إليهم، ومع ذلك فقد كان العلماء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويصدعون بالحق بل كانت لهم مواقف في وجوه السلاطين جعلت هؤلاء السلاطين يخشون العلماء ويرهبون جانبهم، ومن ذلك موقف الظاهر بيبرس(1) من العز بن عبد السلام(2) فقد كان يرهبه ويخضع لنصيحته ولذا لما مات العز بن عبد السلام رحمه الله قال الظاهر بيبرس: "ما استقر ملكي إلا الآن"(3).
كما كان للإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى وغيرهم من العلماء مواقف مشرفة تدل على الجرأة والثبات في قول الحق.
وكان إلى جانب هؤلاء العلماء الأبطال الذين وقفوا في وجه الباطل غير عابئين بما يلاقونه في سبيل كلمة الحق نجد آخرين لهم مواقف مغايرة سببها الحاجة أو حب الدنيا، ومن ذلك ما ذكره السيوطي عن بعض هؤلاء العلماء حيث قال: "من غريب ما رأيت على كراريس من تسهيل الفوائد بخط الشيخ جمال الدين بن مالك صورة قصة رفعها الفقير إلى رحمة ربه محمد بن مالك يقبل الأرض ويهنئ السلطان أيد الله--------------------------------------------
(1) هو بيبرس العلائي البندقداري الصالحي، الملك الظاهر، كان شجاعًا يباشر الحروب بنفسه، وله الوقائع الهائلة مع التتار والإفرنج وله فتوحات عظيمة، توفي في دمشق سنة 676 هـ.
البداية والنهاية (13/ 260) والأعلام (2/ 79).
(2) هو عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي، الدمشقي عز الدين الملقب بسلطان العلماء. قال الذهبي: برع في الفقه والأصول والعربية ودرس وأفتى وصنف وبلغ رتبة الاجتهاد، توفي سنة 660 هـ.
العبر (3/ 299) وطبقات الشافعية لابن هداية (222).
(3) انظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة (2/ 95) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص 31).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 42)
جنوده، أنه أعرف أهل زمانه بعلوم القراءات والنحو واللغة، وفنون الأدب، وأمله أن يعينه سلطان السلاطين، ومبيد الشياطين خلَّد الله ملكه، وجعل المشارق والمغارب -على ما هو بصدده من إفادة المستفيدين والمسترشدين- بصدقة تكفيه هم عياله، وتغنيه عن التسبب في صلاح حاله، وقد نفع الله بهذه الدولة الظاهرية الناصرية خصوصًا وعمومًا وكشف بها عن الناس أجمعين غمومًا ولمّ بها شعث الدين ما لم يكن ملمومًا، فمن العجائب أن يكون المملوك من مرتدي خياراتها، وعن يمين عنايتها غائبًا محرومًا مع أنه من ألزم المخلصين للدعاء بدوامها، وأقوم المواليد بمراعاة زمامها لا برحت أنوارها زاهرة، وسيوف أنصارها قاهرة ظاهرة، وأياديها مبذولة موفورة وأعاديها مخذولة مقهورة"(1).
وقد كان ابن رجب رحمه الله من العلماء العاملين الذين لم يتزلفوا إلى الحكام ويقفوا بأبوابهم، وإنما كان منقطعًا عنهم لا يتردد إليهم ولا يقبل هباتهم منشغلًا بالعلم والتعليم ودفع الأمة إلى ما كان عليه سلفها الصالح ولا غرو في ذلك فهو تلميذ ابن قيم الجوزية تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يعد بحق علمًا شامخًا في تاريخ الأمة الإسلامية ومفخرة عظيمة للمسلمين وموسوعة علمية نهل منها كل طالب ما يريد.
الطبقة الثالثة: طبقة عامة الناس من زراع وتجار وصناع فهذه الطبقة كانت مغلوبة على أمرها يعيشون في الفقر، وكانت الحالة الاقتصادية من أسوأ ما يكون حيث مرت على البلاد الإسلامية في تلك الأيام نوبات من القحط والمجاعة حتى أن الناس أكلوا ما وجدوا من الجمادات والحيوانات والميتات وباعوا أولادهم وأهليهم(2)، وكانت تقع عليهم--------------------------------------------
(1) حسن المحاضرة (2/ 96) وما بعدها.
