنه، أو استويا. هذا قول الجمهور كما قال الخطيب1، وقال ابن الصلاح: "هو الصحيح"2.
وذلك:
- لأن مع الجارح زيادة علم لم يَطَّلِع عليها الْمُعَدِّل، فهو قد علم ما علمه المعدل من حاله الظاهرة، وزاد عليه علم ما لم يعلمه من اختبار أمره.
- ولأن إخبار الْمُعَدِّل عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدق قول الجارح فيما أخبر به، فوجب تقديم قول الجارح3.
الثاني: إذا كان عدد الْمُعَدِّلين أكثر، قُدِّم التعديل على الجرح. قالوا:
- لأن كثرة المعدلين تُقَوِّي حالهم، وتوجب العمل بخبرهم. وقِلَّة الجارحين تضعف خبرهم.--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص 175- 177) .
2 مقدمة ابن الصلاح: (ص52) .
3 الكفاية: (ص175) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 548)
قال الخطيب - بعد أن حكى هذا القول عن طائفة -: "وهذا خطأ … وبُعْدٌ ممن تَوَهَّمَهُ؛ لأن الْمُعَدِّلِين - وإن كثروا - ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون"1.
الثالث: يُقَدَّم الأحفظ. نقله السيوطي2 عن البلقيني، وظاهره أنه إذا زاد المعدلون أيضاً.
الرابع: أنهما يتعارضان فلا يُرَجَّح أحدهما على الآخر إلا بِمُرَجِّحٍ، نقله العراقي عن ابن الحاجب3، وهذا أيضاً فيما إذا كان عدد المعدلين أكثر، قال السخاوي:
"ووجهه: أن مع الْمُعَدِّلِ زيادة قوة بالكثرة، ومع الجارح زيادة قوة بالإطلاع على الباطن"4.
والراجح هو مذهب الجمهور، كما تقدم في كلام الخطيب، وابن الصلاح، وقال السيوطي: "هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين"5.
ولكن ينبغي عدم القول بتقديم الجرح على التعديل مطلقاً، بل لابد من تقييد ذلك: بكون الجرح مُفَسَّراً مبيناً، من عارفٍ بأسبابه. وإلى هذا أشار الحافظ ابن حجر بقوله: "والجرح مقدم على التعديل، وأطلق ذلك جماعة، ولكن مَحَله: إن صدر مَبَيَّناً، من عارف بأسبابه"6.--------------------------------------------
1 الكفاية: (ص 177) .
2 تدريب الراوي: (1/310) .
3 شرح الألفية: (1/313) .
4 فتح المغيث: (1/308) .
5 تدريب الراوي: (1/309) .
6 نزهة النظر مع النخبة: (ص73) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 549)
وقال السخاوي: "لكن ينبغي تقييد الحكم بتقديم الجرح بما إذا فُسِّرَ … أما إذا تعارضا من غير تفسير: فالتعديل - يعني مقدم - كما قاله المزي وغيره"1.
وقال السيوطي: "وإذا اجتمع في الراوي جرح مفسر وتعديل: فالجرح مقدم، ولو زاد عدد المعدل"2.
ولم أقف لابن القَيِّم رحمه الله على رأي صريح في هذه المسألة - مسألة تعارض الجرح والتعديل - إلا أن كلامه في المسألة السابقة - مسألة اشتراط تفسير الجرح - يمكن أن يعطينا تصوراً عن رأيه في هذا الموضوع.
فقد قَرَّرَ ابن القَيِّم فيما مضى: أن الجرح لا ينبغي قبوله إلا مفسراً، وأن تفسير الجرح إنما يطلب عند الاختلاف في الراوي، وتعارض أقوال المجرحين والمعدلين فيه؛ وذلك للنظر في الأسباب التي أبداها المجرح هل هي قادحة أم لا؟ 3.
وبهذا يلتقي قول ابن القَيِّم في هذه المسألة مع قول الجمهور القائلين بتقديم الجرح على التعديل عند التعارض، مع تقييد ذلك بكون الجرح مفسراً، وأسبابه قادحة مؤثرة4.--------------------------------------------
1 فتح المغيث: (1/307) .
2 تدريب الراوي: (1/309) .
3 انظر كلام ابن القَيِّم المتقدم في ص: (543- 547) .
4 انظر ما تقدم في ص: (548 - 549) .
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 550)