Arabic source text

📘 ইবনে রজব আল-হাম্বলী ওয়া আসারুহু ফী তাওদীহি আকীদাতুস সালাফ (আব্দুল্লাহ বিন সুলাইমান আল-গুফাইলী)

📘 ابن رجب الحنبلي وأثره في توضيح عقيدة السلف (عبد الله بن سليمان الغفيلي)

📘 ইবনে রজব আল-হাম্বলী ওয়া আসারুহু ফী তাওদীহি আকীদাতুস সালাফ (আব্দুল্লাহ বিন সুলাইমান আল-গুফাইলী)

Show
Leave blank for the whole book.
Print / save PDF
وهكذا كان علماء السلف كلهم ملتزمين بما أنزل الله سبحانه وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يحلون حلاله ويحرمون حرامه ولا يتجاوزونه إلى غيره، ويرون أن فيه الصلاح والهدى والخير والسعادة في الدنيا والآخرة، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى ربه عز وجل حتى كمل هذا الدين، فكل ما تحتاج إليه أمته من أمور الدين قد بينه عليه الصلاة والسلام بيانًا شافيًا، ولم يترك لأحد مقالًا فيما للمسلمين إليه حاجة من أمور دينهم، ولم يرو عنه صلى الله عليه وسلم في علم الكلام شيء مما يدل دلالة واضحة على أنه بدعة وضلالة.
يقول ابن عقيل رحمه الله: "وقد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم رائحة الإلحاد من فلتات كلام المتكلمين"(1).
هذا مع أن بطون الكتب حفظت لنا نصوصًا كثيرة في تراجع من اشتغل بعلم الكلام رغم أنهم أمضوا السنوات الطوال بحثًا وتفكيرًا وتأملًا فيه، رغم ذلك عادوا في آخر حياتهم إلى ما عليه السلف، وأوصوا بالبعد عن علم الكلام مما يدل دلالة واضحة على بطلان هذا العلم وما يؤدي إليه من الحيرة والاضطراب، ورجوع من اشتغلوا بعلم الكلام عنه ووصاياهم بالبعد عنه والتمسك بما عليه السلف أمر لا ينكره إلا من هو مكابر ومعاند وغير مريد للحق لأن اعترافاتهم وأقوالهم مسطرة ومنثورة في كتبهم التي ألفوها في آخر حياتهم، وتناقلها العلماء من بعدهم مستدلين بها على صحة منهج السلف وفساد مذهب المتكلمين.
أخرج الخطيب البغدادي بسنده أن الوليد بن أبان الكرابيسي(2) لما--------------------------------------------
(1) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص 85).
(2) الوليد بن أبان الكرابيسي، معتزلي، من علماء الكلام، من أهل البصرة، له مقالات في الاعتزال، مات سنة (214 هـ).
تاريخ بغداد (13/ 441) وسير أعلام النبلاء (10/ 548) والنجوم الزاهرة (2/ 210).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 290)

حضرته الوفاة قال لبنيه: تعلمون أحدًا أعلم بالكلام مني؟ قالوا: لا، قال: فتتهمونني، قالوا: لا، قال: فإني أوصيكم أتقبلون؟ قالوا: نعم، قال: عليكم بما عليه أصحاب الحديث فإني رأيت الحق معهم"(1).
وكان أبو المعالي الجويني إمام الحرمين يقول: "لقد جلت أهل الإسلام جولة وعلومهم وركبت البحر الأعظم وغصت في الذي نهوا عنه كل ذلك في طلب الحق وهربًا من التقليد، والآن فقد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطيف بره فأموت على دين العجائز ويختم عاقبةً أمري عند الرحيل بكلمة الإخلاص فالويل لابن الجويني(2).
وكان يقول لأصحابه: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به.
وممن اشتهر عنه الرجوع إلى مذهب السلف، وذم علم الكلام أبو الفتح الشهرستاني(3) حيث أخبر أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وكان ينشد:
لعمري لقد طفت المعاهد كلها … وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعًا كف حائر … على ذقن أوقار عاسن نادم(4)--------------------------------------------
(1) تاريح بغداد (13/ 441) وتلبيس إبليس لابن الجوزي (ص 84) والنجوم الزاهرة (2/ 210).
(2) تلبيس إبليس لابن الجوزي (ص 84، 85) ومجموع الفتاوى (4/ 73) والروض الباسم لابن الوزير (2/ 14).
(3) أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني من كبار أئمة الأشاعرة، له مؤلفات كثيرة منها: الملل والنحل، نهاية الأقدام في علم الكلام، توفي سنة 548 هـ.
وفيات الأعيان (4/ 273) والعبر (3/ 7) وشذرات الذهب (4/ 149).
(4) انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 159) وشرح العقيدة الطحاوية (ص 228) والروض الباسم لابن الوزير (2/ 15).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 291)