(2) انظر: البداية والنهاية لابن كثير (14/ 290) وحسن المحاضرة (2/ 292).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 43)
معظم المظالم من ضرائب ومكوس، وهؤلاء هم الذين عصفت بهم التيارات المنحرفة ونشطت بهم الطرق الصوفية.
الأمر الثاني: الأوبئة والأمراض التي تعرض لها المجتمع:
لم تسلم البلاد في عهد المماليك من الأوبئة والأمراض الفتاكة التي كان لها أثر بالغ على النفوس، أدى ذلك إلى موت الآلاف من الناس وقلة الأيدي العاملة لأن عدم التحكم في مياه النيل كان يترتب عليه فساد الزراعة وقلة المحاصيل وبالتالي انتشار المجاعات المصحوبة بالأمراض والأوبئة ومن تلك الأوبئة والمجاعات: الطاعون الذي وقع سنة 749 هـ وما أصاب الناس في تلك السنة من أثره منقطع النظير حتى أنه إذا ما حل في أهل بيت من البيوت لا يكاد يخرج منه حتى يقضي عليهم بل إن هذا الوباء قد عم أقاليم الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصفه: "وتواترت الأخبار بوقوع البلاء في أطراف البلاد فذكر عن بلاد القرم أمر هائل وموتان فيهم كثير، ثم ذكر أنه انتقل إلى بلاد الفرنج حتى قيل أن أهل قبرص مات أكثرهم أو يقارب ذلك، وكذلك وقع بغزة أمر عظيم، وقد جاءت مطالعة نائب غزة إلى نائب دمشق أنه مات من يوم عاشوراء إلى مثله من شهر صفر نحو من بضعة عشر ألفًا. . . . . . وفي هذا الشهر أيضًا كثر الموت في الناس بأمراض الطواعين وزاد الأموات كل يوم إلى مئة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا وقع في أهل بيت لا يكاد يخرج منه حتى يموت أكثرهم. . . . . وقد توفي في هذه الأيام من هذا الشهر خلق كثير وجم غفير، ولاسيما من النساء، فإن الموت فيهن أكثر من الرجال بكثير كثير، وشرع الخطيب في القنوت بسائر الصلوات والدعاء برفع الوباء من المغرب ليلة الجمعة سادس شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وحصل للناس بذلك خضوع وخشوع وتضرع وإنابة، وكثرت الأموات في هذا
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 44)
الشهر جدًا، وزادوا على المائتين في كل يوم، فإنا لله وإنا إليه راجعون(1).
وزاد الأمر أنه في يوم الاثنين ثاني عشر من شهر رجب جاءهم ريح شديدة أظلمت الدنيا منه ولقي الناس منه تعبًا شديدًا وهرعوا إلى المساجد يدعون الله ويستغفرونه يقول ابن كثير رحمه الله تعالى في وصف هذه الريح: "وفي يوم الاثنين ثاني عشرة بعد أذان الظهر حصل بدمشق وما حولها ريح شديدة أثارت غبارًا شديدًا اصفر الجو منه ثم اسود حتى أظلمت الدنيا، وبقي الناس في ذلك نحوا من ربع ساعة يستجيرون الله ويستغفرون ويبكون مع ما هم فيه من شدة الموت الذريع، ورجا الناس أن هذا الحال يكون ختام ما هم فيه من الطاعون، فلم يزدد الأمر إلا شدة، وبالله المستعان، وبلغ المصلى عليهم في الجامع الأموي إلى نحو المائة والخمسين، وأكثر من ذلك، خارجًا عمن لا يؤتى بهم إليه من أرجاء البلد وممن يموت من أهل الذمة، وأما حواضر البلد وما حولها فأمر كثير، يقال إنه بلغ ألفًا في كثير من الأيام، فإنا لله وانا إليه راجعون"(2).
