عند القبور، ولا يتحرون الدعاء عندها أصلا، بل كانوا ينهون عن ذلك من كان يفعله من جهالهم. كما قد ذكرنا بعضه.
فلا يخلو: إما أن يكون الدعاء عندها أفضل منه في غير تلك البقعة، أو لا يكون.
فإن كان أفضل لم يجز أن يخفى علم هذا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ فتكون القرون الثلاثة الفاضلة جاهلة بهذا الفضل العظيم، ويعلمه من بعدهم. ولم يجز أن يعلموا ما فيه من الفضل العظيم (1) ويزهدوا فيه، مع حرصهم على كل خير، لا سيما الدعاء، فإن المضطر يتشبث بكل سبب، وإن كان فيه نوع كراهة، فكيف يكونون مضطرين في كثير من الدعاء، وهم يعلمون فضل الدعاء عند القبور، ثم لا يقصدونه (2) ؟ هذا محال طبعا وشرعا.
وإن لم يكن الدعاء عندها أفضل، كان قصد الدعاء عندها ضلالة ومعصية، كما لو تحرى الدعاء وقصده عند سائر البقاع التي لا فضيلة للدعاء عندها، من شطوط الأنهار، ومغارس الأشجار وحوانيت الأسواق، وجوانب الطرقات، وما لا يحصي عدده إلا الله.
وهذا الدليل قد دل عليه كتاب الله في غير موضع، مثل قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] (3) فإذا لم يشرع الله استحباب الدعاء عند المقابر ولا وجوبه؛ فمن شرعه فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] (4)--------------------------------------------
(1) العظيم: ساقطة من (ط) والمطبوعة.
(2) في (د) : ثم لا يقصدونها.
(3) سورة الشورى: الآية 21.
(4) سورة الأعراف: الآية 33.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 201)
وهذه العبادة عند المقابر نوع من أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانًا، لأن الله لم ينزل حجة تتضمن استحباب قصد الدعاء عند القبور وفضله على غيره. ومن جعل ذلك من دين الله فقد قال على الله ما لا يعلم (1) .
وما أحسن قوله تعالى: {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} [الأعراف: 33] لئلا يحتج بالمقاييس والحكايات.
ومثل هذا قوله تعالى في حكايته عن الخليل: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ - وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ - وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 80 - 83] (2) .
فإن هؤلاء المشركين الشرك الأكبر والأصغر يخوفون المخلصين بشفعائهم (3) فيقال لهم (4) نحن لا نخاف هؤلاء الشفعاء الذين لكم، فإنهم خلق من خلق الله، لا يضرون إلا بعد مشيئة الله، فمن مسه بضر فلا كاشف له إلا هو، ومن أصابه برحمة فلا راد لفضله وكيف نخاف هؤلاء المخلوقين الذين جعلتموهم شفعاء وأنتم لا تخافون الله، وقد أحدثتم (5) في دينه من الشرك ما لم--------------------------------------------
(1) في (ط) : ما لا يعلمه.
(2) سورة الأنعام: الآيات 80 - 83.
(3) في (ط) : بشفعاتهم، ولعله تحريف من الناسخ.
(4) في (أ) : فقال لهم.
(5) في المطبوعة: وأنتم قد أحدثتم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 202)
ينزل به وحيا من السماء؟! فأي الفريقين أحق بالأمن؟ من كان لا يخاف إلا الله، ولم يبتدع في دينه شركاء، أم من ابتدع في دينه شركا بغير إذنه؟ بل من آمن ولم يخلط إيمانه بشرك فهؤلاء من (1) المهتدين.
وهذه الحجة المستقيمة التي يرفع الله بها وبأمثالها أهل العلم.
فإن قيل: فقد نقل عن بعضهم أنه قال: " قبر معروف (2) الترياق المجرب (3) وروي عن معروف أنه أوصى ابن أخيه أن يدعو عند قبره.
وذكر أبو علي الخرقي (4) في قصص مَنْ هجره أحمد، أن بعض هؤلاء المهجورين كان يجيء عند قبر أحمد، ويتوخى الدعاء عنده، وأظنه ذكر ذلك للمروذي (5) ونقل عن جماعات أنهم دعوا عند قبور جماعات من الأنبياء والصالحين، من أهل البيت وغيرهم، فاستجيب لهم الدعاء، وعلى هذا عمل كثير من الناس.
وقد ذكر العلماء (6) المصنفون في مناسك الحج إذا زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم--------------------------------------------
(1) في المطبوعة قال: فهؤلاء هم الذين لهم الأمن وهم مهتدون.
(2) هو: معروف بن فيروز الكرخي، من العباد والزهاد والمشاهير، مشهور بإجابة الدعوة، وله في التصوف أحوال ومقالات تخالف ما عليه الصحابة والتابعون، توفي سنة (200هـ) . انظر: وفيات الأعيان (5 / 231 - 233) ، (ت 729) ، ومجموع الفتاوى للمؤلف (10 / 468) .
(3) انظر: وفيات الأعيان (5 / 232) ؛ وفي طبقات الحنابلة (1 / 382) ، نسب هذه العبارة لإبراهيم الحربي، ومعنى الترياق المجرب: أنه مجرب في قبول الدعاء عند قبره، وانتفاع من يتبرك به، وهذا من ترهات الصوفية، وإن صح فهو ابتلاء وفتنة للمبتدعين.
