المطلب الثالث فضل لا إله إلا الله
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: كلمة التوحيد لها فضائل عظيمة لا يمكن هاهنا استقاؤها، فلنذكر بعض ما ورد فيها:
1 - فهي كلمة التقوى كما قال عمر رضي الله عنه من الصحابة، وهي كلمة الإخلاص وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك. . . ولأجلها خلق الحلق كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}(1) ولأجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)}(2) وقال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)}(3).
2 - . . . وهي ثمن الجنة. . . وجاء مرفوعًا: ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة(4).
3 - وهي نجاة من النار: سمع النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنًا يقول: "أشهد أن لا--------------------------------------------
(1) سورة الذاريات آية (56).
(2) سورة الأنبياء آية (25).
(3) سورة النحل آية (2).
(4) أخرجه أحمد (5/ 233) وأبو داود: كتاب الجنائز، باب التلقين (3/ 486) والحاكم (1/ 351) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 310)
إله إلا الله" فقال: "خرج من النار" أخرجه مسلم(1).
4 - وهي توجب المغفرة: وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يومًا: "ارفعوا أيديكم وقولوا: لا إله إلا الله فرفعنا أيدينا ساعة ثم وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم قال: الحمد لله اللهم بعثتني بهذه الكلمة، وأمرتني بها، ووعدتني بها الجنة وإنك لا تخلف الميعاد، ثم قال: أبشروا فإن الله قد غفر لكم"(2).
5 - وهي أحسن الحسنات: قال أبو ذر: قلت يا رسول الله علمني بعمل يقربني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: "إذا عملت سيئة فاعمل حسنة، فإنها عشر أمثالها، قلت يا رسول الله لا إله إلا الله من الحسنات؟ قال: هي أحسن الحسنات"(3).
6 - … وكذلك ترجح بصحائف الذنوب كما في حديث السجلات والبطاقة(4) وقد خرجه أحمد، والنسائي، والترمذي أيضا من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم.--------------------------------------------
(1) صحيح مسلم: كتاب الصلاة، باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر إذا سمع فيهم الأذان (1/ 288).
(2) أخرجه أحمد (4/ 124) قال الهيثمي في المجمع (10/ 81) رواه أحمد وفيه راشد بن داود وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.
(3) أخرجه أحمد (5/ 169) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص 133) وقد صححه السيوطي في الجامع الصغير (1/ 31) والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (3/ 361).
(4) حديث البطاقة هو حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله سيخلص رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا كل سجل مد البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر، فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنة، فإنه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 311)
7 - وهي التي تخرق الحجب حتى تصل إلى الله عز وجل: وفي الترمذي … عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصًا إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر"(1).
8 - وهي التي ينظر الله إلى قائلها، ويجيب دعاءه، خرج النسائي(2) في كتاب "اليوم والليلة" من حديث رجلين من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما قال عبد قط لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مخلصا بها روحه مصدقا بها قلبه لسانه، إلا فتق له (أبواب) السماء، حتى ينظر الله إلى قائلها، وحق لعبد نظر الله إليه أن يعطيه سؤاله".
9 - وهي الكلمة التي يصدق الله قائلها: كما أخرج النسائي--------------------------------------------
= ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء".
أخرجه أحمد (2/ 213) وابن ماجه: كتاب الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (2/ 1437) والترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله (5/ 24) وقال: هذا حديث حسن غريب. والحاكم (1/ 529) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.
(1) سنن الترمذي كتاب الدعوات (5/ 575) وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وصححه السيوطي في الجامع الصغير (2/ 147) والألباني كما في صحيح الجامع (2/ 987).
(2) عمل اليوم والليلة (ص 155)، ورجال إسناده ثقات إلا محمد بن عبد الله بن ميمون، ويعقوب بن عاصم، قال ابن حجر في كل منهما "مقبول".