كما أنه في سنة 762 هـ كثرت المستنقعات من فيض النيل في الديار المصرية فانتشرت الأمراض والأوجاع وغلت الأسعار لقلة من يتعاطى الأشغال(3).
وفي سنة 765 هـ حلت بالبلاد موجة من الجراد أتلفت المحاصيل الزراعية فغلت الأسعار واستمر الفناء، وكثر الضجيج والبكاء، وحل بهم الهم والغم(4).--------------------------------------------
(1) البداية والنهاية لابن كثير (14/ 237).
(2) المصدر السابق (14/ 239).
(3) انظر: البداية والنهاية (14/ 290).
(4) المصدر السابق (14/ 294).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 45)
وقد انتشرت الأمراض والأوبئة في جميع أرجاء البلاد فما أن يتنفس الناس الصعداء مما هم فيه من بلاء إلا ويحل بهم أمر آخر، والله غالب على أمره وله في أفعاله حكم لا يعلمها إلا هو عز وجل، وهو سبحانه وتعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}(1).--------------------------------------------
(1) سورة الرعد آية (11).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 46)
المبحث الثالث الحالة العلمية
خالفت الحالة العلمية كلًّا من الحالة السياسية والاجتماعية فقد كان هذا القرن تقريبًا من القرون الذهبية من الناحية العلمية، ذلك أن العصر المماليكي بشكل عام شهد حركة علمية نشطة ويرجع هذا النشاط إلى عدة عوامل هي:
1 - وفود العلماء إلى مصر والشام حيث أن كثيرًا منهم يمم إلى هذه البلاد فرارًا من الزحف التتري المغولي الذي أوقع بالناس الكثير من البلاء والأذى وصنوف التعذيب والتقتيل، وليس بأدل على ذلك ما حدث ببغداد على أيدي التتار، فرأى كثير من العلماء أن مصر والشام خير حمّى لهم، إليها يفرون وإلى رحابها يلجأون.
2 - تعظيم السلاطين والأمراء لأهل العلم والعلماء وتشجيعهم للنشاط العلمي حيث أن المماليك عرفوا أن العلم سياج الدولة فقربوا العلماء وأجزلوا لهم العطاء وأنزلوهم من أنفسهم المكانة اللائقة بهم وبمراكزهم، وهذه الحفاوة التي لقيها العلماء من الحكام رغبت الكثير من أبناء الشعب على طلب العلم والسعي في تحصيله عن حب وإخلاص لكي يصل الأواخر منهم إلى ما وصل إليه الأوائل.
3 - شعور العلماء بواجبهم وتنافسهم في أدائه لأنه لما حطم التتار بغداد وأبادوا العلماء وكتبهم، رأى العلماء في مصر والشام أنهم أمام مسؤولية ضخمة تقتضي منهم القيام بواجبهم في نشر الدين وتجديد
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 47)
العلم، وإحياء ما أبادته أيدي الغزاة الغاشمين فقاموا بذلك قيامًا مشكورًا وسعوا إليه سعيًا حميدًا، فكانت حركة إحياء علمية جليلة وكان بينهم في هذا المجال تنافس شديد في ميدان العلم والتعليم.
هذه الأسباب أدت إلى حركة علمية نشطة فانتشرت المدارس العلمية وملئت المساجد بحلقات التدريس بشكل عام.
ومن أبرز هذه المدارس في مصر: المدرسة الناصرية التي أمر بإنشائها السلطان زين الدين كتبغا(1) ولكنه خلع قبل إتمامها وعاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى ملك مصر فأمر بإتمامها فتمت سنة 703 هـ(2).
ومن أبرز المدارس في الشام: المدرسة الشريفية الحنبلية وقفها شيخ الحنابلة بدمشق شرف الإسلام عبد الوهاب(3) بن أبي الفوج الحنبلي الفقيه، وممن درس بهذه المدرسة الحافظ زين الدين بن رجب رحمه الله تعالى(4).
أما المساجد التي كانت فيها حلقات العلم والتعليم فمن أبرزها:
1 - جامع عمرو بن العاص في مصر وهو أول مسجد أسس بديار--------------------------------------------
(1) هو كتبغا بن عبد الله المنصوري زين الدين، الملقب بالملك العادل من ملوك المماليك البحرية في مصر والشام، توفي سنة 702 هـ. الأعلام (5/ 219).
