- فمن ذلك: استعماله كلمة: (ثَبَتَ) في التعبير عن صحة الحديث، وقد تَبَيَّنَ لي بالتتبع أنه يستعملها - في الكثير الغالب - في الحديثِ الذي خُرِّجَ في (الصحيحين) أو أحدهما1.
وربَّمَا ضَمَّ إلى هذه الكلمة التصريح بكونه في (الصحيحين) ، فيقول: "وثبت عنه في الصحيحين … "2.
- وقد تَرِدُ هذه الكلمة عنده مقرونةً ببيان صِحَّةِ الحديثِ، كقوله: "ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث بهز بن حكيم … أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة". ثم قال: "قال أحمد، وعلى بن المديني: هذا إسناد صحيح"3.
- ومن الألفاظِ التي استعملها في هذا الصدد أيضاً: (صِيَغُ التمريض) للتعبير عن ضَعْفِ الحديث، فقد أَكْثَرَ من استعمال كلمة: (يُذْكَر) 4، وكلمة: (رُوِيَ) 5 مقتصراً على ذلك في التعبير عن ضَعْفِ الحديث.
- وقد ينص - مع ذلك - على ضعف الحديث، إضافة إلى تصديره بصيغة التمريض، فمن ذلك:--------------------------------------------
1 انظر مثلاً: زاد المعاد: (1/285) ، (2/334، 335، 384، 387) .
2 زاد المعاد: (2/383) .
3 زاد المعاد: (5/ 5) .
4 انظر مثلاً: زاد المعاد: (2/370، 375، 376، 383، 393، 401، 404، 415، 440، 456) ، (3/125) ، (4/148، 156، 165، 212) .
5 انظر مثلاً: زاد المعاد: (2/77، 406، 466) ، والوابل الصيب: (ص27) ، والكلام على مسألة السماع: (ص199، 112) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 35)
قوله: "ويُذْكَرُ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند فطره: "اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت … " ولا يثبت"1.
وقوله: "ويُذْكَر عنه: "من خيرِ خصالِ الصَّائمِ السواك"، رواه ابن ماجه من حديث مجالد، وفيه ضَعْفٌ"2.
وقوله: "ويُذْكَر عنه: "أنه كان يُكَبِّر من صلاة الفجرِ يوم عرفة إلى العصر من أيام التشريق، فيقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر ولله الحمد"، وهذا وإن كان لا يصحُّ إسنادُهُ، فالعمل عليه"3.
وقال: "وقد رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم "أنه كان يُسَلِّمُ تسليمةً واحدةً تلقاءَ وجهه"، ولكن لم يثبت عنه ذلك من وجه صحيح"4.
وقال: "وقد رُوِيَ عنه: "أنه صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو غائب"، ولكن لا يصح … "5.
وقال: "وقد رُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يصوم السبت والأحد كثيراً، يقصد بذلك مخالفة اليهود والنصارى … " وفي صحة هذا الحديث نظر"6.--------------------------------------------
1 زاد المعاد: (2/51) .
2 زاد المعاد: (2/63) .
3 زاد المعاد: (2/ 395) .
4 زاد المعاد: (1/ 259) .
5 زاد المعاد: (1/520) .
6 زاد المعاد: (2/78) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 36)
فهذه بعضُ الأمثلة لما استعمله ابن القَيِّم رحمه الله من ألفاظ للدلالة على درجة الحديث: إما مكتفياً بهذه الألفاظ وحدها، أو ضَامًّا إليها التصريح بصحة الحديث أو ضعفه.
تاسعاً: قد يلجأ ابن القَيِّم رحمه الله إلى بعض الأساليبِ لِتَأكيدِ الحًُكْمِ الذي أصدره على الحديث.
ومن أبرز الأساليب التي استعملها في ذلك: الحلف على ثبوت الحديث أو عدمه، فيستعمل رحمه الله أقوى المؤكدات في إثبات الحكم الذي توصل إليه وارتضاه في الحديث.