وهؤلاء الذين ذكرت مقالاتهم أتيت بهم للمثال وإلا فهناك غيرهم الكثير والكثير من علماء الكلام الذين تبين لهم أن علم الكلام نهايته الحيرة والاضطراب، وأن الخير كل الخير فيما عليه سلف هذه الأمة عليهم رحمة الله تعالى.
وأخيرًا فإن رجوع هؤلاء الأئمة إلى مذهب السلف الصالح واعترافهم بالحيرة والاضطراب بسبب البعد عن منهج القرآن والسنة لعبرة لطالب الحق، فإن هؤلاء العلماء كلهم قد درسوا علم الكلام، وأفنوا فيه سنوات، وخدعوا ببريقه حينًا من الزمن، ولكنهم رجعوا في النهاية إلى عقيدة السلف الصالح، العقيدة الصافية التي مصدرها كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وفي هذا عبرة وعظة لمن لا يزال يسلك مسلك الخلف وهو مسلك أهل الكلام على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم عله يتوب ويرجع عما هو عليه كما رجع هؤلاء لينال بذلك رضى الله تعالى عليه، وليتختم عمره بالحسنى.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 292)

‌‌الفصل الرابع توحيد الألوهية
ويشتمل على تمهيد وعدة مباحث:
تمهيد.
المبحث الأول: تعريف توحيد الألوهية.
المبحث الثاني: بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها، وفيه عدة مطالب.
المطلب الأول: بيان معنى كلمة إله.
المطلب الثاني: معنى لا إله إلا الله.
المطلب الثالث: فضل لا إله إلا الله.
المطلب الرابع: الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله.
المطلب الخامس: شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 293)

المبحث الثالث: ذكر بعض أنواع العبادة.
تعريف العبادة.
من أنواع العبادة:
الدعاء.
الخوف.
التوكل.
الاستعانة.
الخشوع.
المحبة.
المبحث الرابع: بيانه أن العبادة لا تقبل إلا بشرطين.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 294)

‌‌تمهيد
خلق الله سبحانه وتعالى آدم بيده ثم أنزله إلى هذه المعمورة وأسبغ عليه نعمًا كثيرة لا تعد ولا تحصى وزوده بالعقل والسمع والإرادة حتى يتمكن بواسطتها إدراك ما يلقى إليه من أوامر الله عز وجل ونواهيه، ثم أرسل الله سبحانه وتعالى إلى ذريته من بعده رسلًا من جنسهم يبلغون دين الله، وأنزل عليهم كتبًا تعرفهم بخالقهم وموجودهم وبأمره ونهيه ووعده ووعيده، وقد شاء الله سبحانه وتعالى بحكمته وإرادته أن تكون أمة محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأمم ورسولهم خاتم الأنبياء والرسل وهو محمد صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه كتابًا تبيانًا لكل شيء، وناسخًا لما قبله من الكتب ومهيمنًا عليها وهو القرآن الكريم، وقد ضمنه الله سبحانه وتعالى بيان الغاية العظمى والمقصد الأساسي الذي من أجله خلقهم وأوجدهم في هذه الأرض واستخلفهم فيها ألا وهو عبادته سبحانه وتعالى وإخلاص العبادة له وحده والبراءة من كل معبود سواه وهو ما يسمى بتوحيد العبادة فهو أول واجب على العباد، وهو أصل الدين وأساس شرائع الإسلام، وهو من الدين بمثابة الروح من الجسد، وهو التوحيد الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم، فكان كل رسول يفتتح دعوته لقومه بتوحيد الألوهية كما قال تعالى: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}(1).--------------------------------------------
(1) سورة الأعراف آية (59).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 295)