(2) انظر: حسن المحاضرة (2/ 265) وخطط المقريزي (3/ 346).
(3) العلامة الواعظ شرف الإسلام أبو القاسم عبد الوهاب بن أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي شيخ الحنابلة بالشام بعد والده ورئيسهم، وهو واقف المدرسة الحنبلية بدمشق، توفي سنة 536 هـ.
العبر (2/ 451) وطبقات المفسرين للداوودي (1/ 368).
(4) انظر: الدارس في تاريخ المدارس (2/ 64) ومنادمة الأطلال (234).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 48)
مصر بعد الفتح بمدينة الفسطاط سنة 21 هـ وكان هذا الجامع بمثابة الجامعة التي يتلقى فيها طلاب العلم جميع فنون العلم وقد ذكر المقريزي(1) في الخطط أن شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصائغ(2) أدرك بجامع عمرو بن العاص بمصر قبل الوباء الكائن في سنة 749 هـ بضعًا وأربعين حلقة لإقراء العلم لا تكاد تبرح منه(3).
2 - الجامع الأموي بدمشق الذي بناه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك(4) وهو أعظم جوامع دمشق.
قال النعيمي(5): وذكر إبراهيم بن الليث الكاتب في رسالة: وقد أفضيت إلى جامعها فشاهدت ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ولا الرائي أن يعرفه، وجملة ذلك أنه بكر الدهر ووحيد الدهر، ونادرة الأوان وأعجوبة الزمان، وغريبة الأوقات وعجيبة الساعات، ولقد أبقت أمية ذكرًا--------------------------------------------
(1) أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم المقريزي، الإمام المحدث المؤرخ، له عدة مؤلفات منها: الخطط وتجريد التوحيد، توفي سنة 845 هـ.
الضوء اللامع (2/ 21) والبدر الطالع (1/ 79).
(2) شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن علي الصائغ، برع في الفقه والعربية والأدب، وله تصانيف في فنون مختلفة، توفي سنة 777 هـ.
حسن المحاضرة (1/ 471).
(3) الخطط للمقريزي (3/ 125).
(4) الوليد بن عبد الملك بن مروان الأموي، أحد خلفاء بني أمية، تولى الخلافة بعد أبيه سنة 86 هـ، كثرت في عهده الفتوحات، وكان يكرم طلاب العلم، توفي سنة 97 هـ.
سير أعلام النبلاء (4/ 347).
(5) عبد القادر بن محمد بن عمر أبو المفاخر النعيمي، مؤرخ دمشق وأحد محدثيها، ألف كتبًا كثيرة منها: الدارس في تاريخ المدارس، توفي سنة 927 هـ.
شذرات الذهب (8/ 153).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 49)
ما يدرس، وخلفت أثرًا لا يخفى ولا يدرس(1).
وكانت تدرس في هذه المدارس والمساجد مختلف أنواع المعارف في مقدمتها التفسير والفقه والحديث والنحو والصرف وغير ذلك من علوم الدين واللغة، وقد تخرج من هذه المراكز علماء وفقهاء كانت لهم مؤلفات قيمة، وذخيرة علمية عظيمة تعتبر موسوعات علمية في مختلف العلوم والفنون.
ومن أعلام ذلك العصر البارزين على سبيل المثال لا الحصر شيخ الإسلام ابن تيمية المتوفى سنة (728 هـ) ومؤرخ الإسلام شمس الدين الذهبي المتوفى سنة (748 هـ) وابن قيم الجوزية المتوفى سنة (751 هـ) والحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي المتوفى سنة (774 هـ) وغيرهم ممن عرفوا بسعة انتاجهم وأصالته وأثروا التراث الإسلامي بكثير من مؤلفاتهم وعلومهم، إلا أننا رغم هذه النهضة العلمية الواسعة يجب أن لا نغفل أنه في هذا العصر استولت فيه عدة أوهام، وأحاطت به جملة معتقدات لا تتفق ومذهب السلف، وذلك بسبب البطش والجبروت والقلاقل التي سبقت حياة ابن رجب، فالصوفية قد انتشرت بطرقها بل وأصبحت لها مكانة في المجتمع ودليل ذلك اعتبار الخوانق(2) والربط من دور التعليم، وكذلك المؤولة قد انتشروا من جهمية ومعتزلة وأشاعرة ورافضة وغيرهم من الفرق المخالفة لأهل السنة.--------------------------------------------
(1) الدارس في تاريخ المدارس (2/ 371، 413) ومنادمة الأطلال (357).