وكان أكثرُ استعماله لهذه الطريقة في الأحاديث التي لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو التي وقع فيها غلط ووهم، فمن ذلك:
- قوله في حديث أبي هريرة: في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، فقال: "يفرق بينهما": "منكر لا يحتمل أن يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلاً … فوالله ما قال هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سمعه أبو هريرة، ولا حدث به"1.
- وقال في حديث عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثاً "أن لها السكنى والنفقة":
"فنحن نشهدُ بالله شهادةً نُسْأَلُ عنها إذا لقيناه: أن هذا كذبٌ على--------------------------------------------
1 زاد المعاد: (5/520-521) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 37)
عمر رضي الله عنه، وكذبٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم"1.
- وقال في حديث معاوية رضي الله عنه، أنه قَصَّرَ عن رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام العشر: "فنحن نحلف بالله: أن هذا ما كان في العشر قط"2.
فهذه بعضُ الأمثلة للأحكام الحديثية التي حَلَفَ عليها ابن القَيِّم رحمه الله، وهي تَدُلُّ على تَمَكُّنِه في هذا الباب، وسعةِ اطِّلاعِهِ عَلَى الْمَرْوِيَّات، والقدرة على تَمْييزِ صحيحها من سقيمها، وصَوَابها من غلطها، بحيث يُمْكِنُهُ - بكل ثقة - أن يجزم بحكمه، حالفاً بالله تعالى، ومشهداً إِيَّاه على حكمه.
عاشراً: قد يحكمُ على الحديث من خلال النَّظر إلى مَتْنِه، دون دراسة إسناده والنظرِ في حالِ رواته.
وقد سبق - عند الكلام على "الحديث الموضوع" - بيانُ الضوابطِ التي وضعها رحمه الله لمعرفةِ كونِ الحديثِ موضوعاً دون النظر في إسناده3، فإنَّ مَا أَودعه في كتابه (المنار المنيف) من ذلك يُمَثِّل منهجاً متكاملاً لنقد المتن والحكم عليه بِمَعْزِل عن إسناده.
ولم تكن تجربةُ ابن القَيِّم في نقد المتن محصورةً في هذا الكتاب--------------------------------------------
1 زاد المعاد: (5/539) .
2 زاد المعاد: (2/137) .
3 انظر ص: (1/460 - 469) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 38)
وحده، بل إنه قد انتهج ذلك في سائر كتبه وأبحاثه، كما يُشَاهد ذلك كُلُّ مَنْ طَالَعَ كتاباته.
من المعايير التي استعملها لنقد المتن في غير كتابه (المنار) :
1- استدلاله على بطلانِ الْمَتْنِ بكونه مما يَسْتحِيلُ وقُوعُه عَقْلاً:
- ففي قصة قدوم وفد هَمْدَان على النبي صلى الله عليه وسلم، وما كان من إسلامهم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بقتال ثقيف، قال ابن القَيِّم رحمه الله منتقداً هذا المتن: "ولم تكن همدان أن تقاتلَ ثقيفاً، ولا تُغِير على سرحهم؛ فإنَّ هَمْدَان باليمن، وثقيفاً بالطائف"1.
- وفي قصة قدوم النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك، وخروجِ النساء والصبيان لِتَلَقِّيهِ وهم ينشدون:
طَلَعَ البَدْرُ عَلَينَا … مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاعِ
قال ابن القَيِّم: "وبعض الرواة يَهِمُ في هذا ويقول: إنما كان ذلك عند مقدمه إلى المدينة من مكة، وهو وَهْمٌ ظاهرٌ؛لأن ثَنِيَّات الوداع إنما هي من ناحية الشام، لا يراها القادمُ من مكة إلى المدينة، ولا يَمُرُّ بها إلا إذا تَوَجَّهَ إلى الشام"2.
فاستدلَّ رحمه الله على بطلانِ وغلطِ هذين الحديثين: باستحالة حصول ما تَضَمَّنَاه عقلاً.--------------------------------------------
1 زاد المعاد: (3/623) .