(4) هو: الحسين بن عبد الله بن أحمد الخرقي، أبو علي، صحب بعض أصحاب أحمد كحرب والمروذي. توفي سنة (299هـ) . انظر: طبقات الحنابلة (2 / 45، 46) .
(5) في المطبوعة: ذكر ذلك المروزي.
(6) في المطبوعة: وقد ذكر المتأخرون.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 203)
فإنه يدعو عنده، وذكر بعضهم أنه من صلى عليه سبعين مرة عند قبره ودعا استجيب له. وذكر بعض الفقهاء في حجة من يجوز القراءة على القبر: أنها بقعة يجوز السلام والذكر والدعاء عندها، فجازت القراءة (1) كغيرها.
وقد رأى بعضهم منامات في الدعاء عند قبر بعض الأشياخ، وجرب أقوام استجابة الدعاء عند قبور معروفة، كقبر الشيخ أبي الفرج الشيرازي المقدسي (2) وغيره.
وقد أدركنا في أزماننا وما قاربها من ذوي الفضل (3) علما وعملا من كان يتحرى الدعاء عندها أو العكوف عليها، وفيهم من كان بارعا في العلم، وفيهم من كان له (4) كرامات، فكيف يخالف هؤلاء؟ وإنما ذكرت هذا السؤال مع بعده عن طريق (5) العلم والدين، لأنه غاية ما يتمسك به المقبريون (6) .
[رد القول بأن الأمة أجمعت على استحسان الدعاء عند القبور]
قلنا: الذي ذكرنا كراهته، لا ينقل في استحبابه - فيما علمناه - شيء--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: فجازت القراءة عندها كغيرها.
(2) هو: عبد الواحد بن محمد بن علي بن أحمد الشيرازي، ثم المقدسي، ثم الدمشقي، أبو الفرج، الحنبلي، الفقيه الزاهد، شيخ الشام في وقته، له مصنفات في الفقه والأصول، منها: التبصرة في أصول الدين، والمبهج، والإيضاح، وغيرها. توفي سنة (486هـ) .
انظر: الذيل على طبقات الحنابلة (1 / 68 - 73) .
(3) في المطبوعة زاد: عند الناس.
(4) في المطبوعة زاد أيضا: عند الناس.
(5) في المطبوعة: عن طريق أهل العلم.
(6) في المطبوعة: القبوريون، كذا تكررت في مواضع كثيرة ستأتي، في حين أنها في جميع النسخ المخطوطة، وفي كل المواطن التي أوردها المؤلف يقول: " المقبريون " و " المقابريون " كما هو مثبت، ولم ترد بلفظ " القبوريون "، إلا في المطبوعة. ولعله تصرف من أحد النساخ أو المصحح للمطبوعة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 204)
ثابت، عن القرون الثلاثة التي أثنى النبي صلى الله عليه وسلم (1) عليها حيث قال: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (2) مع شدة المقتضي فيهم (3) لذلك (4) لو كان فيه فضيلة، فعدم (5) أمرهم وفعلهم لذلك مع قوة المقتضي لو كان فيه فضل يوجب (6) القطع بأن لا فضل فيه.
وأما من بعد هؤلاء، فأكثر ما يفرض: أن الأمة اختلفت، فصار كثير من العلماء أو الصديقين إلى فعل (7) ذلك، وصار بعضهم إلى النهي عن ذلك، فإنه لا يمكن أن يقال: قد أجمعت الأمة على استحسان ذلك لوجهين:
أحدهما: أن كثيرا من الأمة كره ذلك وأنكره، قديما وحديثا.
الثاني: أنه من الممتنع أن تتفق الأمة على استحسان فعل لو كان حسنا لفعله المتقدمون، ولم يفعلوه، فإن هذا من باب تناقض الإجماعات، وهي لا تتناقض، وإذا اختلف فيه المتأخرون فالفاصل بينهم: هو الكتاب والسنة،--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: أثنى عليها رسول الله.
(2) هذا حديث متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب وباب فضائل أصحاب النبي صلي الله عليه وسلم، حديث رقم (3650) ، من فتح الباري، (7 / 3) ولفظه " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " الحديث. وأخرجه مسلم في كتاب وباب فضائل الصحابة، حديث رقم (2533، 2534، 2535) ، بلفظ البخاري. وباللفظ الذي أشار إليه المؤلف، لكن قال فيه الراوي: " والله أعلم أذكر الثالثة أم لا " يعني بعد قوله: " ثم الذين يلونهم " (4 / 1962 - 1964) .
(3) في المطبوعة: عندهم.
(4) في (أ) : كذلك.
(5) في (أط) : بعدم.
(6) في (ط) : موجب.
(7) فعل: ساقطة من (ط) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 205)
وإجماع المتقدمين نصا واستنباطا، فكيف (1) - والحمد لله - لا ينقل هذا عن إمام معروف، ولا عالم متبع؟
بل المنقول في ذلك إما أن يكون كذبا على صاحبه، مثل ما حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال: " إني إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة فأجاب " أو كلاما هذا معناه. وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له (2) معرفة بالنقل، فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين، أفضل من أبي حنيفة، وأمثاله من العلماء. فما باله لم يتوخَّ الدعاء إلا عنده (3) ؟ ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه، مثل أبي يوسف ومحمد (4) وزفر (5) والحسن بن زياد (6) وطبقتهم، لم يكونوا يتحرون الدعاء، لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره.--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: فكيف وهذا - والحمد لله - لم ينقل هذا عن إمام.