وقد وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة توجب على العباد أن يفردوا الله بتوحيد العبادة، ويخصوه بها وحده دون سواه.
ولهذا اهتم علماء الإسلام من السلف الصالح رحمهم الله تعالى بهذا النوع من التوحيد وبينوه وأوضحوه لما له من أهمية كبيرة وعاقبة حميدة ومنهم الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى حيث اعتنى بهذا النوع من التوحيد وبينه وأوضحه واهتم به اهتمامًا كبيرًا، وسوف يتبين هذا كله إن شاء الله تعالى في المباحث القادمة التي تشمل على أقواله في ذلك، ولا ريب أن هذا النوع من التوحيد جدير بالعناية والاهتمام بل هو أهم الأمور التي يجب العناية والاهتمام بها.

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 296)

‌‌المبحث الأول تعريف توحيد الألوهية
توحيد الألوهية هو ما يعبر عنه بتوحيد العبادة أو توحيد الطلب والقصد أسماء لمسمى واحد وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بأفعال عباده التي تعبدهم بها بجميع أنواعها باطنها وظاهرها من الصلاة والزكاة والصيام والحج والنحر والنذر والمحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة والدعاء وغير ذلك من أنواع العبادة التي تعبد الله بها خلقه وشرعها لهم.
وبمعنى آخر أي صرف جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، فلا يدعى من دونه أحد من خلقه لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فهو كافر مشرك كما قال تبارك وتعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)}(1).
وهذا النوع من التوحيد هو غاية توحيد الربوبية والأسماء والصفات فإنهما وسيلة إليه وهو الذي من أجله خلقت الخليقة وأرسلت الرسل وأنزلت الكتب وحصل الجدال وشرع الجهاد، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وهو معنى قول لا إله إلا الله.
وقد وردت آيات كثيرة في كتاب الله سبحانه وتعالى توجب على--------------------------------------------
(1) سورة الأنعام آية (162).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 297)

العباد أن يفردوا الله سبحانه وتعالى بتوحيد العبادة ويخصوه بها وحده دون سواه.
بل إن الأمر بالعبادة هو أول أمر في كتاب الله سبحانه وتعالى وهو قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)}(1).
ومن الآيات الدالة على وجوب عبادة الله تعالى قوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)}(2).
وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}(3).
وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا}(4).
وقال تعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (66)}(5).
فهذه الآيات الكريمة تقرر أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة بجميع أنواعها الاعتقادية والقولية والعملية، وليس لأحد سواه كائنًا من كان أي شيء من أنواع العبادة.--------------------------------------------
(1) سورة البقرة آية (21 - 22).
(2) سورة الزمر آية (11 - 15).
(3) سورة الإسراء آية (23).
(4) سورة النساء آية (36).
(5) سورة الزمر آية (66).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 298)

وكما جاءت آيات الكتاب الكريم مبينة لهذا النوع من التوحيد وآمرة به كذلك جاءت السنة المشرفة موضحة ومبينة له وآمرة به.
ومن ذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: "إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإذا أطاعوا بها، فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم"(1).
ومنها حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا. وحق العباد على الله عز وجل أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا"(2).
فهذه الأحايث تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
وقد تكلم ابن رجب رحمه الله تعالى عن هذا النوع من التوحيد وبين أن الغاية العظمى والمقصد الأساسي الذي من أجله خلق الله الخلق وأوجدهم في هذه الأرض هو عبادته سبحانه وتعالى وإخلاص العبادة له وحده والبراءة من كل معبود سواه.--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى (8/ 164).
ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (1/ 51).
(2) أخرجه البخاري: كتاب .. ، باب ما جاء فى دعاء النبى صلى الله عليه وسلم أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى (8/ 164).
ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة (1/ 58).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 299)

يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليعبدوه، ويعرفوه ويخشوه ويخافوه، ونصب لهم الأدلة الدالة على عظمته وكبريائه ليهابوه، ويخافوه خوف إجلال، ووصف لهم شدة عذابه ودار عقابه التي أعدها لمن عصاه، ليتقوه بصالح الأعمال، ولهذا كرر سبحانه وتعالى في كتابه ذكر النار، وما أعده فيها لأعدائه من العذاب والنكال والأغلال. . . وغير ذلك مما فيها من الأهوال والفظائع والعظائم ودعا عباده بذلك إلى خشيته وتقواه، والمسارعة إلى امتثال ما يأمر به ويحبه ويرضاه، واجتناب ما نهى عنه ويكرهه ويأباه، فمن تأمل الكتاب الكريم وأدار فكره فيه وجد من ذلك العجب العجاب، وكذلك السنة الصحيحة التي هي مفسرة ومبينة لمعاني الكتاب، وكذلك سير السلف الصالح أهل العلم والإيمان من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، من تأملها علم أحوال القوم وما كانوا عليه من الخوف والخشية والإخبات وأن ذلك هو الذي رقاهم إلى تلك الأحوال الشريفة والمقامات السنيات، من شدة الاجتهاد في الطاعات والانكفاف عن دقائق الأعمال المكروهات فضلًا عن المحرمات(1).
ويقول أيضًا رحمه الله تعالى: ""فإن الله تعالى خلق الخلق وأوجدهم لعبادته الجامعة لخشيته ورجائه ومحبته كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}(2)(3).
ويقول رحمه الله تعالى أيضًا: فإن الله تعالى خلق الخلق كلهم لعبادته كما قال: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} (2) وأرسل الرسل كلهم للدعوة إلى توحيده وطاعته كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ--------------------------------------------
(1) التخويف من النار (ص 6، 7).
(2) سورة الذاريات آية (56).
(3) استنشاق نسيم الأنس (ص 3).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 300)

قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)}(1) ولما أهبط آدم وزوجته وأسكنهما في الأرض أخذ عليهما أن من أطاعه من ذريتهما واتبع رسله كان من السعداء، ومن أعرض عن ذلك كان من الأشقياء كما قال تعالى: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)}(2) وقال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)}(3)(4).
فقد أوضح ابن رجب رحمه الله في كلامه السابق أن الحكمة التي من أجلها خلق الله تبارك وتعالى الجن والإنس هي عبادته سبحانه وتعالى وحده دون سواه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}(5) قال: إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم … ومعنى الآية أنه تبارك وتعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم(6).--------------------------------------------
(1) سورة الأنبياء آية (25).
(2) سورة البقرة الآيتان (38، 39).
(3) سورة طه الآيتان (123، 124).
(4) الاستخراج لأحكام الخراج (ص 149 - 150).
(5) سورة الذاريات آية (56).
(6) تفسير ابن كثير (4/ 238).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 301)

‌‌المبحث الثاني بيان معنى لا إله إلا الله وفضلها وشروطها
وفيه عدة مطالب:

‌‌المطلب الأول بيان معنى كلمة إله
أله في اللغة معناه: عبد.
والإله: هو المعبود.
يقال أله يأله بالفتح فيهما بمعنى عبد يعبد.
قال ابن فارس: الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد فالإله الله تعالى، وسمي بذلك لأنه معبود، ويقال: تأله الرجل إذا تعبد(1).
وقال الزجاج: معنى قولنا: "إله" إنما هو الذي يستحق العبادة وهو المستحق لها دون سواه(2).
وقال ابن جرير الطبري: أله بمعنى عبد، والإله مصدره من قول القائل: آله الله فلان إلاهة كما يقال: عبد الله فلان عبادة(3).--------------------------------------------
(1) معجم مقاييس اللغة (1/ 127).
(2) تفسير أسماء الله الحسنى (ص 26).
(3) تفسير ابن جرير الطبري (1/ 54).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 302)