2 زاد المعاد: (3/551) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 39)
2- استدلاله على بطلان المتن بكونه مما يستحيل وقوعه زمنياً:
- ففي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: "جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: نأكلُ مما قَتَلَ الله؟ فأنزل الله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ} [الأنعام: 121] ".، قال ابن القَيِّم رحمه الله في إعلال هذا الحديث من جهة متنه: "إنَّ سورة الأنعام مَكِّيَّة باتفاق، ومجيءُ اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومجادلتهم إياه إنما كان بعد قدومه المدينة، وأما بمكة فَإِنَّمَا كان جدالُهُ مع المشركين عُبَّاد الأصنام"1.
- وفي حديث الترمذي: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ مكة يوم الفتح وعبد الله بن رواحة بين يديه ينشد … ". قال ابن القَيِّم رحمه الله: "وهذا وَهْمٌ؛ فإنَّ ابن رواحة قُتِلَ في هذه الغزوة - يعني مؤتة - وهي قبل الفتح بأربعة أشهر، وإنما كان يُنْشَدُ بين يديه شِعْرُ ابن رواحة، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل النقل"2.
3- استدلالُهُ على بطلان المتن بكونه قد وَقَعَ مِثْلُهُ ولم يأخذْ حُكْمَهُ:
- فاستدل رحمه الله على استحالة أن يكون كُلٌّ من: هلال بن أمية، ومرارة بن الربيع من أهل بدر: بأن النبي صلى الله عليه وسلم هَجَرَهُمَا، ولو كانا من أهل بدر ما فَعَلَ ذلك معهما؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يَهْجُر حَاطِباً وقد جَسَّ عليه3.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (4/113) .
2 زاد المعاد: (3/386) .
3 زاد المعاد: (3/577) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 40)
فهذه بعض الأساليب التي اعتمدها ابن القَيِّم في نقد المتن والاستدلال على غلطه، دون النظر إلى إسناده.
حادي عشر: رُبَّمَا استعمل ابن القَيِّم رحمه الله في حكمه على الأحاديث بعض العبارات التي تفيدُ التصحيح النسبي، كقوله في حديث: "هذا أصحُّ من كذا". أو: "أَمْثَل منه"، ونحو ذلك.
وقد مضى معنا في مبحث الحديث الصحيح نقل ضوابط مهمة عن ابن القَيِّم في ذلك، وأن هذا لا يلزم منه أن يكون هذا الْمُقَدَّمُ على غيره صحيحاً، بل يكون ضعيفاً ويقال له: "أصحُّ من غيره"، وذلك بالنسبة لهذا الغير1.
وَتَقَدَّمَ - أيضاً - عند الكلام على منهجه في (المنار المنيف) نقل بعض أمثلة من ذلك، وأن أحاديث البابِ قد تكونُ كُلها ضعيفة أو باطلة، ومع ذلك فإنه يذكر أمثلها أو أحسنها ولا يعني ذلك – أبداً- صحة هذا المقدم2.
ومن أمثلة ذلك أيضاً: أنه ذَكَرَ حديثين في الوتر، وَحَكَمَ ببطلانهما، وهما: حديث "نَهَى عن البُتَيْرَاء"، وحديث: "وترُ الليل ثلاثٌ كوتر النهار صلاة المغرب". ثُمَّ قال في الثاني منهما: "وهذا الحديث … أصحُّ من الأول"3. هذا مع حكمه ببطلانهما.--------------------------------------------
1 انظر ص: (1/374 – 375) .
2 انظر ص: (1/305 – 306) .
3 إعلام الموقعين: (2/373-374) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 41)
وبعدُ، فهذا مَا تَيَسَّرَ التَنْبِيه عليه حول منهج ابن القَيِّم رحمه الله في الحكم على الحديث وبيان درجته، ويمكنُ مراجعة المزيد من أحكامه الحديثية وأمثلة لها فيما تَقَدَّمَ ذكره عند الكلام على آرائه في علوم الحديث وقواعده، وكذا فيما يأتي في باب دراسة الأحاديث التي حَكَمَ عليها إن شاء الله.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 42)
الفصل الربع: منهج ابن القيم في شرح الحديث، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه
المبحث الأول: منهجه في شرح الحديث، وبيان معانيه.