(2) الخوانق مفردها خانقاه: وهي كلمة فارسية معناها المعبد أو البيت الذي ينقطع فيه الصوفية للذكر والعبادة وتجري عليهم الأرزاق فيها وهي حدثت في الإسلام حوالي سنة 400 هـ.
انظر: الخطط للمقريزي (3/ 399، 400) والعصر المماليكي في مصر والشام (ص 410).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 50)
وقد عاش الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في غمرة هذه الأحداث السياسية والاجتماعية والعلمية، وكان لكل ذلك أثره المباشر في تكوين شخصيته حيث نجده بعيدًا عن التقلبات السياسية الكثيرة مؤثرًا الانصراف إلى تلقي العلوم ومجالسة العلماء ومن ثم التدريس والتأليف.
وكان للحياة الثقافية الزاهرة في دمشق ما يدعوه إلى الاهتمام بعلوم الشريعة والعناية بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم حيث نشأ وتعلم -كما سيأتي فيما بعد- على شيوخ وعلماء عصره البارزين في علوم الشريعة المختلفة، فاستطاع أن يأخذ من كل هؤلاء ويبرز علمًا من أعلام المسلمين في ذلك العصر في علوم مختلفة رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 51)
الفصل الثاني حياة ابن رجب الشخصية
ويشتمل على المباحث التالية:
المبحث الأول: اسمه ونسبه.
المبحث الثاني: كنيته ولقبه.
المبحث الثالث: مولده.
المبحث الرابع: شهرته.
المبحث الخامس: أسرته.
المبحث السادس: أخلاقه وصفاته.
المبحث السابع: وفاته.
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 53)
المبحث الأول اسمه ونسبه (1)
هو الإمام الحافظ زين الدين عبد الرحمن ابن الشيخ الإمام المقرئ--------------------------------------------
(1) مصادر ومراجع ترجمته:
يمكن تقسيم ما وقفت عليه من المصادر والمراجع التي ترجمت للحافظ ابن رجب الحنبلي إلى قسمين، مطبوعة، ومخطوطة:
القسم الأول: المصادر والمراجع المطبوعة:
1 - الرد الوافر لابن ناصر الدين (ت 842 هـ): 106.
2 - إنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر (ت 852 هـ): (3/ 176).
3 - الدرر الكامنة لابن حجر (ت 852 هـ): (2/ 427، 428).
4 - لحظ الألحاظ لابن فهد المكي (ت 871 هـ): 180.
5 - الدليل الشافي على المنهل الصافي لابن تغري (874 هـ): (1/ 398).
6 - المقصد الأرشد لابن مفلح (ت 884 هـ): (2/ 81).
7 - الجوهر المنضد لابن عبد الهادي (ت 909 هـ): 46.
8 - ذيل تذكرة الحفاظ للسيوطي (ت 911 هـ): 367.
9 - طبقات الحفاظ للسيوطي (ت 911 هـ): 536.
10 - الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (ت 927 هـ): (2/ 76).
11 - الشهادة الزكية لمرعي الكرمي (ت 1033 هـ): 49.
12 - كشف الظنون لحاجي خليفة (ت 1067 هـ): (1/ 59، 79) (2/ 1097، 1400).
13 - شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (ت 1089 هـ): (6/ 339).
14 - صلة الخلف بموصول السلف للروداني (ت 1094 هـ): 276.
15 - البدر الطالع للشوكاني (ت 1250 هـ): (1/ 328).