وقال الفيروزأبادي:(1) أله يأله ألهة وتالهًا كعبد يعبد عبادة وتعبدًا(2).
بهذا يتضح لنا أن لفظة (إله) مأخوذة من التأله وهو التعبد ومعناه المعبود المطاع سواء كان بحق أو بغير حق، فكل ما عبد بأي نوع من أنواع العبادات ولو كان المعبود جمادًا فهو إله عند عابده كما قال تعالى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ}(3).
ولكن هذا اللفظ غلب على المعبود بحق وهو الله سبحانه وتعالى يقول الزمخشري(4): والإله من أسماء الأجناس كالرجل والفرس اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق …(5).
وأما لفظ الجلالة (الله) فلا يطلق إلا على المعبود بحق وهو الله سبحانه وتعالى، فهو مختص به عز وجل ولا يطلق على غيره(6).--------------------------------------------
(1) هو مجد الدين أبو الطاهر محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم بن عمر الفيروزأبادي اللغوي، الأديب، ولي قضاء اليمن، وكان من العلماء الفضلاء، له مصنفات كثيرة منها "القاموس المحيط، وبصائر ذوي التمييز"، توفي سنة 817 هـ. بغية الوعاة (1/ 273) وشذرات الذهب (7/ 126) والبدر الطالع (2/ 280).
(2) بصائر ذوي التمييز (2/ 14).
(3) سورة هود آية (101).
(4) محمود بن عمر بن محمد الزمخشري، أبو القاسم، كبير المعتزلة، وهو رأس في البلاغة والعربية والمعاني والبيان، وهو داعية إلى الاعتزال، له مؤلفات أظهر فيها هذا المذهب منها: الكشاف في التفسير، توفي سنة 538 هـ.
الأنساب (6/ 297) ووفيات الأعيان (5/ 168) وبغية الوعاة (2/ 279).
(5) الكشاف (1/ 36).
(6) انظر: لسان العرب (13/ 469).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 303)

وقد بين ابن رجب رحمه الله تعالى أن الإله الحق الذي يجب أن يطاع فلا يعصى هو الله سبحانه وتعالى فقال: "الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا ورجاء، وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه ودعاءًا له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله عز وجل"(1).
وقال أيضا رحمه الله تعالى: فإن الإله هو المعبود الذي يطاع فلا يعصى خشية وإجلالًا ومهابة ومحبة ورجاء وتوكلًا ودعاء، والمعاصي قادحة كلها في هذا التوحيد، لأنها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان قال الله عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}(2).
كما أشار رحمه الله تعالى إلى أن الإله قد يطلق على الهوى المتبع فقال: وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع(3).
قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (2) قال: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبه.
وقال قتادة(4): هو الذي كلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه. لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى(5) … ويشهد لذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد--------------------------------------------
(1) كلمة الإخلاص (ص 23).
(2) سورة الجاثية آية (23).
(3) جامع العلوم والحكم (2/ 129).
(4) قتادة بن دعامة بن قتادة بن عزيز السدوسي أبو الخطاب البصري الحافظ، المحدث المفسر، كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، توفي سنة 118 هـ رحمه الله تعالى.
الجرح والتعديل (7/ 133) ووفيات الأعيان (4/ 85) وسير أعلام النبلاء (5/ 269).
(5) أخرجه بنحوه ابن جرير الطبري في تفسيره (25/ 150).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 304)

