أولاً: أما قيس بن طلق، فإنه وإن لم يعرفه الشافعيُّ فقد عرفه غيره، وَوَثَّقَهُ جماعة من أهل الشأن: ابن معين1، والعِجلي2، وذكره ابن حبان في (الثقات) 3، هذا مع رواية جماعة كثيرين عنه4، ومثله لا يكون مجهولاً، فعدم معرفة الشافعي به لا يوجب تركه ما دام غيره قد عرفه ووثقه.
وأما ما رواه البيهقي عن ابن معين من عدم الاحتجاج به، فقد رَدَّهُ ابن التركماني، فقال: "ذكر البيهقي ذلك بسند فيه محمد بن الحسن النَّقَّاشِ المفسر، وهو من المتهمين بالكذب، وقال البرقاني: كل حديثه مناكير … "5. وقد تَقَدَّمَ من رواية الدارمي عن يحيى أنه وَثَّقَهُ، ولا شكَّ أن ذلك مُقَدَّم.
ثانياً: وأما ضعف محمد بن جابر، وأيوب بن عتبة: فقد قَدَّمْنَا أن الاعتماد في ذلك على رواية عبد الله بن بدر عن قيس، فإنها أصحُّ هذه الطرق وأحسنها كما قال غير واحد. ثم إن رواية "عكرمة بن عمار" عن قيس متابعة قوية أيضاً، فعكرمة أمثل من رواه عن قيس كما قال غير واحد، وإذا كان الأمر كذلك، فإن روايتي محمد بن جابر وأيوب بن عتبة تكون كالمتابعات لرواية عبد الله بن بدر دون اعتماد عليهما.
فإذا ثَبَتَ لدينا أن حديثَ طلق هذا ليس بضعيف، وأنه بمجموع--------------------------------------------
1 تاريخ الدارمي عن ابن معين: (ص 144) رقم 486.
(الثقات) بترتيب الهيثمي: (ص 393) .
(5/ 313) .
4 انظر: تهذيب التهذيب: (8/ 398) .
5 الجوهر النقي: (1/134-135) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 144)
طرقه حسن على أقل أحواله - مع تصحيح جماعة له - وأن ما أُعِلَّ به لا يرد عليه، إذا تَقَرَّرَ ذلك: فإن حديث طلق هذا في عدم الانتقاض بالمسِّ يكون مخالفاً في ظاهره لحديث بُسرة وغيرها من الصحابة الذين رووا الانتقاض، ولقد سلك العلماء إزاء هذا التعارض1 مسالك، أبرزها:
أولاً: الجمع بين الحديثين، وذلك من وجوه:
1- أنَّ خبر طلق يُحْمَلُ على الْمَسِّ بحائل، واستدلوا ببعض ألفاظه التي جاء فيها أنه سُئِلَ عن مَسِّهِ في الصلاة، قالوا: فالْمُصَلي لا يمسُّ فرجه من غير حائل في الصلاة. حكاه الخطابي2. وقَرَّرَ ابن حبان رحمه الله ذلك، فقال في (صحيحه) 3: "ذكر البيان بأن الأخبار التي ذكرناها مجملة بأن الوضوء إنما يجب من مَسِّ الذكر إذا كان ذلك بالإفضاء دون سائر المسِّ، أو كان بينهما حائل". ثم ساق حديث المقبري عن أبي هريرة، ولفظه: "إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُم بيده إلى فرجه، وليس بينهما سِتر ولا حجاب فليتوضأ".
2- أن المسَّ الذي لا ينقضُ هو ما لم يكن مُتَعَمَّدَاً، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فقال - وقد سئل عن ذلك -: "إن لم يتعمد ذلك لم ينتقض وضوءه"4.
وقيل بغير ذلك من وجوه الجمع.--------------------------------------------
1 وقد قَرَّرَ شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة هذا التعارض، انظر: القواعد النورانية: (ص 33) .
2 معالم السنن: (1/ 133) .
3 الإحسان: (2/ 222) ح 1115.