(2) في المطبوعة: عند من له أدنى معرفة.
(3) في المطبوعة: إلا عند قبر أبي حنيفة.
(4) هو: محمد بن الحسن الشيباني. مرت ترجمته. انظر فهرس الأعلام.
(5) هو: زفر بن الهذيل بن قيس البصري، من كبار تلاميذ أبي حنيفة، وكان هو المقدم في مجلسه، جمع بين الفقه والعبادة. توفي سنة (158هـ) ، وكانت ولادته سنة (110هـ) ، وهو في الحديث صدوق. انظر: لسان الميزان (2 / 476) ، (ت 1919) .
انظر: الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي (ص 75 - 77) .
(6) هو: الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، صاحب أبي حنيفة، كان فقيها فطنا، ولي القضاء بالكوفة، وهو في الحديث ليس بشيء، بل اتهمه كثير من أئمة الحديث بالكذب، مات سنة (204هـ) . انظر لسان الميزان (2 / 208، 209) ، (ت 927) ؛ والفوائد البهية في تراجم الحنفية (ص 60، 61) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 206)
ثم قد تقدم عند الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين (1) خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه.
وإما أن يكون المنقول من هذه الحكايات عن مجهول لا يعرف، ونحن لو روي لنا مثل هذه الحكايات المسيبة (2) أحاديث عمن لا ينطق عن الهوى، لما جاز التمسك بها حتى تثبت. فكيف بالمنقول عن غيره؟
ومنها ما قد يكون صاحبه قاله أو فعله، باجتهاد يخطئ ويصيب، أو قاله بقيود وشروط كثيرة على وجه لا محذور فيه، فحرف النقل عنه، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن في زيارة القبور بعد النهي (3) فهم المبطلون أن ذلك هو الزيارة (4) التي يفعلونها، من حجها للصلاة عندها، والاستغاثة (5) بها.
ثم سائر هذه الحجج دائرة بين نقل لا يجوز إثبات الشرع به، أو قياس لا يجوز استحباب العبادات بمثله، مع العلم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشرعها، وتركه (6) مع قيام المقتضي للفعل بمنزلة فعله، وإنما يثبت العبادات بمثل هذه الحكايات والمقاييس - من غير نقل عن الأنبياء - (7) النصارى وأمثالهم.
وإنما المتبع في إثبات أحكام الله (8) كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسبيل--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: الصالحين.
(2) المسيبة أي: المهملة السند التي لا أصل لها.
(3) في المطبوعة: النهي عنها.
(4) في (أ) : الزيادة.
(5) في (أ) : والاستعانة.
(6) في المطبوعة: وتركه لها.
(7) في المطبوعة: عن أبناء النصارى، والمقصود من كلام المؤلف: أن النصارى وأمثالهم كغلاة المتصوفة والمقبريين هم الذين يثبتون العبادات ويبتدعونها بالحكايات والمنامات والمقاييس والأوهام، وهذه طرق باطلة.
(8) في المطبوعة: وإنما المتبع عند علماء الإسلام في إثبات الأحكام هو كتاب الله.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 207)
السابقين أو الأولين، لا يجوز إثبات حكم شرعي بدون هذه الأصول الثلاثة، نصا واستنباطا بحال.
والجواب عنها من وجهين: مجمل ومفصل.
* أما المجمل: فالنقض: فإن اليهود والنصارى عندهم من الحكايات والقياسات من هذا النمط كثير، بل المشركون الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يدعون عند أوثانهم فيستجاب لهم أحيانا، كما قد يستجاب لهؤلاء أحيانا، وفي وقتنا هذا عند النصارى من هذا طائفة، فإن كان هذا وحده دليلا على أن الله يرضى ذلك ويحبه، فليطرد الدليل (1) . وذلك (2) كفر متناقض.
ثم إنك تجد كثيرا من هؤلاء الذين يستغيثون، عند قبر أو غيره، كل منهم قد اتخذ وثنا أحسن به الظن، وأساء الظن بآخر، وكل منهم يزعم أن وثنه يستجاب عنده، ولا يستجاب عند غيره، فمن المحال إصابتهم جميعا، وموافقة بعضهم دون بعض تحكم، وترجيح بلا مرجح، والتدين بدينهم جميعا جمع بين الأضداد.
فإن أكثر هؤلاء إنما يكون تأثرهم - فيما يزعمون - بقدر إقبالهم على وثنهم، وانصرافهم عن غيره، وموافقتهم جميعا فيما يثبتونه - دون ما ينفونه -، بضعف التأثير على زعمهم، فإن الواحد (3) إذا أحسن الظن بالإجابة عند هذا وهذا، لم يكن تأثره مثل تأثر الحسن (4)--------------------------------------------
(1) نعم، إن الاستجابة في هذه الحال ليست دليلا؛ لأنها قد تكون ابتلاء، وقد تكون من باب تعجيل النعيم في الدنيا وتأخير العذاب في الآخرة، أو غير ذلك. ومع هذا فالاستجابة لأمثال هؤلاء نادرة كما سيبين المؤلف بعد قليل.