…
الفصل الرابع: مَنْهَج ابن القَيِّم في شَرْحِ الحديث، وبيانِ معانيهِ، واسْتِخْرَاجِ أَحْكَامِهِ، وَطُرُقِ اسْتِدْلالِهِ بِهِ، وَمَا يَلْحَقُ بِذلِك
لقد اتَّسَمَتْ مؤلفات ابن القَيِّم رحمه الله وأبحاثُهُ باشتمالها على معالجة النصوص الحديثية، والكلامِ عليها، وذلك من خلال: بيان معانيها، وشرح غريبها، واستخراج أحكامها وفوائدها، واستنباط الفقه منها، والكَشْفِ عن وجه دلالة تلك النصوص على الحكم الشرعي، إلى غير ذلك من الأمور الْمُهِمَّاتِ التي لا غِنَى عنها للَّناظرِ في الأحاديث النبوية والمطالع لها.
ويمكننا أن نُمَيِّزَ المنهجَ الذي سار عليه ابن القَيِّم في ذلك كُلِّهِ من خلال المباحث التالية:
المبحث الأول: منهجه في شرحِ الحديثِ، وبيان معانيه.
المبحث الثاني: منهجه في بيان غريب الحديث.
المبحث الثالث: منهجه في التعريف بالأماكن والبقاع.
المبحث الرابع: منهجه في الاستدلال بالنصوص الحديثية على آرائه.
المبحث الخامس: منهجه في التوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 45)
المبحث الأول: مَنْهَجُهُ فِي شَرْحِ الحديثِ وبَيَانِ مَعَانِيه
إن النَّاظِر في كتب ابن القَيِّم رحمه الله والمطالع لها يلاحظُ أنَّ الشَّرْحَ الكُلِّي الْمُتَكَامِل، وعلى وجه التفصيل، لم يحتل رقعةً واسعةً ضمن أبحاثه، وذلك أَنَّ ابن القَيِّم رحمه الله في الكثير الغالب - يُوردُ النصوص الحديثية:
- مستدلاً بها على رأي يراه، أو مبدأٍ يقرره.
- أو رَادًّا بها على الرأي المخالف، فيبرهنُ على أَنَّ النصوص على خلاف هذا الرأي.
- أو مُبَيِّنَاً وجه دلالة النَّصِّ على مذهبٍ ما.
- أو مُوَضِّحِاً بها حديثاً آخر ومؤكداً إياه، فيسرد الأحاديثَ الموافقةَ له في الباب.
إلى غير ذلك من المقاصد التي اشتملت عليها مؤلفاته رحمه الله.
ولذلك فَإِنَّ إفراد النصوص الحديثية بالشرحِ والبيانِ على وجه التفصيل، لم يكن شُغل ابن القَيِّم الأول، وأنه وإنِ اشتملت أبحاثه - في الغالب - على مقاصد الشرح وعناصرِه الأساسية - كما سيأتي ضمن موضوعات هذا المبحث - إلا أن تلك العناصر لم تكن تجتمعُ وتتكاملُ في الحديث الواحد إلا في القليل؛ إذ كان رحمه الله يتناول كل حديث بما يناسب حاله، وبما يقتضيه المقام: من بيان فائدة، أو تنبيه على حكم، أو تعقب لرأي.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 47)
نماذج من شروح ابن القَيِّم للأحاديث النبوية:
ويمكننا أن نستعرضَ في هذا المقام بعض الأمثلة من شرحِ ابنِ القَيِّم لبعض الأحاديث التي تَكَامَلَ فيها شرحه، وذلك للوقوفِ على العناصر الأساسية التي تُمَيِّزُ منهجه في ذلك، فمن ذلك:
- حديث: "مِفْتَاحُ الصَّلاة الطُّهور، وتَحْرِيْمُهَا التكبيرُ، وَتَحْلِيلُهُا التَّسْلِيم".