4 مجموع الفتاوى: (21/ 231) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 145)
ثانياً: النسخ. فقد ذهب جماعة إلى أن حديثَ طلق منسوخ، منهم:
ابن حبان، والطبراني، والحازمي، وغيرهم. وأوضحَ ابن حبان ذلك، فَرَوى بإسناده إلى قيس بن طلق، عن أبيه في قصة بنائه مسجد المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "خبر طلق بن علي الذي ذكرناه خبر منسوخ؛ لأن طلقَ ابن علي كان قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أول سنةٍ من سِنيِّ الهجرة، حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة. وقد روى أبو هريرة إيجاب الوضوء من مَسِّ الذكر على حسب ما ذكرناه قبل، وأبو هريرة أسلمَ سنة سبع من الهجرة، فدلَّ ذلك على أن خبر أبي هريرة كان بعد خبر طلق بن علي بسبع سنين"1.
ثم روى ابن حبان بإسناده - أيضاً - إلى طلق حديث قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم ومبايعته إياه، ثم رجوعه إلى بلده، ثم قال: "في هذا الخبر بيانٌ واضحٌ أنَّ طلقَ بن عليٍّ رجع إلى بلده بعد القَدْمَةِ التي ذكرنا وقتها، ثم لا يُعْلَمُ له رجوعٌ إلى المدينة بعد ذلك. فمن ادَّعَى رجوعه بعد ذلك، فعليه أن يأتي بِسُنَّةٍ مُصَرِّحَةٍ، ولا سبيل له إلى ذلك"2.
وقد ذكر الحازمي مثل ذلك، ثم قال: "ثم نظرنا: هل نجد أمراً يؤكد ما صرنا إليه، فوجدنا طلقاً روى حديثاً في المنع، فَدَلَّنَا ذلك على صِحَّةِ النقل في إثبات النسخ، وأن طلقاً قد شاهد الحالتين، وروى الناسخ والمنسوخ"3.--------------------------------------------
1 الإحسان: (2/ 224) .
2 الإحسان: (2/ 224 - 225) .
3 الاعتبار: (ص47) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 146)
قلت: وحديث طلق في المنع هو الذي أخرجه الطبراني في (الكبير) 1 من طريق: حماد بن محمد، ثنا أيوب بن عتبة، عن قيس بن طلق، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ". ثم قال الطبراني - عنه وعن حديث عدم النقض -: "وهما عندي صحيحان، ويشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا، ثم سمع هذا فوافق حديث بسرة، وأم حبيبة، وأبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني وغيرهم ممن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالوضوء من مس الذكر، فسمع المنسوخ والناسخ". ولكن "أيوب بن عتبة" ضعيف كما تقدم.
وذهب ابن حزم - أيضاً - إلى نسخه مستدلاً على ذلك بأمور:
أولها: أن خبر طلق موافق لما كان عليه الناس قبل ورود الأمر بخلافه، وإذا كان كذلك فإنه منسوخ يقيناً بورود الأمر بالوضوء من مس الذكر.
الثاني: أن قوله صلى الله عليه وسلم: "هل هو إلا بَضْعَةٌ منك" دليل بَيِّنٌ على أنه كان قبل الأمر بالوضوء منه، لأنه لو كان بعده لم يَقُلْ صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، بل كان يبين أن الأمر بذلك قد نسخ، فقوله هذا يدل على أنه لم يكن سَلَفَ فيه حكم أصلاً، وأنه كسائر الأعضاء2.
ثالثاً: الترجيح. وهذا هو المسلك الذي سَلَكَهُ ابن القَيِّم رحمه الله، وذكر في ذلك عدة مُرَجِّحَات:--------------------------------------------
(8/401) ح 2852.
2 انظر: المْحُلَّى: (1/323) بتصرف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 147)
- منها: قوله بضعف حديث طلق، وقد بَيَّنَّا أن الأمر على خلاف ذلك، وأنه حسن بمجموع طرقه، لكن الذي لا شك فيه أن حديث بسرة أقوى، وبخاصة إذا راعينا مشاركة جملة من الصحابة لها في رواية النقض.
- ومنها: الاختلاف على طلق، فقد روى عنه النقض أيضاً، كما سبق بيان ذلك.