(2) في (ط) : وهذا.
(3) في (د) : الوالد، وهو تحريف.
(4) في (ب) : حسن الظن، وفي المطبوعة: من حسن الظن.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 208)
الظن بواحد دون آخر. وهذه كلها من خصائص الأوثان.
ثم قد استجيب لبلعم بن باعور (1) في قوم موسى المؤمنين وسلبه الله الإيمان. والمشركون قد يستسقون فيسقون، ويستنصرون فينصرون.
وأما الجواب المفصل فنقول: مدار هذه الشبه على أصلين:
منقول: وهو ما يحكى من فعل هذا الدعاء عن (2) بعض الأعيان.
ومعقول: وهو ما يعتقد من منفعته بالتجارب والأقيسة.
فأما النقل في ذلك: فإما كذب، أو غلط، أو ليس بحجة، بل قد ذكرنا النقل عمن يقتدى به بخلاف ذلك.
وأما المعقول فنقول: عامة المذكور من المنافع كذب، فإن هؤلاء الذين يتحرون الدعاء عند القبور وأمثالهم - إنما يستجاب لهم في النادر. ويدعو الرجل منهم ما شاء الله من دعوات، فيستجاب له في واحدة، ويدعو خلق كثير منهم، فيستجاب للواحد بعد الواحد وأين هذا من الذين يتحرون الدعاء أوقات الأسحار، ويدعون الله في سجودهم وأدبار صلاتهم، وفي بيوت الله؟ فإن هؤلاء إذا ابتهلوا (3) من جنس ابتهال المقابريين (4) لم تكد تسقط لهم دعوة إلا لمانع.--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: بن باعوراء، وقد ورد اسمه باللفظين، وهو رجل من الكنعانيين، وقيل: من اليمن، أعطاه الله اسمه الأعظم، وقيل: النبوة، وقيل إنه كان لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه، حتى دعا على موسى عليه السلام وقومه، فعوقب بأن سلب الله منه الإيمان ووقع في الشهوات وطاعة الشيطان، وهو الذي قال الله فيه: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ سورة الأعراف: من الآية 175، وقصته مأثورة عن السلف. انظر: تفاصيلها في تفسير ابن جرير (9 / 83 - 88) وأكثرها من عدد الإسرائيليات. والبداية والنهاية لابن كثير (1 / 322) .
(2) في (د) : من.
(3) في المطبوعة: ابتهلوا ابتهالا.
(4) في المطبوعة: القبوريين. وهو كما قلت خلاف عبارة المؤلف في جميع النسخ المخطوطة.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 209)
بل الواقع أن الابتهال الذي يفعله المقابريون (1) إذا فعله المخلصون، لم يرد المخلصون إلا نادرا، ولم يستجب للمقابريين (2) إلا نادرا، والمخلصون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل الله له دعوته، أو يدخر (3) له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها، قالوا: يا رسول الله، إذن نكثر. قال: الله أكثر» (4) . فهم في دعائهم لا يزالون بخير.
وأما المقبريون: فإنهم إذا استجيب لهم نادرا، فإن أحدهم يضعف توحيده، ويقل نصيبه من ربه، ولا يجد في قلبه من ذوق الإيمان وحلاوته ما كان يجده السابقون الأولون. ولعله لا يكاد يبارك له (5) في حاجته، اللهم إلا أن يعفو الله عنهم لعدم علمهم بأن ذلك بدعة، فإن المجتهد إذا أخطأ أثابه الله على اجتهاده، وغفر له خطأه.
وجميع الأمور التي يظن أن لها تأثيرا في العالم وهي محرمة في الشرع، كالتمريجات (6) الفلكية، والتوجهات النفسانية. كالعين، والدعاء المحرم،--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: القبوريون أيضا.
(2) في المطبوعة: القبوريين.
(3) في (ط) : أو يؤخر.
(4) أخرجه أحمد في المسند (مع اختلاف يسير في الألفاظ) (3 / 18) ، عن أبي سعيد الخدري، وأخرج الترمذي حديثا بمعناه عن عبادة بن الصامت، سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب انتظار الفرج، الحديث رقم (3573) ، (5 / 566) ، وقال الترمذي: " هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه " (5 / 567) .
(5) له: سقطت من (ط) .
(6) في (أط) : التمزيجات: ولعلها بالراء أصح. والتمريجات مأخوذة من المرج، وهو: الخلط والفساد والاضطراب والقلق. ولعل القصد بها هنا: تخرصات الفلكيين والذين يعتقدون أن للأفلاك تأثيرا، وتخليطهم بذلك. والتمزيجات أيضا بمعنى: الخلط وما ركب عليه البدن من الطبائع. انظر: القاموس المحيط، فصل الميم، باب الجيم (1 / 214، 215) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 210)
والرقى المحرمة، أو التمريجات الطبيعية. ونحو ذلك، فإن مضرتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب، فإن هذه الأمور لا يطلب بها غالبا إلا أمور دنيوية، فقل أن يحصل (1) لأحد بسببها أمر دنيوي إلا كانت عاقبته فيه في الدنيا عاقبة خبيثة. دع الآخرة.