قال ابن القَيِّم رحمه الله: " اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام:
الحكم الأول: أن مِفْتَاحَ الصلاة الطهور.
والمفتاح: ما يُفْتَحُ به الشيء المغلق، فيكونُ فاتحاً له، ومنه: "مِفْتَاح الجنة: لا إله إلا الله".
وقوله: "مِفْتَاح الصَّلاة الطُّهور" يفيد الحَصْرَ، وأنه لا مفتاحَ لها سواهُ، من طريقين:
- أحدهما: حصرُ المبتدأ في الخبر إذا كانا معرفتين، فَإِنَّ الخَبَرَ لابُدَّ أن يكون مساوياً للمبتدأ أو أَعَمَّ منه… فإذا كان المبتدأُ مُعَرَّفًا بما يقتضي عمومه -كاللام، وكل ونحوهما - ثم أخبر عنه بخبر، اقتضى صحةُ الإخبار أن يكونَ إخباراً عن جميع أفراد المبتدأ؛ فإنه لا فردَ من أفراده إلا والخبرُ حاصل له.
وإذا عُرِفَ هذا، لَزِمَ الحصرُ، وأنه لا فردَ من أفراد ما يُفتتح به الصلاة إلا وهو الطهور…
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 48)
- والثاني: أن المبتدأَ مضافٌ إلى الصلاة، والإضافة تَعُمُّ، فكأنَّه قيل: جميعُ مفتاح الصلاة هو الطهور. وإذا كان الطهور هو جميع ما يُفْتَحُ به، لم يكن لها مفتاح غيره ....
وإذا عرف هذا، ثَبَتَ أن الصلاة لا يمكنُ الدخولُ فيها إلا بالطهور.
وهذا أدل على الاشتراط من قوله: "لا يقبلُ الله صلاة أحدكم إذا أَحْدَثَ حتى يتوضأ" من وجهين:
- أحدهما: أن نفي القبولِ قد يكونُ لفواتِ الشرط وعدمه، وقد يكونُ لمقارنة مُحَرَّمٍ يمنعُ من القبول: كالإباق، وتصديق العَرَّاف، وشربِ الخمر … ونحوه.
- الثاني: أن عَدَمَ الافتتاح بالمفتاح يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها، وأنه مصدود عنها … وأما عدم القبول فمعناه: عدم الاعتداد بها، وأنه لم يرتبْ عليها أثرها المطلوب منها، بل هي مردودة عليه…
فإن قيل: فهل في هذا الحديث حجةٌ لمن قال: إن عادم الطَّهورين لا يُصَلِّي حتى يقدر على أحدهما؛ لأن صَلاتَهُ غيرُ مفتتحة بمفاتحها، فلا تقبلُ منه؟
قيل: قد اسْتَدَلَّ به من يرى ذلك، ولا حجةَ فيه.