- ومنها: أن حديث طلق مُبْقٍ على الأصل - وهو عدم النقض - وحديث بُسرة ناقل عن الأصل، والناقل مقدم؛ لأن أحكام الشارع ناقلة عما كانوا عليه. وهذا من أدلة النسخ كما تَقَدَّمَ في كلام ابن حزم، لكن جعله ابن القَيِّم من جملة المرجحات لحديث بسرة.
- ومنها: أنه قد روى النقض: بسرة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وأم حبيبة، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، ولا شكَّ أن العدد الكثير من الصحابة مقدم على رواية الواحد.
- ومنها: قولُ أكثر الصحابة بالنقض، منهم: عمر بن الخطاب، وعبد الله ابنه، وأبو أيوب، وزيد بن خالد، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، وجابر، وعائشة، وأم حبيبة، وبسرة، وعن كلٍّ من سعد بن أبي وقاص وابن عباس روايتان1.
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن حديث طلق في عدم نقض الوضوء بمس الذكر--------------------------------------------
1 انظر: تهذيب السنن: (1/134-135) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 148)
ما بين: مُؤَوَّل، ومرجوح، ومنسوخ، ولقد ذهب ابن القَيِّم رحمه الله إلى ضعف حديث طلق - على ما في ذلك من نظر - وأنه مرجوح بمرجحات أخرى غير ضعفه، وقال بأنه على تقدير صحته منسوخ.
ولعلَّ القول بالجمع بين الخبرين - إعمالاً لجميع الأدلة - أولى، والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 149)
7 ـ باب الوضوء من لحم الإبل
…
7- باب الوضوء من لحوم الإبل
9- (9) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه: "أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أأتوضأ من لحوم الغَنَم؟ قال: "إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلا تَتَوَضَّأْ" قَالَ: أَتَوَضَّأُ من لحومِ الإبِلِ؟ قال: "نَعَمْ، فَتَوَضَّأْ مِن لُحُومِ الإبِلِ". قال أُصَلِّي في مَرَابِضَ الغَنَمِ؟ قال: "نعم". قِال أُصَلِّي في مباركِ الإبل؟ قال: "لا".
ذكره ابن القَيِّم رحمه الله في (تهذيب السنن) 1، وذكر أن عليَّ ابن المديني أعله بجهالة "جعفر بن أبي ثور" راويه عن جابر، ثم قال: "وهذا تعليل ضعيف". ثم نقل أقوال العلماء في جعفر.
قلت: هذا الحديث يرويه عن جابر بن سمرة: جعفر بن أبي ثور2. ورواه عن جعفر ثلاثةُ نَفَرٍ:
أولهم: عثمان بن عبد الله بن موهب. أخرجه مسلم في (صحيحه) 3، وأحمد في (مسنده) 4، وابن خزيمة وابن حبان في--------------------------------------------
(1/ 136 - 137) .
2 واسم أبيه: عكرمة، وقيل غير ذلك، يكنى: أبا ثور، مقبولٌ، من الثالثة / م ق. (التقريب 140) .
(1/ 275) ح 97 (360) ك الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل.
(5/ 98، 106) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 150)
(صحيحيهما) 1، والبيهقي في (سننه) 2 كلهم من طريق:
أبي عوانة، عن عثمان بن عبد الله3، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة به. واللفظ المسوق أول الباب لفظ مسلم، ولفظ الباقين بنحوه.
ثانيهم: سِمَاك بن حرب4. أخرجه أحمد في (مسنده) 5 من طريق زائدة. وابن الجارود في (المنتقى) 6 من طريق سفيان الثوري، كلاهما عن: سِماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بنحو لفظ مسلم المتقدم.
وأخرجه أحمد والطيالسي في (مسنديهما) 7، وابن حبان في (صحيحه) 8، والخطيب في (موضح أوهام الجمع والتفريق) 9 من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن أبي ثور بن عكرمة، عن جابر به. كذا--------------------------------------------
1 خز: (1/ 21) ح 31. حب: الإحسان: (2/ 225) ح 1121.
(1/ 158) .
3 ابن موهب التيمي مولاهم، المدني، الأعرج، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من الرابعة، مات سنة 160 هـ/ خ م ت س ق. (التقريب 385) .