انظر: تقريب التهذيب (ص 306)، (386).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 312)
والترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال العبد: لا إله إلا الله والله أكبر، صدقه ربه، وقال: لا إله إلا أنا وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد قال الله: لا إله إلا أنا، لي الملك ولي الحمد، وإذ قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله: لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي وكان يقول: "من قالها في مرضه، ثم مات لم تطعمه النار"(1).
10 - وهي أفضل ما قاله النبيون كما ورد في دعاء يوم عرفة(2).
11 - وهي أفضل الذكر كما في حديث جابر المرفوع: "أفضل الذكر لا إله إلا الله"(3) ....--------------------------------------------
(1) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما يقول العبد إذا مرض (5/ 492) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل لا إله إلا الله (2/ 1246) وابن حبان كما في موارد الظمآن (578) والنسائي في عمل اليوم والليلة (ص 151) والحاكم (1/ 5) وقال: هذا حديث صحيح ووافقه الذهبي.
(2) وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" أخرجه مالك في الموطأ (1/ 422) والترمذي: كتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة (5/ 572) والبغوي في شرح السنة (7/ 157) وقال الألباني بعد أن ذكر هذا الحديث وما له من شواهد: وجملة القول: أن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد.
سلسلة الأحاديث الصحيحة (4/ 8).
(3) أخرجه الترمذي: كتاب الدعوات، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة (5/ 462) وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجه: كتاب الأدب، باب فضل الحامدين (2/ 1249) والحاكم (1/ 498) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 313)
12 - وهي أفضل الأعمال وأكثرها تضعيفًا، وتعدل عتق الرقاب، وتكون حرزًا من الشيطان: كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مئة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مئة حسنة، ومحي عنه مئة سيئة، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك"(1).
وفيهما أيضًا عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل"(2). . .
13 - ومن فضائلها أنها تفتح لقائلها أبواب الجنة، ويدخل من أيها شاء كما في حديث عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن أتى بالشهادتين بعد الوضوء، وقد خرجه مسلم(3).
وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق، أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء"(4). . .--------------------------------------------
(1) و(2) صحيح البخاري: كتاب الدعوات، باب فضل التهليل (7/ 167) وصحيح مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (4/ 2071).
(3) صحيح مسلم: كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء (1/ 210) ولفظه: "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ويدخل من أيها شاء".
(4) صحيح البخاري: كتاب الأنبياء، باب قوله عز وجل: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ} (4/ 139) وصحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (1/ 57).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 314)
14 - ومن فضائلها أن أهلها وإن دخلوا النار بتقصيرهم في حقوقها فإنهم لابد أن يخرجوا منها: وفي الصحيحين عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: "لا إله إلا الله"(1)(2) … وقال رحمه الله تعالى أيضًا: … فأما كلمة التوحيد فإنها تهدم الذنوب وتمحوها محوًا، ولا تبقي ذنبًا ولا يسبقها عمل وهي تعدل عتق الرقاب الذي يوجب العتق من النار … ومن قالها مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار"(3).
هذه بعض فضائل لا إله إلا الله التي ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى، ولو تتبعنا فضائل هذه الكلمة لصارت في مجلد كبير، فهي سند متين ومستمسك قوي لمن جاء يوم القيامة بها مستكملًا لشروطها وعاملًا بمقتضاها.--------------------------------------------
(1) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (8/ 202) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (1/ 184).
(2) كلمة الإخلاص (ص 52) وما بعدها بتصرف يسير.
(3) لطائف المعارف (ص 228).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 315)
المطلب الرابع الجمع بين أحاديث تدل على أنه يحرم على النار من قال لا إله إلا الله، وأخرى تدل على أنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله
سبق في المبحث السابق بيان فضائل كلمة التوحيد لا إله إلا الله والتي دلت عليها الأحاديث الكثيرة الواردة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا أن بعض هذه الأحاديث ظاهرها التعارض في مدلولاتها وهي كما يلي:
1 - أحاديث تدل على أن من أتى بالشهادتين يحرم على النار ومنها حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال عند موته: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار"(1).