ولابُدَّ من تمهيد قاعدة يتبين بها مقصود الحديث، وهي: أَنَّ مَا أَوْجَبَهُ الله - تعالى - ورسوله، أو جَعَلَهُ شرطاً للعبادة، أو رُكْنَاً فيها، أو وَقَفَ صِحَّتَهَا عليه: هو مُقَيَّدٌ بحال القدرة؛ لأنها الحالُ التي يُؤْمَرُ فيها به.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 49)
وأما في حال العجز فغيرُ مقدورٍ ولا مأمورٍ، فلا تَتَوقفُ صحةُ العبادة عليه. وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة، وسقوط ذلك بالعجز. وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار". ولو تَعَذَّرَ عليها الخمارُ صَلَّتْ بدونه، وَصَحَّتْ صلاتها … ونظائره كثيرة، فيكون "الطهور مفتاح الصلاة" هو من هذا …
وفي الحديث دليلٌ على اعتبار النِّيَّةِ في الطهارة بوجهٍ بديعٍ؛ وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم جَعَل الطهور مفتاح الصلاة التي لا تُفْتتح ويُدْخَل فيها إلا بِهِ، وما كان مفتاحاً للشيء كان قد وُضِعَ لأجله وأُعِدَّ له. فَدَلَّ على أن كونه مفتاحاً للصلاة هو جهة كونه طهوراً، فإنه إنما شُرِعَ للصلاة، وجُعِلَ مفتاحاً لها، ومن المعلوم: أن ما شُرِع للشيء ووضع لأجله لابد أن يكون الآتي به قاصداً ما جُعِلَ مفتاحاً له ومُدْخِلاً إليه، هذا هو المعروف حِسَّاً، كما هو ثابت شرعاً. ومن المعلوم أن من سَقَطَ في ماء - وهو لا يريد التطهر - لم يأتْ بما هو مفتاح الصلاة، فلا تفتح له الصلاة، وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال: لا إله إلا الله. وهو غير قاصد لقولها، فإنها لا تكون مفتاحاً للجنة منه، لأنه لم يقصدها… فهكذا هذا يجب أن لا يكونَ مُتَطَهِّرَاً، وهذا بحمد الله بَيِّنٌ.
فصل
الحكم الثاني: قوله: "وَتَحْرِيْمُهَا التَّكْبِيرُ".
وفي هذا من حصرِ التحريمِ في التَّكْبِير نظيرُ ما تَقَدَّمَ في حصرِ مفتاحِ الصلاة في الطهور من الوجهين. وهو دليل بَيِّنٌ أنه لا تحريم لها إلا
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 50)
التكبير. وهذا قول الجمهور وعَامَّةِ أهل العلم قديماً وحديثاً. وقال أبو حنيفة: ينعقدُ بكلِّ لفظٍ يدلُّ على التعظيم، فاحتج الجمهور عليه بهذا الحديث.
ثم اختلفوا، فقال أحمد ومالك وأكثر السلف: يتعينُ لفظ "الله أكبر" وحدها، وقال الشافعي: يتعين أحد اللفظين: "الله أكبر" و"الله الأكبر" …
والصحيح قول الأكثرين، وَأَنَّه يتعين "الله أكبر" لخمس حجج:
- إحداها: قوله: "تحريمها التكبير"، واللامُ هنا للعهد، فهي كاللامِ في قوله: "مفتاح الصلاة الطهور" … وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود، الذي نقلته الأمة نقلاً ضرورياً خلفاً عن سلف عن نبيها صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقوله في كل صلاة، لا يقولُ غيره ولا مرةً واحدةً … وهذا حُجَّة على من جوز "الله الأكبر" و "الله الكبير"؛ فإنه وإن سُمِّيَ تكبيراً، لكنه ليس التكبير المعهود المراد بالحديث".
ثم ذَكَر بقية الحجج الخمس، ثم قال:
"وفي افتتاحِ الصلاةِ بهذا اللفظ، المقصود منه استحضار هذا المعنى وتصوره: سِرٌّ عظيمٌ يعرفُهُ أهل الحضور، الْمُصَلُّونَ بقلوبهم وأبدانهم؛ فإنَّ العَبْدَ إذا وَقَفَ بين يدي الله عز وجل وقد عَلِمَ أنه لا شيء أكبر منه، وَتَحَقَّقَ قلبه ذلك، وَأُشْرِبُهُ سِرُّه، استحيى من الله، وَمَنَعَهُ وقاره وكبرياؤه أن يشغلَ قَلْبَهُ بغيره. وما لم يستحضر هذا المعنى واقف بين يديه بجسمه، وقلبه يهيم في أودية الوَسَاوِسَ والخَطَرَاتِ، وبالله المستعان، فلو
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 51)
كان الله أكبرُ من كلِّ شيءٍ في قلب هذا، لما اشتغل عنه، وَصَرَفَ كُلَّيَةَ قلبه إلى غيره …
فصل
الحكم الثالث: قوله: "وتحليلها التسليم".