4 الكوفي، أبو المغيرة، صدوقٌ وروايته عن عِكْرِمة خاصة مضطربةٌ، وقد تَغَيَّرَ بِأخرة فكان رُبَّمَا تَلَقَّنَ، من الرابعة، مات سنة 123 هـ/ خت م 4. (التقريب 255) .
(5/ 108) .
(ح 25) .
7 حم: (5/ 93، 100) . طس: (ح 766) .
8 الإحسان: (2/ 225) ح 1123.
(2/ 16) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 151)
عند أحمد وابن حبان، وعند الطيالسي: سمعت أبا ثور يُحَدِّثُ عن جابر ابن سمرة، ومن طريق أبي داود ساقه الخطيب.
وقد خَطَّأوا شُعبة في روايته تلك، فقال الترمذي في (علله) 1: "أخطأ شعبة في حديث سماك، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة … فقال: عن سماك، عن أبي ثور". وقال الحاكم أبو أحمد: " … وليس ذكر عكرمة في نسبه بمحفوظ"2.
ونقل ابن القَيِّم إعلال الترمذي لهذه الرواية، وأنه قال: "حديث سفيان أصح من حديث شعبة، وشعبة أخطأ … "3. ونسب ذلك إلى (العلل) ، والذي فيه ما نقلته بدون تقديم حديث سفيان.
قلت: ولا أدري ما وجه تخطئة الترمذي شعبة في هذا الحديث، فإنه قد ذكره بكنيته، وقد نَصَّ على كنيته غير واحد، منهم ابن حبان، فقال: "فجعفر بن أبي ثور هو أبو ثور بن عكرمة"4. ونص على ذلك الخطيب5 أيضاً، فالرجل كنيته توافق كنية أبيه، فما أخطأ من ذكره بكنيته.
وثالث الرواة له عن جعفر بن أبي ثور: أشعث بن أبي الشعثاء6.--------------------------------------------
(1/ 154) .
2 تهذيب التهذيب: (2/ 87) .
3 تهذيب السنن: (1/ 136 - 137) .
4 الإحسان: (2/ 226) .
5 موضح أوهام الجمع والتفريق: (2/ 16) .
6 المحاربي، الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة 125 هـ / ع. (التقريب 113) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 152)
أخرجه ابن ماجه في (سننه) 1، وابن حبان في (صحيحه) 2 عن أشعث، عن جعفر بن أبي ثور، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نَتَوَضَّأَ من لحومِ الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم".
فهؤلاء هم رواة هذا الحديث عن جعفر بن أبي ثور، قال ابن خزيمة عقب إخراجه هذا الحديث: "فهؤلاء ثلاثة من أَجِلَّةِ رواة الحديث، قد رووا عن جعفر ابن أبي ثور هذا الخبر".
وأما حكمُ عليِّ بن المديني عليه بالجهالة: فقد روى ذلك البيهقي في (سننه) 3 بسنده إلى محمد بن أحمد بن البراء عن علي. ولكن هذا غير مقبول منه رحمه الله؛ فإن جعفراً هذا وإن لم يوثقه غير ابن حبان، فإنه مشهورٌ شهرةً تغني عن البحث عن حاله، مع رواية هؤلاء الأجلة - المتقدم ذكرهم - عنه، قال الإمام الترمذي: "جعفر بن أبي ثور رجل مشهور"4. وقال أبو أحمد الحاكم: "هو من مشايخ الكوفيين الذين اشتهرت روايتهم عن جابر … "5. وقال ابن حبان: "أبو ثور بن عكرمة ابن جابر بن سمرة اسمه: جعفر، وكنية أبيه: أبو ثور … فمن لم يُحْكِمْ صناعة الحديث تَوَهَّمَ أنهما رجلان مجهولان، فتفهموا رحمكم الله كيلا تغلطوا فيه"6. وقال البيهقي: "وجعفر بن أبي ثور هو رجل مشهور،--------------------------------------------
(1/ 166) ح 495 ك الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل.
2 الإحسان: (2/ 225) ح 1122، و (2/ 226) ح 1124.
(1/ 158) .
4 العلل: (1/ 154) .
5 تهذيب التهذيب: (2/ 87) .