فيؤخذ من هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث أن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله".
2 - أحاديث تدل على أنه من قال: لا إله إلا الله يخرج من النار ومنها حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار--------------------------------------------
(1) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (1/ 58).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 316)
من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير … "(1) الحديث.
فظاهر هذا الحديث وما جاء في معناه من الأحاديث يدل على أن من يقول لا إله إلا الله يدخل النار بسبب ذنوبه ثم يخرج منها ويدخل الجنة وهو يتعارض مع ظاهر أحاديث القسم الأول التي تدل على أن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله.
وقد تناول ابن رجب رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال رحمه الله بعد أن ذكر جملة من هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض "وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها. وأحاديث هذا الباب نوعان:
أحدهما: ما فيه أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ولم يحجب عنها.
الثاني: ما فيه أنه يحرم على النار(2).
ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك أجوبة(3) أهل العلم في هذه الأحاديث وهي تتلخص في الأقوال التالية:
1 - منهم من حمل الأحاديث التي فيها أنه يحرم على النار، على أن المراد بالتحريم تحريم الخلود فيها أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى، فإن الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، ورحمة أرحم الراحمين، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول بعد أن ذكر النوع الثاني--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه (1/ 16) ومسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (1/ 182).
(2) كلمة الإخلاص (ص 12).
(3) انظر هذه الأجوبة في كلمة الإخلاص (12 - 21) وفي جامع العلوم والحكم (2/ 142 - 146).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 317)
من أنواع هذه الأحاديث وهو: ما فيه أنه يحرم على النار قال: وهذا قد حمله بعضهم على الخلود فيها، أو على نار يخلد فيها أهلها وهي ما عدا الدرك الأعلى فأما الدرك الأعلى يدخله خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين، وبرحمة أرحم الراحمين وفي الصحيحين أن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي لأخرجن من النار من قال: لا إله إلا الله"(1) .... ا. هـ.
2 - قول الذين قالوا أن هذه الأحاديث وما في معناها، كانت قبل نزول الفرائض والحدود وممن قال بهذا الزهري والثوري وغيرهما وهؤلاء منهم من يقول أن هذه الأحاديث منسوخة، وقد أشار ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا وبين أنه قول بعيد فقال: "وقد ذهب طائفة إلى أن هذه الأحاديث المذكورة أولًا وما في معناها كانت قبل نزول الفرائض والحدود ومنهم الزهري والثوري وغيرهما، وهذا بعيد جدًا، فإن كثيرًا منها كان بالمدينة بعد نزول الفرائض والحدود، وفي بعضها أنه كان في غزوة تبوك، وهي في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء منهم من يقول في هذه الأحاديث إنها منسوخة ومنهم من يقول: هي محكمة، ولكن ضم إليها شرائط، ويلتفت هذا إلى أن الزيادة على النص: هل هي نسخ أم لا؟ والخلاف في ذلك بين الأصوليين مشهور، وقد صرح الثوري وغيره بأنها منسوخة، وأنه نسخها الفرائض والحدود" ا. هـ.
قلت: وقد ضعف ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى القولين السابقين ووصفها بأنها تأويلات مستكرهة مخالفة لما هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام فقال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر بعض الأحاديث الواردة في--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 315).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 318)
الشهادتين: "وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، حتى ظنها بعضهم منسوخة، وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار وأول بعضهم الدخول بالخلود وقال: المعنى لا يدخلها خالدًا، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة، فإن الشارع صلوات الله وسلامه عليه لم يجعل ذلك حاصلًا بمجرد قول اللسان فقط، فإن هذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لأن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها في الدرك الأسفل من النار"(1) اهـ.