والمخفق (2) من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، ثم إن فيها من النكد (3) والضرر ما الله به عليم. فهي في نفسها مضرة ولا يكاد يحصل الغرض بها إلا نادرا وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه (4) . والأسباب المشروعة في حصول هذه المطالب، المباحة أو المستحبة سواء كانت طبيعية: كالتجارة والحراثة، أو كانت دينية: كالتوكل على الله والثقة به، وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع، في الأمكنة والأزمنة التي فضلها الله ورسوله، بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين صلى الله عليه وسلم، وكالصدقة، وفعل المعروف (5) يحصل بها الخير المحض أو الغالب. وما يحصل من ضرر بفعل مشروع، أو ترك غير مشروع (6) مما نهي عنه، فإن ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة.--------------------------------------------
(1) في (أط) : حصل.
(2) في المطبوعة: والمخبل. وما أثبته اتفقت عليه النسخ المخطوطة وهو أصح؛ لأنه يقابل المنجح. فالمخفق هو الذي لا يظفر بطلبه، والمنجح بخلافه.
انظر: لسان العرب، مادة (خفق) ، (10 / 82) ، ومادة (نجح) ، (2 / 611) .
(3) في (أ) : من المنكر، وهو تحريف.
(4) في (أ) : من فعله.
(5) وفعل المعروف: ساقطة من (أ) .
(6) في (أ) : عن المشروع.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 211)
وهذا الأمر، كما أنه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، فهو أيضا معقول بالتجارب المشهورة والأقيسة الصحيحة، فإن الصلاة والزكاة يحصل بهما خير الدنيا والآخرة، ويجلبان كل خير، ويدفعان كل شر.
فهذا الكلام في بيان أنه لا يحصل بتلك الأسباب المحرمة لا خير محض، ولا غالب، ومن كان له خبرة بأحوال العالم (1) وعقل، تيقن ذلك يقينا لا شك فيه.
وإذا ثبت ذلك: فليس علينا من سبب (2) التأثير أحيانا، فإن الأسباب التي يخلق الله بها الحوادث في الأرض والسماء، لا يحصيها على الحقيقة إلا هو، أما أعيانها فبلا ريب - وكذلك أنواعها أيضا - لا يضبطها المخلوق (3) لسعة ملكوت الله سبحانه وتعالى، ولهذا كانت طريقة الأنبياء عليهم السلام، أنهم يأمرون الخلق بما فيه صلاحهم، وينهونهم عما فيه فسادهم، ولا يشغلونهم بالكلام في أسباب الكائنات كما تفعل المتفلسفة، فإن ذلك كثير التعب، قليل الفائدة، أو موجب للضرر.
ومثال النبي صلى الله عليه وسلم مثال طبيب دخل على مريض، فرأى مرضه فعلمه، فقال له: اشرب كذا، واجتنب كذا. ففعل ذلك، فحصل غرضه من الشفاء.
والمتفلسف قد يطول معه الكلام في سبب ذلك المرض، وصفته، وذمه وذم ما أوجبه. ولو قال له المريض: فما الذي يشفيني منه؟ لم يكن له بذلك علم تام.
والكلام (4) في بيان تأثير بعض هذه الأسباب قد يكون فيه فتنة لمن ضعف--------------------------------------------
(1) في (أ) : العام.
(2) في (ط) : من سب.
(3) في (د) : المخلوقات.
(4) في المطبوعة: على أن الكلام.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 212)
عقله ودينه، بحيث تختطف (1) عقله فيتأله (2) إذا لم يرزق من العلم والإيمان ما يوجب له الهدى واليقين. ويكفي العاقل أن يعلم أن ما سوى المشروع لا يؤثر بحال، فلا منفعة فيه، أو أنه وإن أثر فضرره أكثر من نفعه.
ثم سبب قضاء حاجة بعض هؤلاء الداعين الأدعية المحرمة: أن الرجل منهم قد يكون مضطرًّا ضرورة لو دعا الله بها مشرك عند وثن لاستجيب له، لصدق توجهه إلى الله، وإن كان تحري الدعاء عند الوثن شركا. ولو (3) استجيب له على يد المتوسل به، صاحب القبر أو غيره لاستغاثته، فإنه يعاقب على ذلك ويهوي به في النار إذا لم يعف الله عنه، كما لو طلب من الله ما يكون فتنة له. كما أن ثعلبة (4) لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له بكثرة المال، ونهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مرة بعد مرة فلم ينته حتى دعا له، وكان ذلك سبب شقائه في الدنيا والآخرة. وقد " قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليسألني المسألة فأعطيه إياها، فيخرج بها يتأبطها نارا "، فقالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: " يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل» (5) .--------------------------------------------
(1) في (د) : يخطف.
(2) في المطبوعة: بحيث يختلط عقله فيتوله. وتختطف عقله بمعنى: تستلبه وتذهبه.
انظر: القاموس المحيط، فصل الخاء، باب الفاء (3 / 139) . ويتأله: أي يتحير أو يتنسك. انظر القاموس المحيط، فصل الهمزة، باب الهاء (4 / 282) ، والمنجد في اللغة (16) : أله. والمعنى هنا والله أعلم: أن المشتغل بهذه الفلسفة تهيمن على عقله وتعمي بصيرته، وتجعله حيران، أو هائما في طريق التعبد والتنسك الخاطئ كتنسك النصارى وبعض المتصوفة والفلاسفة على غير هدى من الله.