6 الإحسان: (2/ 226) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 153)
من ولد جابر بن سمرة" ثم ذكر الرواة عنه وقال: "ومن روى عنه مثل هؤلاء خَرَجَ من أن يكون مجهولاً، ولهذا أَوْدَعَهُ مسلم بن الحجاج في كتابه الصحيح"1.
وهذا الحديث صَحَّحَهُ: أحمد بن حنبل2، وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: "صَحَّ في هذا الباب حديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة"3. وقال ابن خزيمة: "لَمْ نر خِلافاً بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيحٌ من جهة النقل". وصححه ابن حبان بإخراجه في (صحيحه) ، وَمَالَ البيهقيُّ إلى تصحيحه، وقد مضى كلامه. وكفى بإخراج مسلم له في (صحيحه) .
فَتَلَخَّصَ من ذلك: أن ما أَعَلَّهُ به ابن المديني من تجهيل راويه لم يتحقق التعليل به، وقد رَدَّ ذلك ابن القَيِّم رحمه الله، واستشهد على صحة الحديث بكلام الأئمة الأعلام، فأصاب رحمه الله.
وقد أَكَّدَ ابن القَيِّم رحمه الله صِحَّة هذا الخبر، فقال: " أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من أَكْلِهِ في حديثين صحيحين، لا معارضَ لهما، ولا يَصُحُّ تأويلهما بغسل اليد؛ لأنه خلافُ المعهودِ من الوضوءِ في كلامه صلى الله عليه وسلم"4.--------------------------------------------
1 سنن البيهقي: (1/ 159) .
2 مختصر سنن أبي داود للمنذري: (1/ 137) .
3 علل الترمذي: (1/ 153 - 154) .
4 زاد المعاد: (4/ 376) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 154)
8 - باب التوقيت في المسح على الخفين
10- (10) عَنْ خزيمة بن ثابت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْمَسْحُ على الخُفَّيْنِ: لِلمسافرِ ثَلاثةُ أَيَّامٍ، وللمقيم يومٌ وليلةٌ".
وفي لفظ لأبي داود: "ولو استزدناه لزادنا".
قال ابن القَيِّم رحمه الله: "وقد أَعَلَّ أبو محمد بن حزم حديث خزيمة هذا، بأن قال: رواه عنه أبو عبد الله الجَدَلِي صاحبُ رايةِ الكافر المختار، لا يُعْتَمَدُ على روايته1.
وهذا تعليلٌ في غاية الفَسَادِ؛ فإن أبا عبد الله الجَدَلِي قد وَثَّقَهُ الأئمة: أحمد، ويحيى، وَصَحَّحَ الترمذي حديثه، ولا يُعلم أحدٌ من أئمةِ الحديث طَعَنَ فيه.
وأما كونه صاحب راية المختار: فإنَّ المختار بن أبي عبيد الثَّقَفي إِنَّمَا أَظْهَرَ الخروج لأخذِهِ بثأر الحسين بن عليٍّ رضي الله عنهما، والانتصار له من قَتَلَتِهِ، وقد طَعَنَ أبو محمد بن حزم في أبي الطفيل، وَرَدَّ روايته بكونه كان صاحبَ راية المختار أيضاً، مع أن أبا الطفيل كان من الصحابة، ولكن لم يكونوا يعلمون ما في نفس المختار وما يسره، فَرَدُّ روايةِ الصاحب والتابع الثقة بهذا باطل"2.
قلت: هذا ما ذكره ابن القَيِّم رحمه الله مما أُعِلَّ به هذا--------------------------------------------
1 انظر كلام ابن حزم في المحلى: (2/122) .
2 تهذيب السنن: (1/117) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 155)
الحديث، وله علتان غير ما ذكر، وهما: انقطاعه، والاختلاف في إسناده، فيكون مجموع ما أُعِلَّ به: ثلاث علل، وسيأتي بيان ذلك بالتفصيل.
أما الاختلاف في إسناده: فإن هذا الحديث مداره على ثلاثة: إبراهيم بن يزيد1 التيمي، وإبراهيم بن يزيد2 النخعي، والشعبي.
أما رواية إبراهيم التيمي: فإنه يُروى عنه، عن عمرو بن ميمون الأَوْدِي، عن أبي عبد الله الجدلي3، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعاً.