3 - قول من قال أن ذلك خاص بمن قال: لا إله إلا الله وتاب توبة نصوحًا، فلم يأت بذنوب تنقص توحيده وتذهب بكماله ومات على ذلك فإنه يدخل الجنة ابتداء، ومن كان خلاف ذلك فهو تحت المشيئة وهو قول الإمام البخاري رحمه الله تعالى وجماعة من أهل العلم، فقد قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى بعد أن ذكر حديث أبي ذر(2): "هذا عند الموت أو قبله إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله … ويؤكد ذلك ما قاله في كتاب الجنائز حيث قال: باب في الجنائز ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله(3) … قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قيل أشار بهذا -أي البخاري- إلى ما رواه أبو داود والحاكم … عن معاذ بن جبل--------------------------------------------
(1) مدارج السالكين (1/ 330).
(2) حديث أبي ذر في الصحيحين ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق (قالها ثلاثًا) ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر".
أخرجه البخاري: كتاب اللباس، باب الثياب البيض (7/ 43) ومسلم: كتاب الإيمان (1/ 95).
(3) صحيح البخاري (2/ 69).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 319)
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"(1)(2) ....
وقال في موضع آخر: وحاصل ما أشار إليه -أي البخاري- أن الحديث محمول على من وحد ربه ومات على ذلك تائبًا من الذنوب التي أشير إليها في الحديث(3) فإنه موعود بهذا الحديث بدخول الجنة ابتداء … وأما من تلبس بالذنوب المذكورة ومات من غير توبة، فظاهر الحديث أنه أيضًا داخل في ذلك، لكن مذهب أهل السنة أنه في مشيئة الله تعالى، ويدل عليه حديث عبادة بن الصامت في كتاب الإيمان فإن فيه: "ومن أتى شيئًا من ذلك فلم يعاقب به فأمره إلى الله تعالى إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه"(4) وهذا المفسر مقدم على المبهم(5).
ولم يشر ابن رجب رحمه الله تعالى إلى هذا القول في معرض ذكره لأجوبة أهل العلم في هذه المسألة.
4 - ومنهم من قال أن الشهادتين سبب لدخول الجنة ولكن لابد من العمل لأن لا إله إلا الله هي المفتاح والأعمال هي الأسنان، ولا فائدة من مفتاح لا أسنان له، وكذلك لا تفيد لا إله إلا الله إلا مع--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 310).
(2) فتح الباري لابن حجر (3/ 109).
(3) تقدم الحديث بالصفحة السابقة.
(4) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان (1/ 10) ومسلم: كتاب الحدود (3/ 1333) من حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا … " الحديث.
(5) فتح الباري لابن حجر (10/ 283).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 320)
الأعمال الصالحة، وممن قال بهذا القول الحسن البصري ووهب بن منبه(1) رحمهم الله تعالى.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى في بيان هذا القول: "وقالت طائفة من العلماء: المراد من هذه الأحاديث أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، ومقتض لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع، وهذا قول الحسن ووهب بن منبه، وهو الأظهر.
قيل للحسن: إن ناسًا يقولون: من قال لا إله إلا الله دخل الجنة؟ فقال: من قال: لا إله إلا الله، فأدى حقها وفرضها دخل الجنة. وقال وهب بن منبه لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك" ا. هـ(2).
وقد رجح ابن رجب رحمه الله تعالى هذ القول ويدل على ترجيحه لذلك قوله السابق: "وهو الأظهر" كما يدل على ذلك قوله عقب هذا القول أيضا: "ويدل على صحة هذا القول أن النبي صلى الله عليه وسلم رتب دخول الجنة على الأعمال الصالحة في كثير من النصوص كما في الصحيحين عن أبي--------------------------------------------
(1) وهب بن منبه بن كامل بن سيج الأنباري الصنعاني، أبو عبد الله التابعي، الثقة، له معرفة بأخبار الأوائل وخاصة الإسرائيليات ولي قضاء صنعاء وكان ذا عبادة وزهد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فيه: "كان ممن يأخذ عن أهل الكتاب، فهذا لا يجوز تصديقه ولا تكذيبه إلا بحجة، توفي سنة 114 هـ.