(3) في (ب) : ولو كان قد استجيب له.
(4) هو: ثعلب بن حاطب بن عمرو بن عبيد بن أمية بن زيد الأنصاري الأوسي، وقيل: ثعلبة بن أبي حاطب رضي الله عنه، صحابي، وممن شهد بدرا، مات في خلافة عثمان رضي الله عنه. انظر: أسد الغابة (1 / 238) .
(5) مسند أحمد (3 / 4، 16) ، كلاهما عن أبي سعيد الخدري، وفيهما اختلاف يسير عن اللفظ الذي أورده المؤلف.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 213)
فكم من عبد دعا دعاء غير مباح، فقضيت حاجته في ذلك الدعاء، وكان سبب هلاكه في الدنيا والآخرة، تارة بأن يسأل ما لا تصلح له مسألته، كما فعل بلعام وثعلبة، وكخلق كثير دعوا بأشياء فحصلت لهم، وكان فيها هلاكهم. وتارة بأن يسأل على الوجه الذي لا يحبه الله كما قال سبحانه: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55] (1) فهو سبحانه لا يحب المعتدين في صفة (2) الدعاء، ولا في المسؤول، وإن كانت حاجتهم قد تقضى، كأقوام ناجوا الله في دعواتهم بمناجاة فيها جرأة على الله، واعتداء لحدوده، وأعطوا طلبتهم فتنة، ولما يشاء سبحانه، بل أشد من ذلك.
ألست ترى السحر والطلسمات (3) والعين وغير ذلك، من المؤثرات في العالم بإذن الله، قد يقضى (4) بها كثير من أغراض النفوس (5) ومع هذا فقد قال سبحانه: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 102 - 103] (6) .
فإنهم معترفون بأنه لا ينفع في الآخرة، وأن صاحبه خاسر في الآخرة، وإنما يتشبثون بمنفعته في الدنيا. وقد قال تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: 102] (7) .
وكذلك أنواع من الداعين والسائلين قد يدعون دعاء محرما، يحصل معه--------------------------------------------
(1) سورة الأعراف: الآية 55.
(2) صفة: ساقطة من (ط) .
(3) الطلسمات هي: الأشياء المبهمة التي تشبه الألغاز.
(4) في (أ) : يقتضي. وفي المطبوعة: يقضي الله بها.
(5) في المطبوعة زاد: الشريرة.
(6) سورة البقرة: الآيتان 102، 103.
(7) سورة البقرة: من الآية 102.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 214)
ذلك الغرض، ويورثهم ضررا أعظم منه، وقد يكون الدعاء مكروها ويستجاب له أيضا. ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي، وقد لا يعلمه، على وجه لا يعذر فيه بتقصير في طلب العلم، أو ترك للحق، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون فيه مجتهدًا، أو مقلدا، كالمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال، وغير المعذور قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء؛ لكثرة حسناته وصدق قصده، أو لمحض رحمة الله به، أو نحو ذلك من الأسباب.
فالحاصل: أن ما يقع من الدعاء المشتمل على كراهة شرعية (1) بمنزلة سائر أنواع العبادات. وقد علم (2) أن العبادة المشتملة على وصف مكروه قد تغفر تلك الكراهة (3) لصاحبها، لاجتهاده أو تقليده، أو حسناته أو غير ذلك. ثم ذلك لا يمنع أن يعلم أن ذلك مكروه ينهى (4) عنه، وإن كان هذا الفاعل المعين (5) قد زال موجب الكراهة في حقه.
[أثر العبادة والدعاء عند القبور ليس دليلا على استحسانها]
ومن هنا يغلط كثير من الناس، فإنهم يبلغهم أن بعض الأعيان من الصالحين عبدوا عبادة، أو دعوا دعاء، ووجدوا أثر تلك العبادة وذلك الدعاء، فيجعلون ذلك دليلا على استحسان تلك العبادة والدعاء، ويجعلون ذلك العمل سنة، كأنه قد فعله نبي، وهذا غلط، لما ذكرناه. خصوصا إذا كان ذلك العمل إنما كان أثره بصدق قام بقلب فاعله حين الفعل، ثم يفعله الأتباع صورة لا صدقا، فيضرون به (6) لأنه ليس العمل مشروعا فيكون (7) لهم ثواب--------------------------------------------
(1) في (ب) : زاد " قد يغفر تلك الكراهية ".
(2) علم: ساقطة من (أ) .
(3) في (د) : الكراهية.
(4) في (ب) : منهي عنه.
(5) في (د) : للعين.
(6) في المطبوعة: فيضربون به.
(7) في المطبوعة: فلا يكون.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 215)
المتبعين، ولا قام بهم (1) صدق ذلك الفاعل الذي (2) لعله بصدق الطلب وصحة القصد يكفر عن الفاعل.
ومن هذا الباب ما يحكى من آثار لبعض الشيوخ، حصلت في السماع المبتدع، فإن (3) تلك الآثار، إنما كانت عن أحوال قامت بقلوب أولئك الرجال، حركها محرك كانوا في سماعه إما مجتهدين، وإما (4) مقصرين تقصيرا غمره حسنات قصدهم، فيأخذ الأتباع حضور صورة السماع وليس حضور أولئك الرجال سنة تتبع، ولا مع المقتدين (5) من الصدق والقصد ما لأجله عذروا، أو غفر لهم، فيهلكون بذلك.