ويرويه عن التيمي جماعة، أشهرهم: سعيد بن مسروق4، ومنصور ابن المعتمر، والحسن بن عبيد الله5.
أما رواية سعيد بن مسروق، فقد أخرجها: الترمذي في (جامعه) 6، والطبراني في (الكبير) 7، وابن حبان في (صحيحه) 8، والبيهقي في--------------------------------------------
1 ابن شريك، يكنى أبا أسماء، الكوفي، العابد، ثِقَةٌ إلا أنه يُرْسل ويُدَلِّس، من الخامسة مات سنة 92هـ /ع. (التقريب 95) .
2 ابن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي، الفقيه، ثِقَةٌ إلا أَنَّه يُرْسِلُ كثيراً، من الخامسة، مات سنة 96 هـ /ع. (التقريب 95) .
3 اسمه عبد، أو عبد الرحمن بن عبد، ثِقَةٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ، من كبار الثالثة /د ت س. (التقريب 654) .
4 والد سفيان الثوري.
5 النخعي، أبو عروة الكوفي.
(1/158) ح 95 ك الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم.
(4/108) ح 3752.
8 الإحسان: (2/312) ح 1330.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 156)
(سننه) 1، من طرق عن: أبي عوانة وَضَّاح اليَشْكُريّ، عن سعيد بن مسروق، عن إبراهيم التيمي، بالإسناد المذكور إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الْمَسْحُ على الْخُفَّين للمقيم … " الحديث. هذا لفظ الطبراني، والبيهقي. وعند الترمذي: "أنه سُئِلَ عن المسح على الخفين، فقال: … " وعند ابن حبان: "أن أعرابياً سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المسح … ".
قال أبو عيسى الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وأخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) 2 من طريق زائدة بن قدامة، عن سعيد بن مسروق، بالإسناد الماضي إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ورواه شريك، وسفيان الثوري، كلاهما: عن سعيد بن مسروق، وزادوا في آخره: "وَأَيْمُ الله لو مضى السَّائل في مسألته لجعلها خمساً" لفظ الثوري، ولفظ شريك: "ولو استزدناه لجعلها خمساً"، أخرج رواية شريك: الطبراني في (معجمه الكبير) 3. وأخرج رواية الثوري: ابن ماجه في (سننه) 4، وعبد الرزاق في (مصنفه) 5 - ومن طريقه البيهقي في (سننه) 6 -، والطبراني في (معجمه الكبير) 7.
هذا ما يتعلق برواية سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي.--------------------------------------------
(1/276) .
(4/108) ح 3753.
(4/107) ح 3751.
(1/184) ح553 ك الطهارة، باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر.
(1/203) ح 790.
(1/277) .
(4/107) ح 3749.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 157)
وأما رواية منصور بن المعتمر عن إبراهيم التيمي به، فأخرجها: أحمد في (مسنده) 1، والطبراني في (معجمه) 2، من طريق سفيان الثوري، عن منصور به. قال عبد الله بن الإمام أحمد: "قال أبي: سمعته من سفيان مرتين يذكر للمقيم، ولو أطنب السائل في مسألته لزادهم". وعند الطبراني: "ولو استزدناه لزادنا".
وأخرجه الطبراني أيضاً في (معجمه) 3 من طريق: عبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّي، ثم من طريق: جرير، كلاهما عن منصور بن المعتمر به، وفيهما الزيادة المذكورة.
وخالف أبو الأحوص سائرَ الرواة عن منصور، فرواه عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم التيمي، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة به مرفوعاً، أخرجه الطبراني في (معجمه) 4 وفيه الزيادة المذكورة. قال أبو القاسم الطبراني: "أسقط أبو الأحوص من الإسناد عمرو بن ميمون".
وأما رواية الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم التيمي، عن عمرو بن ميمون به: فقد أخرجها الطبراني في (معجمه) 5، والبيهقي في (سننه) 6، وعند الطبراني: أن أعرابياً سأله … فقال: "ثلاثٌ للمسافر ويوم--------------------------------------------
(5/213) .
(4/108) ح 3754.
(4/109) ح3755، 3757.
(4/109) ح 3756.
(4/109) ح 3758.