16 - السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة لابن حميد (ت 1295 هـ): (197). =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 55)
المحدث شهاب الدين أحمد ابن الشيخ الإمام المحدث أبي أحمد رجب(1) عبد الرحمن بن الحسن(2) بن محمد بن أبي البركات مسعود السلامي(3)--------------------------------------------
= 17 - التاج المكلل لصديق حسن خان (ت 1307 هـ): 325.
18 - إيضاح المكنون لإسماعيل باشا (ت 1339 هـ): (1/ 122، 355).
19 - هدية العارفين لإسماعيل باشا (ت 1339 هـ): (1/ 527).
20 - الرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني (ت 1345 هـ): 147.
21 - منادمة الأطلال لابن بدران (ت 1346 هـ): 236.
22 - مختصر طبقات الحنابلة للشطي (ت 1379 هـ): 71، 72.
23 - الأعلام للزركلي (ت 1395 هـ): (4/ 67).
24 - فهرس الفهارس لعبد الحي بن عبد الكبير الكتاني: (2/ 636).
25 - معجم المؤلفين لعمر كحالة: (5/ 118).
26 - معجم المؤرخين الدمشقيين لصلاح الدين المنجد: 218.
27 - المستدرك على معجم المؤلفين لعمر كحالة: 345.
القسم الثاني: المصادر والمراجع المخطوطة:
1 - التبيان شرح بديعية البيان لابن ناصر الدين (ت 842 هـ): ورقة 159.
2 - تاريخ ابن قاضي شهبة (ت 851 هـ): (140/ أ).
3 - المنهل الصافي لابن تغري بردي (ت 874 هـ): (2/ 197/ أ).
4 - المنهج الأحمد للعليمي (ت 928 هـ): ورقة 470، 471.
(1) وهم ابن فهد رحمه الله تعالى في لحظ الألحاظ (ص 180) حيث جعل الاسم الواحد اسمين فقال: رجب بن عبد الرحمن، والصواب أن رجب لقب عبد الرحمن، وقد تبعه على هذا الوهم الدكتورة أمينة الجابر في رسالتها للدكتوراه "ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية" (ص 37).
(2) جميع المصادر تذكر الحسن إلا المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد لابن مفلح (2/ 81) والدارس في تاريخ المدارس للعليمي (2/ 76) والرسالة المستطرفة للكتاني (ص 147). فإنها تذكر الحسين بدل الحسن.
(3) قال السمعاني رحمه الله تعالى: السلامي بفتح السين المهملة واللام ألف المخففة وفي آخرها الميم. هذه النسبة إلى رجل وموضع.
أما الرجل فهو منسوب إلى بني سلامان وهو بطن من قضاعة، وفيهم كثرة من الصحابة فمن بعدهم. . . =
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 56)
البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي(1).--------------------------------------------
= وأما المنسوب إلى موضع فهو مدينة السلام بغداد. . . الأنساب (7/ 208).
(1) الدرر الكامنة (2/ 428) والرد الوافر (ص 106) والتبيان لشرح بديعية البيان (ص 159) ولحظ الألحاظ (ص 180) وذيل تذكرة الحفاظ (ص 367) والمقصد الأرشد (2/ 81) والدارس في تاريخ المدارس (2/ 76) والرسالة المستطرفة (ص 147).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 57)
المبحث الثاني كنيته ولقبه
كنيته المشهور بها: "أبو الفرج".
وقد كناه ابن تغري بردي(1) بأبي العباس(2) ولكن المشهور أن هذه كنية أبيه وليس كنية له.
وأما لقبه المشهور به فهو: "زين الدين".
ولقبه ابن العماد الحنبلي: "زين الدين وجمال الدين"(3) ولقبه ابن فهد(4)(5) وابن تغري بردي(6) بشهاب الدين، والمشهور أن هذا لقب أبيه.--------------------------------------------
(1) جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الظاهري الحنفي، العلامة المؤرخ، له عدة مؤلفات منها: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، الدليل الشافي على المنهل الصافي، توفي سنة 874 هـ.