وكما يحكى عن بعض الشيوخ، أنه رئي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أوقفني بين يديه وقال لي: يا شيخ السوء، أنت الذي كنت تتمثل بسُعدى ولُبنى؟ لولا أني (6) أعلم أنك صادق لعذبتك.
فإذا سمعت دعاء، أو مناجاة مكروهة في الشرع قد قضيت حاجة صاحبها (7) فكثير ما يكون من هذا الباب. ولهذا كان الأئمة، العلماء بشريعة الله، يكرهون هذا من أصحابهم وإن وجد أصحابهم أثره، كما يحكى عن سمنون (8) المحب قال: وقع في قلبي شيء من هذه الآيات، إلى دجلة.--------------------------------------------
(1) في (ب) : به.
(2) في جميع النسخ: سقطت (الذي) وما أثبته من المطبوعة، وهو أنسب للسياق.
(3) في (ج د) : فإنما.
(4) في (ط) : أو مقصرين.
(5) في المطبوعة: وليس مع المقلدين.
(6) أني: سقطت من المطبوعة.
(7) في المطبوعة: فاعلم أن كثيرا منها ما يكون.
(8) في المطبوعة: سحنون. والصحيح (سمنون) كما هو مثبت.
وهو: سمنون بن حمزة الخواص، صوفي شاعر، سمى نفسه سمنون الكذاب! سكن بغداد وتوفي بها سنة (290هـ) . انظر: حلية الأولياء لأبي نعيم (10 / 309، 312) ، (ت 581) ؛ والأعلام للزركلي (3 / 140) ؛ ومجموع الفتاوى للمؤلف (10 / 690، 691، 693) حيث ذكر طرفا من أحواله.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 216)
فقلت: وعزتك لا أذهب حتى يخرج لي حوت. فخرج حوت عظيم، أو كما قال. قال: فبلغ ذلك الجنيد، فقال: كنت أحب أن تخرج إليه حية فتقتله.
وكذلك حكي لنا أن بعض المجاورين بالمدينة، جاء إلى عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاشتهى عليه نوعا من الأطعمة، فجاء بعض الهاشميين إليه، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لك ذلك (1) وقال لك: اخرج من عندنا، فإن من يكون عندنا لا يشتهي مثل هذا. وآخرون قضيت حوائجهم، ولم يقل لهم مثل (2) هذا، لاجتهادهم أو تقليدهم، أو قصورهم في العلم، فإنه يغفر للجاهل ما لا يغفر لغيره، كما يحكى عن برخ العابد (3) الذي استسقى في بني إسرائيل.
ولهذا عامة ما يحكى في هذا الباب، إنما هو عن قاصري المعرفة، ولو كان هذا شرعا ودينا لكان أهل المعرفة أولى به. ولا يقال: هؤلاء لما نقصت معرفتهم ساغ لهم ذلك، فإن الله لم يسوغ هذا لأحد، لكن قصور المعرفة قد يرجى معه العفو والمغفرة.
أما استحباب المكروهات، أو إباحة المحرمات، فلا نفرق بين العفو عن--------------------------------------------
(1) في المطبوعة: إليك هذا.
(2) في (أ) : من هذا.
(3) جاء في كتاب التوابين لابن قدامة (ص 79، 80) ، أنه: أحد عباد بني إسرائيل، طلب منه موسى عليه السلام الاستسقاء، فقال: قدوس قدوس، ما عندك لا يفقد، وخزائنك لا تفنى، وأنت بالبخل لا ترمى، فما هذا الذي لا تعرف به، اسقنا الغيث الساعة الساعة. فانصرفا يخوضان الوحل. نسب ابن قدامة هذه القصة عن ابن البراء في الروضة إلى كعب الأحبار. والله أعلم.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 217)
الفاعل والمغفرة له، وبين إباحة فعله أو المحبة له (1) سواء كان ذلك متعلقا بنفس الفعل، أو ببعض صفاته.
وقد علمت جماعة ممن سأل حاجته من بعض المقبورين (2) من الأنبياء والصالحين. فقضيت حاجته، وهو لا يخرج عما ذكرته، وليس ذلك بشرع (3) فيتبع (4) ولا سنة وإنما يثبت استحباب الأفعال واتخاذها دينا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما كان عليه السابقون الأولون، وما سوى هذه (5) من الأمور المحدثة فلا يستحب، وإن اشتملت أحيانا على فوائد، لأنا نعلم أن مفاسدها راجحة على فوائدها.
ثم هذا التحريم أو الكراهة المقترنة بالأدعية المكروهة، إما من جهة المطلوب، وإما من جهة نفس الطلب، وكذلك الاستعاذة المحرمة أو المكروهة فكراهتها: إما من جهة المستعاذ منه، وإما من جهة نفس الاستعاذة، فينجون من ذلك (6) الشر، ويقعون فيما هو أعظم منه.