تذكرة الحفاظ (1/ 53) والبداية والنهاية (9/ 276) ومجموع الفتاوى (13/ 345) وتهذيب التهذيب (11/ 166).
(2) ذكره البخاري في صحيحه معلقًا (2/ 69).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 321)
أيوب أن رجلًا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة فقال: "تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم"(1).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"، فقال الرجل: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئا، ولا أنقص منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"(2).
… فإذا علم أن عقوبة الدنيا لا ترفع عمن أدى الشهادتين مطلقًا، بل يعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإسلام، فكذلك عقوبة الآخرة(3).
5 - وهو قول الذين قالوا: إن هذه الأحاديث المطلقة قد جاءت مقيدة في أحاديث أخرى والتي تفيد بأن ذلك لمن يقولها بصدق ويقين وإخلاص.
قال ابن رجب رحمه الله: وقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار على معصيته" ا. هـ(4).
وابن رجب رحمه الله تعالى قد شرح هذا القول مما يدل على أنه--------------------------------------------
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب فضل صلة الرحم (7/ 72) ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة (1/ 43).
(2) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان الذي يدخل الجنة (1/ 44).
(3) كلمة الإخلاص (ص 15، 19).
(4) جامع العلوم والحكم (2/ 144).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 322)
يرجحه أيضًا بل أنه يعتبره قولًا موافقًا للذي قبله حيث يقول: ولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عنه من قبل إلى هنا فإن تحقق القلب بمعنى: لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها، يقتضي أن يرسخ فيه تأله الله وحده إجلالا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاء وتعظيما وتوكلًا. ويمتلىء بذلك وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريد الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس، وإرادتها ووسواس الشيطان … إلى أن قال رحمه الله: "فتبين بهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه حرمه الله على النار"(1) وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فلقلة صدقه في قولها فإن هذه الكلمة إذا صدقت طهرت القلب من كل ما سوى الله، فمن صدق في قول: لا إله إلا الله لم يجب سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من إيثار نفسه وهواه، ومتى بقي في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها"(2).
والقولان الأخيران هما أحسن ما قيل في معنى هذه الأحاديث وهما في الحقيقة متفقان لا اختلاف بينهما، وهما اللذان مال إليهما ابن رجب ورجحهما لأن من قال: لا إله إلا الله بصدق وإخلاص ويقين يقتضي ذلك منه فعل الطاعات واجتناب المحرمات.
وهذا ما رجحه الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله تعالى حيث قال بعد أن ذكر جملة من الأحاديث الواردة في ذلك: "وأحسن ما قيل في معناها ما قاله شيخ--------------------------------------------
(1) تقدم تخريجه (ص 316).
(2) جامع العلوم والحكم (2/ 145 - 148).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 323)
الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة، وقالها خالصًا من قلبه مستيقنًا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين. فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك … وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين لا يتركون ذنبًا إلا يمحى كما يمحو الليل النهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به من الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجع بها ميزان الحسنات كما في حديث البطاقة فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته ومات مصرًا على ذلك، فإنه يستوجب النار وإن قال: لا إله إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده فإنه في حال قولها كان مخلصًا لكنه أتى بذنوب أوهنت التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون مصرًا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة وإنما يخاف على المخلص أن يأتي بسيئات راجحة تضعف
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 324)
إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات(1).
فقول لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة من النار ولكن لابد للسبب من وجود شروطه وانتفاء موانعه وهو ما سيتضح في المبحث القادم إن شاء الله تعالى.--------------------------------------------
(1) تيسير العزيز الحميد (ص 86 - 89) ولمزيد من التفاصيل عن هذه الأحاديث وأقوال العلماء فيها. انظر شرح مسلم للنووي (1/ 217) وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر (3/ 110).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 325)
المطلب الخامس شروط الانتفاع بـ (لا إله إلا الله)
رأيت من المناسب أن أذكر في هذا المبحث الشروط(1) التي ذكرها العلماء رحمهم الله للانتفاع بقول لا إله إلا الله، والحصول على ثوابها والفضل الذي ورد فيها والتي تبين أن هذا الفضل لا يحصل بمجرد اللفظ بهذه الكلمة بدون هذه الشروط التي استنبطها العلماء رحمهم الله تعالى من الكتاب والسنة وهي:
1 - العلم بمعنى هذه الكلمة المراد منها نفيًا وإثباتًا، المنافي للجهل كما قال الله تبارك وتعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}(2) وقال تعالى: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)}(3).
وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة"(4).--------------------------------------------
(1) لخصت هذه الشروط من: معارج القبول (1/ 378) والجامع الفريد (ص 356) والكواشف الجلية عن معاني الواسطية (ص 29).
(2) سورة محمد آية (19).
(3) سورة آل عمران آية (18).
(4) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (1/ 55).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 326)
2 - اليقين المنافي للشك أي باستيقان القلب بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا، وانتفاء الشك المعارض له، لأن الإيمان لابد أن يكون عن علم يقين لا علم الظن كما قال تعالى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}(1) وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15)}(2) فاشترط في صدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يشكوا كما أخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة"(3). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة: "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة"(4) فمن نطق بالشهادة موقنًا بأنه لا يستحق العبادة سوى الله سبحانه وتعالى وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله إلى الناس كافة، وأن ما جاء به حق لا شك فيه، كان من أهل الجنة عاجلًا أو آجلا.
ثالثًا: القبول لما اقتضته هذه الكلمة (لا إله إلا الله) من إفراد الله بالعبادة، ونفيها عمن سواه، فلا يرد شيئا مما دلت عليه لميل في نفسه أو مجاملة لغيره، وقد ذكر الله تبارك وتعالى لنا من أنباء ما قد سبق من انجائه لمن قبلها، وانتقامه ممن ردها وأباها كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا--------------------------------------------
(1) سورة الزخرف آية (86).
(2) سورة الحجرات آية (15).
(3) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (1/ 56).
(4) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا (1/ 60).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 327)
مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)}(1).
وقال تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)}(2).
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا فكان منها نقية، قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"(3).
الرابع: الانقياد لما تضمنته هذه الكلمة ظاهرًا وباطنًا قال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى}(4) وقال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)}(5).
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره لهذه الآية: يقسم الله تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في--------------------------------------------
(1) سورة الروم آية (47).
(2) سورة يونس آية (103).
(3) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب فضل من علم وعمل (1/ 28) ومسلم: كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم (2282).
(4) سورة لقمان آية (22).
(5) سورة النساء آية (65).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 328)
جميع الأمور فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا، ولهذا قال: "ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا" أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، ويناقدون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة كما ورد في الحديث: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به"(1)(2).
فتمام الانقياد وغايته أن تكون رغبة العبد وفق ما تضمنته كلمة (لا إله إلا الله) وتبعا لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
خامسًا: الصدق بقولها وبما دلت عليه، صدقًا ينبع من قلب منافيا للكذب، قال تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33)}(3).
جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "في قوله تعالى: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} أي: يقول: من جاء بـ لا إله إلا الله وصدق به" يعني رسوله(4).--------------------------------------------
(1) هذا الحديث ذكره النووي رحمه الله تعالى في الأربعين النووية وهو الحديث الحادي والأربعون وقال: حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح، وعقب ابن رجب رحمه الله تعالى على هذا القول بقوله: قلت: تصحيح هذا الحديث بعيد جدًا من وجوه، ثم قال بعد ذكر هذه الوجوه: وأما معنى الحديث من الأوامر والنواهي وغيرها فيحب ما أمر به ويكره ما نهى عنه، وقد ورد في القرآن بمثل هذا في غير موضع.
جامع العلوم والحكم (3/ 220).
(2) تفسير ابن كثير (1/ 520).
(3) سورة الزمر آية (33).
(4) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (24/ 3) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص 135).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 329)