الضوء اللامع (10/ 305) وشذرات الذهب (7/ 317).
(2) المنهل الصافي (2/ 197).
(3) شذرات الذهب (6/ 339).
(4) محمد بن محمد بن محمد المكي تقي الدين المعروف بابن فهد العلامة المحدث، قال السخاوي: "أكثر من المسموع والشيوخ وجد في ذلك"، توفي سنة 871 هـ.
الضوء اللامع (9/ 281) والبدر الطالع (2/ 259).
(5) لحظ الألحاظ (ص 180).
(6) المنهل الصافي (2/ 197).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 58)
المبحث الثالث مولده
ولد ابن رجب رحمه الله تعالى في بغداد سنة 736 هـ وهذا ما ذكرته أغلب مصادر ترجمته.
وذكر ابن حجر في الدرر الكامنة(1) أنه ولد في سنة 706 هـ، وتبعه على ذلك السيوطي في طبقات الحفاظ(2) وإسماعيل باشا في هدية العارفين(3).
وقد ذهب الدكتور: محمد بن حمود الوائلي في رسالته (ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه) إلى أن القول الأول هو القول الصحيح وذلك للأمور التالية:
1 - ما ذكره ابن العماد في شذرات الذهب فيه "قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة 744 هـ"(4).
وهذا يكشف لنا تاريخ ولادته وأن سنه حين قدم دمشق ثماني سنوات، وهذا يؤيد ما ذكره ابن حجر في إنباء الغمر وهو خلاف ما ذكره في الدرر الكامنة، ولعل سبب اختلاف التاريخين يعود إلى أن ناسخ الدرر--------------------------------------------
(1) الدرر الكامنة (2/ 329).
(2) طبقات الحفاظ (ص 540).
(3) هدية العارفين (1/ 527).
(4) شذرات الذهب (6/ 339).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 59)
أسقط كلمة "الثلاثين" لأنه ليس من المعقول أن يضع ابن حجر لولادة ابن رجب تاريخين متغايرين في كتابيه دون أن يذكر سببًا لذلك.
2 - ما ذكره ابن رجب في كتابه الذيل على طبقات الحنابلة فقد أزال اللبس وكفانا عناء البحث من أنه حضر درس الشيخ شرف الدين أبي محمد فقال: "حضرت درسه وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا"(1) وكان ذلك سنة 741 هـ وبذلك نستطيع القطع بأن مولده كان عام 736 هـ(2).
أقول: ويضاف إلى ما ذكره الدكتور الوائلي للدلالة على صحة أن ولادة ابن رجب رحمه الله سنة 736 هـ الأمور التالية:
1 - أن سنة 706 هـ هو تاريخ ولادة والده أحمد كما جاء ذلك في الرد الوافر(3) والمنهج الأحمد(4).
2 - أن ما ذكره ابن العماد في الشذرات من أنه قدم مع والده من بغداد إلى دمشق سنة 744 هـ وهو صغير، قد ذكره قبله ابن مفلح(5).--------------------------------------------
(1) الذيل على طبقات الحنابلة (2/ 436).
(2) ابن رجب الحنبلي وأثره في الفقه رسالة دكتوراه على الآلة الكاتبة (ص 112، 113).
(3) الرد الوافر (ص 79).
(4) المنهج الأحمد ورقة (471).
(5) برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن مفلح الحنبلي الشيخ الإمام الأصولي المؤرخ المعروف بابن مفلح، له عدة مصنفات منها: المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، الآداب الشرعية، توفي سنة 884 هـ.
الدارس (2/ 59) والضوء اللامع (1/ 152).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 60)
في المقصد الأرشد(1) والعليمي(2) في المنهج الأحمد(3) والنعيمي في الدارس في تاريخ المدارس(4) وهذا يدل على أن صحة ولادته كانت 736 هـ إذ لو كانت ولادته سنة ست وسبعمائة لكان عمره ثمانيًا وثلاثين سنة 744 هـ ومن كان هذا عمره لا يسمى صغيرًا.