(1/277) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 158)
للحاضر"، وليس عند البيهقي ذكر المقيم، بل قال لما سأله الأعرابيُّ: "ثلاثَةُ أيامٍ ولياليهن"، وعندهما ذكر الزيادة وهي قوله: "ولو استزاده الأعرابي لزاده".
ورواه سلمة بن كهيل، عن إبراهيم التيمي، عن الحارث بن سويد، عن عمرو بن ميمون، عن خزيمة بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم به، أخرجه ابن ماجه في (سننه) 1، والطبراني في (معجمه) 2 والبيهقي في (سننه) 3، وليس فيه حكم المقيم، بل قال: "يمسحُ المسافرُ ثلاثة أيامٍ". قال شعبة - راويه عن سلمة بن كهيل -: "أحسبه قال: ولياليهن".
ففي هذه الرواية مخالفات:
أولها: أنه أسقطَ من الإسناد "أبا عبد الله الجدلي" بين عمرو بن ميمون وخزيمة.
ثانيها: أنه زاد في الإسناد "الحارث بن سويد" بين إبراهيم التيمي وعمرو بن ميمون.
هذا ما يَتَعَلَّقُ برواية إبراهيم التيمي بطرقها، وقد وقع اختلاف في إسنادها وفي متنها، كما يَتَّضحُ ذلك من العرض السابق.
وقد رَجَّحَ الأئمة رواية الأكثرين له: عن إبراهيم، عن عمرو بن--------------------------------------------
(1/184) ح554.
2 الكبير: (4/110) ح 3759، 3760.
(1/278) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 159)
ميمون، عن الجَدَلِي، عن خزيمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بالزيادة المذكورة، فقال أبو زرعة: "الصحيح من حديث إبراهيم التيمي: عن عمرو بن ميمون، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم"1. وقال ابن دقيق العيد: "فالروايات متضافرةٌ برواية التيمي له عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة، وأما إسقاط أبي الأحوص لعمرو بن ميمون من الإسناد، فالحكمُ لمن زاد؛ فإنه زيادة عدل، لاسيما وقد انضم إليه الكثرة من الرواة، واتفاقهم على هذا دون أبي الأحوص"2. فَظَهَرَ بذلك رجحان رواية الأكثرين بذكر "عمرو بن ميمون" وعدم إسقاطه.
وأما رواية إبراهيم النخعي: فقد رويت عن إبراهيم، عن أبي عبد الله الجدلي، عن خزيمة بن ثابت مرفوعاً، وليس فيها ذكر الزيادة التي جاءت في رواية التيمي. وقد رواها عن إبراهيم جماعة:
فأخرجها الإمام أحمد في (مسنده) 3، والطبراني في (معجمه) 4من طريق: هشام الدستوائي. والطبراني - أيضاً - من طريق: الثوري5، ثم من طريق: حماد بن سلمة6، ثم من طريق: أبي حنيفة7، جميعهم عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي به.--------------------------------------------
1 علل ابن أبي حاتم: (1/22) ح 31.
2 نصب الراية: (1/176) .
(5/213) .
(4/111) ح 3764.
5 ح رقم 3762.
6 ح رقم 3765.
7 ح رقم 3767، 3768.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 160)
وأخرجه الطبراني1 من طريق الحكم بن عتيبة، عن إبراهيم به.
وأخرجه أبو داود في (سننه) 2، والطيالسي في (مسنده) 3، وأحمد - كذلك - في (مسنده) 4، والطبراني في (الكبير) 5، عن: الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان كليهما، عن إبراهيم النخعي، عن الجدلي به.
وقد أُعِلَّتْ هذه الرواية بالانقطاع؛ فقد نَقَلَ الترمذي عن البخاري قوله: "كان شعبةُ يقول: لم يسمع إبراهيم النخعي من أبي عبد الله الجدلي حديث المسح"6. وروى ذلك ابن أبي حاتم في (المراسيل) 7 بإسناده إلى شعبة.