والكلام في إفادَتِهِ الحصر كالكلام في الجملتين قبله.
والكلام في التسليم على قسمين:
- أحدهما: أنه لا يَنْصَرِفُ من الصلاة إلا بالتسليم. وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ. وقال أبو حنيفة: لا يتعيَّنُ التسليم، بل يخرجُ منها بالْمُنَافِي لَهَا، من حَدَثِ أو عملٍ مبطلٍ ونحوه".
ثم ذَكَرَ حجج أبي حنيفة على قوله هذا، وجواب الجمهور عنها، ثم قال:
فصل
وقد دَلَّ هذا الحديث على أَنَّ كُلَّ ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم، فمفتاحه الطهور، فيدخل في هذا: الوترُ بركعة، خلافاً لبعضهم… ويدخل في الحديث أيضاً: صلاةُ الجنازة؛ لأنَّ تحريمها التكبير وتحليلها التسليم …
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مِفْتَاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" هو فصل الخطاب في هذه المسائل وغيرها، طرداً وعكساً، فكل ما كان تحريِمُهُ التكبيرُ وتحليله التسليم، فلا بُدَّ من افتتاحه بالطهارة".
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 52)
ثم أَخَذَ رحمه الله في ذكر بعض العبادات الأخرى، وبيان اندراجها تحت هذا الأصل، وعلاقتها به، فذكر من ذلك:
- الطواف بالبيت.
- وسجود التلاوة والشكر1.
وبعد عرض هذا المثال، يمكن استخلاص المنهج العامِّ لابن القيِّم في شرح الحديث، والجوانب التي اشتمل عليها شرحه، وذلك فيما يلي:
1- شرحُ المفردات اللغوية التي تحتاج إلى بيانٍ.
2- بيانُ بعض الأوجه النحوية التي لها علاقة بالشرح، وتوجيه بعض العبارات في هذا الباب.
3- بيانُ الأحكام الفقهية التي يشتملُ عليها الحديث.
4- الاستشهاد - أثناء الشرح - ببعض النصوص الحديثية التي تَدْعَمُ كَلامَهُ، وَتُوَضِّحُ مراده.
5- بيانُ مذاهبِ الأئمة في الأحكام التي يشتملُ عليها الحديث، مع بيان الراجح منها.
6- بيان الأدلة التي يستندُ عليها في ترجيح الرَّاجِحِ من هذه المذاهب.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (1/ 45 - 56) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 53)
7- بيانُ بعض القواعد التي تُعِينُ على فهمِ الحديث، وَتُبَيِّن مرادَ الشارعِ منه، ومدى انطباق هذه القواعد على ما شَابَهَ ذلك من النصوص.
8- قَد يستطردُ أثناء الشرح فيوردُ بعض القضايا التي تتعلق بالحديث، مع مناقشتها، وبيان الراجح فيها عند الخلاف.
تلك أبرزُ النقاط، وأهمُ الخطوات التي سَارَ عليها ابن القَيِّم رحمه الله في شرحِ الحديث، وهي وإن كانت مُسْتَخْلَصَةً من خلال مثال واحدٍ، إلا أنَّ هذا المنهجَ هو الغالب عليه في كلامه على الأحاديث وشرحها.
ويمكن أن تنظر مزيد من الأمثلة على هذا المنهج في كلامه على الأحاديث الآتية:
- حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً: "من أَسْلَفَ في شيء فلا يصرفه إلى غيره" 1.
- وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "لا يَحِلُّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في بيع … " 2الحديث.
- وحديث الحارث الأشعري مرفوعاً: "إِنَّ الله - سبحانه - أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات، أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها…" 3. الحديث بطوله.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (5/ 111 - 118) .
2 تهذيب السنن: (5 / 144 - 158) .
3 الوابل الصيب: (ص 21 -52) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 54)
- وحديث: "كفى ببارقةِ السيوف على رأسه فتنة" 1. يعني: الشهيد.