3 - أن ابن حجر رحمه الله تعالى ذكر في إنباء الغمر تاريخ ولادته بالحروف وفي الدرر الكامنة بالأرقام، وما كتب بالأرقام عرضة للسقط والسهو من النساخ وغيرهم بخلاف الكتابة بالحروف فالخطأ فيها بعيد مما يدل على صحة ما في إنباء الغمر.
وهذه الأمور كلها تقطع لنا بأن ولادة ابن رجب كانت سنة 736 هـ، وفيها رد على من توقف في تعيين تاريخ لولادة ابن رجب رحمه الله تعالى أو جعل تعيين تاريخ معين لولادته من الأمور العسيرة.
ومنهم الدكتورة أمينة محمد الجابر حيث قالت في مقدمة رسالتها "ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية": فإن بحثي العلمي المتواضع يثبت عدم القطع بتاريخ مولد ابن رجب لعدم وجود مصدر أو قرينة ترجح أي التاريخين أنسب لذكر مولد ابن رجب، وعلى هذا فمن قطع وجزم بتاريخ المولد فهي شبهة علمية ليس عليها دليل(5).--------------------------------------------
(1) المقصد الأرشد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (2/ 81).
(2) عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي العلامة القاضي المؤرخ، له عدة مصنفات منها: المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد، الأنس والجليل بتاريخ القدس والخليل، توفي سنة 928 هـ.
السحب الوابلة (ص 312) ومختصر طبقات الحنابلة للشطي (ص 81).
(3) المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد (471).
(4) الدارس في تاريخ المدارس (2/ 76).
(5) ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية (ص 9).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 61)
بل الأعجب من ذلك أنها وهمت الدكتور الوائلي في قطعه بصحة مولد ابن رجب وجعلت ذلك من الأمور العسيرة حيث قالت: "وعلى هذا فمن العسير عقليًا أمام هذا التعكير القطع بتاريخ مولد ابن رجب وهو الوهن الذي وقع فيه الدكتور الوائلي حيث أنه جعل من رواية ابن رجب "وأنا إذ ذاك صغير لا أحققه جيدًا" دليلًا على ترجيح أنه ولد سنة 736 هـ، ولو قارنها بمقالة ابن رجب عن شيخه صفي الدين أنه أجازه غير مرة لأدرك أن القطع هنا قطع وهمي لا يسعفه علم ولا يسانده مصدر"(1).
وهذا الكلام في الحقيقة من قلب الحقائق والنظر إلى الأمور بخلاف ما هي عليه، لأن ما قاله الدكتور الوائلي هو الحق والصواب الذي يتعين الأخذ به وعدم الالتفات إلى غيره في تاريخ ولادة ابن رجب لوجود القرائن والدلائل التي سبق ذكرها والتي من خلالها نقطع ونجزم بصحة تاريخ ولادة ابن رجب وأنه سنة 736 هـ.--------------------------------------------
(1) ابن رجب الحنبلي وآثاره الفقهية (ص 40).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 62)
المبحث الرابع شهرته
اشتهر زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بـ (ابن رجب الحنبلي)، ورجب هو اسم جده عبد الرحمن، وقيل له رجب لأنه ولد في شهر رجب ونسب إليه الحفيد رحمه الله.
وقد كان هناك من يسمى بابن رجب غيره ومنهم:
1 - والده شهاب الدين بن رجب ويقال له ابن رجب المقرئ، وستأتي ترجمته(1).
2 - أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن رجب الطوخي الشافعي يعرف بابن رجب ولد سنة 847 هـ وتوفي سنة 893 هـ(2).
ولكن غلبت هذه الشهرة عليه رحمه الله تعالى فإذا قيل ابن رجب أو ابن رجب الحنبلي يتبادر إلى الذهن عند العلماء وطلاب العلم أن المراد ابن رجب الحنبلي زين الدين ما لم يكن دليل أو قرينة تدل على أن المراد غيره وهذا يدل على فضله وسمو مكانته التي جعلته يشتهر على من سواه.--------------------------------------------
(1) ترجمته في (ص 65).
(2) الضوء اللامع (2/ 121).
(খণ্ড: 1) (পৃষ্ঠা: 63)