أما المطلوب المحرم، فمثل أن يسأل ما يضره في (7) دنياه أو آخرته، وإن كان لا يعلم أنه يضره، فيستجاب له، «كالرجل الذي عاده (8) النبي صلى الله عليه وسلم، فوجده مثل الفرخ فقال: " هل كنت تدعو الله بشيء؟ " قال: كنت أقول: اللهم--------------------------------------------
(1) أي أن العفو عن الفاعل والمغفرة له لا تقتضي إباحة فعله ولا محبته، ما لم يكن فعله مباحا بدليل شرعي معتبر.
(2) في (ط) : لبعض.
(3) في (أ) : الشرع.
(4) في (ط) : متبع.
(5) في المطبوعة: ذلك.
(6) في (ط) : فينجون من الشر.
(7) من هنا حتى قوله: فيستجاب له (سطر تقريبا) : سقط من (أ) .
(8) في (أ) : دعاه.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 218)
ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي (1) في الدنيا. قال: " سبحان الله إنك لا تسطيعه - أو لا تطيقه - هلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار؟» (2) وكأهل جابر بن عتيك (3) لما مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون» (4) .
وقد عاب الله على من يقتصر على طلب الدنيا بقوله: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 200] (5) فأخبر أن من لم يطلب إلا الدنيا لم يكن له في الآخرة من (6) نصيب.--------------------------------------------
(1) لي: سقطت من (أ) .
(2) جاء ذلك في حديث أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء، باب كراهية الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا، الحديث رقم (2688) ، (4 / 2068) ، والترمذي في كتاب الدعوات، الباب (72) ، الحديث رقم (3487) ، (4 / 521 - 522) ، وأحمد في مسنده (3 / 107، 288) .
(3) جاء هذا الاسم لثلاثة من الصحابة ذكرهم ابن حجر في الإصابة منهم: جابر بن عتيك بن الحارث بن هيشة وهذا عاش حتى سنة (61هـ) ، ولم يمت في عهد النبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم، والثاني جابر بن عتيك بن النعمان بن عتيك الأنصاري. والثالث جابر بن عتيك بن قيس بن الأسود بن مري بن كعب الأنصاري السلمي. ولست أدري أيهما الثاني أو الثالث - يعني المؤلف - ولم أجد ما يرجح، كما أني لم أجد أن للحديث هذا صلة بجابر بن عتيك، والله أعلم. انظر: الإصابة (1 / 214 - 215) ، (ت 1030، 1031، 1032) ؛ وأسد الغابة (1 / 258، 259) .
(4) وجدت هذا اللفظ في كثير من كتب السنة، لكن لم أجده مقرونا بموت جابر بن عتيك، وإنما جاء في قصة موت أبي سلمة، وأنه لما مات ضج ناس من أهله فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " لا تدعوا على أنفسكم " الحديث. أخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب إغماض الميت والدعاء له إذا حضر، الحديث رقم (920) ، (2 / 634) .
(5) سورة البقرة: الآية 200.
(6) من: ساقطة من (ب ط) .
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 219)
ومثل أن يدعو على غيره دعاء منهيا عنه، كدعاء بلعم بن باعور على قوم موسى عليه السلام، وهذا قد يبتلى به كثير من العباد أرباب القلوب، فإنه قد يغلب على أحدهم ما يجده من حب أو بغض لأشخاص، فيدعو لأقوام وعلى أقوام بما لا يصلح، فيستجاب له، ويستحق العقوبة على ذلك الدعاء، كما يستحقها على سائر الذنوب، فإن لم يحصل له ما يمحوه، من توبة أو حسنات ماحية، أو شفاعة غيره، أو غير ذلك، وإلا فقد يعاقب، إما بأن يسلب ما كان عنده من ذوق طعم الإيمان ووجود حلاوته، فينزل عن درجته، وإما أن يسلب عمل الإيمان، فيصير فاسقا، وإما بأن يسلب أصل الإيمان، فيصير كافرا منافقا، أو غير (1) منافق.
وما أكثر ما يبتلى بمثل هذا (2) المتأخرون من أرباب الأحوال القلبية، بسبب عدم فقههم في أحوال قلوبهم، وعدم معرفة شريعة الله في أعمال القلوب، وربما غلب على أحدهم حال قلبه، حتى لا يمكنه صرفه عما توجه إليه، فيبقى ما يخرج منه مثل السهم الخارج من القوس. وهذه الغلبة إنما تقع غالبا بسبب التقصير في الأعمال المشروعة، التي تحفظ حال (3) القلب، فيؤاخذ على ذلك، وقد تقع بسبب اجتهاد يخطئ صاحبه، فتقع معفوا عنها.
ثم من غرور هؤلاء وأشباههم، اعتقادهم أن استجابة مثل هذا الدعاء كرامة من الله تعالى لعبده، وليس في الحقيقة كرامة، وإنما تشبه الكرامة من جهة أنها دعوة نافذة، وسلطان قاهر (4) . وإنما الكرامة في الحقيقة: ما نفعت في الآخرة، أو نفعت في الدنيا ولم تضر في الآخرة، وإنما هذا--------------------------------------------
(1) غير: ساقطة من (أ) .
(2) في (أط) : بهذا.
(3) حال: ساقطة من (ط) .
(4) في المطبوعة: من جهة كونها دعوة نافذة وسلطانا قاهرا.
(খণ্ড: 2) (পৃষ্ঠা: 220)