- وحديث قدومِ وفد بني المنتفق على النبي صلى الله عليه وسلم2.
هذا فيما يتعلق بشرحه الحديث على وجه التفصيلِ والشمولِ والإحاطة، وبيان المعاني التي اشتمل عليها، والأحكام التي تَضَمَّنَهَا، والفوائدِ المستخرجة منه. ويمكنُ الوقوف على قسطٍ كبير من هذا الكلام المبسوط، والشرحِ المستوفى في كتابه (تهذيب السنن) على وجه الخصوص، ولعله رحمه الله قد أشار إلى ذلك في مقدمة هذا الكتاب حين قال:
"وبسطت الكلام على مواضع جليلة، لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرةٌ بأن تُثْنَى عليها الخناصرُ، ويُعَضَّ عليها بالنواجذ"3.
أما الأحاديث التي شَرَحَهَا شَرْحَاً مجملاً مختصراً، أو بالغ في إبراز معنىً فيها بعينه وتوضيحه، فمن أمثلتها:
- حديث: "أحبُّ الدين إلى الله: الحنيفية السمحة".
قال رحمه الله: "فهي حنيفية في التوحيد وعدمِ الشرك، سَمْحَةٌ في العمل وعدم الآصارِ والأغلالِ بتحريمهم من الطيبات الحلال. فَيُعْبَدُ--------------------------------------------
1 الروح: (ص 107، 109 - 110) .
2 زاد المعاد: (3 / 673 - 686) .
3 تهذيب السنن: (1/ 9-10) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 55)
سبحانه بما أَحَبَّهُ، ويستعانُ على عبادته بما أَحَلَّهُ، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} [المؤمنون: 51] . وهذا هو الذي فَطَرَ الله عليه خَلْقَهُ، وهو محبوبٌ لكلِّ أحدٍ، مستقر سنته في كل فطرة؛ فإنه يتضمن التوحيد، وإخلاص القصد، والحب لله وحده، وعبادته وحده بما يحب أن يعبد به … "1.
والأمثلة من هذا القبيل كثيرة2.
ومما يَحْسُنُ التنبيهُ عليه ونحن بصدد الكلام على منهجه في شرح الحديث:
اهْتِمَامُهُ بذكرِ الفوائد والنُّكَتِ التي تشتمل عليها الأحاديث، فإنه في كثير من الأحيان -بعد أن يسوقَ الحديث في المسألة - يذكر ما تَضَمَّنَهُ من فوائد وأحكام، فمن ذلك:
- أنه ذكر النصوصَ الواردةَ في غزوة تبوك، ثم أشارَ إلى الفوائد المستنبطة منها، فذكر من ذلك ما يزيد على أربعين فائدة3.
- وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاة" ذَكَرَ رحمه الله جملةً--------------------------------------------
1 شفاء العليل: (ص500) .
2 انظر منها: شفاء العليل: (ص63، 472) ، وروضة المحبين: (ص53-54، 173) ، والروح: (ص318) ، وجلاء الأفهام: (ص144، 156، 235) ، وزاد المعاد: (1/316-317) ، (2/407، 443، 462) ، (4/28، 35، 42، 92، 218) ، والصلاة: (21، 177) ، وإعلام الموقعين: (1/243) .
3 زاد المعاد: (3/558-592) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 56)
كبيرةً من الفوائد والأحكام التي يشتملُ عليها هذا القول1.
- وفي قصة الْمُحْرِم الذي سَقَطَ عن راحلته فمات … ، قال: "وفي هذه القصة اثنا عشر حكماً … "2فَسَرَدَهَا.
والأمثلة في هذا الباب كثيرة3.--------------------------------------------
1 تهذيب السنن: (2/434-435) .
2 زاد المعاد: (2/238-246) .
3 انظر منها: زاد المعاد: (2/77، 437) ، (4/48-61) ، (5/53، 135، 193، 358) ، وحادي الأرواح: (ص48) ، وتهذيب السنن: (1/45، 344) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 57)