القطيفة(1) تعس عبد الخميصة(2) تعس وانتكس وإذا شيك(3) فلا انتقش"(4) فدل هذا على أن كل من أحب شيئًا وأطاعه وكان غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله، وعادى لأجله، فهو عبده، وكان ذلك الشيء معبوده وإلهه.
ويدل عليه أيضًا أن الله تعالى سمى طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ}(5) وقال تعالى حاكيًا عن خليله إبراهيم عليه السلام لأبيه: {يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)}(6) فمن لم يتحقق بعبودية الرحمن وطاعته فإنه يعبد الشيطان بطاعته له، ولم يخلص من عبادة الشيطان إلا من أخلص عبودية الرحمن(7).
فالتفسير الصحيح لكلمة الإله هو المألوه والمعبود المطاع، ولا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.
وبهذا يتبين لنا خطأ المتكلمين ومن سار على نهجهم الذين يفسرون--------------------------------------------
(1) القطيفة: هي كساء له خمل: أي الذي يعمل لها ويهتم بتحصيلها. النهاية لابن الأثير (4/ 84).
(2) الخميصة: هي ثوب خز أو صوف معلم، وقيل لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا، وجمعها الخمائص. النهاية لابن الأثير (2/ 80، 81).
(3) شيك: أي إذا أصابته شوكة لا يقدر على انتقاشها، وهو إخراجها بالمنقاش. النهاية لابن الأثير (2/ 510).
(4) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله (4/ 222).
(5) سورة يس آية (60).
(6) سورة مريم آية (44).
(7) كلمة الإخلاص (ص 25 - 27).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 305)

الإله بأنه الخالق والقادر على الاختراع، أو شبه ذلك من معاني الربوبية فجعلوا الألوهية بمعنى الربوبية.
وهذا التفسير لا شك أنه تفسير خاطىء مخالف للغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ويؤدي إلى إغفال حقيقة التوحيد الذي من أجله أرسلت الرسل وأنزلت الكتب وخلق الله الخلق ألا وهو توحيد العبادة الذي ضل فيه كثير من الناس خصوصًا في هذا العصر.
يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن معنى الإله هو المعبود المطاع فيقول: وهذا كثير جدًا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود خلافًا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق أو القادر على الاختراع أو نحو هذه العبارات، ويظنون أنهم إذا قالوها بهذا المعنى، فقد أتوا من التوحيد بالغاية القصوى، ولو فعلوا ما فعلوا من عبادة غير الله … وما شعروا أن إخوانهم من كفار العرب يشاركونهم في هذا الإقرار، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر على الاختراع، ويعبدونه بأنواع من العبادات … فإن قيل: فما الجواب عن قول من قال: بأن معنى الإله القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة؟ قيل الجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة اللغة، وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا القول باطلًا.
الثاني: على تقدير تسليمه، فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له أن يكون خالقا قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك، فليس بإله حتى وإن سمي إلهًا، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 306)

دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أراد ذالك فهو مخطىء يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية(1).--------------------------------------------
(1) تيسير العزيز الحميد (ص 76 - 81).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 307)

‌‌المطلب الثاني معنى لا إله إلا الله
بعد ما تبين لنا في المبحث الأول معنى الإله وأن المعنى الحق (للإله) هو المعبود والمطاع اذكر ما قاله ابن رجب رحمه الله في معنى لا إله إلا الله حيث قد بين معناها بيانًا شافيًا.
فقال رحمه الله تعالى: معنى لا إله إلا الله لا يؤله غيره حبًا ورجاءً وخوفًا وطاعة، فإذا تحقق القلب بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه ومن كان كذلك لم تنبعث جوارحه إلا بطاعة الله(1).
وقال أيضًا رحمه الله تعالى: فإن تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالًا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيمًا وتوكلًا ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفى بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها ووسواس الشيطان(2).
ويقول أيضًا: لا يصح تحقيق معنى قول لا إله إلا الله إلا لمن لم يكن في قلبه إصرار على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا--------------------------------------------
(1) جامع العلوم والحكم (3/ 168).
(2) المصدر السابق (2/ 146).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 308)

يريده الله، ومتى كان في القلب شيء من ذلك كان ذلك نقصًا في التوحيد(1).
فـ (لا إله إلا الله) تعني إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة وحده لا شريك له، والبراءة من كل معبود سواه، فهي كلمة الإخلاص وعنوان التوحيد ولا يتم إيمان أي عبد بدون تحقيق معناها والعمل بمدلولها.--------------------------------------------
(1) جامع العلوم والحكم (2/ 147).

(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 309)