قلت: فرجعتْ بذلك روايةُ إبراهيم النخعي إلى رواية إبراهيم التيمي الْمُتَّصِلة، كما يَدُلُّ عليه كلام هؤلاء الأئمة، وقد سَلَكَ هذا الطريق ابن دقيق العيد رحمه الله فقال: "ولكن الطريق فيه: أن تُعَلَّلَ طريق إبراهيم بالانقطاع … وَيُرْجَعُ إلى طريق إبراهيم التيمي، فالروايات متضافرةٌ برواية--------------------------------------------
(4/117) ح 3790، 3791.
(1/109) ح 157 ك الطهارة، باب التوقيت في المسح.
3 ح 1219.
(5/ 213، 214) .
(4/110) ح 3763.
6 علل الترمذي: (1/174) .
(ص 8) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 161)
التيمي له عن عمرو بن ميمون، عن الجدلي، عن خزيمة"1.
وأما رواية الشعبي: فقد أخرجها: الطبراني في (معجمه) 2، وعلقها البيهقي في (سننه) 3، والترمذي في (علله) 4، كلهم من طريق: ذَوَّاد بن عُلْبَة5، عن مُطَرِّف، عن الشَّعبي، عن الجدلي، عن خزيمة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المسح على الخفين: "ثلاثةُ أيامٍ ولياليهن للمسافر، ويوم للمقيم" هذا لفظ الترمذي والطبراني، أما عند البيهقي ففيه ذكر المسافر فقط، وفيه قوله: "ولو استزدناه لزادنا".
ولكن هذه الطريق ضعيفةٌ، ضَعَّفَهَا البيهقي6 بذواد بن علبة هذا، وأشارَ إلى ضعفها ابن دقيق العيد7، وسألَ التِّرْمذيُّ البخاري عنها فقال: " … ولا أدري هذا الحديث محفوظاً". قال الترمذي: "ولم يعرفه - يعني البخاري - إلا من هذا الوجه"8. فلا اعتبار إذن لرواية الشعبيِّ هذه، ويرجعُ الأمر إلى رواية إبراهيم التيمي كما قَدَّمْنَا.
هذا ما يَتَعَلَّق بالعِلَّة الأولى، وهي الاختلاف في إسناده، وقد--------------------------------------------
1 نصب الراية: (1/176) .
(4/110) ح 3761.
(1/278) .
(1/174) .
5 الحارثي، أبو المنذر، الكوفي، ضعيفٌ عابد، من الثامنة /ت ق. (التقريب 203) .
6 السنن (1/278) .
7 نصب الراية: (1/176) .
8 علل الترمذي: (1/175) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 162)
أجيبَ عنها بحمد الله، وتبين أن هذه الطرق المختلفة مرجعها إلى طريق واحد.
وأما انقطاع إسناده - وهي العلة الثانية -: فقد قال البخاري - فيما نقله عنه الترمذي في (علله) 1 -: "لا يَصُحُّ عندي حديث خزيمة بن ثابت في المسح؛ لأنه لا يُعرف لأبي عبد الله الجدلي سماع من خزيمة بن ثابت".
ولم أر من شارك البخاري في هذا القول، حتى إنَّ الترمذي الذي نقل كلام البخاريّ هذا قد صَحَّحَ الحديث كما مضى، ولعلَّ ذلك من البخاري رحمه الله بناء على مذهبه في اشتراطِ ثبوت اللقاء بين الراوي وشيخه، وأنه لا يكتفي في ذلك بإمكان اللقاء.
قال ابن دقيق العيد - في معرض رده هذه العلة -: "وقد أطنبَ مسلمٌ في الردِّ لهذه المقالة، واكتفى بإمكان اللقاء، وذكر له شواهد"2.
قلت: ولقاؤه لخزيمة بن ثابت غير بعيد، فقد روى الدولابي في (الكنى) 3 بسنده إلى محمد بن عمر أنه قال: "أبو عبد الله الجدلي أدرك أبا بكر … ". وقد تأخرتْ وفاة الجدلي إلى فتنة ابن الزبير، فيكون قد أدرك خزيمة من باب أولى؛ إذ إن وفاة خزيمة كانت سنة 37هـ.
فإذا تَقَرَّرَ إمكان لقائه له، وعلمنا أن الجدلي غير معروف بالتدليس،--------------------------------------------
(1/173) .
2 نصب الراية (1/177) .
(2/57) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 163)